Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Аль-Ахкаф 46:9–15
46:9Страница 503
قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩
Скажи: «Я не являюсь первым из посланников и не знаю, что произойдет со мной и с вами. Я следую только тому, что внушается мне в откровении. Я - всего лишь разъясняющий и предостерегающий увещеватель».
(p-١٣٣)ولَمّا كانَ [مِن] أعْظَمِ الضَّلالِ أنْ يُنْسَبَ الإنْسانُ إلى الكَذِبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ في شَيْءٍ لَمْ يَبْتَدِعْهُ، بَلْ تَقَدَّمَهُ بِمِثْلِهِ ناسٌ قَدْ ثَبَتَ صِدْقُهم في مِثْلِ ذَلِكَ ومَضَتْ عَلَيْهِ الأزْمانُ وتَقَرَّرَ غايَةَ التَّقَرُّرِ في القُلُوبِ والأذْهانِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسَبُوكَ إلى الِافْتِراءِ: ﴿ما كُنْتُ﴾ أيْ: كَوْنًا ما ﴿بِدْعًا﴾ أيْ: مُنْشِئًا مُبْتَدِعًا مُحْدِثًا مُخْتَرِعًا بِحَيْثُ أكُونُ أجْنَبِيًّا مُنْقَطِعًا ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِي مِنهم مِثالٌ في أصْلِ ما جِئْتُ بِهِ، وهو الحَرْفُ الَّذِي طالَ النِّزاعُ بَيْنِي وبَيْنَكم فِيهِ وعَظُمَ الخَطْبُ وهو التَّوْحِيدُ ومَحاسِنُ الأخْلاقِ بَلْ قَدْ تَقَدَّمَنِي رُسُلٌ كَثِيرُونَ أتَوْا بِمِثْلِ ما أتَيْتُ بِهِ ودَعَوْا إلَيْهِ كَما دَعَوْتُ وصَدَّقَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِ ما صَدَّقَنِي بِهِ، فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ رِسالاتُهم وسَعِدَ بِهِمْ مَن صَدَّقَهم مِن قَوْمِهِمْ، وشَقِيَ بِهِمْ مَن كَذَّبَهُمْ، فانْظُرُوا إلى آثارِهِمْ، واسْألُوا عَنْ سِيَرِهِمْ مِن أتْباعِهِمْ وأنْصارِهِمْ [وأشْياعِهِمْ]، قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ: والبِدْعَةُ الِاسْمُ لِما ابْتُدِعَ وضِدُّ البِدْعَةِ السُّنَّةُ، لِأنَّ السُّنَّةَ ما تَقَدَّمَ لَهُ إمامٌ، والبِدْعَةُ ما اخْتُرِعَ عَلى غَيْرِ مِثالٍ، وفي الحَدِيثِ: ««كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وكُلُّ ضَلالَةٍ في النّارِ»». مَعْناهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- أنْ يَبْتَدِعَ ما يُخالِفُ السُّنَّةَ إذْ كانَتِ البِدْعَةُ ضِدَّ السُّنَّةِ، فَإذا أحْدَثَ ما يُخالِفُها (p-١٣٤)كانَ بِإحْداثِهِ لَها ضالًّا مُشْرِكًا، وكانَ مَن أحْدَثَ في النّارِ، ولَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذا ما يَخْتَرِعُ الإنْسانُ مِن أفْعالِ البِرِّ يُسَمّى بِدْعَةً لِعَدَمِ فِعْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَخْرُجُ عَمّا ذَكَرْنا إنْ كانَ لَهُ نَظِيرٌ في الأُصُولِ، وهو الحَضُّ عَلى كُلِّ أفْعالِ البِرِّ ما عُلِمَ مِنها وما لَمْ يُعْلَمْ، فَإنْ أحْدَثَ مُحْدِثٌ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَكَأنَّهُ زِيادَةٌ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ البِرِّ ولَيْسَ بِضِدٍّ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ السُّنَّةِ، بَلْ هو بابٌ مِن أبْوابِها، ويَقُولُونَ: ما فُلانٌ بِبِدْعٍ في هَذا الأمْرِ؛ أيْ لَيْسَ [هُوَ] بِأوَّلِ مَن أصابَهُ ذَلِكَ ولَكِنْ سَبْقَهُ غَيْرُهُ أيْضًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَسْتُ بِبِدْعٍ مِنَ النّائِباتِ ونَقْضِ الخُطُوبِ وإمْرارِها
ويُقالُ: أُبْدِعَ بِالرَّجُلِ -إذا كَلَّتْ راحِلَتُهُ- وأبْدَعَتِ الرِّكابُ إذا كَلَّتْ وعَطِبَتْ، وقِيلَ: كُلُّ مَن عَطِبَتْ رِكابُهُ [فانْقَطَعَ بِهِ فَقَدْ أُبْدِعَ بِهِ، وقالَ في القامُوسِ: والبِدْعَةُ: الحَدَثُ في الدِّينِ بَعْدَ الإكْمالِ أوْ ما اسْتُحْدِثَ بَعْدَهُ ﷺ مِنَ الأهْواءِ والأعْمالِ، وأُبْدِعَ بِالرَّجُلِ: عَطِبَتْ رِكابُهُ]، وبَقِيَ مُنْقَطِعًا بِهِ، وأبْدَعَ فُلانٌ بِفُلانٍ: قَطَعَ بِهِ وخَذَلَهُ، (p-١٣٥)ولَمْ يَقُمْ بِحاجَتِهِ، وحَجَّتُهُ: بَطَلَتْ، وقالَ الصَّغانِيُّ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ: وشَيْءٌ بِدْعٌ - بِالكَسْرِ أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ: [و] البَدِيعُ المُبْتَدَعُ والبَدِيعُ المُبْتَدِعُ أيْضًا، وأبْدَعَتْ حُجَّةُ فُلانٍ: إذا بَطَلَتْ. وأُبْدِعَتْ: أُبْطِلَتْ، يَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى.
ولَمّا أثْبَتَ بِمُوافَقَتِهِ ﷺ لِلرُّسُلِ أصْلَ الكَلامِ وبَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّكْذِيبَ في أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ [بِهِ، قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِدْقِهِ في دَعْواهُ، وذَلِكَ بِأنَّهُ مُماثِلٌ لَهم في أصْلِ الخِلْقَةِ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ مِنَ العِلْمِ إلّا ما لَهُمْ، ولَيْسَ مِنهم أحَدٌ يَصِحُّ لَهُ حُكْمٌ عَلى المُغَيَّباتِ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ] لَما صَحَّ كُلُّ شَيْءٍ حَكَمَ بِهِ عَلى المُسْتَقْبِلاتِ ولَمْ يَتَخَلَّفْ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ فَقالَ: ﴿وما أدْرِي﴾ أيْ: في هَذا الحالِ بِنَوْعِ حِيلَةٍ وعَمَلٍ واجْتِهادٍ ﴿ما﴾ [أيِ الَّذِي] ﴿يُفْعَلُ﴾ أيْ: مِن أيِّ فاعِلٍ [كانَ] سَواءٌ كانَ هو اللَّهَ تَعالى بِلا واسِطَةٍ أوْ بِواسِطَةِ [غَيْرِهِ] ﴿بِي﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ لِيَكُونَ ظاهِرًا في الِاجْتِماعِ وكَذَلِكَ في الِانْفِرادِ أيْضًا [فَقالَ]: ﴿ولا﴾ [أيْ ولا أدْرِي الَّذِي يُفْعَلُ] ﴿بِكُمْ﴾ هَذا في أصْلِ الخِلْقَةِ وأنْتُمْ تَرَوْنَنِي أحْكَمُ عَلى نَفْسِي بِأشْياءَ لا يَخْتَلُّ شَيْءٌ مِنها مِثْلَ أنْ أقُولَ: إنِّي آتِيكم مِنَ القُرْآنِ (p-١٣٦)بِما يُعْجِزُكُمْ، فَلا تَقْدِرُونَ كُلُّكم عَلى مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِنهُ فَيَصِحُّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ لا يَتَخَلَّفُ أصْلًا، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أرْسَلَنِي بِهِ لَمْ أقْدِرْ وحْدِي عَلى ما [لا] تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ كُلُّكُمْ، وإنْ قَدَرْتُ عَلى شَيْءٍ كُنْتُمْ أنْتُمْ أقْدَرَ مِنِّي عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ بِعُمُومِها دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، فَلَهُ أنْ يُعَذِّبَ الطّائِعَ ويُنَعِّمَ العاصِيَ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ عَدْلًا وحَقًّا وإنْ كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ.
ولَمّا سَوّى نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِهِمْ في أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ قَدْ مَيَّزَهُ اللَّهُ عَنْهم بِما خَصَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، [أبْرَزَ لَهُ ذَلِكَ] سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى وجْهِ النَّتِيجَةِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أتَّبِعُ﴾ [أيْ] بِغايَةِ جُهْدِي وجِدِّي ﴿إلا ما﴾ أيِ: الَّذِي ﴿يُوحى﴾ أيْ: يُجَدَّدُ إلْقاؤُهُ مِمَّنْ لا يُوحِي بِحَقٍّ إلّا هو ﴿إلَيَّ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ سِرًّا، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ اطِّلاعِهِ غَيْرِي، ومِنهُ ما أُخْبِرُ فِيهِ عَنِ المُغَيَّباتِ فَيَكُونُ كَما قُلْتُ، فَلا يَرْتابُ في أنِّي لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بِنَفْسِي فَعُلِمَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ.
ولَمّا نَسَبُوهُ إلى الِافْتِراءِ تارَةً والجُنُونِ أُخْرى، وكانَ السَّبَبُ الأعْظَمُ في نِسْبَتِهِمْ لَهُ إلى ذَلِكَ صَدْعَهم بِما يَسُوءُهم عَلى غَيْرِ عادَتِهِ السّالِفَةِ وعادَةِ أمْثالِهِ، قالَ عَلى سَبِيلِ القَصْرِ القَلْبِيِّ: ﴿وما أنا﴾ أيْ: (p-١٣٧)بِإخْبارِي لَكم عَمّا يُوحى إلَيَّ ﴿إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لَكم ولِكُلِّ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرٌ أنِّي كَذَلِكَ في نَفْسِهِ مُظْهِرٌ لَهُ -أيْ كَوْنِي نَذِيرًا- ولِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ الَّتِي أُنْذِرَ مِنها بِالأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ.
46:10Страница 503
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
Скажи: «А что, если Коран - от Аллаха, а вы не уверовали в него? Свидетель из числа сынов Исраила (Израиля) засвидетельствовал о том, что было подобно ему, и уверовал в него, а вы возгордились. Воистину, Аллах не наставляет на прямой путь беззаконников!».
ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِشَهادَةِ اللَّهِ نَفْسِهِ بِعَجْزِهِمْ عَنِ المُعارَضَةِ، قَبُحَ عَلَيْهِمْ إصْرارُهم عَلى التَّكْذِيبِ عَلى تَقْدِيرِ شَهادَةِ أحَدٍ مِمَّنْ يَثِقُونَ بِهِمْ يَسْألُونَهم عَنْهُ مِن أهْلِ الكِتابِ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي وبَيِّنُوا لِي وأقِيمُوا ولَوْ بِبَعْضِ حُجَّةٍ أوْ بُرْهانٍ ﴿إنْ كانَ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي يُوحى إلَيَّ وآتِيكم بِهِ وأُنْذِرُكم وأُعْلِمُكم أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَإنَّهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ.
ولَمّا كانَ مَقْصُودَ السُّورَةِ إنْذارَ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يَنْظُرُونَ في عِلْمٍ، بَلْ شَأْنُهم تَغْطِيَةُ المَعارِفِ والعُلُومِ، عَطَفَ بِالواوِ الدّالَّةِ عَلى مُطْلَقِ الجَمْعِ الشّامِلِ لِمُقارَنَةِ الأمْرَيْنِ المَجْمُوعَيْنِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ فَيَدُلُّ عَلى الإسْراعِ في الكُفْرِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ [قالَ]: ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ﴾ أيْ: واحِدٌ وأكْثَرُ ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الَّذِينَ جَرَتْ عادَتُكم أنْ تَسْتَفْتُوهم وتَثِقُوا بِهِمْ ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ أيْ: مِثْلِ ما في القُرْآنِ (p-١٣٨)مِن أنَّ مَن وحَّدَ فَقَدْ آمَنَ، ومَن أشْرَكَ فَقَدْ كَفَرَ، وأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وجَمِيعِ أسْفارِهِمْ، فَطابَقَتْ عَلَيْهِ كُتُبُهُمْ، وتَظافَرَتْ بِهِ رُسُلُهُمْ، وتَواتَرَتْ عَلى الدُّعاءِ [إلَيْهِ] والأمْرِ بِهِ أنْبِياؤُهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ شَهادَتِهِ وعَقَّبَ وفَصَّلَ فَقالَ: ﴿فَآمَنَ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي شَهِدَ هَذِهِ الشَّهادَةَ بِهَذا القُرْآنِ عِنْدَما رَآهُ مُصَدِّقًا لِما ذُكِرَ وعَلِمَ أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ كُتُبُهُمْ، فاهْتَدى إلى وضْعِ الشَّيْءِ في مَحَلِّهِ فَوَضَعَهُ ولَمْ يَسْتَكْبِرْ.
ولَمّا كانَ الحامِلُ [لَهُمْ] بَعْدَ هَذِهِ الأدِلَّةِ عَلى التَّمادِي عَلى الكُفْرِ إنَّما هو الشَّمّاخَةُ والأنَفَةُ قالَ: ﴿واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أيْ: أوْجَدْتُمُ الكِبْرَ بِالإعْراضِ عَنْهُ طالِبِينَ بِذَلِكَ الرِّئاسَةَ والفَخْرَ والنَّفاسَةَ، فَكُنْتُمْ بَعْدَ شَهادَةِ هَذا الشّاهِدِ مُعانِدِينَ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ أصْلًا فَضَلَلْتُمْ [فَكَفَرْتُمْ] فَوَضَعْتُمُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فانْسَدَّ عَلَيْكم بابُ الهِدايَةِ.
ولَمّا كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أهْدى النّاسِ وأعْدَلُهُمْ، وكانَ مَن رَدَّ شَهادَةَ الخالِقِ والخَلْقِ ظالِمًا شَدِيدَ الظُّلْمِ، فَكانَ ضالًّا عَلى عِلْمٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى مُسْتَأْنِفًا دالًّا عَلى أنَّ تَقْدِيرَ الجَوابِ: أفَلَمْ تَكُونُوا بِتَخَلُّفِكم عَنِ الإيمانِ بَعْدَ العِلْمِ قَدْ ظَلَمْتُمْ ظُلْمًا عَظِيمًا بِوَضْعِ الكُفْرانِ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَتَكُونُوا ضالِّينَ تارِكِينَ لِلطَّرِيقِ المُوصِلِ عَلى عَمْدٍ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ (p-١٣٩)الأعْظَمَ ذا العِزَّةِ والحِكْمَةِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى القِيامِ بِما يُرِيدُونَ مُحاوَلَتَهُ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمْ وضْعُ الأُمُورِ في غَيْرِ مَواضِعِها، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يَهْدِيكم لِأنَّهُ لا أحَدَ أرْسَخُ مِنكم في الظُّلْمِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ ضَلالُكُمْ، أمّا مَن كانَ مِنكم عالِمًا فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وأمّا مَن كانَ مِنكم جاهِلًا فَهو كالعالِمِ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِ مِثْلَ هَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي ما بَيْنَ العالِمِ بِلِسانِ العَرَبِ وبَيْنَ انْكِشافِها لَهُ إلّا تَدَبُّرُها مَعَ تَرْكِ الهَوى، وقالَ الحَسَنُ -كَما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ - الجَوابُ: فَمَن أضَلُّ مِنكم كَما قالَ في ”فُصِّلَتْ“
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإيمانَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والِاسْتِكْبارَ والظُّلْمَ وعَدَمَ الهِدايَةِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى أضْدادِها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ سَبَبَيِ السَّعادَةِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا.
46:11Страница 503
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١
Неверующие сказали верующим: «Если бы это было благом, то они не опередили бы нас в этом». Они не стали руководствоваться им, и поэтому они скажут: «Это - старое измышление».
ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّ تَرْكَهم لِلْإيمانِ إنَّما هو تَعَمُّدٌ لِلظُّلْمِ اسْتِكْبارًا، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِمْ ”إنَّهُ سِحْرٌ“ ما دَلَّ عَلى الِاسْتِكْبارِ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: تَعَمَّدُوا تَغْطِيَةَ الحَقِّ ﴿لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِ إيمانِ الَّذِينَ ﴿آمَنُوا﴾ إذْ سَبَقُوهم إلى الإيمانِ: ﴿لَوْ كانَ﴾ إيمانُهم (p-١٤٠)بِالقُرْآنِ وبِهَذا الرَّسُولِ ﴿خَيْرًا﴾ أيْ: مِن جُمْلَةِ الخُيُورِ ﴿ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ ونَحْنُ أشْرَفُ مِنهم وأكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وأعْلَمُ بِتَحْصِيلِ العِزِّ والسُّؤْدُدِ الَّذِي هو مُناطُ الخَيْرِ فَكَأنْ لَمْ يَسْبِقُونا إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الخَيْراتِ الَّتِي نَحْنُ فائِزُونَ بِها وهم صِفْرٌ مِنها، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِخَيْرٍ، فَلِذَلِكَ سَبَقُوا إلَيْهِ [فَكانَ] حالُهم فِيهِ حالَهم فِيما هو مَحْسُوسٌ مِن أُمُورِهِمْ في المالِ والجاهِ.
ولَمّا أخْبَرَ عَمّا قالُوا حِينَ سَبَقَهم غَيْرُهُمْ، أخْبَرَ عَمّا يَقُولُونَ عِنْدَ تَعَمُّدِ الإعْراضِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ: وحِينَ ﴿لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ يَقُولُونَ عِنادًا وتَكَبُّرًا وكُفْرًا: لَوْ كانَ هُدًى لَأبْصَرْناهُ ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ قِيلَ لَهُمْ: فَما هُوَ؟ أجابَهُ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ هَذا المُقَدَّرَ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ لِأنَّ النّاسَ أعْداءُ ما جَهِلُوا، ولِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا عَلى ما يَدَّعُونَهُ مِن أنَّهُ لَوْ كانَ خَيْرًا لَسَبَقُوا غَيْرَهم [إلَيْهِ] دَلِيلًا: ﴿هَذا﴾ أيِ: الَّذِي سَبَقْتُمْ إلَيْهِ ﴿إفْكٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ إلى قَفاهُ ﴿قَدِيمٌ﴾ أفِكَهُ غَيْرُهُ وعَثَرَ هو عَلَيْهِ فَأتى بِهِ ونَسَبَهُ إلى اللَّهِ.
46:12Страница 503
وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢
До него было Писание Мусы (Моисея), которое было руководством и милостью. А это Писание на арабском языке, подтверждающее предыдущие Писания, ниспослано для того, чтобы предостеречь тех, которые поступают несправедливо, и обрадовать творящих добро.
ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ ساقِطًا في نَفْسِهِ لِما قامَ مِنَ الأدِلَّةِ الباهِرَةِ (p-١٤١)عَلى صِدْقِ القُرْآنِ وكانَ الوُقُوفُ مَعَ المَحْسُوساتِ غالِبًا عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ نُفُوذِهِمْ في المَعْقُولاتِ، دَلَّ عَلى بُطْلانِهِ لِمُوافَقَةِ القُرْآنِ لِأعْظَمِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ التَّوْراةِ الَّتِي اشْتُهِرَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ الآتِيَ بِها كُلِّمَ وقَدْ صَدَّقَهُ اللَّهُ في الإتْيانِ بِها بِما لَمْ يَأْتِ بِهِ قَبْلَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ والآياتِ البَيِّناتِ وهم يَسْتَفْتُونَ أهْلَها، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ [لَهُمْ] والتَّوْبِيخِ: ﴿ومِن﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ كانَ في بَعْضِ الزَّمَنِ الَّذِي مِن ﴿قَبْلِهِ﴾ أيِ: القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي حُرِمُوا تَدَبُّرَ آياتِهِ وحَلِّ مُشْكِلاتِهِ وأعْجَزَهم فَصاحَتُهُ ﴿كِتابُ مُوسى﴾ كَلِمُ اللَّهِ وصَفْوَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو التَّوْراةُ الَّتِي كَلَّمَهُ اللَّهُ بِها تَكْلِيمًا حالَ كَوْنِ كِتابِهِ ﴿إمامًا﴾ أيْ: يَسْتَحِقُّ أنْ يَؤُمَّهُ كُلُّ مَن سَمِعَ بِهِ في أُصُولِ الدِّينِ مُطْلَقًا وفي جَمِيعِ ما فِيهِ قَبْلَ تَحْرِيفِهِ ونَسْخِهِ وتَبْدِيلِهِ ﴿ورَحْمَةً﴾ لِما فِيهِ مِن نِعْمَةِ الدَّلالَةِ عَلى اللَّهِ والبَيانِ الشّافِي فَهَبْهم طَعَنُوا في هَذا القُرْآنِ وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الطَّعْنِ في كِتابِ مُوسى الَّذِي قَدْ سَلَّمُوا لِأهْلِهِ أنَّهم أهْلُ العِلْمِ وجَعَلُوهم حُكَماءَ يَرْضَوْنَ بِقَوْلِهِمْ في هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، وكِتابُهم مُصادِقٌ لِكِتابِهِمْ (p-١٤٢)فَقَدْ صارُوا بِذَلِكَ مُصَدِّقِينَ بِما كَذَّبُوا بِهِ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ المُبِينُ المُبَيِّنُ ﴿كِتابُ﴾ أيْ: جامِعٌ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ. ولَمّا أُرِيدَ تَعْمِيمُ التَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ والحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، حَذَفَ المُتَعَلِّقَ فَقالَ: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أيْ: لِكِتابِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي تَصِحُّ نِسْبَتُها إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ الَّتِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ناطِقَةٌ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وأنَّ هَذا الكِتابَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا فَأنّى يَصِحُّ فِيما هَذا شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ إفْكًا، إنَّما الإفْكُ ما كَذَّبَ كُتُبَ اللَّهِ الَّتِي أتَتْ بِها أنْبِياؤُهُ وتَوارَثَها أوْلِياؤُهُ.
ولَمّا كانَ الكِتابُ قَدْ تَقُومُ الأدِلَّةُ عَلى مُصادَقَتِهِ لِكُتُبِ اللَّهِ ويَكُونُ بِغَيْرِ لِسانِ المُكَذِّبِ بِهِ فَيَكُونُ في التَّكْذِيبِ أقَلَّ مَلامَةً، احْتُرِزَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِسانًا﴾ أيْ: أُشِيرَ إلى هَذا المُصَدِّقِ القَرِيبِ مِنكم زَمانًا ومَكانًا وفَهْمًا حالَ كَوْنِهِ ﴿عَرَبِيًّا﴾ في أعْلى طَبَقاتِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ مَعَ كَوْنِهِ أسْهَلَ الكُتُبِ تَناوُلًا وأبْعَدَها عَنِ التَّكْلِيفِ، لَيْسَ هو بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ عُلُوُّهُ بِفَخامَةِ الألْفاظِ وجَلالَةِ المَعانِي وعُلُوِّ النَّظْمِ ورَصافَةِ السَّبْكِ ووَجازَةِ (p-١٤٣)العِبارَةِ، وظُهُورِ المَعانِي ودِقَّةِ الإشارَةِ مَعَ سُهُولَةِ الفَهْمِ وقُرْبِ المُتَناوَلِ بَعْدَ بُعْدِ المَغْزى.
ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّ الكِتابَ حَقٌّ، بَيَّنَ ثَمَرَتَهُ فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيْ: أُشِيرَ إلى الكِتابِ [فِي هَذا الحالِ لِيُنْذِرَ الكِتابُ] بِحُسْنِ بَيانِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ سَواءٌ كانُوا عَرِيقِينَ في الظُّلْمِ أمْ لا، فَأمّا العَرِيقُونَ فَهو لَهم نُذُرِي كامِلَةٌ، فَإنَّهم لا يَهْتَدُونَ كَما تَقَدَّمَ، وأمّا غَيْرُهم فَيَهْتَدِي بِنِذارَتِهِ ويَسْعَدُ بِعِبارَتِهِ وإشارَتِهِ، ولِيُبَشِّرَ الَّذِينَ أحْسَنُوا في وقْتٍ ما ”ما“ هو ”بُشْرى“ كامِلَةٌ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لا نِذارَةَ لَهم لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا ”يُنْذِرَ“ و”الَّذِينَ ظَلَمُوا“ دَلالَةً عَلى حَذْفِ [نَحْوِهِ ثانِيًا، ”وبُشْرى“ و”لِلْمُحْسِنِينَ“ ثانِيًا دَلالَةً عَلى] ”نُذُرِي“ و”لِلظّالِمِينَ“ أوَّلًا.
46:13Страница 503
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣
Воистину, те, которые сказали: «Наш Господь - Аллах», - и последовали прямым путем, не познают страха и не будут опечалены.
ولَمّا بَيَّنَ حالَةَ المُحْسِنِينَ شَرَحَ أمْرَهم فَقالَ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن سَألَ عَنْهم وعَنْ بُشْراهُمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا﴾ أيْ: خالِقُنا ومَوْلانا والمُحْسِنُ إلَيْنا ﴿اللَّهُ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى لا غَيْرُهُ. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِقامَةُ - وهي الثَّباتُ عَلى كُلِّ ما يُرْضِي [اللَّهَ] مَعَ تَرَتُّبِها عَلى التَّوْحِيدِ - عَزِيزَةَ المَنالِ عَلِيَّةِ الرُّتْبَةِ، وكانَتْ في الغالِبِ لا تُنالُ إلّا بَعْدَ مُنازَلاتٍ طَوِيلَةٍ ومُجاهَداتٍ شَدِيدَةٍ، أشارَ إلى كُلٍّ مِن بُعْدِها وعُلُوِّ رُتْبَتِها بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: [بَعْدَ] قَوْلِهِمْ ذَلِكَ الَّذِي وحَّدُوا بِهِ ﴿اسْتَقامُوا﴾ (p-١٤٤)أيْ [طَلَبُوا] القَوْمَ طَلَبًا عَظِيمًا وأوْجَدُوهُ.
ولَمّا كانَ الوَصْفُ لِرُؤُوسِ المُؤْمِنِينَ، عَدَّ أعْمالَهم أسْبابًا فَأخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَعْلُوهم بِغَلَبَةِ الضَّرَرِ، ولَعَلَّهُ [يُعَبِّرُ] في [مِثْلِ] هَذا بِالِاسْمِ إشارَةً إلى أنَّ هَيْبَتَهُ بِالنَّظَرِ إلى جَلالِهِ وقَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ وكِبْرِهِ وكَمالِهِ لا تَنْتَفِي، ويَحْصُلُ لِلْإنْسانِ بِاسْتِحْضارِها إخْباتٌ وطُمَأْنِينَةٌ ووَقارٌ وسَكِينَةٌ يَزِيدُهُ في نَفْسِهِ جَلالًا ورِفْعَةً وكَمالًا، فالمَنفِيُّ خَوْفٌ يُقْلِقُ النَّفْسَ ﴿ولا هُمْ﴾ في ضَمائِرِهِمْ ولا في ظَواهِرِهِمْ ﴿يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم شَيْءٌ مِن حُزْنٍ أصْلًا.
46:14Страница 503
أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤
Они являются обитателями Рая, в котором они пребудут вечно в воздаяние за то, что они совершали.
ولَمّا نَفى عَنْهُمُ المَحْذُورَ، مَدَّهم بِإيثارِ السُّرُورِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الدَّرَجاتِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ولَمّا دَلَّتِ الصُّحْبَةُ عَلى المُلازَمَةِ، صَرَّحَ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ خُلُودًا لا آخِرَ لَهُ، جُوزُوا بِذَلِكَ ﴿جَزاءً﴾ ولَمّا كانُوا مُحْسِنِينَ فَكانَتْ أعْمالُهم في غايَةِ الخُلُوصِ جَعَلَها تَعالى أسْبابًا أوَّلًا وثانِيًا، فَقالَ مُشِيرًا إلى دَوامِها لِأنَّها في جِبِلّاتِهِمْ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: طَبْعًا وخُلُقًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ.
46:15Страница 504
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥
Мы заповедали человеку делать добро его родителям. Матери тяжело носить его и рожать его, а беременность и кормление до отнятия его от груди продолжаются тридцать месяцев. Когда же он достигает зрелого возраста и достигает сорока лет, то говорит: «Господи! Внуши мне благодарность за милость, которой Ты облагодетельствовал меня и моих родителей, и помоги мне совершать праведные деяния, которыми Ты доволен. Сделай для меня моих потомков праведниками. Я раскаиваюсь перед Тобой. Воистину, я - один из мусульман».
ولَمّا تَفَضَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الإنْسانِ بَعْدَ الأعْمالِ الَّتِي هَيَّأهُ لَها وأقْدَرَهُ عَلَيْها ووَفَّقَهُ لَها أسْبابًا قَرَنَ بِالوَصِيَّةِ بِطاعَتِهِ - لِكَوْنِهِ المُبْدِعَ - الوَصِيَّةَ بِالوالِدَيْنِ لِكَوْنِهِ تَعالى جَعَلَهُ سَبَبَ الإيجادِ، فَقالَ في هَذا السِّياقِ (p-١٤٥)الَّذِي عَدَّ فِيهِ الأعْمالَ [لِكَوْنِهِ] سِياقَ الإحْسانِ الَّتِي أفْضَلُها الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها، وثانِيها في الرُّتْبَةِ بِرُّ الوالِدَيْنِ كَما في الصَّحِيحِ، وفي التِّرْمِذِيِّ: ««رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَيْنِ وسُخْطُهُ في سُخْطِهِما»». وعَلى هَذا المِنوالِ جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ يُوصِي بِطاعَةِ الوالِدَيْنِ بَعْدَ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] [ ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [النساء: ٣٦] ] وكَذا ما بَعْدَهُما عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ أوِ السُّورَةِ مِن [نَحْوِ] أنْ يُقالَ: وأمَرْنا النّاسَ أجْمَعِينَ أنْ يَكُونُوا بِطاعَتِنا في مُهْلَةِ الأجَلِ عامِلِينَ ولِمَعْصِيَتِنا مُجْتَنِبِينَ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعَ الَّذِي أنِسَ بِنَفْسِهِ ﴿بِوالِدَيْهِ﴾ ولَمّا اسْتَوْفى ”وصّى“ مَفْعُولَيْهِ كانَ التَّقْدِيرُ: لِيَأْتِيَ إلَيْهِما حَسَنًا، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: ﴿إحْسانًا﴾ وهو أوْفَقُ لِلسِّياقِ.
ولَمّا كانَ حَقُّ الأبِ ظاهِرًا لا لَهُ مِنَ الكَسْبِ والإنْفاقِ والذَّبِّ والتَّأْدِيبِ لَمْ يَذْكُرْهُ، وذَكَرَ ما لِلْأُمِّ لِأنَّ أمَدَهُ يَسِيرٌ، فَرُبَّما اسْتُهِينَ بِهِ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ وضَعَهُ أبُوهُ (p-١٤٦)بِمُشارَكَتِها في أحْشائِها، حَمْلًا ﴿كُرْهًا﴾ بِثِقْلِ الحَبَلِ وأمْراضِهِ وأوْصابِهِ وأعْراضِهِ ﴿ووَضَعَتْهُ﴾ أيْ: بَعْدَ تَمامِ مُدَّةِ حَمْلِهِ ﴿كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] فَدَلَّ هَذا - مَعَ دَلالَتِهِ عَلى وُجُوبِ حَقِّ الأُمِّ - عَلى أنَّ الأمْرَ في تَكْوِينِهِ لِلَّهِ وحْدَهُ، وذَكَرَ أوْسَطَ ما لِلْأُمِّ مِن مُدَّةِ التَّعَبِ بِذِكْرِ أقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ وأنْهى مُدَّةِ الرَّضاعِ لِانْضِباطِها فَقالَ تَعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾ أيْ: [و] مُدَّةُ حَمْلِهِ وغايَةُ فِطامِهِ مِنَ الرِّضاعِ، وعَبَّرَ بِالفِصالِ لِإرادَةِ النِّهايَةِ لِأنَّ الفِطامَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ النِّهايَةِ لِغَرَضٍ ثُمَّ تَظْهَرُ الحاجَةُ فَتُعادُ الرَّضاعَةُ ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ فانْصَرَفَ الفِصالُ إلى الكامِلِ الَّذِي تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ فَعُرِفَ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وبِهِ قالَ الأطِبّاءُ، ورُبَّما أشْعَرَ بِأنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الرَّضاعِ سَنَةً وتِسْعَةَ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ أغْلَبَ الحَمْلِ تِسْعَةُ أشْهُرٍ.
ولَمّا كانَ ما بَعْدَ ذَلِكَ تارَةً يَشْتَرِكُ في مُؤْنَتِهِ الأبَوانِ وتارَةً يَنْفَرِدُ أحَدُهُما، طَوى ذِكْرَهُما، وذَكَرَ حَرْفَ الغايَةِ مُقَسِّمًا لِلْمُوصى إلى قِسْمَيْنِ: مُطِيعٌ وعاصِي، ذاكِرًا ما لِكُلٍّ مِنَ الجَزاءِ بِشارَةً ونِذارَةً، إرْشادًا إلى أنَّ المَعْنى: واسْتَمَرَّ كَلًّا عَلى أبَوَيْهِ أوْ أحَدِهِما ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ في القامُوسِ: قُوَّتَهُ، وهو ما بَيْنَ ثَمانِي (p-١٤٧)عَشْرَةَ سَنَةً إلى ثَلاثِينَ، واحِدٌ جاءَ عَلى بِناءِ الجَمْعِ كَآنُكٍ ولا نَظِيرَ لَهُما، أوْ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، أوْ واحِدُهُ شِدَّةٌ بِالكَسْرِ مَعَ [أنَّ] فِعْلَةَ لا تُجْمَعُ عَلى أفْعُلٍ، أوْ شَدٌّ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ أوْ شِدٌّ كَذِئْبٍ وأذْؤُبٍ، وما هُما بِمَسْمُوعَيْنِ بَلْ قِياسٌ. انْتَهى.
وقَدْ مَضى في سُورَةِ يُوسُفَ ما يَنْفَعُ هُنا جِدًّا، ورَوى الطَّبَرانِيُّ في تَرْجَمَةِ [ابْنِ] أحْمَدَ بْنِ لَبِيدٍ البَيْرُوتِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: الأشَدُّ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، وهو الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ صَدَقَةُ بْنُ يَزِيدَ وثَّقَهُ أبُو زُرْعَةَ وأبُو حاتِمٍ وضَعَّفَهُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أوَّلُ الأشُدِّ وغايَتُهُ الأرْبَعُونَ.
ولَمّا كانَتْ أيّامُ الصِّبا والشَّبابِ وإنْ كانَتْ صَفْوَةَ عُمْرِ الإنْسانِ وأوْقاتَ لَذاذَتِهِ ومُجْتَمَعَ شَمْلِهِ وراحاتِهِ فِيها يَظْهَرُ لَهُ سِرُّ عُمْرِهِ في الغالِبِ لِغَلَبَةِ الأنْفُسِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ لِما يَحْمِلانِهِ عَلَيْهِ مِن نَتائِجِ الشَّهَواتِ ونَوازِعِ (p-١٤٨)الغَضَبِ والبِطالاتِ، عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى القَحْطِ والشُّؤْمِ والضِّيقِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، فَقالَ شارِحًا لِلِاسْتِواءِ ومُعَبِّرًا عَنْهُ: [ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ] فاجْتَمَعَ أشُدُّهُ وتَمَّ حَزْمُهُ وجِدُّهُ، وزالَتْ عَنْهُ شِرَّةُ الشَّبابِ وطَيْشُ الصِّبا ورُعُونَةُ الجَهْلِ، ولِذَلِكَ كانَ هَذا السَّنُّ وقْتَ بِعْثَةِ الأنْبِياءِ، وهو يُشْعِرُ بِأنَّ أوْقاتَ الصِّبا أخَفُّ في المُؤاخَذَةِ مِمّا بَعْدَها وكَذا ما بَيْنَ أوَّلِ الأشُدِّ والأرْبَعِينَ ﴿قالَ﴾ إنْ كانَ مُحْسِنًا قابِلًا لِوَصِيَّةِ رَبِّهِ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِالإيجادِ وتَيْسِيرِ الأبَوَيْنِ وغَيْرِهِما وتَسْخِيرِهِ ﴿أوْزِعْنِي﴾ أيِ اجْعَلْنِي أُطِيقُ ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ أيْ: وازِعًا لِلشُّكْرِ؛ أيْ كافًّا مُرْتَبِطًا حَتّى لا يَغْلِبَنِي في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وذَلِكَ الشُّكْرُ بِالتَّوْحِيدِ في العِبادَةِ كَما أنَّهُ يُوَحَّدُ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والتَّرْزِيقِ، ووَحَّدَها تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِالإشارَةِ إلى أنَّ النِّعْمَةَ الواحِدَةَ لا يُبْلَغُ شُكْرُها إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ مَعَ أنَّ ذِكْرَ الأبَوَيْنِ يُعْرَفُ أنَّ المُرادَ بِها الجِنْسُ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ المُرادَ بِنِعْمَتِهِ قُدْرَتُهُ عَلى الإنْعامِ لِيَكُونَ المَعْنى: أنْ أشْكُرَ لَكَ لِكَوْنِكَ قادِرًا عَلى الإنْعامِ، قالَ: ﴿الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ (p-١٤٩)أيْ بِالفِعْلِ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيَّ لِخُصُوصِهِ بِي ﴿وعَلى والِدَيَّ﴾ ولَوْ بِمُطْلَقِ الإيجادِ والعافِيَةِ في البَدَنِ، لِأنَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِما نِعْمَةٌ عَلَيَّ، وقَدْ مَضى في النَّمْلِ ما يَتَعَيَّنُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ الماضِيَةِ نِعْمَةَ الإيجادِ المُرادُ مِن شُكْرِها التَّوْحِيدُ، أتْبَعَها [تَمامَ] الشُّكْرِ فَقالَ: ﴿وأنْ أعْمَلَ﴾ أيْ: أنا في خاصَّةِ نَفْسِي [ ﴿صالِحًا﴾ ]. ولَمّا كانَ الصّالِحُ في نَفْسِهِ قَدْ يَقَعُ المَوْقِعَ لِعَدَمِ الإذْنِ فِيهِ قالَ: ﴿تَرْضاهُ﴾ والتَّنْكِيرُ إشارَةٌ إلى العَجْزِ عَنْ بُلُوغِ الغايَةِ فَإنَّهُ لَنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أحَدٌ.
ولَمّا دَعا لِنَفْسِهِ بَعْدَ أنْ أوْصى بِرِعايَةِ حَقِّ أبِيهِ، لَقَّنَهُ سُبْحانَهُ الدُّعاءَ لِمَن يَتَفَرَّعُ مِنهُ، حَثًّا عَلى رِعايَةِ حُقُوقِهِمْ لِئَلّا يُسَلِّطَهم عَلى عُقُوقِهِ فَقالَ: ﴿وأصْلِحْ﴾ أيْ: أوْقِعِ الإصْلاحَ، وقالَ: ﴿لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ لِأنَّ صَلاحَهم يَلْحَقُهُ نَفْعُهُ، والمُرادُ بِقَصْرِ الفِعْلِ وجَعْلِهِمْ ظَرْفًا لَهُ أنْ يَكُونَ ثابِتًا راسِخًا سارِيًا فِيهِمْ وهم مُحِيطُونَ بِهِ فَيَكُونُوا صالِحِينَ.
ولَمّا اسْتَحْضَرَ عِنْدَ كَمالِ العَقْلِ في الأرْبَعِينَ أنَّ ما مَضى مِنَ العُمْرِ كانَ أغْلَبُهُ ضائِعًا فَدَعا، وكانَ مِن شَرْطِ قَبُولِ الدُّعاءِ التَّوْبَةُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تُبْتُ﴾ أيْ: رَجَعْتُ ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: عَنْ كُلِّ ما يَقْدَحُ في الإقْبالِ (p-١٥٠)عَلَيْكَ، وأكَّدَهُ إعْلامًا بِأنَّ حالَهُ في الإقْبالِ عَلى الشَّهَواتِ حالُ مَن يَبْعُدُ مِنهُ الإقْلاعُ فَيُنْكِرُ إخْبارَهُ بِهِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أسْلَمُوا ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم لَكَ فانْقادُوا أتَمَّ انْقِيادٍ وأحْسَنَهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии