Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:67–70
5:67Страница 119
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧
О Посланник! Возвести то, что ниспослано тебе от своего Господа. Если ты не сделаешь этого, то не донесешь Его послания. Аллах защитит тебя от людей. Воистину, Аллах не наставляет на прямой путь неверующих людей.
ولَمّا أتَمَّ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ -؛ وعُلِمَ مِنهُ أنَّ مَن أُرِيدَتْ سَعادَتُهُ يُؤْمِنُ؛ ولا بُدَّ؛ ومَن أُرِيدَتْ شَقاوَتُهُ لا يُؤْمِنُ أصْلًا؛ ومَن أقامَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ سَعِدَ؛ ومَن كَفَرَ بِشَيْءٍ مِنهُ شَقِيَ؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما فَتَرَ عَنِ الإبْلاغِ؛ قَرَنَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]؛ قَوْلَهُ - حاثًّا عَلى الإبْلاغِ لِإسْعادِ مَن أُرِيدَ لِلسَّعادَةِ؛ وهُمُ الأُمَّةُ المُقْتَصِدَةُ مِنهُمْ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلًا؛ وكَذا إبْلاغِ جَمِيعِ مَن عَداهم -: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: الَّذِي مَوْضُوعُ أمْرِهِ البَلاغُ؛ ﴿بَلِّغْ﴾؛ أيْ: أوْصِلْ إلى مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ؛ ﴿ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُ؛ ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ غَيْرَ مُراقِبٍ أحَدًا؛ ولا خائِفٍ شَيْئًا؛ لِتَعْلَمَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ؛ ويُهْدى عَلى يَدِكَ مَن أرادَ اللَّهُ هِدايَتَهُ؛ فَيَكُونَ لَكَ مِثْلُ أجْرِهِ.
ولَمّا كانَ إبْلاغُ ما يُخالِفُ الأهْواءَ مِنَ الشِّدَّةِ عَلى النُّفُوسِ بِمَكانٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا ذَوُو الهِمَمِ العالِيَةِ؛ والأخْلاقِ الزّاكِيَةِ؛ كانَ المَقامُ شَدِيدَ الِاقْتِضاءِ لِتَأْكِيدِ الحَثِّ عَلى الإبْلاغِ؛ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ الحالِ؛ والعامِلِ فِيها؛ (p-٢٣٠)بِالتَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى داعِيَةٍ؛ هي الرَّدْعُ؛ بِأنْ قالَ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾؛ أيْ: وإنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ أوْ إنْ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ؛ ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ”ما“؛ تَقَعُ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِمّا أُنْزِلَ؛ فَلَوْ تُرِكَ مِنهُ حَرْفٌ واحِدٌ صَدَقَ نَفْيُ البَلاغِ لِما أنْزَلَ؛ ولِأنَّ بَعْضَها لَيْسَ بِأوْلى بِالإبْلاغِ مِن بَعْضٍ؛ فَمَن أغْفَلَ شَيْئًا مِنها فَكَأنَّهُ أغْفَلَ الكُلُّ؛ كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها؛ لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ الآخَرُ؛ فَكانَتْ لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ والمَعْنى: فَلَنُجازِيَنَّكَ؛ ولَكِنَّهُ كَنّى بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ؛ إجْلالًا لَهُ ﷺ وإفادَةً لِأنَّ المُؤاخَذَةَ تَقَعُ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ الجُزْءِ.
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم يُسَعِّرُونَ الحُرُوبَ؛ ويَسْعَوْنَ في إيقاعِ أشَدِّ الكُرُوبِ؛ وكانَ ذَلِكَ - وإنْ وعَدَ - سُبْحانَهُ - بِإخْمادِهِ عِنْدَ إيقادِهِ - لا يَمْنَعُ مِن تَجْوِيزِ أنَّهُ لا يُخْمَدُ إلّا بَعْدَ قَتْلِ ناسٍ وجِراحِ آخَرِينَ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا بَلَغَ ذَلِكَ وهو يُنَقِّصُ أدْيانَهم خِيفَ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: بَلِّغْ أنْتَ والحالُ أنَّ الَّذِي أمَرَكَ بِذَلِكَ؛ وهو المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿يَعْصِمُكَ﴾؛ أيْ: يَمْنَعُكَ مَنعًا تامًّا؛ ﴿مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: مِن أنْ يَقْتُلُوكَ قَبْلَ إتْمامِ البَلاغِ؛ وظُهُورِ الدِّينِ؛ فَلا مانِعَ مِن إبْلاغِ شَيْءٍ مِنها لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ كائِنًا مَن كانَ. (p-٢٣١)ولَمّا آذَنَ ضَمانَ العِصْمَةِ بِالمُخالَفَةِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لا يَنْفَعُهُ البَلاغُ؛ فَهو لا يُؤْمِنُ؛ فَلا يَزالُ يَبْغِي الغَوائِلَ؛ أقَرَّ عَلى هَذا الفَهْمِ بِتَعْلِيلِ عَدَمِ الإيمانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ في عِلْمِ اللَّهِ؛ مُطابَقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]؛ ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ في عِلْمِهِ؛ المُشارَ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ [المائدة: ٤٠]؛ والحاصِلُ أنَّهُ تَبَيَّنَ مِنَ الآيَةِ الإرْشادَ إلى أنَّ لِتَرْكِ البَلاغِ سَبَبَيْنِ؛ أحَدُهُما خَوْفُ فَواتِ النَّفْسِ؛ والآخَرُ خَوْفُ فَواتِ ثَمَرَةِ الدُّعاءِ؛ فَنَفْيُ الأوَّلِ بِضَمانِ العِصْمَةِ؛ والثّانِي بِخِتامِ الآيَةِ؛ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ؛ فَلا يَحْزُنْكَ مَن لا يُقْبِلُ؛ فَلَيْسَ إعْراضُهُ لِقُصُورٍ في إبْلاغِكَ؛ ولا حَظِّكَ؛ بَلْ لِقُصُورِ إدْراكِهِ وحَظِّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَتَّمَ بِكُفْرِهِ؛ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ؛ لِما عَلِمَ مِن فَسادِ طَبْعِهِ؛ واللَّهُ لا يَهْدِي مِثْلَهُ؛ وتَلْخِيصُهُ: بَلِّغْ؛ فَمَن أجابَكَ مِمَّنْ أُشِيرَ إلَيْهِ - فِيما سَلَفَ؛ مِن غَيْرِ الكَثِيرِ الَّذِينَ يَزِيدُهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ عَمًى عَلى عَماهُمْ؛ ومِنَ الأُمَّةِ المُقْتَصِدَةِ؛ وغَيْرِهِمْ - فَهو حَظُّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ومَن أبى فَلا يَحْزُنْكَ أمْرُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أرادَ ضَلالَهُ؛ فالتَّقْدِيرُ: ”بَلِّغْ؛ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ؛ وإلى اللَّهِ الهُدى والضَّلالُ؛ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ؛ ويَهْدِي القَوْمَ المُؤْمِنِينَ“؛ أوْ: ”فَإذا بَلَّغْتَ هَدى بِكَ رَبُّكَ مَن أرادَ إيمانَهُ؛ لِيَكْتُبَ لَكَ مِثْلَ أجْرِهِمْ؛ وأضَلَّ مَن شاءَ كُفْرانَهُ؛ ولا يَكُونُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن (p-٢٣٢)وِزْرِهِمْ؛ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ“؛ والمَعْنى - كَما تَقَدَّمَ -: يَعْصِمُكَ مِن أنْ يَنالُوكَ بِما يَمْنَعُكَ مِنَ الإبْلاغِ؛ حَتّى يَتِمَّ دِينُكَ؛ ويَظْهَرَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ كَما وعَدْتُكَ؛ وعَلى مِثْلِ هَذا دَلَّ كَلامُ إمامِنا الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ قالَ في الجُزْءِ الثّالِثِ مِن ”الأُمُّ“: ويُقالُ - واللَّهُ أعْلَمُ: إنَّ أوَّلَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]؛ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْدَها ما لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِأنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ المُشْرِكِينَ؛ فَمَرَّتْ لِذَلِكَ مُدَّةٌ؛ ثُمَّ يُقالُ: أتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ يُعْلِمَهم نُزُولَ الوَحْيِ عَلَيْهِ؛ ويَدْعُوَهم إلى الإيمانِ؛ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وخافَ التَّكْذِيبَ؛ وأنْ يُتَناوَلَ؛ فَنَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾؛ مِن قِبَلِهِمْ أنْ يَقْتُلُوكَ حَتّى تُبَلِّغَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ؛ انْتَهى.
ولَقَدْ وفّى - سُبْحانَهُ - بِما ضَمِنَ؛ ومَن أوْفى مِنهُ وعْدًا؛ وأصْدَقُ قِيلًا؟! فَلَمّا أتَمَّ الدِّينَ؛ وأرْغَمَ أُنُوفَ المُشْرِكِينَ؛ أنْفَذَ فِيهِ السُّمُّ الَّذِي تَناوَلَهُ بِخَيْبَرَ؛ قَبْلَ سِنِينَ؛ فَتَوَفّاهُ شَهِيدًا؛ كَما أحْياهُ سَعِيدًا؛ رَوى الشَّيْخانِ؛ البُخارِيُّ؛ في الهِبَةِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في الطِّبِّ؛ وأبُو داوُدَ في الدِّياتِ؛ «عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ امْرَأةً يَهُودِيَّةً أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشاةٍ مَسْمُومَةٍ؛ فَأكَلَ مِنها؛ فَجِيءَ بِها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَها عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَتْ: أرَدْتُ لِأقْتُلَكَ؛ فَقالَ: ”ما كانَ اللَّهُ (p-٢٣٣)لِيُسَلِّطَكِ عَلى ذَلِكَ“ - أوْ قالَ: ”عَلَيَّ“ - فَقالُوا: ألا تَقْتُلُها؟ قالَ: ”لا“؛ فَما زِلْتُ أعْرِفُها في لَهَواتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛» قالَ أبُو داوُدَ: هي أُخْتُ مُرَحِّبٍ اليَهُودِيِّ؛ قالَ الحافِظُ عَبْدُ العَظِيمِ المُنْذِرِيُّ؛ في مُخْتَصَرِ سُنَنِ أبُو داوُدَ: وذَكَرَهُ غَيْرُهُ أنَّها بِنْتُ أخِي مُرَحِّبٍ؛ وأنَّ اسْمَها زَيْنَبُ بِنْتُ الحارِثِ؛ وذَكَرَ الزَّهْرِيُّ أنَّها أسْلَمَتْ؛ ولِأبِي داوُدَ؛ والدّارِمِيِّ - وهَذا لَفْظُهُ - عَنْ أبِي سَلَمَةَ - وهو ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ؛ ولا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ؛ فَأهْدَتْ لَهُ امْرَأةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ شاةً مَصْلِيَّةً؛ فَتَناوَلَ مِنها؛ وتَناوَلَ مِنها بِشْرُ بْنُ البَراءِ؛ ثُمَّ رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ؛ ثُمَّ قالَ: ”إنَّ هَذِهِ تُخْبِرُنِي أنَّها مَسْمُومَةٌ“؛ فَماتَ بِشْرُ بْنُ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَأرْسَلَ إلَيْها النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ”ما حَمَلَكِ عَلى ما صَنَعْتِ؟“؛ فَقالَتْ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ؛ وإنْ كُنْتَ مَلِكًا أرَحْتُ النّاسَ مِنكَ؛ قالَ أبُو داوُدَ: فَأمَرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُتِلَتْ؛» زادَ الدّارِمِيُّ فَقالَ في مَرَضِهِ: «”ما زِلْتُ مِنَ الأكْلَةِ الَّتِي أكَلْتُ بِخَيْبَرَ؛ فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي“؛» وهَذا مُرْسَلٌ؛ قالَ البَيْهَقِيُّ: ورَوَيْناهُ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو؛ (p-٢٣٤)عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ قالَ البَيْهَقِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَقْتُلْها في الِابْتِداءِ؛ ثُمَّ لَمّا ماتَ بِشْرٌ أمَرَ بِقَتْلِها؛ وقِصَّةُ هَذِهِ الشّاةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَواها البُخارِيُّ في الجِزْيَةِ؛ والمَغازِي؛ والطِّبِّ؛ والدّارِمِيُّ في أوَّلِ المُسْنَدِ؛ بِغَيْرِ هَذا السِّياقِ - كَما مَضى في ”البَقَرَةِ“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]؛ وقَدْ مَضى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]؛ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولِأبِي داوُدَ والدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - يُحَدِّثُ أنَّ يَهُودِيَّةً مِن أهْلِ خَيْبَرَ سَمَّمَتْ شاةً مَصْلِيَّةً؛ ثُمَّ أهْدَتْها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذِّراعَ؛ فَأكَلَ مِنها؛ وأكَلَ رَهْطٌ مِن أصْحابِهِ مَعَهُ؛ ثُمَّ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ارْفَعُوا أيْدِيَكُمْ“؛ وأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَهُودِيَّةِ؛ فَدَعاها؛ فَقالَ لَها: ”أسَمَّمْتِ هَذِهِ الشّاةَ؟“؛ قالَتِ اليَهُودِيَّةُ: مَن أخْبَرَكَ؟ قالَ: ”أخْبَرَتْنِي هَذِهِ في يَدِي - لِلذِّراعِ“؛ قالَتْ: نَعَمْ؛ قالَ: ”فَما أرَدْتِ؟“؛ قالَتْ: قُلْتُ: إنْ كانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنا مِنهُ؛ فَعَفا عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ولَمْ يُعاقِبْها؛ وتُوُفِّيَ بَعْضُ أصْحابِهِ الَّذِينَ أكَلُوا مِنَ الشّاةِ؛ واحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كاهِلِهِ مِن أجْلِ الَّذِي أكَلَ مِنَ الشّاةِ؛ حَجَمَهُ أبُو هِنْدٍ (p-٢٣٥)بِالقَرْنِ والشَّفْرَةِ؛» وهو مَوْلًى لِبَنِي بَياضَةَ؛ مِنَ الأنْصارِ؛ قالَ الدّارِمِيُّ وهو مِن بَنِي ثُمامَةَ - وهم حَيٌّ مِنَ الأنْصارِ -؛ قالَ المُنْذِرِيُّ: وهَذا مُنْقَطِعٌ؛ الزُّهْرِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ وفي غَزْوَةِ ”خَيْبَرَ“؛ مِن تَهْذِيبِ السِّيرَةِ لِابْنِ هِشامٍ: ”فَلَمّا اطْمَأنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الحارِثَةِ؛ امْرَأةُ سَلامِ بْنِ مِشْكَمٍ؛ شاةً مَصْلِيَّةً؛ وقَدْ سَألَتْ: أيُّ عُضْوٍ مِنَ الشّاةِ أحَبُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقِيلَ لَها: الذِّراعُ؛ فَأكْثَرَتْ فِيها مِنَ السُّمِّ؛ ثُمَّ سَمَّمَتْ سائِرَ الشّاةِ؛ ثُمَّ جاءَتْ بِها؛ فَلَمّا وضَعَتْها بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَناوَلَ الذِّراعَ؛ فَلاكَ مِنها مُضْغَةً؛ فَلَمْ يَسُغْها؛ ومَعَهُ بِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ؛ قَدْ أخَذَ مِنها كَما أخَذَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَأمّا بِشْرٌ فَأساغَها؛ وأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَفَظَها؛ ثُمَّ قالَ:“إنَّ هَذا العَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ”؛ ثُمَّ دَعاها فاعْتَرَفَتْ؛ فَقالَ:“ما حَمَلَكِ عَلى ذَلِكَ؟”؛ قالَتْ: بُلِّغْتُ مِن قَوْمِي ما لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ؛ فَقُلْتُ: إنْ كانَ مَلِكًا اسْتَرَحْتُ مِنهُ؛ وإنْ كانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ؛ فَتَجاوَزَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وماتَ بِشْرٌ مِن أكْلَتِهِ الَّتِي أكَلَ؛ وذَكَرَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ أنَّ بِشْرًا - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - لَمْ يَسُغْ لُقْمَتَهُ حَتّى أساغَ النَّبِيُّ ﷺ لُقْمَتَهُ؛ وقالَ بَعْدَ (p-٢٣٦)أنْ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي أكْرَمَكَ؛ لَقَدْ وجَدْتُ ذَلِكَ في أكْلَتِي الَّتِي أكَلْتُ؛ فَما مَنَعَنِي أنْ ألْفِظَها إلّا أنِّي أعْظَمْتُ أنْ أُنَغِّصَكَ طَعامَكَ؛ فَلَمّا أسَغْتَ ما في فِيكَ لَمْ أكُنْ لِأرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِكَ.
ونَقَلْتُ مِن خَطِّ شَيْخِنا؛ حافِظِ عَصْرِهِ؛ أبِي الفَضْلِ أحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ الكِنانِيِّ الشّافِعِيِّ؛ ما نَصُّهُ: وأخْرَجَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ؛ أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الخالِقِ البَزّارُ؛ في مُسْنَدِهِ المَشْهُورِ؛ وأبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ أيُّوبَ الطَّبَرانِيُّ؛ في مُعْجَمِهِ الكَبِيرِ؛ مِن حَدِيثِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَأْكُلُ مِن هَدِيَّةٍ حَتّى يَأْمُرَ صاحِبَها أنْ يَأْكُلَ مِنها؛ لِلشّاةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ بِخَيْبَرَ؛» قالَ شَيْخُنا الحافِظُ أبُو الحَسَنِ الهَيْثَمِيُّ: رِجالُهُ ثِقاتٌ؛ قُلْتُ: وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقٍ؛ في السِّيرَةِ الكُبْرى؛ وكَذَلِكَ الواقِدِيُّ؛ في المَغازِي؛ انْتَهى؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي مَرْوانُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قالَ في مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ؛ ودَخَلَتْ عَلَيْهِ أُمُّ بِشْرٍ؛ بِنْتُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ تَعُودُهُ:“يا أُمَّ بِشْرٍ؛ إنَّ هَذا الأوانَ وجَدْتُ انْقِطاعَ أبْهَرِي مِنَ الأكْلَةِ الَّتِي أكَلْتُ مَعَ أخِيكِ بِخَيْبَرَ ”؛» قالَ: فَإنْ كانَ المُسْلِمُونَ لَيَرَوْنَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ماتَ شَهِيدًا مَعَ ما أكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ؛ ولِابْنِ ماجَةَ؛ في الطِّبِّ؛ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: لا يَزالُ؛ يُصِيبُكَ في كُلِّ عامٍ وجَعٌ مِنَ الشّاةِ المَسْمُومَةِ الَّتِي أكَلْتَ؛ قالَ:“ما أصابَنِي (p-٢٣٧)شَيْءٌ مِنها إلّا وهو مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وآدَمُ في طِينَتِهِ”؛» ولِلْبُخارِيِّ؛ في آخِرِ المَغازِي؛ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: «“يا عائِشَةُ؛ ما أزالُ أجِدُ ألَمَ الطَّعامِ الَّذِي أكَلْتُ بِخَيْبَرَ؛ فَهَذا أوانُ وجَدْتُ انْقِطاعَ أبْهَرِي مِن ذَلِكَ السُّمِّ”؛» قالَ ابْنُ فارِسٍ؛ في المُجْمَلِ: الأبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنُ الصُّلْبِ؛ والقَلْبُ مُتَّصِلٌ بِهِ؛ وهو قَوْلُهُ ﷺ: «“هَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي”؛» وعِبارَةُ المُحْكَمِ: عِرْقٌ في الظَّهْرِ؛ يُقالُ: هو الوَرِيدُ في العُنُقِ؛ وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ عِرْقًا مُسْتَبْطِنَ الصُّلْبِ؛ وقالَ ثابِتُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ؛ في كِتابِ“خَلْقُ الإنْسانِ”: وفي الصُّلْبِ الوَتِينُ؛ وهو عِرْقٌ أبْيَضُ غَلِيظٌ؛ كَأنَّهُ قَصَبَةٌ؛ وفي الصُّلْبِ الأبْهَرُ والأبْيَضُ؛ وهُما عِرْقانِ؛ وقالَ الزُّبَيْدِيُّ؛ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: والأبْهَرانِ عِرْقانِ مُكْتَنِفا الصُّلْبِ؛ وقِيلَ: هُما الأكْحَلانِ؛ وقالَ الفَيْرُوزْآبادِيُّ في قامُوسِهِ: والأبْهَرُ: الظَّهْرُ؛ وعِرْقٌ فِيهِ؛ ووَرِيدُ العُنُقِ؛ والأكْحَلُ؛ والكُلْيَةُ؛ والوَتِينُ: عِرْقٌ في القَلْبِ؛ إذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ؛ وقالَ ابْنُ الفُراتِ؛ في الوَفاةِ؛ مِنَ السِّيرَةِ؛ مِن تارِيخِهِ: قالَ الحَرْبِيُّ: العِرْقُ في الظَّهْرِ يُسَمّى الأبْهَرَ؛ وفي اليَدِ الأكْحَلَ؛ وفي العُنُقِ الوَرِيدَ؛ وفي الفَخْذِ النَّسا؛ وفي السّاقِ الأبْجَلَ؛ وفي العَيْنِ الشَّأْنَ؛ (p-٢٣٨)وهُوَ عِرْقٌ واحِدٌ؛ كُلُّهُ يُسَمّى الجَدْوَلَ؛ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ أيْضًا: هو الوَتِينُ في القَلْبِ؛ والصّافِنُ.
وقالَ الإمامُ أبُو غالِبِ بْنُ التَّيّانِيِّ الأنْدَلُسِيُّ؛ في كِتابِهِ“المَوْعِبُ”: إسْماعِيلُ أبُو حاتِمٍ: الأبْهَرُ عِرْقٌ في الظَّهْرِ؛ وقالَ: هو الوَرِيدُ في العُنُقِ؛ ثُمَّ يُقالُ: والأبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنُ المَتْنِ؛ الأصْمَعِيُّ: وفي الصُّلْبِ الأبْهَرُ؛ وهو عِرْقٌ؛ صاحِبُ العَيْنِ: الأبْهَرانِ: الأكْحَلانِ؛ ويُقالُ: هُما عِرْقانِ مُكْتَنِفا الصُّلْبِ مِن جانِبَيْهِ؛ وقالَ ﷺ: «“ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تَعادُّنِي كُلَّ عامٍ؛ فالآنَ حِينُ قَطَعَتْ أبْهَرِي"؛» يَعْنِي عِرْقِي؛ ويُقالُ: الأبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنُ الصُّلْبِ؛ وإذا انْقَطَعَ فَلا حَياةَ بَعْدَهُ؛ وهَذا اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَواهُ البُخارِيُّ؛ والطَّبَرانِيُّ؛ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -؛ ومَعْنى تَعادُّنِي: تُناظِرُنِي؛ وتُخالِفُنِي؛ ومِنَ العَدِيدِ بِمَعْنى النِّدِّ الَّذِي هو المِثْلُ؛ المُضادُّ والمُنافِرُ؛ أيْ: إنِّي كُلَّما زِدْتُ في جِسْمِي صِحَّةً؛ نَقَصَتْهُ بِما لَها مِنَ الضُّرِّ والأذى.
5:68Страница 119
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
Скажи: «О люди Писания! Вы не будете идти прямым путем, пока не станете руководствоваться Тауратом (Торой), Инджилом (Евангелием) и тем, что ниспослано вам от вашего Господа». Ниспосланное тебе от твоего Господа приумножает во многих из них несправедливость и неверие. Не печалься же о неверующих людях.
ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِالتَّبْلِيغِ العامِّ؛ أمَرَهُ بِنَوْعٍ مِنهُ عَلى وجْهٍ يُؤَكِّدُ ما خُتِمَتْ بِهِ آيَةُ التَّبْلِيغِ مِن عَدَمِ الهِدايَةِ لِمَن حَتَّمَ بِكُفْرِهِ؛ ويُبْطِلُ - مَعَ تَأْكِيدِهِ - هَذِهِ الدَّعْوى؛ قَوْلَهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ؛ فَقالَ - مُرَهِّبًا لَهُمْ؛ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ في إقامَتِهِ -: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ (p-٢٣٩)؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾؛ أيْ: سارٍّ؛ أوْ يُعْتَدُّ بِهِ؛ مِن دُنْيا ولا آخِرَةٍ؛ لِأنَّهُ لِعَدَمِ نَفْعِهِ لِبُطْلانِهِ لا يُسَمّى شَيْئًا أصْلًا؛ ﴿حَتّى تُقِيمُوا﴾؛ أيْ: بِالعَمَلِ بِالقَلْبِ؛ والقالَبِ؛ ﴿التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾؛ وما فِيهِما مِنَ الإيمانِ بِعِيسى؛ ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالإشارَةِ إلى كُلٍّ مِنهُما بِالخُصُوصِ؛ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ في الإشْراقِ مِن ساعِيرَ؛ والظُّهُورِ مِن فارانَ؛ وبِالإشارَةِ بِالعُمُومِ إلى تَصْدِيقِ كُلِّ مَن أتى بِالمُعْجِزِ؛ وصَدَّقَ ما قَبْلَهُ مِن مِنهاجِ الرُّسُلِ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ﴾؛ ولَمّا كانَ ما عِنْدَهم إنَّما أُوتِيَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ الأنْبِياءِ؛ عَدّاهُ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِإنْزالِهِ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِكم مِنَ البِشارَةِ بِهِما؛ وعَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ؛ مِمّا يُصَدِّقُ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَهُ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ: ”لِأنَّ أكْثَرَهم هالِكٌ“؛ صَرَّحَ بِهِ دالًّا بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَلَيُؤْمِنَنَّ بِهِ مَن أرادَ اللَّهُ مِنهُمْ“؛ فَقالَ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: ما عِنْدَهم مِنَ الكُفْرِ بِما في كِتابِهِمْ؛ ﴿ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾؛ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ ﴿طُغْيانًا﴾؛ تَجاوُزًا شَدِيدًا لِلْحَدِّ؛ ﴿وكُفْرًا﴾؛ أيْ: سَتْرًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ.
ولَمّا كانَ ﷺ شَدِيدَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ سَلّاهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إعْلامِ اللَّهِ لَكَ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ؛ ثُمَّ عَنْ وُقُوعِهِ كَما أخْبَرَ؛ أنْ تَعْلَمَ أنَّهُ بِإرادَتِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ فَقالَ لَكَ: (p-٢٤٠)لا ﴿تَأْسَ﴾؛ أيْ: تَحْزَنْ؛ ﴿عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: عَلى فَواتِ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَضُرُّوا إلّا أنْفُسَهُمْ؛ لِأنَّ رَبَّكَ العَلِيمَ القَدِيرَ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا لَأقْبَلَ بِهِمْ إلَيْكَ؛ والحاصِلُ أنَّهُ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْلُولِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”بَلِّغْ؛ فَإنَّ اللَّهَ هو الهادِي المُضِلُّ؛ فَلا تَحْزَنْ عَلى مَن أدْبَرَ“.
5:69Страница 119
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩
Воистину, верующие, а также иудеи, сабии и христиане, которые уверовали в Аллаха и в Последний день и поступали праведно, не познают страха и не будут опечалены.
ولَمّا كانَ ما مَضى في هَذِهِ السُّورَةِ غالِبًا؛ في فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ لا سِيَّما اليَهُودَ؛ وبَيانِ أنَّهم عَضُّوا عَلى الكُفْرِ؛ ومَرَدُوا عَلى الجَحْدِ؛ وتَمَرَّنُوا عَلى البُهْتِ؛ وعَتَوْا عَنْ أوامِرِ اللَّهِ؛ كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِأنَّهُ رُبَّما حُدِّثَ في الخاطِرِ أنَّهُ إنْ آمَنَ مِنهم أحَدٌ ما يُقْبَلُ؛ أوْ لِأنْ يَقُولُوا هُمْ: لَيْسَ في دُعائِنا حِينَئِذٍ فائِدَةٌ؛ فَلا تَدْعُنا؛ أخْبَرَ أنَّ البابَ مَفْتُوحٌ لَهُمْ؛ ولِغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ؛ وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِهِ إلّا عَدَمُ الإخْلاصِ؛ فَإذا أخْلَصَ أُذِنَ في دُخُولِهِ؛ ونُودِيَ بِقَبُولِهِ؛ أوْ يُقالُ - وهو أحْسَنُ -: لَمّا أخْبَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنهم بِالزِّيادَةِ في الكُفْرِ؛ رَغَّبَ القِسْمَ الآخَرَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ مَعَهم كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ الأمْرَ - تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ وأمْرًا؛ ونَهْيًا - خاصٌّ بِهِمْ؛ فَوَقَعَ الإعْلامُ بِأنَّهم وغَيْرَهم مِن جَمِيعِ الفِرَقِ في ذَلِكَ سَواءٌ؛ تَشْرِيفًا لِمِقْدارِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ؛ وإحاطَةِ الرِّسالَةِ؛ (p-٢٤١)فَقالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: قالُوا: آمَنّا؛ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: اليَهُودَ؛ ﴿والصّابِئُونَ﴾؛ أيْ: القائِلُونَ بِالأوْثانِ السَّماوِيَّةِ؛ والأصْنامِ الأرْضِيَّةِ؛ ﴿والنَّصارى﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَدَّعُونَ اتِّباعَ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ولَمّا كانَ اليَهُودُ قَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ؛ مُتَقَرِّبِينَ بِها إلى النُّجُومِ؛ في اسْتِنْزالِ الرُّوحانِيّاتِ؛ انْهِماكًا في السِّحْرِ؛ الَّذِي جاءَ نَبِيُّهم مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِإبْطالِهِ؛ وكانَ ذَلِكَ هو مَعْنى دِينِ الصّابِئَةِ؛ وفَرَّقَ بَيْنَ فَرِيقَيْ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِمْ؛ مُكْتَفِيًا بِهِمْ عَنْ ذِكْرِ بَقِيَّةِ المُشْرِكِينَ؛ لِما مَضى في ”البَقَرَةِ“؛ ولِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن ذَمِّ اليَهُودِ؛ بِالنَّقْضِ لِلْمِيثاقِ؛ والكُفْرِ؛ واللَّعْنِ؛ والقَسْوَةِ؛ وتَكَرُّرِ الخِيانَةِ؛ وإخْفاءِ الكِتابِ؛ والمُسارَعَةِ في الكُفْرِ؛ والنِّفاقِ؛ والتَّخْصِيصِ بِالكُفْرِ؛ والظُّلْمِ؛ والفِسْقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّامّاتِ ما يَسُدُّ الأسْماعَ؛ كانَ قَبُولُ تَوْبَتِهِمْ جَدِيرًا بِالإنْكارِ؛ وكانُوا هم يُنْكِرُونَ - عِنادًا - فَلاحَ العَرَبِ؛ مَن آمَنَ مِنهُمْ؛ ومَن لَمْ يُؤْمِن؛ فاقْتَضى الحالُ كَوْنَ الفَرِيقَيْنِ في حَيِّزِ التَّأْكِيدِ؛ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لِلصّابِئَةِ ذِكْرٌ هُنا؛ فَأُخْرِجُوا مِنهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقامَ لا يَقْتَضِيهِ لَهُمْ؛ فابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمُ اعْتِراضًا؛ ودَلَّ عَلى الخَبَرِ عَنْهم بِخَبَرِ ”إنَّ“؛ أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْغِيبِ في التَّوْبَةِ؛ وجَعْلِ هَؤُلاءِ؛ مَعَ شَناعَةِ حالِهِمْ بِظُهُورِ ضَلالِهِمْ؛ كَمَن لا إنْكارَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِ؛ كانَ غَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ حالُ النَّصارى مُشْتَبِهًا؛ جُعِلُوا في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِلْعَطْفِ عَلى اليَهُودِ؛ لِما (p-٢٤٢)تَقَدَّمَ مِن ذَمِّهِمْ؛ وعَلى الصّابِئَةِ؛ لِخِفَّةِ حالِهِمْ؛ بِأنَّهم - مَعَ أنَّ أصْلُ دِينِهِمْ صَحِيحٌ - لَمْ يَبْلُغْ ذَمُّهُمُ السّابِقُ في هَذِهِ السُّورَةِ مَبْلَغَ ذَمِّ اليَهُودِ؛ ﴿مَن آمَنَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ مُخْلِصًا مِن قَلْبِهِ؛ ولَعَلَّهُ تَرَكَ الجارَّ إعْراقًا في التَّعْمِيمِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِ العِبادُ بِأرْواحِهِمْ؛ وأشْباحِهِمْ؛ ويُبْعَثُ مَن ذَكَرَهُ عَلى الزَّهادَةِ؛ وألْحَدَ في العِبادَةِ؛ وبِالإيمانِ بِهِ يَحْصُلُ كَمالُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ بِاعْتِقادِ كَمالِ قُدْرَتِهِ؛ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾؛ أيْ: صَدَّقَ إيمانَهُ القَلْبِيَّ بِالعَمَلِ بِما أُمِرَ بِهِ؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ فَضِيلَتَيِ العِلْمِ؛ والعَمَلِ؛ ويَتَطابَقَ الجَنانُ مَعَ الأرْكانِ؛ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ يُعْتَدُّ بِهِ في دُنْيا؛ ولا في آخِرَةٍ؛ ﴿ولا هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَحْزَنُونَ﴾؛ أيْ: عَلى شَيْءٍ فاتَ؛ لِأنَّهُ لا يَفُوتُهم شَيْءٌ يُؤْسَفُ عَلَيْهِ أصْلًا؛ وأمّا غَيْرُهم فَهم في الحُزْنِ أبَدًا؛ وفي الآيَةِ تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]؛ المُشارِ إلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ بِنِسْبَتِهِمْ إلى أكْلِ السُّحْتِ؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ وفي نُصُوصِ التَّوْراةِ المَوْجُودَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ أعْظَمُ ناصِحٍ لَهم في ذَلِكَ؛ كَما سَبَقَ في أوائِلِ ”البَقَرَةِ“؛ وقالَ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنها - عِنْدَ ذِكْرِ التِّيهِ؛ ووَصاياهُمْ؛ إذْ أدْخَلَهُمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ؛ ومَكَّنَهم فِيها بِأشْياءَ؛ (p-٢٤٣)مِنها القُرْبانُ -: (وإنْ سَكَنَ بَيْنَكم رَجُلٌ غَرِيبٌ يُقْبِلُ إلَيَّ؛ أوْ بَيْنَ أوْلادِكم لِأحْقابِكُمْ؛ ويُقَرِّبُ قُرْبانًا لِرِبْحِ قَتارِ الذَّبِيحَةِ لِلرَّبِّ؛ يَفْعَلُ كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ؛ ولْتَكُنِ السُّنَّةُ واحِدَةً لَكُمْ؛ ولِلَّذِينِ يُقْبِلُونَ إلَيَّ؛ ويَسْكُنُونَ بَيْنَكُمْ؛ سُّنَّةً جارِيَةً لِأحْقابِكم إلى الأبَدِ؛ والَّذِينَ يُقْبِلُونَ إلَيَّ مِنَ الغُرَباءِ يَكُونُونَ أمامَ الرَّبِّ مِثْلَكُمْ؛ ولْتَكُنْ لَكم سُّنَّةٌ واحِدَةٌ؛ وحُكُومَةٌ واحِدَةٌ؛ لَكم ولِلَّذِينِ يُقْبِلُونَ إلَيَّ؛ ويَسْكُنُونَ مَعَكم.
5:70Страница 119
لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠
Мы уже заключили завет с сынами Исраила (Израиля) и отправили к ним посланников. Каждый раз, когда посланники приносили им то, что им было не по душе, они нарекали лжецами одних и убивали других.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ - الصّادِقَةُ مِنَ العَزِيزِ العَلِيمِ؛ الَّذِي أهْلُ الكِتابِ أعْرَفُ النّاسِ بِهِ - لِمَن آمَنَ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ مُوجِبَةً لِلدُّخُولِ في الإيمانِ؛ والتَّعَجُّبِ مِمَّنْ لَمْ يُسارِعْ إلَيْهِ؛ وكانَ أكْثَرُ أهْلِ الكِتابِ إنَّما يُسارِعُونَ في الكُفْرِ؛ كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِتَذَكُّرِ ما مَضى مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]؛ وزِيادَةِ العَجَبِ مِنهُمْ؛ مَعَ ذَلِكَ؛ فَأعادَ - سُبْحانَهُ - الإخْبارَ بِهِ؛ مُؤَكِّدًا لَهُ؛ تَحْقِيقًا لِأمْرِهِ؛ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ وساقَهُ عَلى وجْهٍ يَرُدُّ دَعْوى البُنُوَّةِ؛ والمَحَبَّةِ؛ مُلْتَفِتًا - مَعَ التَّذْكِيرِ بِأوَّلِ قَصَصِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ - إلى أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ وعَبَّرَ في مَوْضِعِ الجَلالَةِ بِـ ”نُونِ العَظَمَةِ“؛ وجَعَلَ بَدَلَ النُّقَباءِ الرُّسُلَ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿لَقَدْ أخَذْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ ثُمَّ بِمَن يَأْتِي بِالمُعْجِزِ؛ مُصَدِّقًا لِما عِنْدَهُ؛ بِحَيْثُ يَقُومُ (p-٢٤٤)الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ مِن رُسُلِ اللَّهِ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أخْذُ العَهْدِ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ بِهِمْ؛ ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ - في مَظْهَرِ العَظَمَةِ -: ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾؛ أيْ: لَمْ نَكْتَفِ بِهَذا العَهْدِ؛ بَلْ لَمْ نُخْلِهِمْ مِن بَعْدِ مُوسى مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ يُرُونَهُمُ الآياتِ؛ ويُجَدِّدُونَ لَهم أوامِرَ الرَّبِّ؛ إلى زَمَنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ رَوى الشَّيْخانِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ البُخارِيُّ؛ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومُسْلِمٌ؛ في المَغازِي؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِياءُ؛ كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ؛ وإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي؛ وسَيَكُونُ خُلَفاءُ فَيَكْثُرُونَ“؛ قالُوا: فَما تَأْمُرُنا؟ قالَ: ”فُوا بِبَيْعَةِ الأوَّلِ فالأوَّلِ؛ وأعْطُوهم حَقَّهُمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ سائِلُهم عَمّا اسْتَرْعاهُمْ“؛» انْتَهى.
ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخْلُ لَهم زَمانٌ طَوِيلٌ مِنَ الكُفْرِ؛ لا في زَمَنِ مُوسى؛ ولا في زَمَنِ مَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ حَتّى قَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلُوا بِالرُّسُلِ؟ -: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾؛ أيْ: مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ؛ أيَّ رَسُولٍ كانَ؛ ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾؛ أيْ: بِشَيْءٍ لا تُحِبُّهُ نُفُوسُهُمْ؛ مَحَبَّةً تَتَساقَطُ بِها إلَيْهِ؛ خالَفُوهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ مُخالَفَةٍ؟ فَقِيلَ: ﴿فَرِيقًا﴾؛ أيْ: مِنَ الرُّسُلِ؛ ﴿كَذَّبُوا﴾؛ أيْ: كَذَّبَهم بَنُو إسْرائِيلَ؛ مِن غَيْرِ قَتْلٍ؛ ودَلَّ عَلى شِدَّةِ بَشاعَةِ القَتْلِ؛ وعَظِيمِ شَناعَتِهِ؛ بِالتَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ؛ تَصْوِيرًا لِلْحالِ الماضِيَةِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا دَيْدَنُهُمْ؛ (p-٢٤٥)وهُوَ أشَدُّ مِنَ التَّكْذِيبِ؛ فَقالَ: ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾؛ أيْ: مَعَ التَّكْذِيبِ؛ ولِيَدُلَّ عَلى ما وقَعَ مِنهم في سَمِّ النَّبِيِّ ﷺ؛ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لِلدَّلالَةِ عَلى انْحِصارِ أمْرِهِمْ في حالِ التَّكْذِيبِ والقَتْلِ؛ فَلا حَظَّ لَهم في تَصْدِيقٍ مُخالِفٍ لِأهْوِيَتِهِمْ؛
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии