Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:109–110
5:109Страница 126
۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩
В тот день, когда Аллах соберет посланников и скажет: «Что вам ответили?». - они скажут: «Мы не обладаем знанием. Воистину, Ты - Ведающий сокровенное».
ولَمّا كانَ فِيها إقامَةُ الشُّهُودِ؛ وحَبْسُهم عَنْ مَقاصِدِهِمْ؛ حَتّى يَفْرُغُوا مِن هَذِهِ الواقِعَةِ المَبْحُوثِ فِيها عَنْ خَفايا مُتَعَلِّقَةٍ بِالمَوْتِ؛ والتَّغْلِيظِ بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ وكانَتْ ساعَةً يَجْتَمِعُ فِيها النّاسُ؛ وفَرِيقا المَلائِكَةِ المُتَعاقِبَيْنِ فِينا لَيْلًا ونَهارًا؛ مَعَ أنَّها ساعَةُ الأصِيلِ المُؤْذِنَةِ بِهُجُومِ اللَّيْلِ؛ وتَقَوُّضِ النَّهارِ؛ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ؛ ورُجُوعِ النّاسِ إلى مَنازِلِهِمْ؛ وتَرْكِهِمْ لِمَعايِشِهِمْ؛ وكانَتْ عادَتَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعًا مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ؛ ثُمَّ يُتْبِعُها إمّا بِالإلَهِيّاتِ؛ وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكالِيفِ؛ ولا يَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى آخَرَ إلّا بِغايَةِ الإحْكامِ في الرَّبْطِ؛ عَقَّبَها (تَعالى) بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿الرُّسُلَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ؛ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ؛ إشارَةً إلى تَذَكُّرِ انْصِرامِ هَذِهِ الدّارِ؛ وسُرْعَةِ هُجُومِ ذَلِكَ؛ بِمُشاهَدَةِ هَذِهِ الأحْوالِ المُؤْذِنَةِ بِهِ؛ وبِأنَّهُ يَوْمٌ يَقُومُ فِيهِ الأشْهادُ؛ ويَجْتَمِعُ فِيهِ العِبادُ؛ ويُفْتَضَحُ فِيهِ أهْلُ الفَسادِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإشاراتِ لِأرْبابِ البَصائِرِ والقُلُوبِ؛ والظّاهِرُ أنَّ ”يَوْمَ“؛ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”خَفْ مِن (p-٣٣٧)فُلانٍ“؛ فَإنَّ المَعْنى: ”خَفْ مِن عِقابِهِ“؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ المُرادُ هُنا: واتَّقُوا غَضَبَ اللَّهِ الواقِعِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سَطْواتِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وِقايَةً؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى: اذْكُرُوا هَذِهِ الواقِعَةَ؛ وهَذا الوَقْتَ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الشُّهُودُ؛ ويُحْبَسُ المُعْتَرِفُ والجَحُودُ؛ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِيَسْألَهم عَنِ العِبادِ؛ ويَسْألَ العِبادَ عَنْهُمْ؛ ﴿فَيَقُولُ﴾؛ أيْ: لِلرُّسُلِ؛ تَشْرِيعًا لَهُمْ؛ وبَيانًا لِفَضْلِهِمْ؛ وتَشْرِيفًا لِلْمُحِقِّ مِن أُمَمِهِمْ؛ وتَبْكِيتًا لِلْمُبْطِلِ؛ وتَوْبِيخًا لِلْمُفْرِطِ مِنهُمْ؛ والمُفَرِّطِ.
ولَمّا كانَ مِمّا لا يَخْفى أصْلًا أنَّهم أُجِيبُوا؛ ولا يَقَعُ فِيهِ نِزاعٌ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ غَرَضٌ؛ تَجاوَزَ السُّؤالَ إلى الِاسْتِفْهامِ مِن نَوْعِ الإجابَةِ؛ فَقالَ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾؛ أيْ: أيَّ إجابَةٍ أجابَكم مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ؛ إجابَةَ طاعَةٍ أوْ إجابَةَ مَعْصِيَةٍ؟
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِمْ بَيانَ النّاجِي مِن غَيْرِهِ؛ وكانَتِ الشَّهادَةُ في تِلْكَ الدّارِ لا تَنْفَعُ إلّا فِيما وافَقَ فِيهِ الإضْمارُ الإظْهارَ؛ فَكانَتْ شَهادَتُهم لا تَنْفَعُ المَشْهُودَ لَهُ بِحُسْنِ الإجابَةِ؛ إلّا أنْ يُطابِقَ ما قالَهُ بِلِسانِهِ اعْتِقادَهُ بِقَلْبِهِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ نافِينَ لِعِلْمِهِمْ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ إذا كانَ مَوْقُوفًا عَلى شَرْطٍ؛ هو مِن عِلْمِ ما غابَ؛ ولا عِلْمَ لَهم بِهِ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾؛ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنّا لا نَعْلَمُ إلّا ما شَهِدْناهُ؛ وما غابَ عَنّا أكْثَرُ؛ وإذا كانَ الغائِبُ قَدْ يَكُونُ مُخالِفًا لِلْمَشْهُودِ؛ فَما شُهِدَ لَيْسَ بِعِلْمٍ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ (p-٣٣٨)لِلْواقِعِ؛ ولِهَذا عَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ تَعْلَمُها عِلْمًا تامًّا؛ فَكَيْفَ بِما غابَ عَنّا مِن أحْوالِ قَوْمِنا؟! فَكَيْفَ بِالشَّهادَةِ؟! فَكَيْفَ بِما شَهِدْنا مِن ذَلِكَ؟! وهَذا في مَوْضِعِ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أعْلَمُ؛ لَكِنَّ هَذا أحْسَنُ أدَبًا؛ فَإنَّهم مَحَوْا أنْفُسَهم مِن دِيوانِ العِلْمِ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ عِلْمٍ يَتَلاشى إذا نُسِبَ إلى عِلْمِهِ؛ ويَضْمَحِلُّ مَهْما قُرِنَ بِصِفَتِهِ؛ أوِ اسْمِهِ.
5:110Страница 126
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠
Аллах скажет: «О Иса (Иисус), сын Марьям (Марии)! Помни о милости, которую Я оказал тебе и твоей матери. Я поддержал тебя Святым Духом (Джибрилем), благодаря чему ты говорил с людьми в колыбели и будучи взрослым. Я научил тебя Писанию, мудрости, Таурату (Торе) и Инджилу (Евангелию). По Моему соизволению ты лепил изваяния птиц из глины и дул на них, и по Моему соизволению они становились птицами. По Моему соизволению ты исцелял слепого (или лишенного зрения от рождения; или обладающего слабым зрением) и прокаженного, по Моему соизволению ты выводил покойников живыми из могил. Я отвратил от тебя (защитил тебя от) сынов Исраила (Израиля), когда ты явился к ним с ясными знамениями, а неверующие из их числа сказали, что это - всего лишь очевидное колдовство».
ولَمّا كانَ سُؤالُهُ - سُبْحانَهُ - لِلرُّسُلِ عَنِ الإجابَةِ مُتَضَمِّنًا لِتَبْكِيتِ المُبْطِلِينَ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وكانَ أشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ أهْلَ الكِتابِ؛ لِأنَّ تَمَرُّدَهم تَعَدّى إلى رُتْبَةِ الجَلالِ؛ بِما وصَفُوهُ - سُبْحانَهُ - بِهِ مِنَ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ؛ والوَلَدِ؛ ومِنَ ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما أظْهَرَ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي دَعا بِها إلى اللَّهِ؛ مَعَ اقْتِرانِها بِما يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ؛ ورِسالَتِهِ؛ لِئَلّا يُهْتَضَمَ حَقُّهُ؛ أوْ يُغْلى فِيهِ؛ مَعَ مُشارَكَتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ في أذى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالتَّكْذِيبِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ في الآيَةِ السّالِفَةِ ذِكْرُ الآباءِ؛ وما آثَرُوا لِلْأبْناءِ؛ ذَكَرَ أمْرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن قَوْلِهِ -: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩]؛ مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَذْكِيرًا بِما لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن تَحَتُّمِ الوُقُوعِ؛ وتَصْوِيرًا لِعَظِيمِ تَحَقُّقِهِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِقُوَّةِ قُرْبِهِ كَأنَّهُ (p-٣٣٩)قَدْ وقَعَ؛ ومَضى -: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يا عِيسى﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِما هو الحَقُّ مِن نَسَبِهِ؛ فَقالَ: ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ والإحاطَةِ بِجَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ في حَرَكاتِهِمْ؛ وسَكَناتِهِمْ؛ وكانَ الحَمْدُ هو الإحاطَةَ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ أمَرَهُ بِذِكْرِ حَمْدِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى نِعْمَتِهِ عِنْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: في خاصَّةِ نَفْسِكَ؛ وذَكَرَ ما يَدُلُّ لِلْعاقِلِ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ؛ فَقالَ: ﴿وعَلى والِدَتِكَ﴾؛ إلى آخِرِهِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ أوْجَدَهُ مِن غَيْرِ أبٍ؛ فَأراحَهُ مِمّا يَجِبُ لِلْآباءِ مِنَ الحُقُوقِ؛ وما يُورِثُونَ أبْناءَهم مِنَ اقْتِداءٍ؛ أوِ اهْتِداءٍ؛ وإقامَةٍ بِحُقُوقِ أُمِّهِ؛ فَأقْدَرَهُ - وهو في المَهْدِ - عَلى الشَّهادَةِ لَها بِالبَراءَةِ؛ والحَصانَةِ؛ والعَفافِ؛ وكُلُّ نِعْمَةٍ أنْعَمَها - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِ ﷺ فَهي نِعْمَةٌ عَلى أُمِّهِ؛ دِينًا ودُنْيا.
ولَمّا ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُمَّةَ المَدْعُوَّةَ مِنَ العَرَبِ؛ وأهْلِ الكِتابِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ﴾ [المائدة: ٧]؛؛ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ [المائدة: ١١]؛ وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن عِنْدِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ كُلُّها في النِّعَمِ؛ أخْبَرَهم أنَّهُ يُذَكِّرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنِعَمِهِ في يَوْمِ الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى أنَّهم إنْ لَمْ يَذْكُرُوا نِعَمَهُ في هَذِهِ الدّارِ؛ دارِ العَمَلِ؛ بِالشُّكْرِ؛ ذَكَرُوها حِينَ يُذَكِّرُهم بِها في ذَلِكَ اليَوْمِ قَسْرًا؛ بِالكُفْرِ؛ ويا لَها فَضِيحَةً في ذَلِكَ الجَمْعِ (p-٣٤٠)الأكْبَرِ والمَوْقِفِ الأهْوَلِ؛ ولِيَتَبَصَّرَ أهْلُ الكِتابِ فَيَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ اليَهُودُ؛ بِالتَّقْصِيرِ في أمْرِهِ؛ والنَّصارى؛ بِالغُلُوِّ في شَأْنِهِ؛ وقَدْرِهِ.
ولَمّا كانَ أعْظَمُ الأُمُورِ التَّنْزِيهَ؛ بَدَأ بِهِ؛ كَما فَعَلَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ في كَلِمَةِ الدُّخُولِ إلى الإسْلامِ؛ ولَمّا كانَ أعْظَمُ ذَلِكَ تَنْزِيهَهُ أُمَّهُ - عَلَيْها السَّلامُ -؛ وتَصْحِيحَ ما خُرِقَ لَها مِنَ العادَةِ في وِلادَتِهِ؛ وكانَ أحْكَمُ ما يَكُونُ ذَلِكَ بِتَقْوِيَةِ رُوحِهِ؛ حَتّى يَكُونَ كَلامُهُ طِفْلًا كَكَلامِهِ كَهْلًا؛ قَدَّمَهُ؛ فَقالَ - مُعَلِّقًا؛ قارِنًا بِكُلِّ نِعْمَةٍ ما يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ؛ ورِسالَتِهِ؛ لِيُخْزِيَ مَن غَلا في أمْرِهِ؛ أوْ قَصَّرَ في وصْفِهِ؛ وقَدْرِهِ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾؛ أيْ: قَوَيْتُكَ تَقْوِيَةً عَظِيمَةً؛ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾؛ أيْ: الطُّهْرِ الَّذِي يُحْيِي القُلُوبَ؛ ويُطَهِّرُها مِن أوَضارِ الآثامِ؛ ومِنهُ جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَكانَ لَهُ مِنهُ في الصِّغَرِ حَظٌّ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ؛ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو يَدُ بَسْطٍ لِرُوحِ اللَّهِ في القُلُوبِ؛ بِما يُحْيِيها اللَّهُ بِهِ مِن رُوحِ أمْرِهِ؛ إرْجاعًا إلَيْهِ في هَذِهِ الدّارِ؛ قَبْلَ إرْجاعِ رُوحِ الحَياةِ بِيَدِ القَبْضِ مِن عِزْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ هَذا التَّأْيِيدِ؛ فَقالَ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾؛ أيْ: مَن أرَدْتَ؛ مِن عالِيهِمْ وسافِلِهِمْ؛ ﴿فِي المَهْدِ﴾؛ أيْ: بِما بَرَّأ اللَّهُ مِن أُمِّكَ؛ وأظْهَرَ بِهِ كَرامَتَكَ وفَضْلَكَ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الفَضْلَ العَظِيمَ؛ أتْبَعَهُ خارِقًا آخَرَ؛ وهو إحْياؤُهُ (p-٣٤١)نَفْسَهُ؛ وحِفْظُهُ جَسَدَهُ أكْثَرَ مِن ألْفِ سَنَةٍ لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ؛ فَإنَّهُ رُفِعَ شابًّا؛ ويَنْزِلُ عَلى ما رُفِعَ عَلَيْهِ؛ ويَبْقى حَتّى يَصِيرَ كَهْلًا؛ وتَسْوِيَةُ كَلامِهِ في المَهْدِ بِكَلامِهِ في حالِ بُلُوغِ الأشُدِّ وكَمالِ العَقْلِ؛ خَرْقًا لِما جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ؛ فَقالَ: ﴿وكَهْلا﴾؛ ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الخارِقَةَ؛ أتْبَعَها رُوحَ العِلْمِ الرَّبّانِيِّ؛ فَقالَ: ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾؛ أيْ: الخَطَّ؛ الَّذِي هو مَبْدَأُ العِلْمِ؛ وتَلْقِيحٌ لِرُوحِ الفَهْمِ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: الفَهْمَ لِحَقائِقِ الأشْياءِ؛ والعَمَلَ بِما يَدْعُو إلَيْهِ العِلْمُ؛ ﴿والتَّوْراةَ﴾؛ أيْ: المُنْزَلَةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿والإنْجِيلَ﴾؛ أيْ: المُنْزَلَ عَلَيْكَ.
ولَمّا ذَكَرَ تَأْيِيدَهُ بِرُوحِ الرُّوحِ؛ أتْبَعَهُ تَأْيِيدَهُ بِإفاضَةِ الرُّوحِ عَلى جَسَدٍ لا أصْلُ لَهُ فِيها؛ فَقالَ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾؛ أيْ: هَذا الجِنْسِ؛ ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي﴾؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾؛ أيْ: في الصُّورَةِ المُهَيَّأةِ؛ ﴿فَتَكُونُ﴾؛ أيْ: تِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي هَيَّأْتَها؛ ﴿طَيْرًا بِإذْنِي﴾؛ ثُمَّ بِإفاضَةِ رُوحٍ ما عَلى بَعْضِ جَسَدٍ؛ إمّا ابْتِداءً في الأكْمَهِ؛ كَما في الَّذِي قَبْلَهُ؛ وإمّا إعادَةً؛ كَما في الحادِثِ: العَمى والبَرَصِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ﴾
ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ ما يُرادُ بِالسِّياقِ تَوْبِيخُ مَن كَفَرَ بِهِ؛ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿بِإذْنِي﴾؛ ثُمَّ بِرَدِّ رُوحٍ كامِلٍ إلى جَسَدِها؛ بِقَوْلِهِ: (p-٣٤٢)﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾؛ أيْ: مِنَ القُبُورِ فِعْلًا؛ أوْ قُوَّةً؛ حَتّى يَكُونُوا كَما كانُوا مِن سُكّانِ البُيُوتِ؛ ﴿بِإذْنِي﴾؛ ثُمَّ بِعِصْمَةِ رُوحِهِ مِمَّنْ أرادَ قَتْلَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾؛ أيْ: اليَهُودَ؛ لَمّا هَمُّوا بِقَتْلِكَ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ نَقْصًا اسْتَحَلُّوا قَصْدَهُ بِهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ كَعادَةِ النّاسِ مَعَ الرُّسُلِ؛ والأكابِرِ مِن أتْباعِهِمْ؛ تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ والتّابِعِينَ لَهُ بِإحْسانٍ؛ فَقالَ: ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ بَعْضُها بِالفِعْلِ؛ والباقِي بِالقُوَّةِ؛ لِدَلالَةِ ما وُجِدَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِكَ المُوجِبَةِ لِتَعْظِيمِكَ؛ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: غَطَّوْا تِلْكَ البَيِّناتِ عِنادًا؛ ﴿مِنهم إنْ﴾؛ أيْ: ما ﴿هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии