Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:24–25
4:24Страница 82
۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤
И замужние женщины запретны для вас, если только ими не овладели ваши десницы (если только они не стали вашими невольницами). Таково предписание Аллаха для вас. Вам дозволены все остальные женщины, если вы добиваетесь их посредством своего имущества, соблюдая целомудрие и не распутничая. А за то удовольствие, которое вы получаете от них, давайте им установленное вознаграждение (брачный дар). На вас не будет греха, если вы придете к обоюдному согласию после того, как определите обязательное вознаграждение (брачный дар). Воистину, Аллах - Знающий, Мудрый.
ولَمّا ذَكَرَ مُضارَّةَ الجَمْعِ أتْبَعَهُ مُضارَّةَ الإغارَةِ عَلى الحَقِّ؛ والأوَّلُ جَمْعٌ بَيْنَ المَنكُوحَيْنِ؛ وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ النّاكِحَيْنِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى النّائِبِ عَنْ فاعِلِ ”حُرِّمَتْ“:- (p-٢٣٣)﴿والمُحْصَناتُ﴾؛ أيْ: الحَرائِرُ المُزَوَّجاتُ؛ لِأنَّهُنَّ مُنِعَتْ فُرُوجُهُنَّ بِالنِّكاحِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ؛ ﴿مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أزْواجِ أهْلِ الحَرْبِ؛ فَإنَّ المِلْكَ بِالأسْرِ يَقْطَعُ النِّكاحَ.
ولَمّا أتَمَّ ذَلِكَ قالَ - مُؤَكِّدًا لَهُ؛ ومُبَيِّنًا عَظَمَتَهُ -: ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: خُذُوا فَرْضَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكم إيجابَ ما هو مَوْصُولٌ في الشَّيْءِ بِقَطْعِهِ مِنهُ؛ والزَمُوهُ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى غَيْرِهِ؛ وزادَ في تَأْكِيدِهِ بِأداةِ الوُجُوبِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ حِلَّ ما سِواهُ؛ أفْصَحَ بِهِ احْتِياطًا لِلْإيضاحِ؛ وتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِها؛ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ﴾؛ وبَيَّنَ عَظَمَةَ هَذا التَّحْرِيمِ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي ذُكِرَ لَكم مِنَ المُحَرَّماتِ العَظِيمَةِ؛ ولَمّا كانَ الكَلامُ في المَنعِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالفاعِلِ؛ بَلْ قالَ؛ ”حُرِّمَتْ“؛ تَرَفُّقًا في الخِطابِ؛ حَثًّا عَلى الآدابِ؛ فَلَمّا وصَلَ الأمْرُ إلى الحَلِّ أظْهَرَهُ؛ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ؛ وتَأْنِيسًا لِلنُّفُوسِ؛ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ ونافِعٍ؛ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والحاءِ؛ وأبْهَمَهُ في قِراءَةِ الباقِينَ؛ عَلى نَسَقِ ”حُرِّمَتْ“؛ لِأنَّ فاعِلَ الحِلِّ والحُرْمَةِ عِنْدَ أهْلِ هَذا الكِتابِ مَعْرُوفٌ أنَّهُ المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ أصْلًا؛ ثُمَّ أتْبَعَ التَّحْلِيلَ عِلَّتَهُ؛ فَقالَ: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: إرادَةَ أنْ ﴿تَبْتَغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا؛ مُتَّبِعِينَ مَن شِئْتُمْ مِمّا أُحِلَّ لَكُمْ؛ ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾؛ اللّاتِي تَدْفَعُونَها مُهُورًا؛ (p-٢٣٤)حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أيْ: قاصِدِينَ بِذَلِكَ العِفَّةَ لِأنْفُسِكُمْ؛ ولَهُنَّ؛ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾؛ أيْ: قاصِدِينَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ؛ وصَبَّ الماءِ الدّافِقِ لِذَلِكَ فَقَطْ؛ وهو عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ إلّا زِنًا؛ سِرًّا وجَهْرًا؛ فَيَكُونُ فِيهِ حِينَئِذٍ إضاعَةُ المالِ؛ وإهْلاكُ الدِّينِ؛ ولا مَفْسَدَةَ أعْظَمُ مِمّا يَجْمَعُ هَذَيْنِ الخُسْرانَيْنِ.
ولَمّا تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ وأثْناءَها الأمْرُ بِدَفْعِ الصَّداقِ؛ والنَّهْيُ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا دُفِعَ إلى المَرْأةِ؛ وكانَ ذَلِكَ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ أوْ قَبْلَهُ؛ مُسَمًّى أوْ لا؛ قالَ هُنا - مُسَبِّبًا عَنْ الابْتِغاءِ المَذْكُورِ -: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ﴾؛ أيْ: أوْجَدْتُمُ المَتاعَ؛ وهو الِانْتِفاعُ؛ ﴿بِهِ مِنهُنَّ﴾؛ بِالبِناءِ بِها؛ مُتَطَلِّبِينَ لِذَلِكَ مِن وُجُوهِهِ الصَّحِيحَةِ؛ راغِبِينَ فِيهِ؛ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ كامِلَةً؛ وهي المُهُورُ؛ ﴿فَرِيضَةً﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِها واجِبَةً مِنَ اللَّهِ؛ ومُسَمّاةً؛ مُقَدَّرَةً؛ قَدَّرْتُمُوها عَلى أنْفُسِكُمْ؛ ويَجُوزُ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا لِـ ”آتُوا“؛ بِمَصْدَرٍ مِن مَعْناهُ؛ ﴿ولا جُناحَ﴾؛ أيْ: حَرَجَ؛ ومَيْلَ؛ ﴿عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ والأزْواجُ؛ ﴿مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾؛ أيْ: مِن طَلاقٍ؛ أوْ فِراقٍ؛ أوْ زِيادَةٍ؛ أوْ نَقْصٍ؛ إنْ كانَتْ مَوْجُودَةَ؛ مُقَدَّرَةً؛ أوْ مِن مَهْرِ المِثْلِ؛ مِن بَعْدِ تَقْدِيرِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمّاةً فِيمَن عُقِدَ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَداقٍ.
ولَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ أنْواعًا مِنَ التَّكالِيفِ؛ هي في غايَةِ الحِكْمَةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْها في الذِّرْوَةِ العُلْيا مِنَ العَظَمَةِ؛ وخَتَمَها بِإسْقاطِ الجُناحِ عِنْدَ الرِّضا؛ وكانَ الرِّضا أمْرًا باطِنًا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ (p-٢٣٥)حَثَّ عَلى الوَرَعِ في شَأْنِهِ بِنَوْطِ الحُكْمِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ؛ فَقالَ - مُرَغِّبًا في امْتِثالِ أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِمَن يُقَدِّمُ مُتَحَرِّيًا لِرِضا صاحِبِهِ؛ أوْ غَيْرَ مُتَحَرٍّ لِذَلِكَ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يَضَعُ الأشْياءَ في أمْكَنِ مَواضِعِها مِنَ الجَزاءِ عَلى الذُّنُوبِ؛ وغَيْرِهِ.
4:25Страница 82
وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥
Кто не обладает достатком, чтобы жениться на верующих целомудренных женщинах, пусть женится на верующих девушках из числа невольниц, которыми овладели ваши десницы. Аллаху лучше знать о вашей вере. Все вы - друг от друга. Посему женитесь на них с разрешения их семей и давайте им вознаграждение достойным образом, если они являются целомудренными, а не распутницами или имеющими приятелей. Если же после обретения покровительства (замужества) они (невольницы) совершат мерзкий поступок (прелюбодеяние), то их наказание должно быть равно половине наказания свободных женщин. Жениться на невольницах позволено тем из вас, кто опасается тягот или прелюбодеяния. Но для вас будет лучше, если вы проявите терпение, ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.
ولَمّا مَضى ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ الجَلِيلِ؛ عُرِفَ أنَّهُ كُلَّهُ في الحَرائِرِ؛ لِأنَّهُ الوَجْهُ الأحْكَمُ في النِّكاحِ؛ وأتْبَعَهُ تَعْلِيمَ الحِكْمَةِ في نِكاحِ الإماءِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”هَذا حُكْمُ مَنِ اسْتَطاعَ نِكاحَ حُرَّةٍ -: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿طَوْلا﴾؛ أيْ: سَعَةً؛ وزِيادَةً؛ عَبَّرَ فِيما قَبْلَهُ بِالمالِ؛ تَهْوِينًا لِبَذْلِهِ بِأنَّهُ مَيّالٌ؛ لا ثَباتَ لَهُ؛ وهُنا بِالطَّوْلِ؛ الَّذِي مَعْناهُ:“الَّتِي قَلَّ مَن يَجِدُها”؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: لِأنْ ﴿يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾؛ أيْ: الحَرائِرَ؛ فَإنَّ الحُرَّةَ مَظِنَّةُ العِفَّةِ الجاعِلَةِ لَها فِيما هو كالحِصْنِ عَلى مُرِيدِ الفَسادِ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَصُونُونَهُنَّ؛ وهُنَّ يَصُنَّ أنْفُسَهُنَّ عَنْ أنْ يَكُنَّ كالإماءِ؛ ﴿المُؤْمِناتِ﴾؛ بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُؤْنَةِ؛ وغَلاءِ المَهْرِ؛ ﴿فَمِن﴾؛ أيْ: فَلْيَنْكِحْ؛ إنْ أرادَ؛ مِن ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِمّا مَلَكَ غَيْرُكم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾؛ أيْ: إمائِكُمْ؛ وأُطْلِقَتِ الفُتُوَّةُ - (p-٢٣٦)وهِيَ الشَّبابُ - عَلى الرَّقِيقِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ الشّابُّ؛ لِتَكْلِيفِ السَّيِّدِ لَهُ إلى الخِدْمَةِ؛ وعَدَمِ تَوْقِيرِهِ؛ وإنْ كانَ شَيْخًا؛ ثُمَّ وضَّحَ المُرادَ بِالإضافَةِ؛ فَقالَ: ﴿المُؤْمِناتِ﴾؛ أيْ: لا مِنَ الحَرائِرِ الكافِراتِ؛ ولا مِمّا مَلَكْتُمْ مِنَ الإماءِ الكافِراتِ؛ ولا مِمّا مَلَكَ الكُفّارُ؛ حَذَرًا مِن مُخالَطَةِ كافِرَةٍ؛ خَوْفًا مِنَ الفِتْنَةِ - كَما مَضى في“البَقَرَةِ”؛ ولِئَلّا يَكُونَ الوَلَدُ المُسْلِمُ بِحُكْمِ تَبَعِيَّةِ أُمِّهِ في الرِّقِّ مِلْكًا لِكافِرٍ؛ هَذا ما تُفْهِمُهُ العِبارَةُ؛ ولَكِنَّهم قالُوا: إنَّ تَقْيِيدَ المُحْصَناتِ بِالمُؤْمِناتِ لا مَفْهُومَ لَهُ؛ وإلّا لَصارَ نِكاحُ الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ المُباحُ بِآيَةِ“المائِدَةِ”؛ مَشْرُوطًا بِعَقْدِ مُسْلِمَةٍ؛ حُرَّةٍ كانَتْ أوْ أمَةً؛ ولَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ؛ ومَذْهَبُالشّافِعِيِّ أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى حُرَّةٍ كِتابِيَّةٍ؛ والظّاهِرُ أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ النَّدْبُ إلى مُباعَدَةِ الكُفّارِ؛ فَلا يُنْكَحُ مِنهُنَّ إلّا لِضَرُورَةٍ؛ فَكَأنَّ هَذِهِ سُورَةُ المُواصَلَةِ؛ أسْقَطَ فِيها أهْلَ المُباعَدَةِ؛ و“المائِدَةُ”؛ سُورَةُ تَمامِ الدِّينِ؛ فَذَكَرَ فِيها ما يَجُوزُ لِأهْلِهِ؛ فَلا ضَرَرَ في القَيْدِ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ لا يَقْوى لِمُعارَضَةِ المَنطُوقِ مَعَ ما فِيهِ مِن فائِدَةِ النَّدْبِ إلى التَّرْكِ؛ وهَذا كَما أنَّ قَيْدَ الإحْصانِ هُنا لِلنَّدْبِ إلى عَدَمِ نِكاحِ الزَّوانِي؛ مَعَ جَوازِهِ بِآيَةِ“النُّورِ”: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ كَما يَأْتِي بَيانُهُ هُناكَ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى). (p-٢٣٧)ولَمّا شَرَطَ في هَذا النِّكاحِ الإيمانَ؛ وعَبَّرَ فِيهِ بِالوَصْفِ؛ وكانَ أمْرًا قَلْبِيًّا؛ لا يَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا اللَّهُ؛ أعْقَبَهُ بِبَيانِ أنَّهُ يُكْتَفى فِيهِ بِالظّاهِرِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ بِالمَعْلُوماتِ والمَقْدُوراتِ؛ ﴿أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾؛ فَرُبَّما ظَهَرَ ضَعْفُ إيمانِ أحَدٍ؛ والباطِنُ بِخِلافِهِ؛ لَكِنْ في التَّعْبِيرِ بِهِ؛ وبِالوَصْفِ؛ لا بِالفِعْلِ؛ إرْشادٌ إلى مَزِيدِ التَّحَرِّي مِن جِهَةِ الدِّينِ: «“فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ؛ تَرِبَتْ يَداكَ”؛» ولَمّا اشْتُرِطَ الدِّينُ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ:“فالنَّسَبُ؟”؛ فَأُشِيرَ إلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾؛ أيْ: كُلُّكم مِن آدَمَ؛ وإنْ تَشَعَّبْتُمْ بَعْدَهُ؛ ﴿فانْكِحُوهُنَّ﴾؛ أيْ: بِشَرْطِ العَجْزِ؛ ﴿بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾؛ أيْ: مِن مَوالِيهِنَّ؛ ولا يَجُوزُ نِكاحُهُنَّ مِن غَيْرِ إذْنِهِمْ.
ولَمّا كانَ مِمّا لا يَخْفى أنَّ السَّيِّدَ المالِكَ لِلرَّقَبَةِ مالِكٌ لِلْمَنفَعَةِ مِن بابِ الأوْلى؛ كانَ الأمْرُ بِدَفْعِ المُهُورِ إلَيْهِنَّ مُفِيدًا لِنَدْبِ السَّيِّدِ إلى جَبْرِها بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُوهِمَ أنَّها تَمْلِكُهُ؛ وهي لا تَمْلِكُ نَفْسَها؛ فَلِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ وهي المُهُورُ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ ضِرارٍ؛ لا عَلَيْكُمْ؛ ولا عَلَيْهِنَّ؛ ولا عَلى أهْلِهِنَّ؛ حالَ كَوْنِهِنَّ ﴿مُحْصَناتٍ﴾؛ أيْ: عَفائِفَ بِأنْفُسِهِنَّ؛ أوْ بِصَوْنِ المَوالِي لَهُنَّ؛ ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ (p-٢٣٨)؛ أيْ: مُجاهِراتٍ بِالزِّنا لِمَن أرادَ؛ لا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ؛ ﴿ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾؛ أيْ: أخِلّاءَ في السِّرِّ لِلزِّنا؛ مُعَيَّنِينَ؛ لا تَعْدُو ذاتُ الخِدْنِ خِدْنَها إلى غَيْرِهِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وهو - أيْ: الخِدْنُ - الَّذِي يَكُونُ مَعَكَ في كُلِّ ظاهِرٍ وباطِنٍ.
ولَمّا لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيانُ حَدِّ الإماءِ قالَ - مُبَيِّنًا لَهُ -: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ؛ والمَفْعُولِ في قِراءَةِ الباقِينَ؛ أيْ: انْتَقَلْنَ مِن حَيِّزِ التَّعْرِيضِ لِلزِّنا بِالإكْراهِ؛ إلى حَيِّزِ الحَرائِرِ؛ بِأنْ حَفِظْنَ فُرُوجَهُنَّ بِكَراهَتِهِنَّ لِلزِّنا؛ أوْ حِفْظِهِنَّ المَوالِي بِالرِّضا لَهُنَّ بِالعِفَّةِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ في أوائِلِ“الرِّسالَةُ”؛ في آخِرِ“النّاسِخُ والمَنسُوخُ”؛ الَّذِي يَدُلُّ الكِتابُ عَلى بَعْضِهِ؛ والسُّنَّةُ عَلى بَعْضِهِ: إنَّ مَعْنى“أُحْصِنَّ”؛ هُنا: أسْلَمْنَ؛ لا نُكِحْنَ فَأصَبْنَ بِالنِّكاحِ؛ ولا أُعْتِقْنَ؛ وإنْ لَمْ يُصِبْنَ؛ وقالَ: فَإنْ قالَ قائِلٌ:“أراكَ تُوقِعُ الإحْصانَ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ"؛ قِيلَ: نَعَمْ؛ جِماعُ الإحْصانِ أنْ يَكُونَ دُونَ التَّحْصِينِ مانِعٌ مِن تَناوُلِ المُحَرَّمِ؛ فالإسْلامُ مانِعٌ؛ وكَذَلِكَ الحُرِّيَّةُ مانِعَةٌ؛ وكَذَلِكَ التَّزَوُّجُ؛ والإصابَةُ مانِعٌ؛ وكَذَلِكَ الحَبْسُ في البُيُوتِ (p-٢٣٩)مانِعٌ؛ وكُلُّ ما مَنَعَ أحْصَنَ؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]؛ وقالَ: ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤]؛ يَعْنِي: مَمْنُوعَةٍ؛ قالَ: وآخِرُ الكَلامِ وأوَّلُهُ يَدُلّانِ عَلى أنَّ مَعْنى الإحْصانِ المَذْكُورِ عامٌّ في مَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ؛ إذِ الإحْصانُ هَهُنا الإسْلامُ؛ دُونَ النِّكاحِ؛ والحُرِّيَّةِ؛ والتَّحْصِينِ بِالحَبْسِ؛ والعَفافِ؛ وهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَجْمَعُها اسْمُ الإحْصانِ؛ انْتَهى.
﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾؛ ولا تَكُونُ حِينَئِذٍ إلّا عَنْ رِضًا؛ مِن غَيْرِ إكْراهٍ.
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ النِّكاحِ تَغْلِيظُ الحَدِّ؛ فَغُلِّظَ في الحَرائِرِ بِالرَّجْمِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهُ لا تَغْلِيظَ عَلى الإماءِ؛ بَلْ حَدُّهُنَّ بَعْدَهُ هو حَدُّهُنَّ قَبْلَهُ؛ فَقالَ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾؛ أيْ: الحَرائِرِ؛ لِأنَّهُنَّ في مَظِنَّةِ العِفَّةِ؛ وإنْ كُنَّ بِغَيْرِ أزْواجٍ؛ ﴿مِنَ العَذابِ﴾؛ أيْ: الحَدِّ - كَما كانَ ذَلِكَ عَذابَهُنَّ قَبْلَ الإحْصانِ -؛ وهَذا يُفْهِمُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ والمُرادُ هُنا الجَلْدُ؛ لِأنَّ الرَّجْمَ لا يُنْتَصَفُ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ هَذا لِكُلِّ عاجِزٍ عَنِ الحُرَّةِ؟ اسْتُؤْنِفَ جَوابُ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّهُ مِمّا لا يَحْسُنُ قُرْبُهُ -: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: حِلُّ نِكاحِ الإماءِ الَّذِي يَنْبَغِي البُعْدُ مِنهُ؛ ﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ﴾؛ أيْ: الوُقُوعَ في الزِّنا؛ المُوجِبِ لِلْإثْمِ؛ المُقْتَضِي لِلْهَلاكِ (p-٢٤٠)بِالعَذابِ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ بِما عِنْدَهُ مِن عَظِيمِ الدّاعِيَةِ إلى النِّكاحِ؛ ومَشَقَّةِ الصَّبْرِ عَنْهُ؛ قالُوا: وأصْلُ العَنَتِ انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ؛ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الشَّبَقَ الشَّدِيدَ؛ والغِلْمَةَ العَظِيمَةَ قَدْ يُؤَدِّي بِالإنْسانِ إلى الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ؛ أمّا في حَقِّ النِّساءِ فَقَدْ يُؤَدِّي إلى اخْتِناقِ الرَّحِمِ؛ وأمّا في حَقِّ الرِّجالِ فَقَدْ يُؤَدِّي إلى أوْجاعِ الوِرْكَيْنِ والظَّهْرِ؛ ولَمّا كانَ هَذا التَّخْفِيفُ والتَّيْسِيرُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ مِنّا؛ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾
ولَمّا بَيَّنَ إباحَتَهُ؛ وأشارَ إلى البُعْدِ عَنْهُ؛ لِما فِيهِ مِنَ اسْتِرْقاقِ الوَلَدِ؛ صَرَّحَ بِالنَّدْبِ إلى حَبْسِ النَّفْسِ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أيْ: عَنْ نِكاحِهِنَّ؛ مُتَعَفِّفِينَ؛ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أيْ: لِئَلّا تُعَيَّرُوا بِهِنَّ؛ أوْ تُسْتَرَقَّ أوْلادُكم مِنهُنَّ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَأْكِيدِهِ لِذَوِي البَصائِرِ والهِمَمِ في سِياقٍ دالٍّ عَلى رَفْعِ الحَرَجِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أيْ: لِمَن لَمْ يَصْبِرْ؛ والمَغْفِرَةُ تُشِيرُ إلى نَوْعِ تَقْصِيرٍ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: فاعِلٌ بِهِ فِعْلَ الرّاحِمِ مِنكم بِالإذْنِ في قَضاءِ وطَرِهِ؛ واللُّطْفِ فِيما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ المَحْذُورِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии