Аль-БикаиАль‑Анам · 6:6–14

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:6–14

6:6Страница 128

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦

Разве они не видели, сколько поколений Мы погубили до них? Мы одарили их на земле властью, которой не одарили вас, ниспосылали им с неба обильные дожди и заставляли реки течь под ними. Мы погубили их за их грехи и создали после них другие поколения.

ولَمّا أخْبَرَ بِتَكْذِيبِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ وتَوَعَّدَهم بِتَحَتُّمِ تَعْذِيبِهِمْ، أتْبَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، فَعَجِبَ مِن تَمادِيهِمْ مَعَ ما عَلِمُوا (p-٢٢)مِن إهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأكْثَرَ جَمْعًا وجَنى مِن سَوابِغِ النِّعَمِ بِما لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِيهِ مَعَ ما ضَمُّوهُ إلى تَحَقُّقِ أخْبارِهِمْ مِن مُشاهَدَةِ آثارِهِمْ وعَجِيبِ اصْطِناعِهِمْ في أبْنِيَتِهِمْ ودِيارِهِمْ مُسْتَدِلًّا بِذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، فَقالَ مُقَرِّرًا مُنْكِرًا مُوَبِّخًا مُعَجِّبًا: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ ودَلَّ عَلى كَثْرَةِ المُخْبَرِ عَنْهم تَهْوِيلًا لِلْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾

ولَمّا كانَ المُرادُ ناسًا مُعَيَّنِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمَنَ القَبْلِ، وهم أهْلُ المُكْنَةِ الزّائِدَةِ كَقَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ - أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وبَيَّنَ ”كَمّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ مُقْتَرِنِينَ في زَمانٍ واحِدٍ، وهم أهْلُ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ - كَما صَحَّحَهُ القامُوسُ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ – لِغُلامٍ: ( عِشْ قَرْنًا )، فَعاشَ مِائَةً» . هَذا نِهايَةُ القَرْنِ، والأقْرَبُ أنَّهُ لا يَتَقَدَّرُ، بَلْ إذا انْقَضى أكْثَرُ أهْلِ عَصْرٍ قِيلَ: انْقَضى القَرْنُ، ودَلَّ عَلى ما شاهَدُوا مِن آثارِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ أيْ: ثَبَّتْناهم بِتَقْوِيَةِ الأسْبابِ مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ والقُوَّةِ في الأبْدانِ والسِّعَةِ في الأمْوالِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والصِّحَّةِ والفَراغِ ما لَمْ نُمَكِّنْكم، ومَكَّنّا لَهم بِالخِصْبِ والبَسْطَةِ والسِّعَةِ ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ أيْ: تَمْكِينًا لَمْ نَجْعَلْهُ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: نَخُصُّكم بِهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ أوْ شِبْهِهِ، والِالتِفاتُ مِن (p-٢٣)الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ الحالُ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الغائِبِ يَصْلُحُ لِكُلٍّ مِنَ المَفْضُولِ والفاضِلِ، ولا يُبْقِي اللَّبْسَ التَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ﴾ أيْ: المَطَرَ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ، أوْ: السَّحابَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ المَطَرَ، كانَ التَّقْدِيرُ: حالَ كَوْنِهِ ﴿مِدْرارًا﴾ أيْ: ذا سَيَلانٍ غَزِيرٍ مُتَتابِعٍ لِأنَّهُ صِفَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الدَّرِّ، قالُوا: ويَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

ولَمّا ذَكَرَ نَفْعَهم بِماءِ السَّماءِ، وكانَ غَيْرَ دائِمٍ، أتْبَعَهُ ماءَ الأرْضِ لِدَوامِهِ ومُلازَمَتِهِ لِلْبَساتِينِ والرِّياضِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ بِالأرْضِ وبُعْدُهُ مانِعًا مِن تَمامِ الِانْتِفاعِ بِها، أشارَ إلى قُرْبِهِ وعَدَمِ عُمُومِ الأرْضِ بِهِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِهِمْ﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الأرْضِ وأسْكَنّاهُ في أعْماقِها فَصارَتْ بِحَيْثُ إذا حُفِرَتْ نَبَعَ مِنها [مِن] الماءِ ما يَجْرِي مِنهُ نَهْرٌ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ مِنَ الماءِ كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ - فَكانَ مِن أظْهَرِ الأشْياءِ أنَّهُ غَرَزَ نَباتَهم واخْضَرَّتْ سُهُولُهم وجِبالُهم، فَكَثُرَتْ زُرُوعُهم وثِمارُهم، فاتَّسَعَتْ أحْوالُهم وكَثُرَتْ أمْوالُهم فَتَيَسَّرَتْ آمالُهم - أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لِهَوانِهِمْ اسْتِدْراجًا لَهم بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي كانَتْ عَنْ بَطَرِهِمْ النِّعْمَةَ (p-٢٤)ولَمْ نُبالِ بِهِمْ ولا أغْنَتْ عَنْهم نِعَمُهم.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما أبْقى عَلى عَبْدِهِ أوْ صاحِبِهِ خَوْفًا مِنَ الِاحْتِياجِ إلى مِثْلِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ، فَقالَ: ﴿وأنْشَأْنا﴾ ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأحَدٍ الخُلْدَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: فِيما كانُوا فِيهِ ﴿قَرْنًا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُبْقِ مِنَ المُهْلَكِينَ أحَدًا، وأنَّ هَذا القَرْنَ الثّانِيَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ بِنَسَبِ بُقُولِهِ: ﴿آخَرِينَ﴾ ولَمْ يُنْقِصْ مُلْكَنا شَيْئًا، فاحْذَرُوا أنْ نَفْعَلَ بِكم كَما فَعَلْنا بِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلَ آيَةِ الرُّومِ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [الروم: ٩] - الآيَةُ، فَتَمْكِينُهم هو المُرادُ بِالشِّدَّةِ هُناكَ، والتَّمْكِينُ لَهم هو المُرادُ بِالعِمارَةِ، والإهْلاكُ بِالذُّنُوبِ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [الروم: ٩] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.

6:7Страница 128

وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

Если бы даже Мы ниспослали тебе Писание на бумаге, и они прикоснулись бы к ней своими руками, неверующие все равно бы сказали: «Это - очевидное колдовство».

ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ ما مَضى: ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ ويُكَذِّبُونَكَ فِيما جِئْتَ بِهِ مِنَ الحَقِّ مَعَ ما أوْضَحْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحُجَجِ ونَصَبْتَ مِنَ الدَّلائِلِ، وكانَ ﷺ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، كانَ المَقامُ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ لِسانُ الحالِ: أنْزِلْ عَلَيْهِمْ يا رَبِّ ما يَنْتَقِلُونَ بِهِ مِنَ النَّظَرِ بِالفِكْرِ إلى العِيانِ كَما اقْتَرَحُوا عَلَيَّ، فَأخْبَرَهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ [الأنعام: ٤] تَحْقِيقًا لَهُ وتَصْوِيرًا في جَرْيَتِهِ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكَ كِتابًا﴾ أيْ: مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ (p-٢٥)﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ أيْ: ورَقٍ، إجابَةً لِما أشارَ عَلَيْهِمْ اليَهُودُ بِاقْتِراحِهِ، ثُمَّ حَقَّقَ أنَّهُ واضِحُ الأمْرِ، لَيْسَ بِخَيالٍ ولا فِيهِ نَوْعُ لَبْسٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى الرُّؤْيَةِ. وزادَ في التَّحْقِيقِ والتَّصْوِيرِ ودَفْعِ التَّجَوُّزِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأيْدِيهِمْ لَقالَ﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِنَ المَوْجُودِينَ مَن يَسْكُتُ ويُؤْمِنُ ولَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: حُكْمًا بِتَأبُّدِ كُفْرِهِمْ سَتْرًا لِلْآياتِ عِنادًا ومُكابَرَةً، ولَعَلَّهُ أسْقَطَ مِنهم إشارَةً إلى عُمُومِ دَعْوَتِهِ، أيْ: مِنَ العَرَبِ ومِن غَيْرِهِمْ مِن أُمَّةِ دَعْوَتِكَ، ولا سِيَّما اليَهُودُ المُشارُ إلى تَعَنُّتِهِمْ وكَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هَذا إلا سِحْرٌ﴾ أيْ: تَمْوِيهٌ وخَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وزادُوا في الوَقاحَةِ فَقالُوا: ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: واضِحٌ ظاهِرٌ، قالَ صاحِبُ كِتابِ (الزِّينَةِ): مَعْنى السِّحْرِ في كَلامِ العَرَبِ التَّعْلِيلُ بِالشَّيْءِ والمُدافَعَةُ بِهِ والتَّعْزِيرُ بِشَيْءٍ لا مَحْصُولَ لَهُ، يُقالُ: سَحَرَهُ - إذا عَلَّلَهُ وعَزَّرَهُ وشَبَّهَ عَلَيْهِ حَتّى لا يَدْرِيَ مِن أيْنَ يَتَوَجَّهُ ويَقْلِبُ عَنْ وجْهِهِ، فَكَأنَّ السَّحَرَةَ يُعَلِّلُونَ النّاسَ بِالباطِلِ ويُشَبِّهُونَ الباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ ويَقْلِبُونَهُ عَنْ جِهَتِهِ.

6:8Страница 128

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨

Они сказали: «Почему к нему не спускается ангел?». Если бы Мы ниспослали ангела, то решение уже было бы вынесено, после чего они не получили бы отсрочки.

ولَمّا بَيَّنَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإجابَةِ إلى ما أشارَ إلى أنَّ اليَهُودَ اقْتَرَحُوهُ مِن إنْزالِ الكِتابِ - أخْبَرَ أنَّهم اقْتَرَحُوا ظُهُورَ المَلِكِ [لَهُمْ]، وبَيَّنَ لَوازِمَهُ، فَإنَّهم قالُوا: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا لَوَجَبَ كَوْنُهُ مَلَكًا لِيَكُونَ أكْثَرَ (p-٢٦)عِلْمًا وأقْوى قُدْرَةً وأظْهَرَ امْتِيازًا عَنِ البَشَرِ، فَتَكُونُ الشُّبْهَةُ في رِسالَتِهِ أقَلَّ، والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ كانَ الأوْلى تَحْصِيلُهُ بِما هو أسْرَعُ إيصالًا إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وقالُوا لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ ظاهِرًا لَنا يُكَلِّمُنا ونُكَلِّمُهُ ولا يَحْتَجِبُ عَنّا.

ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهم مُشِيرًا إلى شُبْهَتِهِمْ، نَقَضَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ﴾ أيْ: والحالُ أنّا لَوْ ﴿أنْـزَلْنا﴾ وأسْقَطَ أداةَ الِاسْتِعْلاءِ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ في رَدِّ كَلامِهِمْ إلى ذِكْرِها. ولِئَلّا يَكُونَ فِيهِ تَسَلِّيهِمْ لِما لَوَّحُوا إلَيْهِ مِن إنْكارِهِمْ نُزُولَ المَلَكِ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ ﴿مَلَكًا﴾ أيْ: كَما اقْتَرَحُوهُ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ عَلى صُورَتِهِ أوْ لا، فَإنْ كانَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها لَمْ يَثْبُتُوا لِرُؤْيَتِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: بِهَلاكِهِمْ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً عَلى طَرِيقِ كَلامِ القادِرِينَ إلى غايَةِ السُّرْعَةِ لِسُهُولَةِ الأمْرِ وخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْظُرُهُ أحَدٌ مِنهم إلّا صُعِقَ، ولَئِنْ أعْطَيْناهم قُوَّةً يَثْبُتُونَ بِها لِنَظَرِهِ لَيَكُونَنَّ قَضاءٌ لِلْأمْرِ وانْفِصالٌ لِلنِّزاعِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ ذَلِكَ كَشْفٌ لِلْغِطاءِ وفَواتٌ لِلْإيمانِ بِالغَيْبِ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُنا بِالإهْلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإذا هم هالِكُونَ عَلى كُلٍّ مِن هَذَيْنَ التَّقْدِيرَيْنِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ مُهَوِّلًا لِرُتْبَتِهِ بِحَرْفِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: عَلى حالَةٍ مِن هاتَيْنِ، وأمّا إنْ جَعَلْناهُ عَلى صُورَةٍ يَسْتَطِيعُونَ نَظَرَها فَإنّا نَجْعَلُهُ (p-٢٧)عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، فَإنَّها أكْمَلُ الصُّوَرِ، وحِينَئِذٍ يَقَعُ لَهم اللَّبْسُ الَّذِي وقَعَ لَهم بِدُعائِكَ، وهو مَعْنى

6:9Страница 129

وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩

Если бы даже Мы ниспослали ангела, Мы все равно сделали бы его мужчиной и привели бы их в замешательство относительно того, в чем они сомневаются.

﴿ولَوْ جَعَلْناهُ﴾ أيْ: مَطْلُوبَهم ﴿مَلَكًا﴾ أيْ: يُمْكِنُ في مَجارِي العاداتِ في هَذِهِ الدّارِ رُؤْيَتُهم لَهُ وبَقاؤُهم بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ أيْ: في صُورَةِ رَجُلٍ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى تَمامِ اللَّبْسِ حَتّى [إنَّهُ] لا يَشُكُّ أحَدٌ يَراهُ في كَوْنِهِ رَجُلًا، كَما كانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَنْزِلُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، فَإذا رَآهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَمْ يَشُكَّ أنَّهُ دِحْيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ”و“ لَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا ”لَلَبَسْـنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبَسُونَ“ أيْ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِجَعْلِنا إيّاهُ رَجُلًا ما يَخْلِطُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الرِّسالَةَ لا تَصِحُّ مِنَ البَشَرِ، فَلَوْ كانَ هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولٌ رَسُولًا لَكانَ مَلَكًا، فَوَقَعَ اللَّبْسُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولٌ، مَلَكًا كانَ رَجُلًا، ويَجُوزُ أنْ يُقَرَّرَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا﴾ [الأنعام: ٧] في حَيِّزِ ﴿كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] أيْ: أعْرَضُوا عَنّا لَوْ نَزَّلْناها عَلَيْكَ في غَيْرِ قِرْطاسٍ، ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ مِنَ السَّماءِ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَجَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ بَيْنَ حِسِّ البَصَرِ واللَّمْسِ لَأعْرَضُوا، وقالَ الَّذِينَ أبَّدْنا كُفْرَهم عِنادًا (p-٢٨)ومُكابَرَةً: ما هَذا إلّا سِحْرٌ ظاهِرٌ، ويَكُونُ ”وقالُوا“ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٧] ويَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ اقْتِراحِهِمْ لِذَلِكَ بِما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الإسْراءِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِها، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمَغِيبٍ.

6:10Страница 129

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠

До тебя посланников также подвергали осмеянию, но тех, кто насмехался над ними, окружало (или постигало) то, над чем они издевались.

ولَمّا قَطَعَ الرَّجاءَ لِهِدايَةِ مَن حَكَمَ بِشَقاوَتِهِ، وكانَ طَلَبُهم لِإنْزالِ المَلَكِ ونَحْوِهِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والِاسْتِهْزاءِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - غايَةَ المَشَقَّةِ - التَفَتَتْ النَّفْسُ إلى الإراحَةِ مِنهم وتَوَقَّعَتْهُ لِما تَقَدَّمَ مِن مَظاهِرِ العَظَمَةِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ في سِياقٍ مُتَكَفِّلٍ بِتَسْلِيَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ سُنَّتَهُ فِيمَن فَعَلَ فِعْلَهم، فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ﴾ [الأنعام: ٥] -: ﴿ولَقَدِ﴾ أيْ: هَذا مِنهم إنَّما هو اسْتِهْزاءٌ بِكَ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ أيْ: أُوقِعَ الهَزْءُ وأُوجِدَ مِنَ الأُمَمِ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَنكِيَّ الِاسْتِهْزاءُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، وإشارَةً إلى أنَّهُ كانَ يَقَعُ لَهم ذَلِكَ مِنَ الأعْلى والأدْنى ﴿بِرُسُلٍ﴾

ولَمّا كانَ القُرْبُ في الزَّمَنِ في مِثْلِ هَذا مِمّا يُسَلِّي، وكانَ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والإرْسالِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ الزَّمَنَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ فَأهْلَكْنا مَن هَزَأ بِهِمْ، وهو مَعْنى ﴿فَحاقَ﴾ أيْ: فَأحاطَ (p-٢٩)﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَتَوَعَّدُونَ بِهِ، وكانَ سَبَبًا لِهَزْئِهِمْ.

6:11Страница 129

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Скажи: «Постранствуйте по земле и посмотрите, каким был конец тех, которые сочли ложью истину».

ولَمّا [عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ في جَوابِ هَذا: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ]، أمَرَهُ ﷺ بَعْدَ ما مَضى مِنَ التَّعْجِيبِ مِن كَوْنِهِمْ لَمْ يَنْظُرُوا بِقُلُوبِهِمْ أوْ أبْصارِهِمْ مَصارِعَ الماضِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ [الأنعام: ٦] أنْ يَأْمُرَهم بِأنْ يُشاهِدُوا مَصارِعَ مَن تَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ عِلْمُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِمِثْلِ تَكْذِيبِهِمْ مِن قَوْمِ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وغَيْرِهِمْ لِيُغْنِيَهم ذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةِ ما اقْتَرَحُوا، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا السَّيْرَ لِلِاعْتِبارِ ولا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِكم وتَمْكِينِكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ - الآيَةُ، وهي كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ بِالتَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ أخْذِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَ قَدْ سَلَفَ أنَّهُ لا تَقْدَمُهم عَنْ آجالِهِمْ، أمْهَلَهم في النَّظَرِ فَإنَّهُ أقْوى في التَّهْدِيدِ، وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وأدْعى إلى النَّصْفَةِ ولا سِيَّما والسُّورَةُ مِن أوائِلِ القُرْآنِ نُزُولًا وأوائِلِهِ تَرْتِيبًا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ وأشارَ إلى أنَّ هَذا أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ (p-٣٠)﴿المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنْعِمُوا النَّظَرَ وبالِغُوا في التَّفَكُّرِ وأطِيلُوا التَّدَبُّرَ إذا رَأيْتُمْ آثارَ المُعَذَّبِينَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَإنَّكم إذا شاهَدْتُمْ تِلْكَ الآثارَ كَمُلَ لَكم الِاعْتِبارُ وقَوِيَ الِاسْتِبْصارُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الِانْكِشافِ، فَكُلَّما طالَ الفِكْرُ فِيهِ ازْدادَ ظُهُورًا.

6:12Страница 129

قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢

Скажи: «Кому принадлежит то, что на небесах и на земле?». Скажи: «Аллаху! Он предписал Себе милосердие. Он непременно соберет вас вместе в День воскресения, в котором нет сомнения. Те, которые потеряли самих себя, никогда не уверуют».

ولَمّا أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالسَّيْرِ، سَألَهم هَلْ يَرَوْنَ في سَيْرِهِمْ وتَطْوافِهِمْ وجَوَلانِهِمْ واعْتِسافِهِمْ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ؟ تَذْكِيرًا لَهم بِما رَحِمَهم بِهِ مِن ذَلِكَ في إيجادِهِ لَهم أوَّلًا وتَيْسِيرِ مَنافِعِهِ ودَفْعِ مَضارِّهِ ثانِيًا، اسْتِعْطافًا لَهم إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَنِ الخُضُوعِ لِما هو مِثْلُهم أوْ أقَلُّ مِنهم، وهو مِلْكُهُ - سُبْحانَهُ - وفي قَبْضَتِهِ، وتَقْبِيحًا لِأنْ يَأْكُلُوا خَيْرَهُ ويَعْبُدُوا غَيْرَهُ. فَقالَ مُقَرِّرًا لَهم عَلى إثْباتِ الصّانِعِ والنُّبُوَّةِ والمُعادِ، ومُبَكِّتًا بِسَفَهِهِمْ وشِدَّةِ جَهْلِهِمْ وعَمَهِهِمْ: ﴿قُلْ لِمَن﴾ ونَبَّهَ بِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالمَعْبُودِ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾

ولَمّا كانُوا في مَقامِ العِنادِ حَيْثُ لَمْ يُبادِرُوا إلى الإذْعانِ بَعْدَ نُهُوضِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ كُلِّ عِلَّةٍ - أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعْرِضًا عَنْ انْتِظارِ جَوابِهِمْ تَوْبِيخًا لَهم بِعَدَمِ النَّصْفَةِ الَّتِي يَدَّعُونَها: ”قُلْ اللَّهُ“ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ قُدْرَةً وعِلْمًا ولا كُفُؤَ لَهُ، لا لِغَيْرِهِ، وهم وإنْ كانُوا مُعانِدِينَ فَإنَّهم لا يُمْكِنُهم رَدُّ قَوْلِكَ، لا سِيَّما وجَوابُ الإنْسانِ عَمّا سَألَهُ إنَّما يَحْسُنُ (p-٣١)أنْ يَتَعاطاهُ هو بِنَفْسِهِ إذا كانَ قَدْ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى حَدٍّ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكِرٌ، وهو هُنا كَذَلِكَ لِأنَّ آثارَ الحُدُوثِ والإمْكانِ ظاهِرَةٌ عَلى صَفَحاتِ الأكْوانِ، فَكانَ الإقْرارُ بِهِ ضَرُورِيًّا، لا خِلافَ فِيهِ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ ما في هَذا الكَوْنِ مَنافِعُ مَعَ كَوْنِها حَسَنَةً لَذِيذَةً طَيِّبَةً شَهِيَّةً، وما كانَ فِيها مِن مَضارَّ فَهي مَحْجُوبَةٌ مَمْنُوعَةٌ عَنْهم، يَقِلُّ وُصُولُها إلَيْهِمْ إلّا بِتَسَبُّبِهِمْ فِيها، والكُلُّ مَعَ ذَلِكَ دَلائِلُ ظاهِرَةٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أهْلًا لِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ لِعُمُومِ هَذا الإحْسانِ، مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ والعُدْوانِ، وتَأْخِيرُ العَذابِ عَنْهم مَعَ العِنادِ والطُّغْيانِ قالَ: دالًّا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كَتَبَ﴾ أيْ: وعَدَ وعْدًا هو كالمَكْتُوبِ الَّذِي خَتَمَ، وأكَّدَ غايَةَ التَّأْكِيدِ، أوْ كَتَبَ حَيْثُ أرادَ سُبْحانَهُ.

ولَمّا كانَتْ النَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الذّاتِ عَلى ما هي عَلَيْهِ قالَ: ﴿عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أيْ: فَلِذَلِكَ أكْرَمَكم هَذا الإكْرامَ بِوُجُوهِ الإنْعامِ، وأخَّرَ عَنْكم الِانْتِقامَ بِالِاسْتِئْصالِ، ولَوْ شاءَ هو لَسَلَّطَ عَلَيْكم المَضارَّ، وجَعَلَ عَيْشَكم مِن غَيْرِ اللَّذِيذِ كالتُّرابِ وبَعْضِ القاذُوراتِ الَّتِي يَعِيشُ بِها بَعْضُ الحَيَواناتِ.

(p-٣٢)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَطْمَعًا لِلظّالِمِ البَطِرِ، ومَعْجَبًا مُحَيِّرًا مُؤْسِفًا لِلْمَظْلُومِ المُنْكَسِرِ - قالَ مُحَذِّرًا مُرَحِّبًا مُبَشِّرًا مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ الخِطابِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأنَصُّ عَلى المَقْصُودِ دالًّا عَلى البَعْثِ بِما مَضى مِن إثْباتِ أنَّ الأكْوانَ لِلَّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما فِيها مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ يَجُوزُ اتِّصافُهُ بِأضْدادِها، فاخْتِصاصُ كُلِّ جِسْمٍ بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةَ إنَّما يَكُونُ بِتَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَيَكُونُ قادِرًا عَلى الإعادَةِ؛ لِأنَّ التَّرْكِيبَ الأوَّلَ إنَّما كانَ لِأنَّ صانِعَهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، والِاتِّصافُ بِذَلِكَ لا يَجُوزُ انْفِكاكُهُ عَنْهُ فَهو مَلِكٌ مُطاعٌ آمِرٌ ناهٍ مُرْسِلٌ مَن يُبَلِّغُ عَنْهُ أوامِرَهُ ونَواهِيَهُ لِإظْهارِ ثَمَرَةِ المُلْكِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في يَوْمِ الجَمْعِ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أيْ: واللَّهِ، مَحْشُورِينَ شَيْئًا فَشَيْئًا ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِلْعَدْلِ بَيْنَ جَمِيعِ العِبادِ كائِنًا ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وذَلِكَ الجَمْعُ لِتَخْصِيصِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِأوْلِيائِهِ والمَقْتِ والنِّقْمَةِ بِأعْدائِهِ بَعْدَ أنْ كانَ عَمَّ بِالرَّحْمَةِ الفَرِيقَيْنِ في يَوْمِ الدُّنْيا، وجَعَلَ الرَّحْمَةَ أظْهَرَ في حَقِّ الأعْداءِ، [وبِهَذا الجَمْعِ تَمَّتْ الرَّحْمَةُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الخَلْقِ، ولَوْلاهُ ارْتَفَعَ الضَّبْطُ وكَثُرَ الخَبْطُ كَما كانَ في الجاهِلِيَّةِ] .

ولَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ في عَدَمِ الرَّيْبِ لِإخْبارِ اللَّهِ بِهِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ ولِما عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ لِما في هَذا الخَلْقِ مِن بَدائِعِ الحِكَمِ مَعَ خُرُوجِ أكْثَرِ أفْعالِ الحَيَوانِ عَنِ العَدْلِ، فَصارَ مِنَ المَعْلُومِ (p-٣٣)لِكُلِّ ذِي وعْيٍ أنَّ البَعْثَ مَحَطُّ الحِكْمَةِ لِإظْهارِ التَّحَلِّي بِالصِّفاتِ العُلى لِجَمِيعِ الخَلْقِ: الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ، القَرِيبُ والبَعِيدُ - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَنا نَرى أكْثَرَ النّاسِ كافِرًا بِهِ، فَقالَ - جَوابًا -: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِإهْلاكِهِمْ إيّاها بِتَكْذِيبِهِمْ بِهِ لِمُخالَفَةِ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي تَهْدِي الأخْرَسَ، وسَتْرِ العَقْلِ السَّلِيمِ ﴿فَهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ خَسارَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِإهْمالِ العَقْلِ وإعْمالِ الحَواسِّ والتَّقَيُّدِ بِالتَّقْلِيدِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَصارُوا كَمَن يُلْقِي نَفْسَهُ مِن شاهِقٍ لِيَمُوتَ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ، لا بِسَبَبِ خَفاءٍ في أمْرِ القِيامَةِ ولا لَبْسٍ بِوَقْعِ رَبِّنا، وصارَ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في هَذا اليَوْمِ هم المَقْضِيُّ بِخَسارَتِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

6:13Страница 129

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣

Ему принадлежит все, что покоится днем и ночью, и Он - Слышащий, Знающий.

ولَمّا اسْتَنارَتْ الأدِلَّةُ اسْتِنارَةَ الشَّمْسِ وانْتَصَبَتْ البَراهِينُ حَتّى لَمْ يَبْقَ أصْلًا نَوْعُ لَبْسٍ، عَمَّ بِالخَبَرِ عَمّا تَقَدَّمَ مِمّا يُشاهِدُونَهُ وغَيْرَهُ، فَقالَ ذاكِرًا الزَّمانَ بَعْدَ المَكانِ، وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ أظْهَرُ، والمَعْلَمُ الكامِلُ هو الَّذِي يَبْدَأُ بِالأظْهَرِ فالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَتَمَّ بِذَلِكَ الخَبَرُ عَنِ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ والمَكانِ والمَكانِيّاتِ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿ما سَكَنَ﴾ أيْ: حَلَّ وتَحَيَّزَ وحَصَلَ ﴿فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْكُنَ فِيهِما وإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ التَّحَرُّكِ لِأنَّها دارُ المَوْتِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ النُّورُ والظُّلْمَةُ اللَّذانِ أشْرَكَ بِهِما مَن أشْرَكَ.

ولَمّا دَلَّ ما مَضى عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ، وانْقَسَمَ إلى مُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ، (p-٣٤)وكانَتْ القُدْرَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالعِلْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيْ: البالِغُ السَّمْعِ لِكُلِّ مُتَحَرِّكٍ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: العامُّ العِلْمِ بِالبَصَرِ والسَّمْعِ وغَيْرِهِما بِكُلِّ مُتَحَرِّكٍ وبِكُلِّ ساكِنٍ مِن أقْوالِكم وأفْعالِكم وغَيْرِهِما، فَلا تَطْمَعُوا في أنْ يُتْرَكَ شَيْءٌ مِن مُجازاتِكم، والعَلِيمُ هُنا أبْلَغُ مِنَ البَصِيرِ، وذَلِكَ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] وهو تَرْجَمَةُ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]

6:14Страница 129

قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤

Скажи: «Неужели я возьму своим покровителем кого-либо, кроме Аллаха, Творца небес и земли? Он кормит, а Его не кормят». Скажи: «Мне велено быть первым из тех, кто покорился». Не будь же в числе многобожников.

ولَمّا نَهَضَ مِنَ الحُجَجِ ما لَمْ يَبْقَ مَعَهُ لِذِي بَصِيرَةٍ شَكٌّ، كانَ لِسانُ الحالِ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُنادِي بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الِالتِفاتِ عَنْ جَنابِهِ والإعْراضِ عَنْ بابِهِ فَأبْرَزَ تَعالى ذَلِكَ في قالَبِ الأمْرِ لَهُ ﷺ بِالإنْكارِ عَلى نَفْسِهِ، لِيَكُونَ أدْعى لَهم وأرْفَقَ بِهِمْ، ولِأنَّ ما تَقَدَّمَ مُنْبِئٌ عَنْ غايَةِ المُخالَفَةِ، مُنْذِرٌ بِما أنْذَرَ مِن سُوءِ عاقِبَةِ المُشاقَقَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: فَهَلْ مِن سَبِيلٍ إلى المُوافَقَةِ؟ فَقِيلَ: لا إلّا بِاتِّخاذِكم إلَهِي ولِـيًّا، وذَلِكَ لَعَمْرِي سَعادَتُكم في الدّارَيْنِ، وبِتَطَمُّعِكِمْ في اتِّخاذِي أنْدادَكم أوْلِياءَ، وهَذا ما لا يَكُونُ أبَدًا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ: مُصَرِّحًا لَهم بِإنْكارِ أنْ تَمِيلَ إلى أنْدادِهِمْ بِوَجْهٍ.

ولَمّا كانَ الإنْكارُ مُنْصَبًّا إلى كَوْنِ الغَيْرِ مُتَّخِذًا، لا إلى اتِّخاذِ الوَلِيِّ، (p-٣٥)أوْلى ( غَيْرَ ) الهَمْزَةَ [فَقالَ]: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ يُدانِيهِ في العَظَمَةِ ﴿أتَّخِذُ﴾ [أيْ] أُكَلِّفُ نَفْسِي إلى خِلافِ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى والعَقْلُ المُجَرَّدُ عَنِ الهَوى كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ وآخُذُ ﴿ولِيًّا﴾ أيْ: أعْبُدُهُ لِكَوْنِهِ يَلِي جَمِيعَ أُمُورِي، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُحَقِّقُ وِلايَتَهُ ويَصْرِفُ عَنْ وِلايَةِ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقَهُما ابْتِداءً عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ اللَّهَ ﴿يُطْعِمُ﴾ أيْ: يَرْزُقُ كُلَّ مَن سِواهُ مِمّا فِيهِ رُوحٌ.

ولَمّا كانَ المَنفِيُّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مَفْعُولًا مِنَ الطَّعْمِ، لا كَوْنُ ذَلِكَ مِن مَطْعَمٍ مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ: ولا يَبْلُغُ أحَدٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أنْ يُطْعِمَهُ، والمَعْنى أنَّ المَنافِعَ مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ، فامْتَنَعَ في العَقْلِ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ في ذاتِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ إلَيْهِ، وهو سُبْحانُهُ الغَنِيُّ عَلى الإطْلاقِ، وهَذا التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وتَعْرِيضٌ بِكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ ولا سِيَّما الأصْنامُ، فَإنَّهم كانُوا يُهْدُونَ لَها الأطْعِمَةَ فَتَأْكُلُها الدَّوابُّ والطُّيُورُ، فَمَعْلُومٌ أنَّها لا تُطْعِمُ ولا تُطْعَمُ رَوى الدّارِمِيُّ في (p-٣٦)أوَّلِ مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (حَدَّثَنِي مَوْلايَ أنَّ أهْلَهُ بَعَثُوا مَعَهُ بِقَدَحٍ فِيهِ زُبْدٌ ولَبَنٌ إلى آلِهَتِهِمْ، قالَ: فَمَنَعَنِي أنْ آكُلَ الزُّبْدَ مَخافَتُها، فَجاءَ كَلْبٌ فَأكَلَ الزُّبْدَ وشَرِبَ اللَّبَنَ ثُمَّ بالَ عَلى الصَّنَمِ ) ومَوْلاهُ كانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الإسْلامِ، واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هو قَيْسُ بْنُ السّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ عائِذِ بْنِ عِمْرانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وقِيلَ: قَرِيبُهُ السّائِبُ بْنُ أبِي السّائِبِ صَيْفِيُّ بْنُ عائِذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْرُومٍ. وقِيلَ: ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السّائِبِ - واللَّهُ أعْلَمُ. ولَهُ عَنْ أبِي رَجاءٍ - هو العُطارِدِيُّ وهو مُخَضْرَمٌ - قالَ: ( كُنّا في الجاهِلِيَّةِ إذا أصَبْنا حَجَرًا حَسَنًا عَبَدْناهُ، وإنْ لَمْ نُصِبْ حَجَرًا جَمَعْنا كُثْبَةً مِن رَمْلٍ، ثُمَّ جِئْنا بِالنّاقَةِ الصَّفِيِّ فَنُفاجُّ عَلَيْها فَنَحْلِبُها عَلى الكُثْبَةِ حَتّى نَرْوِيَها، ثُمَّ نَعْبُدُ تِلْكَ الكُثْبَةَ ما أقَمْنا بِذَلِكَ المَكانِ ) وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى أنَّهُ كَما خَلَقَكم كُلُّكم مِن طِينٍ عَلى اخْتِلافِكم في المَقادِيرِ والألْوانِ والأخْلاقِ وهو غَنِيٌّ عَنْكم، فَكَذَلِكَ خَلَقَ المَطْعُوماتِ عَلى اخْتِلافِ أشْكالِها وطَعُومِها ومَنافِعِها وألْوانِها مِن طِينٍ، وجَعَلَها مَنافِعَ لَكم وهو غَنِيٌّ عَنْها، وسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ (p-٣٧)مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] المُسْتَوْفى في مِضْمارِهِ ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وفي الآيَةِ كُلِّها التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ في الَّتِي قَبْلَها ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٨١] في أمْثالِها مِمّا فِيهِ تَوَلِّي الكُفّارِ لِغَيْرِ خالِقِهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذا لَوْ لَمْ يَرِدْ أمْرٌ مِن قِبَلِ الخالِقِ كانَ النَّظَرُ السَّدِيدُ كافِيًا في التَّنَزُّهِ عَنْهُ، كَما كُنْتُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لا ألْتَفِتُ إلى أصْنامِكم ولا أعْتَبِرُ لِلْعِبادَةِ شَيْئًا مِن أنْصابِكم، فَكَيْفَ وقَدْ أُمِرْتُ بِذَلِكَ! وهو مَعْنى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ مَن لَهُ الأمْرُ، ولا أمْرَ إلّا لَهُ وهو مَن تَقَدَّمَ أنَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وهو اللَّهُ وحْدَهُ ﴿أنْ أكُونَ﴾ أيْ: بِقَلْبِي وقالَبِي ﴿أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ في الرُّتْبَةِ مُطْلَقًا، وفي الزَّمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ.

ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالإسْلامِ نَهْيًا عَنِ الشِّرْكِ، لَمْ يَكْتَفِ بِهِ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ مِن هَذا الرَّبِّ الكَرِيمِ الَّذِي يَدْعُو إحْسانُهُ وكَرَمُهُ إلى وِلايَتِهِ، ويَنْهى تَمامُ مُلْكِهِ وجَبَرُوتِهِ عَنْ شَيْءٍ مِن عَداوَتِهِ، في قَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿قُلْ﴾ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أصْلًا ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: في (p-٣٨)عِدادِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ في شَيْءٍ مِن أغْراضِهِمْ، وهَذا التَّأْكِيدُ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ عَنْهُ ﷺ في سُؤالِهِمْ أنْ يَطْرُدَ بَعْضَ أتْباعِهِ لِيُوالُوهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا كانُوا يَرْجُونَ مُقارَبَتَهُ مِنهم بِهِ، إعْلامًا بِأنَّ فِعْلَ شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ مُصَحِّحٌ لِلنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ والكَوْنِ في عِدادِهِمْ ( مَن تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهو مِنهم ) .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English