Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:5–7
5:5Страница 107
ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٥
Сегодня вам дозволена благая пища. Еда людей Писания также дозволена вам, а ваша еда дозволена им, а также вам дозволены целомудренные женщины из числа уверовавших и целомудренные женщины из числа тех, кому Писание было даровано до вас, если вы выплатите им вознаграждение (брачный дар), желая сберечь целомудрие, не распутствуя и не беря их себе в подруги. Тщетны деяния того, кто отрекся от веры, а в Последней жизни он окажется среди потерпевших урон.
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ نِكاحِ المُشْرِكاتِ؛ والمُنافَرَةِ لِجَمِيعِ أصْنافِ الكُفّارِ؛ وبَيانُ بُغْضِهِمْ؛ وعَداوَتِهِمْ؛ والحَثُّ عَلى طَرْدِهِمْ؛ ومُنابَذَتِهِمْ؛ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]؛ ونَحْوُها؛ لِضَعْفِ الأمْرِ إذْ ذاكَ؛ وشِدَّةِ الحاجَةِ إلى (p-٢٤)إظْهارِ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ لَهُمْ؛ لِتَعْظِيمِ دِينِ اللَّهِ؛ حَتّى كانَتْ خِلْطَتُهم مِن أماراتِ النِّفاقِ؛ كَما سَيَأْتِي في كَثِيرٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ وكانَ الدِّينُ وصَلَ عِنْدَ نُزُولِها مِنَ العَظَمَةِ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَعْظِيمِ مُعَظِّمٍ؛ وكانَتْ مُخالَطَةُ أهْلِ الكِتابِ لا بُدَّ مِنها عِنْدَ فُتُوحِ البِلادِ الَّتِي وعَدَ الصّادِقُ بِها؛ وسَبَقَ في الأزَلِ عِلْمُها؛ فَكانَتِ الفِتْنَةُ في مُخالَطَتِهِمْ قَدْ صارَتْ في حَدِّ الأمْنِ؛ وسَّعَ الأمْرَ بِحِلِّ طَعامِهِمْ؛ ونِسائِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُكَرِّرًا ذِكْرَ الوَقْتِ الَّذِي أنْزَلَ فِيهِ هَذِهِ الآياتِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ النِّعْمَةِ فِيهِ؛ بِتَذَكُّرِ ما هم فِيهِ مِنَ الكَثْرَةِ؛ والأمْنِ؛ والجَمْعِ؛ والأُلْفَةِ؛ وتَذَكُّرِ ما كانُوا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ القِلَّةِ؛ والخَوْفِ؛ والفُرْقَةِ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِصَدْرِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ إعْلامًا بِعِظَمِ النِّعْمَةِ فِيهِ؛ ومُفِيدًا بِذِكْرِ وقْتِ الإحْلالِ أنَّهُ إحْلالٌ مَقْصُودٌ بِهِ الثَّباتُ؛ لِكَوْنِهِ يَوْمَ إتْمامِ النِّعْمَةِ؛ فَهو غَيْرُ الأوَّلِ -: ﴿اليَوْمَ﴾؛ ولَمّا كانَ القَصْدُ إنَّما هو الحِلُّ؛ لا كَوْنُهُ مِن مُحِلٍّ مُعَيَّنٍ؛ مَعَ أنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآياتِ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا مُحِلَّ إلّا اللَّهُ؛ بَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ فَقالَ: ﴿أُحِلَّ﴾؛ أيْ: ثَبَتَ الإحْلالُ؛ فَلا يُنْسَخُ أبَدًا؛ ﴿لَكُمُ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿الطَّيِّباتُ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَقَدَّمَ في ”البَقَرَةِ“؛ وصْفُها بِالحِلِّ؛ لِزَوالِ الإثْمِ؛ ومُلاءَمَةِ الطَّبْعِ؛ فَهي الكامِلَةُ في الطِّيبِ. (p-٢٥)ولَمّا كانَتِ الطَّيِّباتُ أعَمَّ مِنَ المَآكِلِ؛ قالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ سَبَبُ الحِلِّ الكِتابَ؛ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِكْرِ مُؤْتِيهِ غَرَضٌ؛ بَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ فَقالَ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: مِمّا يَصْنَعُونَهُ؛ أوْ يَذْبَحُونَهُ؛ وعَبَّرَ بِالطَّعامِ الشّامِلِ لِما ذُبِحَ وغَيْرِهِ؛ وإنْ كانَ المَقْصُودُ المَذْبُوحَ؛ لا غَيْرَهُ؛ ولا يَتَخَلَّفُ حالُهُ مِن كِتابِيٍّ ولا غَيْرِهِ؛ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ؛ ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: تَناوُلُهُ لِحاجَتِكُمْ؛ أيْ: مُخالَطَتِهِمْ؛ لِلْإذْنِ في إقْرارِهِمْ عَلى دِينِهِمْ بِالجِزْيَةِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مُشْعِرًا بِإبْقائِهِمْ عَلى ما اخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ أيْ: فَلا عَلَيْكم في بَذْلِهِ لَهُمْ؛ ولا عَلَيْهِمْ في تَناوُلِهِ.
ولَمّا كانَتِ الطَّيِّباتُ أعَمَّ مِنَ المَطاعِمِ وغَيْرِها؛ وكانَتِ الحاجَةُ إلى المَناكِحِ بَعْدَ الحاجَةِ إلى المَطاعِمِ؛ وكانَتِ المَطاعِمُ حَلالًا مِنَ الجانِبَيْنِ؛ والمَناكِحُ مِن جانِبٍ واحِدٍ؛ قالَ: ﴿والمُحْصَناتُ﴾؛ أيْ: الحَرائِرُ؛ ﴿مِنَ المُؤْمِناتِ﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ الإشارَةَ إلى إقْرارِ أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ: ﴿والمُحْصَناتُ﴾؛ أيْ: الحَرائِرُ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ؛ لِلْعِلْمِ بِمُؤْتِيهِ؛ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ غَرَضٌ.
ولَمّا كانَ إيتاؤُهُمُ الكِتابَ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمَنَ الماضِيَ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: وهُمُ اليَهُودُ؛ والنَّصارى؛ وعَبَّرَ عَنِ العَقْدِ بِالصَّداقِ؛ (p-٢٦)لِلْمُلابَسَةِ؛ فَقالَ - مُخْرِجًا لِلْأمَةِ؛ لِأنَّها لا تُعْطى الأجْرَ؛ وهو الصَّداقُ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُهُ؛ بَلْ يُعْطاهُ سَيِّدُها -: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أيْ: عَقَدْتُمْ لَهُنَّ؛ ودَلَّ مَساقُ الشَّرْطِ عَلى تَأكُّدِ وُجُوبِ الصَّداقِ؛ وأنَّ مَن تَزَوَّجَ وعَزَمَ عَلى عَدَمِ الإعْطاءِ؛ كانَ في صُورَةِ الزّانِي؛ ووَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ؛ وتَسْمِيَتُهُ بِالأجْرِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حَدَّ لِأقَلِّهِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالأجْرِ المَهْرَ؛ وكانَ في اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلى ما يُعْطاهُ الزّانِيَةُ أيْضًا؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أيْ: قاصِدِينَ الإعْفافَ؛ والعَفافَ؛ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾؛ أيْ: قاصِدِينَ صَبَّ الماءِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ جَهارًا؛ ﴿ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾؛ أيْ: صَدائِقَ لِذَلِكَ في السِّرِّ؛ جَمْعُ ”خِدْنٌ“؛ وهو يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ؛ والأُنْثى؛ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُخَصِّصَةً لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ فَبَقِيَ عَلى التَّحْرِيمِ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ ما عَدا الكِتابِيّاتِ؛ مِنَ الوَثَنِيّاتِ؛ وغَيْرِهِنَّ؛ مِن جَمِيعِ المُشْرِكاتِ؛ حَتّى المُنْتَقِلَةُ مِنَ الكِتابِيّاتِ مِن دِينِها إلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ؛ وصَرَّحَ هُنا بِالمُؤْمِناتِ؛ المُقْتَضِي لَهُنَّ قَوْلُهُ (تَعالى) - في ”النِّساءِ“ -: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]؛ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]؛ ولَعَلَّ (p-٢٧)ذِكْرَ وصْفِ الإحْصانِ الواقِعِ عَلى العِفَّةِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَقْصِدُ المُتَّصِفَةَ بِغَيْرِهِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ؛ إلّا مَن سُلِبَ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةَ؛ وأخْلَدَ إلى مُجَرَّدِ الحَيَوانِيَّةِ؛ فَصارَ في عِدادِ البَهائِمِ؛ بَلْ أدْنى؛ مَعَ أنَّ التَّعْلِيقَ بِذَلِكَ الوَصْفِ لا يُفْهِمُ الحُرْمَةَ عِنْدَ فَقْدِهِ؛ بَلِ الحِلُّ مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّ مِن حِكَمِ مَشْرُوعِيَّةِ النِّكاحِ الإعْفافَ؛ فَإذا شُرِعَ إعْفافُ العَفائِفِ كانَ شَرْعُ إعْفافِ غَيْرِهِنَّ أوْلى؛ لِأنَّ زِناها إمّا لِشَهْوَةٍ؛ أوْ حاجَةٍ؛ وكِلاهُما لِلنِّكاحِ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في نَفْيِهِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ السِّرُّ في النَّهْيِ عَنْ نِكاحِ المُشْرِكاتِ في الأصْلِ ما يُخْشى مِنَ الفِتْنَةِ؛ وكانَتِ الفِتْنَةُ - وإنْ عَلا الدِّينُ ورَسَخَ الإيمانُ واليَقِينُ - لَمْ تَنْزِلْ عَنْ دَرَجَةِ الإمْكانِ؛ وكانَتِ الصَّلاةُ تُسَمّى إيمانًا؛ لِأنَّها مِن أعْظَمِ شَرائِعِهِ؛ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أيْ: صَلاتَكُمْ؛ ورَوى الطَّبَرانِيُّ؛ في الأوْسَطِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أوَّلُ ما يُحاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ الصَّلاةُ؛ فَإنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سائِرُ عَمَلِهِ؛ وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عَمَلِهِ“؛» ولَهُ في الأوْسَطِ أيْضًا؛ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أوَّلُ ما يُحاسَبُ بِهِ العَبْدَ يَوْمَ القِيامَةِ يُنْظَرُ في صَلاتِهِ؛ فَإنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أفْلَحَ؛ وإنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خابَ وخَسِرَ“؛» وكانَتْ مُخالَطَةُ الأزْواجِ مَظِنَّةً لِلتَّكاسُلِ عَنْها؛ ولِهَذا أُنْزِلَتْ آيَةُ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] (p-٢٨)كَما مَضّى بِالمَحَلِّ الَّذِي هي بِهِ.
لَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ خُتِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - مُنَفِّرًا مِن نِكاحِهِنَّ بَعْدَ إحْلالِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الوَرِعَ ابْتَعَدَ عَنْهُ؛ امْتِثالًا لِلْآياتِ النّاهِيَةِ عَنْ مُوادَّةِ المُحادِّ؛ لِئَلّا يَحْصُلَ مَيْلٌ؛ فَيَدْعُوَ إلى المُتابَعَةِ؛ أوْ يَحْصُلَ ولَدٌ؛ فَتَسْتَمِيلَهُ لِدِينِها -: ﴿ومَن﴾ أيْ: أُحِلَّ لَكم ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يَكْفُرْ﴾؛ أيْ: يُوجِدْ؛ ويُجَدِّدِ الكُفْرَ؛ عَلى وجْهِ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ بِهِ؛ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ؛ ﴿بِالإيمانِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ بِكُلِّ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ؛ وأُنْزِلَتْ بِهِ الكُتُبُ؛ الَّذِي مِنهُ حِلُّ الكِتابِيّاتِ؛ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إلى نِكاحِهِنَّ؛ فَتَحْمِلَهُ الخُلْطَةُ عَلى اتِّباعِ دِينِهِنَّ؛ فَيَكْفُرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّصْدِيقِ؛ فَيَكْفُرَ بِالصَّلاةِ؛ الَّتِي يَلْزَمُ مِنَ الكُفْرِ بِها الكُفْرُ بِهِ؛ فَإطْلاقُهُ عَلَيْها تَعْظِيمٌ لَها: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أيْ: صَلاتَكُمْ؛ ﴿فَقَدْ حَبِطَ﴾؛ أيْ: فَسَدَ؛ ﴿عَمَلُهُ﴾؛ أيْ: إذا اتَّصَلَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾؛ والآيَةُ مِن أدِلَّةِ إمامِنا الشّافِعِيِّ عَلى اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ الواحِدِ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ فَحَيْثُ قُصِدَ التَّحْذِيرُ مِنَ الكُفْرِ حَقِيقَةً؛ فالإيمانُ حَقِيقَةٌ؛ وحَيْثُ أُرِيدَ التَّرْهِيبُ مِن إضاعَةِ الصَّلاةِ؛ فَهو مَجازٌ؛ ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ في السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ: (لا تُعاهِدَنَّ سُكّانَ الأرْضِ لِكَيْلا تَضِلُّوا (p-٢٩)بِأوْثانِهِمْ؛ وتَذْبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ؛ أوْ يَدْعُوكَ فَتَأْكُلَ مِن ذَبائِحِهِمْ؛ وتُزَوِّجَ بَنِيكَ مِن بَناتِهِمْ؛ وبَناتِكَ مِن بَنِيهِمْ؛ فَتَضِلَّ بَناتُكَ خَلْفَ آلِهَتِهِمْ؛ ويَضِلَّ بَنُوكَ بِآلِهَتِهِمْ)؛ وقالَ في الخامِسِ مِنها: (وإذا أدْخَلَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا الأرْضَ الَّتِي تَدْخُلُونَها لِتَرِثُوها؛ وأهْلَكَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِن بَيْنِ أيْدِيكُمْ: حَتّانِيِّينَ؛ وجِرْجِسانِيِّينَ؛ وأمُورانِيِّينَ وكَنْعانِيِّينَ وفَرْزانِيِّينَ وحاوانِيِّينَ ويابِسانِيِّينَ؛ سَبْعَةَ شُعُوبٍ؛ أكْثَرَ وأقْوى مِنكُمْ؛ ويَدْفَعُهُمُ اللَّهُ رَبُّكم في أيْدِيكُمْ؛ فاضْرِبُوهُمْ؛ واقْتُلُوهُمْ؛ وانْفُوهُمْ؛ وحَرِّمُوهُمْ؛ ولا تُعاهِدُوهم عَهْدًا؛ ولا تَرْحَمُوهُمْ؛ وتَحاشَوْهُمْ؛ ولا تُزَوِّجُوا بَناتِكم مِن بَنِيهِمْ؛ ولا تُزَوِّجُوا بَنِيكم مِن بَناتِهِمْ؛ لِئَلّا يُغْوِينَ بَنِيكم عَنْ عِبادَتِي؛ ويَخْدَعْنَهم فَيَعْبُدُوا آلِهَةً أُخْرى؛ ويَشْتَدَّ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ؛ ويُهْلِكَكم سَرِيعًا؛ ولَكِنِ اصْنَعُوا بِهِمْ هَذا الصَّنِيعَ: اسْتَأْصِلُوا مَذابِحَهُمْ؛ وكَسِّرُوا أنْصابَهُمْ؛ وحَطِّمُوا أصْنامَهُمُ المَصْبُوغَةَ؛ وأحْرِقُوا أوْثانَهُمُ المَنحُوتَةَ؛ لِأنَّكم شَعْبٌ طاهِرٌ لِلَّهِ رَبِّكُمْ)؛ انْتَهى.
وإذا تَأمَّلْتَ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ وأمْعَنَتْ فِيهِ النَّظَرَ؛ لاحَ لَكَ سِرُّ تَعْقِيبِها بِقَوْلِهِ (تَعالى) في سِياقٍ مُشِيرٍ إلى البِشارَةِ؛ بِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُطِيعُ؛ ولا تَعْصِي؛ فَتُؤْمِنُ ولا تَكْفُرُ؛ لِما خَصَّ بِهِ كِتابَها مِنَ البَيانِ الأتَمِّ في النَّظْمِ المُعْجِزِ؛ (p-٣٠)مَعَ شَرَفِ التَّذْكِيرِ بِما أفاضَهُ مِن شَرَفٍ جَلِيلِ الأيادِي؛ فافْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالأمْرِ بِالوَفاءِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ؛ وأتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِما وفّى بِهِ - سُبْحانَهُ - مِن حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ؛ مِن نَوْعِ المَنافِعِ في لَذَّةِ المَطْعَمِ؛ وتَوابِعِهِ؛ ولَذَّةِ المَنكَحِ؛ وتَوابِعِهِ؛ وقَدَّمَ المَطْعَمَ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ فَوْقَ الحاجَةِ إلى المَنكَحِ؛ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ
5:6Страница 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦
О те, которые уверовали! Когда вы встаете на намаз, то умойте ваши лица и ваши руки до локтей, оботрите ваши головы и умойте ваши ноги до щиколоток. А если вы находитесь в половом осквернении, то очиститесь. Если же вы больны или находитесь в путешествии, если кто-либо из вас пришел из уборной или если вы имели близость с женщинами, и вы не нашли воды, то направьтесь к чистой земле и оботрите ею ваши лица и руки. Аллах не хочет создавать для вас трудности, а хочет очистить вас и довести до конца Свою милость по отношению к вам, - быть может, вы будете благодарны.
فَلَمّا أتَمَّ ما ألْزَمَهُ نَفْسَهُ الأقْدَسَ مِن عَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ فَضْلًا مِنهُ؛ أتْبَعَهُ الأمْرَ بِالوَفاءِ بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ؛ وقَدَّمَ مِنهُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّها أشْرَفُهُ بَعْدَ الإيمانِ؛ وقَدَّمَ الوُضُوءَ؛ لِأنَّهُ شَرْطُها؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِهِ؛ صَدِّقُوهُ بِأنَّكُمْ؛ ﴿إذا﴾؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّحْقِيقِ؛ بِشارَةً بِأنَّ الأُمَّةَ مُطِيعَةٌ؛ ﴿قُمْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالقُوَّةِ؛ وهي العَزْمُ الثّابِتُ عَلى القِيامِ؛ الَّذِي هو سَبَبُ القِيامِ؛ ﴿إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: جِنْسِها؛ مُحْدِثِينَ؛ لِما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِجَمْعِهِ بَعْدَهُ صَلَواتٍ بِوُضُوءٍ واحِدٍ؛ وإنْ كانَ التَّجْدِيدُ أكْمَلَ؛ وخُصَّتِ الصَّلاةُ ومَسُّ المُصْحَفِ مِن بَيْنِ الأعْمالِ؛ بِالأمْرِ بِالوُضُوءِ؛ تَشْرِيفًا لَهُما؛ ويَزِيدُ حَمْلَ الإيمانِ عَلى الصَّلاةِ حُسْنًا تَقَدُّمُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ الثّابِتُ أنَّها نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ عَصْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ؛ والنَّبِيُّ ﷺ عَلى ناقَتِهِ يَخْطُبُ؛ وكانَ مِن خُطْبَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ أوْ في يَوْمِ النَّحْرِ؛ أوْ في كِلَيْهِما: «”ألا إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ؛ ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ“؛» رَواهُ أحْمَدُ؛ ومُسْلِمٌ؛ في صِفَةِ القِيامَةِ؛ (p-٣١)والتِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَقَوْلُهُ: ”المُصَلُّونَ“؛ إشارَةٌ إلى أنَّ الماحِيَ لِلشِّرْكِ هو الصَّلاةُ؛ فَما دامَتْ قائِمَةً فَهو زائِلٌ؛ ومَتى زالَتْ - والعِياذُ بِاللَّهِ - رَجَعَ؛ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما رَواهُ مُسْلِمٌ؛ في صَحِيحِهِ؛ وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةُ؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”بَيْنَ العَبْدِ والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ“؛» ولِلْأرْبَعَةِ؛ وابْنِ حِبّانَ في صَحِيحِهِ؛ والحاكِمِ؛ عَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُمُ الصَّلاةَ؛ فَمَن تَرَكَها فَقَدْ كَفَرَ“؛» ولِأبِي يَعْلى؛ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ أوَّلَ ما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلى النّاسِ مِن دِينِهِمُ الصَّلاةُ؛ وآخِرَ ما يَبْقى الصَّلاةُ“؛» ولَمّا كانَ الوُضُوءُ في سُورَةِ ”النِّساءِ“؛ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الإشارَةِ إجْمالًا؛ صَرَّحَ بِهِ هُنا عَلى سَبِيلِ الأمْرِ؛ وفَصَّلَهُ؛ فَقالَ - مُجِيبًا لِلشَّرْطِ؛ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّيْءِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ -: ﴿فاغْسِلُوا﴾؛ أيْ: لِأجْلِ إرادَةِ الصَّلاةِ؛ ومِن هُنا يُعْلَمُ وُجُوبُ النِّيَّةِ؛ لِأنَّ فِعْلَ العاقِلِ لا يَكُونُ إلّا مَقْصُودًا؛ وفِعْلَ المَأْمُورِ بِهِ لِأجْلِ الأمْرِ هو النِّيَّةُ؛ ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ وحَدُّ الوَجْهِ مَنابِتُ شَعْرِ الرَّأْسِ؛ ومُنْتَهى الذَّقَنِ طُولًا؛ وما بَيْنَ الأُذُنَيْنِ عَرْضًا؛ ولَيْسَ مِنهُ داخِلُ العَيْنِ؛ وإنْ كانَ مَأْخُوذًا مِنَ المُواجَهَةِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الحَرَجِ؛ (p-٣٢)وكَذا إيصالُ الماءِ إلى البَشَرَةِ؛ إذا كَثَفَتِ اللِّحْيَةُ خَفَّفَ لِلْحَرَجِ؛ واكْتَفى عَنْهُ بِظاهِرِ اللِّحْيَةِ؛ وأمّا العَنْفَقَةُ ونَحْوُها مِنَ الشَّعْرِ الخَفِيفِ فَيَجِبُ؛ ﴿وأيْدِيَكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَتِ اليَدُ تُطْلَقُ عَلى ما بَيْنَ المَنكِبِ؛ ورُؤُوسِ الأصابِعِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا أنَّ ابْتِداءَ الغَسْلِ يَكُونُ مِنَ الكَفَّيْنِ؛ لِأنَّهُما لِعِظَمِ النَّفْعِ أوْلى بِالِاسْمِ -: ﴿إلى المَرافِقِ﴾؛ أيْ: آخِرِها؛ أخْذًا مِن بَيانِ النَّبِيِّ ﷺ بِفِعْلِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ يُدِيرُ الماءَ عَلى مِرْفَقَيْهِ؛ وإنَّما كانَ الِاعْتِمادُ عَلى البَيانِ لِأنَّ الغايَةَ تارَةً تَدُلُّ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١]؛ وتارَةً لا تَدْخُلُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
والمِرْفَقُ مُلْتَقى العَظْمَيْنِ؛ وعُفِيَ عَمّا فَوْقَ ذَلِكَ؛ تَخْفِيفًا؛ ﴿وامْسَحُوا﴾؛ ولَمّا عَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى الرَّأْسِ؛ فَلَمْ يَفْعَلْ كَما فَعَلَ في الغَسْلِ مَعَ الوَجْهِ؛ بَلْ أتى بِالباءِ؛ فَقالَ: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾؛ عُلِمَ أنَّ المُرادَ إيجادُ ما يُسَمّى مَسْحًا في أيِّ مَوْضِعٍ كانَ مِنَ الرَّأْسِ؛ دُونَ خُصُوصِ التَّعْمِيمِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِ الكَشّافِ: المُرادُ إلْصاقُ المَسْحِ بِالرَّأْسِ؛ وماسِحُ بَعْضِهِ؛ ومُسْتَوْعِبُهُ بِالمَسْحِ؛ كِلاهُما مُلْصِقٌ لِلْمَسْحِ.
ولَمّا كانَ غَسْلُ الرِّجْلِ مَظِنَّةَ الإسْرافِ؛ فَكانَ مَأْمُورًا بِالِاقْتِصادِ فِيهِ؛ وكانَ المَسْحُ عَلى الخُفِّ سائِغًا؛ كافِيًا؛ قُرِئَ: ”وأرْجُلِكُمْ“؛ بِالجَرِّ؛ عَلى المُجاوَرَةِ؛ إشارَةً إلى ذَلِكَ؛ أوْ لِأنَّ الغاسِلَ يُدَلِّكُ في الأغْلَبِ؛ (p-٣٣)قالَ في القامُوسِ: ”المَسْحُ“؛ كَـ ”المَنعُ“: إمْرارُ اليَدِ عَلى الشَّيْءِ السّائِلِ؛ فَيَكُونُ في ذَلِكَ إشارَةٌ أيْضًا إلى اسْتِحْبابِ الدَّلْكِ؛ والقَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى اسْتِعْمالِ هَذا المُشْتَرَكِ في أحَدِ المَعْنَيَيْنِ قِراءَةُ النَّصْبِ؛ وبَيانُ النَّبِيِّ ﷺ؛ ومَرَّ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ؛ وفِيهِ الإشارَةُ إلى الرِّفْقِ بِالنَّصْبِ عَلى الأصْلِ.
ولَمّا كانَتِ الرِّجْلُ مِن مَوْضِعِ الِانْشِعابِ؛ مِنَ الأسْفَلِ إلى آخِرِها؛ خَصَّ بِقَوْلِهِ - دالًّا بِالغايَةِ عَلى أنَّ المُرادَ الغَسْلُ؛ كَما مَضى في المَرافِقِ؛ لِأنَّ المَسْحَ لَمْ يُرَدْ فِيهِ غايَةٌ في الشَّرِيعَةِ؛ وعَلى أنَّ ابْتِداءَ الغَسْلِ يَكُونُ مِن رُؤُوسِ الأصابِعِ؛ لِأنَّ القَدَمَ بِعِظَمِ نَفْعِهِ أوْلى بِاسْمِ الرِّجْلِ -: ﴿إلى الكَعْبَيْنِ﴾؛ وهُما العَظْمانِ النّاتِئانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السّاقِ؛ والقَدَمِ؛ وثَنّى إشارَةً إلى أنَّ لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ؛ ولَوْ قِيلَ: ”إلى الكِعابِ“؛ لَفُهِمَ أنَّ الواجِبَ كَعْبٌ واحِدٌ مِن كُلِّ رِجْلٍ - كَما ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ؛ مِن حَرْفِ المِيمِ؛ مِن قَواعِدِهِ؛ والفَصْلُ بِالمَسْحِ بَيْنَ المَغْسُولاتِ مُعْلِمٌ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ - كَما نَقَلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ؛ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“؛ عَنِ الأصْحابِ - أنَّها لا تَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا لِلْإعْلامِ بِالتَّرْتِيبِ؛ وقالَ غَيْرُهُ - مُعَلِّلًا لِما ألْزَمَتْهُالعَرَبُ -: تَرْكُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ؛ بِذِكْرِ كُلٍّ مِنهُما عَلى حِدَتِهِ؛ مُسْتَهْجَنٌ في الكَلامِ البَلِيغِ لِغَيْرِ فائِدَةٍ؛ فَوَجَبَ تَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ (p-٣٤)عَنْهُ أيْضًا؛ فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ البَداءَةِ بِالوَجْهِ؛ مِمّا لا مَدْفَعَ لَهُ لِتَرْتِيبِها لَهُ؛ بِالحِراسَةِ عَلى الشَّرْطِ بِالفاءِ؛ وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ في الباقِي؛ إذْ لا قائِلَ بِالوُجُوبِ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ؛ ولَعَلَّ تَكْرِيرَ الأمْرِ بِالغَسْلِ والتَّيَمُّمِ لِلِاهْتِمامِ بِهِما؛ ولِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ في التَّوْسِعَةِ بِالتَّيَمُّمِ؛ وأنَّ حُكْمَهُ باقٍ عِنْدَ أمْنِهِمْ وسَعَتِهِمْ؛ كَراهَةَ أنْ يُظَنَّ أنَّهُ إنَّما كانَ عِنْدَ خَوْفِهِمْ؛ وقِلَّتِهِمْ؛ وضِيِقِ التَّبَسُّطِ في الأرْضِ؛ لِظُهُورِ الكُفّارِ وغَلَبَتِهِمْ؛ كَما كانَتِ المُتْعَةُ تُباحُ تارَةً؛ وتُمْنَعُ أُخْرى؛ نَظَرًا إلى الحاجَةِ وفَقْدِها؛ ولِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ والإعْلامِ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ولا بِشَيْءٍ مِنَ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ قَبْلَهُ الحَرَجَ؛ وإنَّما أرادَ طَهارَةَ الباطِنِ والظّاهِرِ مِن أدْناسِ الذُّنُوبِ؛ وأوْضارِ الخَلائِقِ السّالِفَةِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ قَدْ يَقَعُ؛ وقَدْ لا يَقَعُ؛ وهو نادِرٌ؛ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ؛ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”هَذا إنْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ حَدَثًا أصْغَرَ -: ﴿وإنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: حالَ القَصْدِ لِلصَّلاةِ؛ ﴿جُنُبًا﴾؛ أيْ: مُمْنِينَ بِاحْتِلامٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿فاطَّهَّرُوا﴾؛ أيْ: بِالغُسْلِ؛ إنْ كُنْتُمْ خالِينَ عَنْ عُذْرٍ؛ لِجَمِيعِ البَدَنِ؛ لِأنَّهُ أطْلَقَ ولَمْ يَخُصَّ بِبَعْضِ الأعْضاءِ؛ كَما في الوُضُوءِ.
ولَمّا أتَمَّ أمْرَ الطَّهارَةِ عَزِيمَةً بِالماءِ؛ مِنَ الغُسْلِ؛ والوُضُوءِ؛ وبَدَأ بِالوُضُوءِ لِعُمُومِهِ؛ ذَكَرَ الطَّهارَةَ رُخْصَةً بِالتُّرابِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ؛ إشارَةً إلى أنَّ الرَّخاءَ أكْثَرُ مِنَ الشِّدَّةِ -: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾؛ أيْ (p-٣٥)بِجِراحٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً؛ حِسًّا أوْ مَعْنًى؛ بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِهِ؛ وأنْتُمْ جُنُبٌ؛ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ طَوِيلٍ؛ أوْ قَصِيرٍ كَذَلِكَ؛ ولَمّا ذَكَرَ الأكْبَرَ أتْبَعَهُ الأصْغَرَ؛ فَقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ﴾؛ وهو غَيْرُ جُنُبٍ؛ ﴿مِنَ الغائِطِ﴾؛ أيْ: المَوْضِعِ المُطْمَئِنِّ مِنَ الأرْضِ؛ وهو أيُّ مَكانٍ لِلتَّخَلِّي؛ أيْ: قَضَيْتُمْ حاجَةَ الإنْسانِ؛ الَّتِي لا بُدَّ لَهُ مِنها؛ ويُنَزِّهُ الكِتابَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِها؛ لِأنَّها مِنَ النَّقائِصِ المُذَكِّرَةِ لَهُ بِشَدِيدِ عَجْزِهِ؛ وعَظِيمِ ضَرُورَتِهِ؛ وفَقْرِهِ؛ لِيَكُفَّ مِن إعْجابِهِ؛ وكِبَرِهِ؛ وتَرَفُّعِهِ؛ وفُجْرِهِ؛ كَما ورَدَ أنَّ بَعْضَ الأُمَراءِ لَقِيَ بَعْضَ البُلْهِ في طَرِيقٍ؛ فَلَمْ يُفْسِحْ لَهُ؛ فَغَضِبَ؛ وقالَ: كَأنَّكَ ما تَعْرِفُنِي؟ فَقالَ: بَلى واللَّهِ؛ إنِّي لِأعْرِفُكَ؛ أوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ؛ وآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ؛ وأنْتِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ تَحْمِلُ العُذْرَةَ.
ولَمّا ذَكَرَ ما يَخُصُّ الأصْغَرَ؛ ذَكَرَ ما يَعُمُّ الأكْبَرَ؛ فَقالَ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾؛ أيْ: بِالذَّكَرِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ أمْنَيْتُمْ؛ أوْ لا؛ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾؛ أيْ: حِسًّا؛ أوْ مَعْنًى؛ بِالعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِهِ؛ لِلْمَرَضِ بِجُرْحٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾؛ أيْ: اقْصِدُوا قَصْدًا مُتَعَمَّدًا؛ ﴿صَعِيدًا﴾؛ أيْ: تُرابًا؛ ﴿طَيِّبًا﴾؛ أيْ: طَهُورًا؛ خالِصًا؛ ﴿فامْسَحُوا﴾ (p-٣٦)ولَمّا كانَ التُّرابُ لِكَثافَتِهِ لا يَصِلُ إلى ما يَصِلُ إلَيْهِ الماءُ بِلَطافَتِهِ؛ قَصَرَ الفِعْلَ؛ وعَدّاهُ بِالحَرْفِ؛ إشارَةً إلى الِاكْتِفاءِ بِمَرَّةٍ؛ والعَفْوِ عَنِ المُبالَغَةِ؛ وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ المُرادَ جَمِيعُ العُضْوِ؛ فَقالَ: ﴿بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾؛ أيْ: حالَ النِّيَّةِ؛ الَّتِي هي القَصْدُ؛ الَّذِي هو التَّيَمُّمُ؛ ثُمَّ أشارَ لَهم إلى حِكْمَتِهِ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الرُّخْصَةِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الغَنِيُّ الغِنى المُطْلَقَ؛ ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَرَجٍ﴾؛ أيْ: ضِيقٍ؛ عِلْمًا مِنهُ بِضَعْفِكُمْ؛ فَسَهَّلَ عَلَيْكم ما كانَ عَسَّرَهُ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمْ؛ وإكْرامًا لَكُمْ؛ لِأجْلِ نَبِيِّكم ﷺ؛ فَلَمْ يَأْمُرْكم إلّا بِما يَسْهُلُ عَلَيْكُمْ؛ لِيَقِلَّ عاصِيكُمْ؛ ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾؛ أيْ: ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ بِالماءِ؛ والتُّرابِ؛ وامْتِثالِ الأمْرِ عَلى ما شَرَعَهُ - سُبْحانَهُ -؛ عَقَلْتُمْ مَعْناهُ؛ أوْ لا؛ مَعَ تَسْهِيلِ الأوامِرِ والنَّواهِي؛ لِكَيْلا يُوقِعَكُمُ التَّشْدِيدُ في المَعْصِيَةِ؛ الَّتِي هي رِجْسُ الباطِنِ؛ ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ﴾؛ أيْ: في التَّخْفِيفِ في العَزائِمِ؛ ثُمَّ في الرُّخَصِ؛ وفي وعْدِكم بِالأُجُورِ عَلى ما شَرَعَ لَكم مِنَ الأفْعالِ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ لِأجْلِ تَسْهِيلِها؛ لِيَكُونَ فِعْلُكم لَها؛ واسْتِحْقاقُكم لِما رُتِّبَ عَلَيْها مِنَ الأجْرِ؛ مَقْطُوعًا بِهِ؛ إلّا لِمَن لَجَّ طَبْعُهُ في العِوَجِ؛ وتَمادى في الغَوايَةِ؛ والجَهْلِ؛ والبَطَرِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ هَذا التَّسْهِيلَ وغَيْرَهُ؛ لِيَكُونَ حالُكُمْ؛ لَمّا سَهَّلَ (p-٣٧)عَلَيْكُمْ؛ حالَ مَن يُرْجى صَرْفُهُ لِنِعَمِ رَبِّهِ عَلَيْهِ؛ في طاعَتِهِ المُسَهَّلَةِ لَهُ؛ المُحَبَّبَةِ إلَيْهِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ وغَيْرُهُ؛ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ:“خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ أسْفارِهِ؛ حَتّى إذا كُنّا بِالبَيْداءِ؛ أوْ بِذاتِ الجَيْشِ؛ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي؛ فَأقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى التِماسِهِ؛ وأقامَ النّاسُ مَعَهُ؛ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ؛ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ؛ وفي رِوايَةٍ: سَقَطَتْ قِلادَةٌ لِي بِالبَيْداءِ؛ ونَحْنُ داخِلُونَ المَدِينَةَ؛ فَأناخَ النَّبِيُّ ﷺ؛ ونَزَلَ؛ فَثَنى رَأْسَهُ في حِجْرِي راقِدًا؛ فَأتى النّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ؛ فَقالُوا: ألا تَرى ما صَنَعَتْ عائِشَةُ ؟ فَجاءَ أبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً؛ وقالَ: حَبَسْتِ النَّبِيَّ ﷺ في قِلادَةٍ؛ فَبِيَ المَوْتُ لِمَكانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وقَدْ أوْجَعَنِي؛ ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ؛ وحَضَرَتِ الصُّبْحُ؛ فالتَمَسَ الماءَ؛ فَلَمْ يُوجَدْ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ ”؛ وفي رِوايَةٍ:“فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾؛ فَقالَ أسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بارَكَ اللَّهُ لِلنّاسِ فِيكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ؛ ما أنْتُمْ إلّا بَرَكَةٌ لَهُمْ”؛ وفي رِوايَةٍ:“ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ؛ قالَتْ: فَبَعَثْنا البَعِيرَ الَّذِي (p-٣٨)كُنْتُ عَلَيْهِ؛ فَإذا العِقْدُ تَحْتَهُ”؛» وفي رِوايَةِ لَهُ عَنْها؛ في النِّكاحِ؛ «أنَّها اسْتَعارَتْ مِن أسْماءَ قِلادَةً؛ فَهَلَكَتْ؛ فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ناسًا مِن أصْحابِهِ في طَلَبِها؛ فَأدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ؛ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ؛ فَلَمّا أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ؛ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ؛ فَقالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزاكِ اللَّهُ خَيْرًا؛ فَواللَّهِ ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ قَطُّ إلّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنهُ مَخْرَجًا؛ وجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً؛» وهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ“النِّساءِ"؛ فَكانَتْ تِلْكَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِتَأْكِيدِ هَذا الحُكْمِ؛ ومَزِيدِ الِامْتِنانِ بِهِ؛ لِما فِيهِ مِن عَظِيمِ اليُسْرِ؛ ولِيَحْصُلَ في التَّيَمُّمِ مِنَ الجَنابَةِ نَصٌّ خاصٌّ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ أفْخَمَ لِشَأْنِها؛ وأدَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِها.
5:7Страница 108
وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
Помните о милости Аллаха к вам и завете, который Он заключил с вами, когда вы сказали: «Слушаем и повинуемся». Бойтесь Аллаха, ведь Аллаху известно о том, что в груди.
ولَمّا كانَ في هَذِهِ المَأْمُوراتِ؛ والمَنهِيّاتِ؛ خُرُوجٌ عَنِ المَأْلُوفاتِ؛ وكانَتِ الصَّلاةُ أوْثَقَ عُرى الدِّينِ؛ وكانَ قَدْ عَبَّرَ عَنْها بِالإيمانِ؛ الَّذِي هو أصْلُ الدِّينِ؛ وأساسُ الأعْمالِ؛ عَطَفَ عَلَيْها قَوْلَهُ - تَذْكِيرًا بِما يُوجِبُ القَبُولَ والِانْقِيادَ -: ﴿واذْكُرُوا﴾؛ أيْ ذِكْرَ اتِّعاظٍ؛ وتَأمُّلٍ؛ واعْتِبارٍ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الإنْعامِ غايَتَهُ؛ قالَ: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ في هِدايَتِهِ لَكم إلى الإسْلامِ؛ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ؛ فَأنْقَذَكم مِنها؛ وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ النِّعَمِ؛ وإنَّما (p-٣٩)لَمْ تُجْمَعْ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المَقْصُودَ تَعْدادُ النِّعَمِ؛ لا النَّدْبُ إلى الشُّكْرِ؛ بِتَأمُّلِ أنَّ هَذا الجِنْسَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ -؛ وعَظَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما يَسْتَحِقُّهُ؛ بِجَعْلِ فِعْلِهِ - سُبْحانَهُ - فِعْلَهُ ﷺ فَقالَ: ﴿ومِيثاقَهُ﴾؛ أيْ عَقْدَهُ الوَثِيقَ؛ ﴿الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾؛ أيْ بِواسِطَةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ حِينَ بايَعَكم لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلى السَّمْعِ؛ والطّاعَةِ؛ في العُسْرِ؛ واليُسْرِ؛ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾؛ وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِن مِثْلِ ما أرادَ بِهِمْ شَأْسُ بْنُ قَيْسٍ؛ وتَذْكِيرٌ بِما أوْجَبَ لَهُ ﷺ عَلَيْهِمْ؛ مِنَ الشُّكْرِ بِهِدايَتِهِ لَهم إلى الإسْلامِ؛ المُثْمِرِ لِالتِزامِ تِلْكَ العُهُودِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ؛ المُوجِبَهِ لِلْوَفاءِ المَوْعُودِ عَلَيْهِ الجَنَّةُ؛ والتِفاتٌ إلى قَوْلِهِ - أوَّلَ السُّورَةِ -: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ وحَدِيثُ إسْباغِ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ مُبَيِّنٌ لِحُسْنِ هَذا التَّناسُبِ.
ولَمّا كانَ أمْرُ الوَفاءِ بِالعَهْدِ صَعْبًا؛ لا يَقُومُ بِهِ إلّا مَن صَدَقَتْ عَرِيقَتُهُ؛ وصَلُحَتْ سَرِيرَتُهُ؛ وإنَّما يَحْمِلُ عَلَيْهِ مَخافَةُ اللَّهِ؛ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما يُغْضِبُ المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ؛ مِن نَقْضِ العَهْدِ وِقايَةً مِن حُسْنِ القِيامِ؛ لِتَكُونُوا في أعْلى دَرَجاتِ وعْيِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: أحْوالِها؛ مِن سَرائِرِها؛ (p-٤٠)- وإنْ كانَ صاحِبُها لَمْ يَعْلَمْها؛ لِكَوْنِها لَمْ تَبْرُزْ إلى الوُجُودِ -؛ وعَلانِيَتَها - وإنْ كانَ صاحِبُها قَدْ نَسِيَها.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии