Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Фуссилят 41:50–54
41:50Страница 482
وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنَّا مِنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّجِعۡتُ إِلَىٰ رَبِّيٓ إِنَّ لِي عِندَهُۥ لَلۡحُسۡنَىٰۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٠
Если Мы дадим ему вкусить милость от Нас после того, как его коснется несчастье, то он непременно скажет: «Вот это - для меня, и я не думаю, что настанет Час. Если же я буду возвращен к моему Господу, то у Него для меня обязательно будет уготовано наилучшее». Мы непременно поведаем неверующим о том, что они совершили, и дадим им вкусить жестокие мучения.
ولَمّا دَلَّ ذَلِكَ عَلى عَظِيمِ جَهْلِهِ وغَلَبَةِ أفْكارِهِ الرَّدِيئَةِ عَلى عَقْلِهِ، أتْبَعُهُ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَهُ بَعْدَ هَذا اليَأْسِ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ بِلُزُومِ الشَّرِّ وامْتِناعِ حُصُولِ الخَيْرِ أنَّهُ لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ بَغْتَةً مِن وجْهٍ لا يَرْجُوهُ، ولَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ عَلى ما دَوامَها وانْصِرامِها لَعادَ إلى البَطَرِ والكِبْرِ والأشَرِ، ونَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ، فَقالَ مُسْنِدًا إلى نَفْسِهِ الخَيْرَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الشَّرَّ، ولَمْ يُسْنِدْهُ إلَيْهِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ مُعَبِّرًا بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ (p-٢١٨)تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جَلِيلِ التَّدْبِيرِ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ﴾ أيِ الإنْسانُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ حالَةُ الأُنْسِ بِنَفْسِهِ حَتّى أسْفَلَتْهُ عَنْ أبْناءِ جِنْسِهِ إلى رُتْبَةِ الحَيَواناتِ العُجْمِ بَلْ دُونَها.
ولَمّا أخْبَرَ آخِرَ الآيَةِ السّالِفَةِ عَنْ حالِهِ عِنْدَ الشَّرِّ، قَدَّمَ هُنا ضِدَّهُ عَلى صِلَتِهِ اهْتِمامًا بِهِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ نِعْمَةً عَظِيمَةً دَلَّتْ عَلى إكْرامِهِ مِن جِهَةٍ لا يَرْجُوها، وهو مِن فائِدَةِ التَّعْبِيرِ بِأداةِ الشَّكِّ، ودَلَّ بِإثْباتِ الجارِّ عَلى انْفِصالِها عَنِ الضُّرِّ مَعَ قُرْبِ زَمانِها مِنهُ لِيَكُونَ قَدْ جَمَعَ مُباشَرَةَ الأحْوالِ الثَّلاثِ: الِانْتِقامُ والإكْرامُ وما بَيْنَهُما مِنَ الوَسَطِ الَّذِي بَيْنَ حالَتَيِ الرِّضا والسُّخْطِ، ثُمَّ شَرَعَ بَيانَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ أيْ مِحْنَةٍ وشِدَّةٍ عَظِيمَةٍ ﴿مَسَّتْهُ﴾ فَطالَ بَرُوكُها عَلَيْهِ؛ وأجابَ القَسَمَ لِتَقَدُّمِهِ عَلى الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ بِمُجَرَّدِ ذَوْقِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ عَلى أنَّها رُبَّما كانَتْ بَلاءً عَظِيمًا لِكَوْنِها اسْتِدْراجًا إلى الهَلاكِ: ﴿هَذا﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ ﴿لِي﴾ أيْ مُخْتَصٌّ بِي لِما لِي مِنَ الفَضْلِ، لا مُشارَكَةَ لِأحَدٍ مَعِي فِيهِ مَعَ أنَّهُ ثابِتٌ لا يَتَغَيَّرُ انْتِقالًا مِن حالَةِ اليَأْسِ إلى حالَةِ الأمْنِ والبَطَرِ والكِبْرِ والأشَرِ عَلى قُرْبِ الزَّمَنِ مِن ذَوْقِ المِحَنِ ويَنْسى أنَّها مِن فَضْلِ اللهِ لِيُقَيِّدَها بِشُكْرِها، (p-٢١٩)ويَطْرُدَها بِكُفْرِها ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ﴾ أيِ القِيامَةَ الَّتِي هي لِعِظَمِها المُسْتَحَقَّةِ أنْ تَخْتَصَّ بِاسْمِ السّاعَةِ ﴿قائِمَةً﴾ أيْ ثابِتًا قِيامُها، فَقُطِعَ الرَّجاءُ مِنها سَواءٌ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلِسانِ قالِهِ أوْ بِلِسانِ حالِهِ، لِكَوْنِهِ يَفْعَلُ أفْعالَ الشّاكِّ فِيها كَما كانَ قَطْعُ الرَّجاءِ مِنَ الخَيْرِ عِنْدَ مُباشَرَتِهِ لِلشَّرِّ لَكِنَّهُ هُنا قالَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ: والفَرْضُ، لِدَفْعِ مَن يَعِظُهُ مُحَقَّقًا لِدَوامِ نِعْمَتِهِ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ بِقَسْرِ قاسِرٍ ما ﴿إلى رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ بِهَذا الخَيْرِ الَّذِي أنا فِيهِ ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ﴾ وأكَّدَهُ عَلى مَن يَعِظُهُ بِأنَّهُ يُعَذِّبُ إنْ لَمْ يُحْسِنْ قَلْبَهُ وقالِبَهُ ﴿لَلْحُسْنى﴾ أيِ الحالَةِ والرُّتْبَةِ البالِغَةِ في الحُسْنِ حَدًّا لا يُوصَفُ لِأنِّي أهْلٌ لِذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلى تَأهُّلِي لَهُ ما أنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَيْرِ، ونَسِيَ ما يُشاهِدُهُ غالِبًا مِن أنْ كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ يَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ، ومِن أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَكُونُ في غايَةِ النِّعْمَةِ فَيُصْبِحُ وقَدْ أحاطَتْ بِهِ كُلُّ نِقْمَةٍ، فَهو بَيْنَ أُمْنِيَّتَيْنِ في الدُّنْيا بِقَوْلِهِ هَذا، وفي الآخِرَةِ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا، فَلا يَزالُ في المُحالِ - نَعُوذُ بِاللهِ مِن سُوءِ الحالِ.
ولَمّا كانَ هَذا هو الكُفْرُ الصُّراحُ لِنِسْيانِ نِعْمَةِ المُنْعِمِ وجَعْلِهِ الإنْعامَ (p-٢٢٠)مِنَ الواجِبِ اللّازِمِ وشَكِّهِ فِيما أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَلى ألْسِنَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ أنَّهُ مَحَطٌّ حِكْمَتِهِ، سَبَّبَ عَنْهُ سُبْحانَهُ قَوْلُهُ، مُؤَكِّدًا في نَظِيرِ تَأْكِيدِ هَذا النّاسِي: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ أيْ تَنْبِئَةً عَظِيمَةً بِخَيْرِ الوَصْفِ فِيها مُسْتَقْصاةً عَلى سَبِيلِ العَدْلِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ الوَصْفَ تَصْرِيحًا بِالعُمُومِ وبَيانًا لِلْعِلَّةِ المُوجِبَةِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُولُ، وأوْجَبَتْهُ صَرائِحُ النُّقُولِ، مِن إقامَةِ السّاعَةِ لِإظْهارِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، ومِن أنَّهُ تَعالى يُحِلُّ بِالإنْسانِ السَّرّاءَ والضَّرّاءَ لِيَخافَهُ ويَرْجُوَهُ ويَشْكُرَهُ ويَدْعُوَ ﴿بِما عَمِلُوا﴾ لا نَدَعُ مِنهُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا، فَلْيَرَوُنَّ عَيانًا ضِدَّ ما ظَنُّوهُ في الدُّنْيا مِن أنَّ لَهُمُ الحُسْنى
﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِمَوازِينِ القِسْطِ الوافِيَةِ لِمَثاقِيلِ الذَّرِّ ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ لا يَدْعُ جِهَةً مِن أجْسامِهِمْ ولا قُواهم إلّا أحاطَ بِها ولا تَقْوى عَلى دَفْعِهِ قُواهم.
41:51Страница 482
وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ ٥١
Если Мы одаряем человека благами, он отворачивается и удаляется (или превозносится). Если же зло касается его, он начинает произносить пространные молитвы.
ولَمّا بَيَّنَ جَهْلَ الإنْسانِ في حالاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِاليَأْسِ عِنْدَ مَسِّ الشَّرِّ، والأمْنِ عِنْدَ ذَوْقِ النِّعْمَةِ بَعْدَ الضُّرِّ، بَيَّنَ حالَهُ عِنْدَ النِّعْمَةِ مُطْلَقًا ودُعاءَهُ عِنْدَ الشَّرِّ وإنْ كانَ قانِطًا تَكْرِيرًا لِتَقَلُّبِ أحْوالِهِ وتَناقُصِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ تَصْرِيفًا لِذَلِكَ عَلى وُجُوهٍ شَتّى لِيَكُونَ داعِيًا لَهُ إلى عَدَمِ الأنَفَةِ مِنَ الرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ومُسْقِطًا عَنْهُ خَوْفَ الشُّبَهِ (p-٢٢١)بِذَلِكَ والنِّسْبَةِ إلى الخِفَّةِ وعَدَمِ الثَّباتِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحْقِيقِ دَلالَةً عَلى غَلَبَةِ نِعَمِهِ تَعالى في الدُّنْيا لِنِقَمِهِ، ودَلالَةً عَلى حالَةِ الإنْسانِ عِنْدَ مَسِّ النِّعْمَةِ مِن جِهَةٍ يَتَوَقَّعُها بَعْدَ بَيانِ حالِهِ عِنْدَ مَسِّها بَغْتَةً مِن غَيْرِ تَوَقُّعٍ تَأْكِيدًا لِبَيانِ جَهْلِهِ حَيْثُ جَعَلَ ظَرْفَ النِّعْمَةِ ظَرْفًا لِلْإعْراضِ مِن غَيْرِ خَوْفِ مَن نَزَعَها عَلى قُرْبِ عَهْدِهِ بِالضُّرِّ: ﴿وإذا أنْعَمْنا﴾ مِمّا لَنا مِنَ العَظَمَةِ والإحْسانِ ﴿عَلى الإنْسانِ﴾ أيِ الواقِفِ مَعَ نَفْسِهِ نِعْمَةً تَلِيقُ بِعَظَمَتِنا فَمَسَّهُ الخَيْرُ ولَمْ يُعَبِّرْ في هَذا الجانِبِ بِما عَبَّرَ بِهِ في الَّذِي بَعْدَهُ إيذانًا بِأنَّ المُعْرِضَ مُسِيءٌ لِمُجَرَّدِ الإعْراضِ لا المُبالَغَةِ فِيهِ فَقالَ: ﴿أعْرَضَ﴾ أيِ انْحَرَفَ عَنْ سَواءِ القَصْدِ إلَيْنا عَنّا في جَمِيعِ مُدَّةِ النِّعْمَةِ - بِما أفْهَمَهُ الظَّرْفُ، فَلَمْ يُقَيِّدْ تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ بَعْدَ ما رَأى مِن حَلالِنا، قاطِعًا بِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ خَيْرٌ مَحْضٌ ظاهِرًا وباطِنًا فَهو يَسْتَدِيمُها، ورُبَّما كانَتْ بَلاءً اسْتِدْراجًا وامْتِحانًا ﴿ونَأى﴾ أيْ أبْعَدَ إبْعادًا شَدِيدًا بِحَيْثُ جَعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ حِجابًا عَظِيمًا حالَ كَوْنِهِ مالَ ﴿بِجانِبِهِ﴾ أيْ بِشِقِّهِ كِنايَةً عَنْ تَكَبُّرِهِ وبَأْوِهِ وإعْجابِهِ بِنَفْسِهِ وزَهْوَةٍ وتَصْوِيرًا لَهُ بِمَن كَلَّمَتْهُ فازْوَرَّ عَنْكَ والتَوى، وأبْعَدَ في ضَلالِهِ وغَوى.
ولَمّا تَقَدَّمَ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ مَسِّ الشَّرِّ بَغْتَةً، بَيْنَ حالِهِ عِنْدَ مَسِّهِ (p-٢٢٢)وهُوَ يَتَوَقَّعُهُ، فَقالَ مُعَبِّرًا في جانِبِ الشَّرِّ بِأداةِ التَّحْقِيقِ عَلى غَيْرِ عادَةِ القُرْآنِ في الأغْلَبِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ لِزِيادَةِ جَهْلِهِ عَلى الحَدِّ يَلْزَمُ الكِبَرُ وإنْ كانَ يَتَوَقَّعُ الشَّرَّ ولا يَزالُ حالُهُ حالَ الآمِنِ إلى أنْ يُخالِطَهُ وحِينَئِذٍ تَنْحَلُّ عُراهُ وتَضْمَحِلُّ قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ لِانْتِقامِنا مِنهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإنْعامَ أوَّلًا دَلِيلُ الِانْتِقامِ ثانِيًا وذَكَرَ الشَّرَّ ثانِيًا دَلِيلُ الخَيْرِ أوَّلًا، وسَرَّهُ تَعْلِيمُ الأدَبِ بِنِسْبَةِ الإنْعامِ دُونَ الشَّرِّ إلَيْهِ وإنْ كانَ الكُلُّ مِنهُ.
ولَمّا كانَ تَعْظِيمُ العَرَضِ دالًّا عَلى عَظَمَةِ الطُّولِ، قالَ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى المُلازَمَةِ والدَّوامِ: ﴿فَذُو دُعاءٍ﴾ أيْ في كَشْفِهِ، ورُبَّما كانَ نِعْمَةً باطِنَةً وهو لا يَشْعُرُ ولا يَدْعُو إلّا عِنْدَ المَسِّ، وقَدْ كانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْرَعَ في الدُّعاءِ عِنْدَ التَّوَقُّعِ بَلْ قَبْلَهُ تَعَرُّفًا إلى اللهِ تَعالى في الرَّخاءِ لِيَعْرِفَهُ في الشِّدَّةِ وهو خُلُقٌ شَرِيفٌ لا يَعْرِفُهُ إلّا أفْرادٌ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ، فَدَلَّ تَرْكُهُ عَلى عَدَمِ شَرِّهِ لِما مَضى وخِفَّةِ عَقْلِهِ لِما يَأْتِي ومُفاجَأتِهِ لِلُزُومِ الدُّعاءِ عِنْدَ المَسِّ عَلى عَدَمِ صَبْرِهِ وتَلاشِي جِلْدِهِ وقِلَّةِ حَيائِهِ ﴿عَرِيضٍ﴾ أيْ مَدِيدُ العَرْضِ جِدًّا، وأمّا طُولُهُ فَلا تَسْألْ عَنْهُ، وهَذا كِنايَةٌ عَنِ النِّهايَةِ في الكَثْرَةِ.
41:52Страница 482
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٢
Скажи: «Что вы думаете, а если Коран - от Аллаха, и вы не веруете в него? Кто может быть более заблудшим, чем тот, кто находится в глубоком разладе с истиной?».
(p-٢٢٣)ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن أحْوالِهِمُ المُنْدَرِجَةِ في أحْوالِ هَذا النَّوْعِ كُلِّهِ ما هو مَكْشُوفٌ بِشاهِدِ الوُجُودِ مِن أنَّهُ لا ثَباتَ لَهم لا سِيَّما عِنْدَ الشَّدائِدِ إعْلامًا بِالعَراقَةِ في الجَهْلِ والعَجْزِ، دَلَّ عَلى الأمْرَيْنِ مَعًا بِما لا يُمْكِنُ عاقِلًا دَفْعَهُ مِن أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ المُمْكِنَ فَيُعِدُّونَ لَهُ ما يُمْتِعُهُ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ، فَأمَرَهُ ﷺ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ إيذانًا بِالإعْراضِ عَنْهم دَلِيلًا عَلى تَناهِي الغَضَبِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ﴾ أيْ هَذا القُرْآنُ الَّذِي نَصَبْتُمْ لِمُغالَبَتِهِ حَتّى بِالإعْراضِ عَنِ السَّماعِ بِاللَّغْوِ حالَ قِراءَتِهِ مِنَ الصَّفِيرِ والتَّصْفِيقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنكم صادِرًا عَنْ حُجَّةٍ قاطِعَةٍ في أمْرِهِ أتَمَّ مَعَها عَلى يَقِينٍ بَلْ هو عَنْ خِفَّةٍ وعَدَمِ تَأمُّلٍ مِنكم أنَّهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ فَهو لا يُغالِبُ.
ولَمّا كانَ الكُفْرُ بِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ في غايَةِ البُعْدِ، وكانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ دائِرًا عَلى العِلْمِ، نُبِّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ ما كانَ مِنهم إلّا بَعْدَ تَأمُّلٍ طَوِيلٍ، فَكانُوا مُعانِدِينَ حَتّى نَزَلُوا بِالصَّفِيرِ والتَّصْفِيقِ مِن أعْلى رُتَبِ الكَلامِ إلى أصْواتِ الحَيَواناتِ العَجَمِ فَقالَ: (p-٢٢٤)﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بَعْدَ إمْعانِ النَّظَرِ فِيهِ والتَّحَقُّقِ لِأنَّهُ حَقٌّ، فَكُنْتُمْ بِذَلِكَ في شِقاقٍ هو في غايَةِ البُعْدِ مِنَ المُلائَمَةِ لِمَن لَمْ يَزَلْ يَسْتَعْطِفُكم بِجَمِيلِ أفْعالِهِ، ويَرُدُّكم بِجَلِيلِ أقْوالِهِ وآمَنَ بِهِ غَيْرُكم لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ ﴿مَن أضَلُّ﴾ مِنكم - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ﴾ أيْ لِأوْلِياءِ اللهِ ﴿بَعِيدٍ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم صارُوا كَذَلِكَ، وأنَّ مَن صارَ كَذَلِكَ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِسَطَواتِ اللهِ وتَعالى الَّتِي مِن واقِعَتِهِ هَلَكَ لا مَحالَةَ، ومَن أهْدى مِمَّنْ هو في إسْلامٍ قَرِيبٍ وهو الَّذِي آمَنَ لِأنَّهُ سالَمَ اللهَ الَّذِي مَن سالَمَهُ سالَمَهُ كُلُّ شَيْءٍ، فَنَجا مِن كُلِّ خَطَرٍ - فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الكُفْرَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الإيمانِ ثانِيًا، والضَّلالُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الهُدى أوَّلًا، وسَرَّهُ أنَّ ذِكْرَ المَضارِّ أصْدَعُ لِلْقَلْبِ فَهو أنْفَعُ في الوَعْظِ.
41:53Страница 482
سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٥٣
Мы покажем им Наши знамения по свету и в них самих, пока им не станет ясно, что это есть истина. Неужели не достаточно того, что твой Господь является Свидетелем всякой вещи?
ولَمّا كانَ هَذا مُحْزِنًا لِلشَّفُوقِ عَلَيْهِمْ لِإفْهامِهِ لِشِدَّةِ بُعْدِهِمْ عَنِ الرُّجُوعِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ إذا أرادَ سُبْحانَهُ قُرْبَ ذَلِكَ مِنهم غايَةَ القُرْبِ لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إيذانًا بِسُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ أيْ عَنْ قُرْبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿آياتِنا﴾ أيْ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ (p-٢٢٥)﴿فِي الآفاقِ﴾ أيِ النَّواحِي، جَمْعُ أُفُقٍ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا لِسُكُونِها بَعْدَ مِثْلِها، أيْ وما ظَهَرَ مِن نَواحِي الفُلْكِ أوْ مَهَبِّ الرِّياحِ، وذَلِكَ بِما يَفْتَحُ اللَّهُ مِنَ البِلادِ بِغَلَبِ أهْلِها بِوَقائِعِ كُلِّ واحِدٍ مِنها عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وشاهِدٌ عَظِيمٌ كافٍ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ، تَصْدِيقًا لِوَعْدِهِ سُبْحانَهُ وما أهْلَكَ مِن أهْلِها لِنَصْرِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وبِما فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ الآثارِ والوَضْعِ بِاخْتِلافِ الأحْكامِ مَعَ اتِّفاقِ جَواهِرِها في التَّجانُسِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ بِالبَصَرِ اللّاتِي يَشْرَحُها بِآياتِ السَّمْعِ.
ولَمّا كانَ الإيمانُ بِالغَيْبِ هو المُعْتَبَرُ، وكُلُّ ما كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ كانَ أقْرَبَ إلى الكَمالِ، وكانَتْ آياتُ الآفاقِ أقْرَبَ إلى ذَلِكَ، بَدَأ بِها، ثُمَّ قالَ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وما أصابَهم مِن سِنِي الجُوعِ وقِصَّةِ أبِي بَصِيرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ وتَفْصِلٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ ما في الآدَمِيِّ نَفْسِهِ مِن بَدائِعِ الآياتِ وعَجائِبِ الخَلْقِ وغَرائِبِ الصَّنْعَةِ وما فِيهِ مِن أماراتِ الحُدُوثِ واخْتِلافِ الأوْصافِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّواهِدِ المُطابِقَةِ لِما تَضْرِبُهُ مِنَ الأمْثالِ والدَّلائِلِ المَعْقُولَةِ عِنْدَ اعْتِبارِ الأقْوالِ والأفْعالِ، وبِما في بِلادِ العَرَبِ مِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ مِن نَفْيٍ بَعْدَ إسْراعِهِمْ إلَيْهِ وإطْباقِهِمْ عَلَيْهِ وإثْباتِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ بَعْدَ إبْعادِهِمْ عَنْهُ وقِتالِهِمُ الدّاعِي إلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ مِن آياتِ الآفاقَ في آيَةِ (p-٢٢٦)﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وما شاكَلَها، وفي الأنْفُسِ في آياتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] والَّذِين مِن بَعْدِهِمْ، ونَحْوِها، وآياتُ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] إلى آخِرِها الدّالَّةُ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَبْنِيُّ أمْرُهُ عَلى الجَهْلِ والعَجْزِ، فَأكْثَرَ ما يَتَصَوَّرُهُ لَيْسَ كَما تَصَوَّرَهُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَأمَّلَ كِتابَ رَبِّهِ ويَتَدَبَّرَهُ - واللَّهُ أعْلَمُ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: الِاسْتِدْلالُ بِالأفْعالِ عَلى فاعِلِها واضِحٌ وطَرِيقٌ لائِحٌ، والأفْعالُ عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما الآفاقُ وهو جُمْلَةُ العالِمِ، والثّانِي النُّفُوسُ، فَإنَّ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ أيْ مَن عَرَفَ رُوحَهُ وكَوْنُها جَوْهَرًا مُتَصَرِّفًا في البَدَنِ تَصَرُّفَ التَّدْبِيرِ وعَلِمَ صِفاتِها مِن أنَّها باقِيَةٌ بِغَيْرِ البَدَنِ لا يَحْتاجُ في قِوامِها إلى البَدَنِ بَلِ البَدَنُ مُحْتاجٌ إلَيْها وأنَّها مَحَلُّ المَعْرِفَةِ فَمَن عَرَفَ أمْثالَ هَذِهِ المَعارِفِ عَرَفَ رَبَّهُ وصِفاتَهُ مِن وحْدانِيَّتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وتَصَرُّفِهِ في جُمْلَةِ العالِمِ يَعْنِي وأنَّ وُجُودَهُ تَعالى مُبايِنٌ وُجُودَ غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولا نَزالُ نُواتِرُ ذَلِكَ شَيْئًا في أثَرِ شَيْءٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ غايَةَ البَيانِ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ إعْمالِ فِكْرٍ ﴿أنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿الحَقُّ﴾ الكامِلُ في الحَقِّيَّةِ الَّذِي تُطابِقُهُ الوَقائِعُ (p-٢٢٧)وتُصادِقُهُ الأحْوالُ العارِضَةُ والصَّنائِعُ، فَيَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ ويُقْبِلُوا بِكُلِّ قُلُوبِهِمْ إلَيْهِ، فَلا يَأْباهُ في جَزِيرَةِ العَرَبِ إنْسانٌ، ولا يَخْتَلِفُ فِيهِ مِنهُمُ اثْنانِ، ثُمَّ يَنْبَثُّونَ في أرْجاءِ الأرْضِ بِطُولِها والعَرْضِ فَيَظْهَرُ بِهِمْ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، ويُبِيدُ عَلى أيْدِيهِمْ أهْلَ الكُفْرانِ، في سائِرِ البُلْدانِ، ويَزُولُ كُلُّ طُغْيانٍ، فَيَكُونُ ظُهُورُهم في هَذا الوَقْتِ وضَعْفِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ كانَ سَبَبُ ازْدِيادِهِمْ مِنَ الكُفْرِ عِظَةً لَهم ولِكُلِّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم يُوجِبُ الثَّباتَ في مَحالِّ الزِّلْزالِ عِلْمًا بِأنَّ اللهَ أجْرى عادَتَهُ أنْ يَكُونَ لِلْباطِلِ رِيحٌ تَخْفُقُ ثُمَّ تَسْكُنُ، ودَوْلَةً تَظْهَرُ ثُمَّ تَضْمَحِلُّ، وصَوْلَةً تَجُولُ ثُمَّ تَحُولُ.
ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ الَّتِي يَقْرَؤُها أُولُو الأبْصارِ بِالبَصائِرِ، ويَتَأمَّلُها بِأعْيُنِ السَّرائِرِ، أمْرًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، فَكانَ حادِيًا عَلى تَجْرِيدِ الأفْكارِ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ، والوُقُوفِ عَلى بَعْضِ ما في ذَلِكَ مِن لَطائِفِ الأسْرارِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَرَوْا بِعُقُولِهِمْ ما في ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَكْفِيهِمْ عَنْ شَهادَةِ شَيْءٍ خارِجٍ عَنْ أنْفُسِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ﴾ وأكَّدَ بِإدْخالِ الجارِّ، وحَقَّقَ الفاعِلُ فَقالَ مُؤَكِّدًا بِالباءِ ومُحَقِّقًا أنَّهُ الفاعِلُ صارِفًا القَوْلَ (p-٢٢٨)إلى وصْفِ الإحْسانِ إيذانًا بِالرِّفْقِ بِهِمْ بِرَدِّهِمْ إلَيْهِ دُونَ ارْتِكابِهِمْ ما يُوجِبُ نَكالَهم وإهْلاكَهم واسْتِئْصالَهُمْ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِهَذا البَيانِ المُعْجِزِ لِلْإنْسِ والجانِّ شَهادَةً بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ ﴿أنَّهُ﴾ أيْ أوَ لَمْ يَكْفِ شَهادَةُ رَبِّكِ لِأنَّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، لا هَذا القُرْآنُ ولا غَيْرُهُ، وقَدْ شَهِدَ لَكَ فِيهِ بِإعْجازِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ بِكُلِّ ما تَضَمَّنَتْهُ آياتُهُ، ونَطَقَتْ بِهِ كَلِماتُهُ، فَفِيهِ أعْظَمُ بِشارَةٍ بِتَمامِ أمْرِ الدِّينِ وظُهُورِهِ عَلى المُعْتَدِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَجِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ إذا أرادَ ثُبُوتَ حَقٍّ يُنْكِرُهُ مَن هو عَلَيْهِ لِصاحِبِ الحَقِّ مِنَ الشُّهُودِ ما يَتَحَقَّقُ قَوْلُهم فِيهِ ووُصُولُهُ بِهِمْ إلَيْهِ أنَّهُ يَكُونُ مُطْمَئِنًّا لا يَنْزَعِجُ بِالجَحْدِ عِلْمًا مِنهُ بِأنَّ حَقَّهُ لا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ ويُخْزِيَ مُعانِدَهُ ويَقْهَرَ، وفي هَذا تَأْدِيبٌ لِكُلٍّ مَن كانَ عَلى حَقٍّ ولا يَجِدُ مَن يُساعِدُهُ عَلى ظُهُورِهِ فَإنَّ اللهَ شاهِدُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ أمْرُهُ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ.
41:54Страница 482
أَلَآ إِنَّهُمۡ فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمۡۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطُۢ ٥٤
Воистину, они сомневаются во встрече со своим Господом. Воистину, Он объемлет всякую вещь.
ولَمّا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا لِمُتَعَنِّتٍ مَقالٌ، ولا شُبْهَةَ أصْلًا لِضالٍّ، كانَ مَوْضِعُ المُناداةِ عَلى مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى عِنادِهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِادِّعائِهِمْ إنَّهم عَلى جَلِيَّةٍ مِن أمْرِهِمْ،
﴿ألا إنَّهُمْ﴾ أيِ الكَفَرَةُ ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أيْ جَحْدٍ وجِدالٍ وشَكٍّ وضَلالٍ عَنِ العَبَثِ ﴿مِن لِقاءِ﴾ وصَرْفِ القَوْلِ (p-٢٢٩)إلى إضافَةِ وصْفِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ إشارَةً إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَمالِ تَرْبِيَتِهِمْ بِالبَعْثِ لِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِأنْ خَلَقَهم ورَزَقَهم لِلْحِسابِ والجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ كَما هو شَأْنُ كُلِّ حَكِيمٍ فِيمَن تَحْتَ أمْرِهِ.
ولَمّا كانُوا مُظْهِرِينَ الشَّكَّ في القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، قَرَّرَهُ إيمانُهم مُعْتَرِفُونَ بِهِ مِن قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهُ﴾ أيْ هَذا المُحْسِنُ إلَيْهِمْ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ جُمَلِها وتَفاصِيلِها كُلِّيّاتِها وجُزْئِيّاتِها أُصُولِها وفُرُوعِها غَيْبَتِها وشَهادَتِها مِلْكِها ومَلَكُوتِها ﴿مُحِيطٌ﴾ قُدْرَةً وعِلْمًا مِن كَثِيرِ الأشْياءِ وقَلِيلُها كُلِّيُّها وجُزْئِيُّها، فَعَمّا قَلِيلٍ يَجْمَعُهم عَلى الحَقِّ ويُبَدِّلُهم بِالمِرْيَةِ إذْعانًا وبِالشَّكِّ يَقِينًا وبُرْهانًا، فَرَحْمَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ أهْلِ الوُجُودِ وخاصَّةً لِمَن مَنَّ عَلَيْهِ الإيمانُ المُوصِلُ إلى راحَةِ الأمانِ، فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ في عَقْلٍ أنْ يَتْرُكَ البَعْثَ لِيَوْمِ الفَصْلِ الَّذِي هو مَدارُ الحِكْمَةِ، ومَحَطُّ إظْهارِ النِّعْمَةِ والنِّقْمَةِ، وقَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ انْطِباقُ آخِرِها المادِحِ لِلْكِتابِ المُقَرَّرِ لِلْبَعْثِ والحِسابِ عَلى أوَّلِها المُفَصَّلِ لِلْقُرْآنِ المُفِيضِ لِقِسْمَيِ الرَّحْمَةِ: العامَّةُ والخاصَّةُ لِأهْلِ الأكْوانِ، عَلى ما اقْتَضاهُ العَدْلُ والإحْسانُ، بِالبِشارَةِ لِأهْلِ الإيمانِ، والنِّذارَةِ لِأهْلِ الطُّغْيانِ - واللهُ الهادِي وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии