Аль-БикаиАль‑Араф · 7:58–68

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Аль-Араф 7:58–68

7:58Страница 158

وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨

На хорошей земле растения растут по воле ее Господа, а на плохой земле они растут с трудом. Так Мы разъясняем знамения для благодарных людей.

ولَمّا كانَ المَوْتُ مَوْتَيْنِ: حِسِّيًّا ومَعْنَوِيًّا - كَما أُشِيرَ في الأنْعامِ في آيَةِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا فَرْقَ في ذَلِكَ عِنْدَنا بَيْنَ أمْواتِ الإيمانِ وأمْواتِ الأبْدانِ، فَكَما أنّا فاوَتْنا بَيْنَ جَواهِرِ الأراضِي بِخَلْقِ بَعْضِها جَيِّدًا وبَعْضِها رَدِيئًا كَذَلِكَ فاوَتْنا بَيْنَ عَناصِرَ الأناسِيِّ بِجَعْلِ بَعْضِها طَيِّبًا وبَعْضِها خَبِيثًا، فالجَيِّدُ العُنْصُرِ يَسْهُلُ إيمانُهُ، والخَبِيثُ الأصْلِ يَعْسُرُ إذْعانُهُ وتَبْعُدُ اسْتِقامَتُهُ وإيقانُهُ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أيْ: الَّذِي طابَتْ أرْضُهُ فَكانَتْ كَرِيمَةً مُنْبِتَةً ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الماءُ خُرُوجًا كَثِيرًا حَسَنًا [سَهْلًا] غَزِيرًا ﴿بِإذْنِ﴾ أيْ: بِتَمْكِينِ ﴿رَبِّهِ﴾ أيْ: المُرَبِّي لَهُ بِما هَيَّأهُ لَهُ، [والَّذِي طابَ في الجُمْلَةِ ولَمْ يَصِلْ إلى الغايَةِ يَخْرُجُ لَهُ نَباتٌ دُونَ ذَلِكَ، والخَبِيثُ لا يَخْرُجُ لَهُ نَباتٌ أصْلًا بِمَنعِ رَبِّهِ لَهُ] ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ أيْ: حَصَلَتْ لَهُ خَباثَةٌ في جِبِلَّتِهِ بِكَوْنِ أرْضِهِ سَبْخَةً أوْ نَحْوَها مِمّا لا يُهَيِّئُهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْباتِ ﴿لا يَخْرُجُ﴾ أيْ: نَباتُهُ ﴿إلا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ ﴿نَكِدًا﴾ أيْ: قَلِيلًا ضَعِيفَ المَنفَعَةِ، وهو (p-٤٢٤)- مَعَ كَوْنِهِ دالًّا عَلى أنَّ ذَلِكَ ما كانَ عَلى ما وُصِفَ مَعَ اسْتِواءِ الأراضِي في الأصْلِ واسْتِواءِ المِياهِ ونِسْبَتِها إلى الأفْلاكِ والنُّجُومِ إلّا بِالفاعِلِ المُخْتارِ - مِثْلَ ضَرْبِهِ – سُبْحانَهُ - لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ عِنْدَ سَماعِهِما لِلذِّكْرِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ] .

ولَمّا اسْتَوَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى الذُّرْوَةِ مِن بَدائِعِ الدِّلالاتِ، كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ: هَلْ تُبَيِّنُ جَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ هَذا البَيانَ ؟ فَقِيلَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: نَعَمْ، مِثْلَ هَذا التَّصْرِيفِ، وهو التَّرْدِيدُ مَعَ اخْتِلافِ الأنْحاءِ لِاخْتِلافِ الدِّلالاتِ وإبْرازِها في قَوالِبِ الألْفاظِ الفائِقَةِ والمَعانِي الرّائِقَةِ في النُّظُومِ المُعْجِزَةِ عَلى وُجُوهٍ لا تَكادُ تَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ: ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: كُلَّها. ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذا المِنهاجِ الغَرِيبِ والمِنوالِ العَجِيبِ المُذَكِّرِ بِالنِّعَمِ في أُسْلُوبٍ دالٍّ عَلى التَّفَرُّدِ وتَمامِ القُدْرَةِ - كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ خَتْمَهُ بِقَوْلِهِ مُخَصِّصًا بِها المُنْتَفِعَ لِأنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ كَأنَّها لَمْ تُوجَدْ: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: يُوجَدُ مِنهم الشُّكْرُ لِلنِّعَمِ وُجُودًا مُسْتَمِرًّا فَلا يُشْرِكُونَ بَلْ يَنْتَفِعُونَ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ وحْدَهُ في عِبادَتِهِ وحْدَهُ، ويَنْظُرُونَ بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ أقْدَرَهم بِنِعَمِهِ عَلى ما هم عاجِزُونَ عَنْهُ، فَلا يُسْلَبُونَ عَنْهُ شَيْئًا مِن قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثٍ ولا غَيْرِهِ فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم أهْلُ مَعالِي الأخْلاقِ الَّتِي مِنها أنَّهُ ما جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ.

7:59Страница 158

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩

Мы послали Нуха (Ноя) к его народу, и он сказал: «О мой народ! Поклоняйтесь Аллаху, ибо нет у вас другого божества, кроме Него. Я боюсь, что вас постигнут мучения в Великий день».

(p-٤٢٥)ولَمّا طالَ تَهْدِيدُهُ - سُبْحانَهُ - لِمَن أصَرَّ عَلى إفْسادِهِ، ولَمْ يَرْجِعْ عَنْ غَيِّهِ وعِنادِهِ بِمِثْلِ مَصارِعِ الأوَّلِينَ ومَهالِكِ الماضِينَ، ونَوَّعَ في هَذِهِ الآياتِ مَحاسِنَ الدِّلالاتِ عَلى التَّوْحِيدِ والمَعادِ بِوُجُوهٍ ظاهِرَةٍ وبَيِّناتٍ قاهِرَةٍ وبَراهِينَ قاطِعَةٍ وحُجَجٍ ساطِعَةٍ، ساقَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ القِصَصَ دَلِيلًا حِسِّيًّا عَلى أنَّ في النّاسِ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ مَعَ الكَفالَةِ في الدِّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ والغَيْرَةِ مِنَ الشِّرْكِ عَلى تِلْكَ الحَضْرَةِ - بِتَفْصِيلِ أحْوالِ مَن سَلَفَتْ الإشارَةُ إلى إهْلاكِهِمْ وبَيانِ مَصارِعِهِمْ وأنَّهُ لَمْ تُغْنِ عَنْهم قُوَّتُهم شَيْئًا ولا كَثْرَتُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ [الأعراف: ٣٤] الآيَةُ. تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَقْوِيَةً لِصالِحِي أتْباعِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإعْراضَ عَنِ الآياتِ لَيْسَ مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةَ بَلْ هي عادَةُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وعَلى أنَّ النِّعَمَ خاصَّةٌ بِالشّاكِرِينَ؛ ولِذا كانَتْ النِّقَمُ مَقْصُورَةً عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا، وافْتَتَحَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِما لِلسّامِعِ الفَطِنِ مِنَ التَّشَوُّفِ إلى ذِكْرِ ما تَكَرَّرَ مِنَ الإشارَةِ إلَيْهِ، ولِأنَّ اللّامَ المُجابَ بِها القَسَمُ المَحْذُوفُ لا يَنْطِقُونَ بِها غِالِبًا إلّا مُقْتَرِنَةً بِـ: (قَدْ)؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها فَكانَتْ مَظِنَّةً بِمَعْنى التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى (قَدْ) عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ ﴿نُوحًا﴾ يَعْنِي: ابْنَ لَمْكَ بْنِ (p-٤٢٦)مَتُّوشَلَخَ بْنِ أخَنُوخَ وهو إدْرِيسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ عِنْدَ الإرْسالِ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً.

ولَمّا كانَ إرْسالُهُ ﷺ قَبْلَ القَبائِلِ بِاخْتِلافِ اللُّغاتِ قالَ: ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِينَ كانُوا مِلْءَ الأرْضِ كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ائْتُوا نُوحًا أوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأرْضِ. وفِيهِمْ مِنَ القُوَّةِ عَلى القِيامِ بِما يُرِيدُونَ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ آثارَهم وعَرَفَ أخْبارَهم، فَإنْ كانَتْ آثارَهم فَقَدْ حَصَلَ المُرادُ، وإنْ كانَتْ لِمَن بَعْدَهم عُلِمَ - بِحُكْمِ قِياسِ الِاسْتِقْرارِ - أنَّهم أقْوى عَلى مِثْلِها وأعْلى مِنها، ولِسَوْقِ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى ما ذُكِرَ جاءَ مُجَرَّدًا عَنْ أدَواتِ العَطْفِ، وهو مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُتَطابَقُونَ عَلى الدَّعْوَةِ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بُرْهانٌ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن بُحُورِ الدَّلائِلِ والحِجاجِ المُتَلاطِمَةِ الأمْواجِ - واللَّهُ الهادِي إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، وكَوْنُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَسُولًا إلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ - لِأنَّهم قَوْمُهُ لِوِحْدَةِ لِسانِهِمْ - لا يَقْدَحُ في تَخْصِيصِ نَبِيِّنا ﷺ بِعُمُومِ الرِّسالَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى العُمُومِ: إرْسالُهُ إلى جَمِيعِ الأقْوامِ المُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلافِ الألْسُنِ وإلى جَمِيعِ مَن يَنُوسُ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ الصّافّاتِ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَقاصِدِ العَظِيمَةِ الإعْلامُ بِأنَّ الَّذِي دَعا إلَيْهِ هَذا (p-٤٢٧)الرَّسُولُ لَمْ تَزَلْ الرُّسُلُ - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ والتَّحِيَّةِ والإكْرامِ - تَدْعُو إلَيْهِ، وكانَ نُوحٌ أوَّلَ رَسُولٍ ذُكِرَتْ رِسالَتُهُ عَقِبَ ذِكْرِ إرْسالِهِ بِذِكْرِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِالفاءِ بِقَوْلِهِ ﴿فَقالَ يا قَوْمِ﴾ أيْ: فَتَحَبَّبَ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ الإضافَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ مِنَ الخَلْقِ والأمْرِ؛ فَإنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ وقَدْ كَلَّفَ عِبادَهُ بِهِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ إفْرادَهُ بِذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لَهُ بِإثْباتِ الجارِّ ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثُمَّ قالَ مُعَلِّلًا أوْ مُسْتَأْنِفًا مُخَوِّفًا مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَعَلَّهُ قالَ هُنا: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وفي ( هُودٍ ): ﴿ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] وقالَ في (المُؤْمِنُونَ): ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] لِأنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ الثَّلاثِ - وإنْ كانَ الصَّحِيحُ أنَّهُ بِاجْتِهادِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَلَعَلَّهُ جاءَ عَلى تَرْتِيبِها في النُّزُولِ، لِأنَّها مَكِّيّاتٌ، وعَلى تَرْتِيبِ مَقالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم فَألانَ لَهم أوَّلًا المَقالَ مِن حَيْثُ إنَّهُ أوْهَمَ أنَّ العِظَمَ المَوْصُوفَ بِهِ ”اليَوْمَ“ لا بِسَبَبِ العَذابِ بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ، فَيَصِيرُ العَذابُ مُطْلَقًا يَتَناوَلُ أيَّ: عَذابٍ كانَ ولَوْ قَلَّ، فَلَمّا تَمادى تَكْذِيبُهم بَيَّنَ لَهم أنَّ عِظَمَهُ إنَّما هو مِن جِهَةِ إيلامِ العَذابِ الواقِعِ فِيهِ، فَلَمّا لَجُّوا في عُتُوِّهِمْ قالَ لَهم قَوْلَ القادِرِ إذا هَدَّدَ عِنْدَ مُخالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ: (p-٤٢٨)ألّا تَفْعَلَ ما أقُولُ لَكَ؟ أيٌّ مَتى خالَفْتَ بَعْدَ هَذا عاجَلْتُكَ بِالعِقابِ وأنْتَ تَعْرِفُ قُدْرَتِي.

7:60Страница 158

قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠

Знатные люди из его народа сказали: «Мы видим, что ты находишься в очевидном заблуждении».

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، وكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا - مَعَ ما نُصِبَ مِنَ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ - لِأنْ يُجِيبُوا بِالتَّصْدِيقِ - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِماذا كانَ جَوابُهُمْ؟ فَقالَ: ﴿قالَ المَلأُ﴾ أيْ: الأشْرافُ الَّذِينَ يَمْلَأُ العُيُونَ مَرْآهم عَظَمَةً، وتَتَوَجَّهُ العُيُونُ في المَحافِلِ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَصِفْهم في هَذِهِ السُّورَةِ بِالكُفْرِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في التَّسْلِيَةِ؛ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ قَصَّ فِيها مِثْلَ هَذا في تَرْيِيبِ الكِتابِ، ولِأنَّ مَن آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا كانُوا في جَنْبِ مَن لَمْ يُؤْمِن في غايَةِ القِلَّةِ، فَكَيْفَ عِنْدَ تَقْيِيدِهِمْ بِالشَّرَفِ! وأكَّدَ ذَمَّهم تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بِالتَّعْرِيفِ بِقُرْبِهِمْ مِنهُ في النَّسَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وقابَلُوا رِقَّتَهُ وأدَبَهُ بِغَلْظَةٍ مُؤَكِّدًا ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ البُهْتانِ لِأنَّ حالَهم مُكَذِّبٌ لَهم فَقالُوا: ﴿إنّا لَنَراكَ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنّا يَعْتَقِدُ اعْتِقادًا هو في الثِّقَةِ بِهِ كالرُّؤْيَةِ أنَّكَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ: خَطَأٍ وذَهابٍ عَنِ الصَّوابِ، هو ظَرْفٌ لَكَ مُحِيطٌ بِكَ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ في نَفْسِهِ حَتّى كَأنَّهُ يَظْهَرُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.

7:61Страница 158

قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١

Он сказал: «О мой народ! Я не заблуждаюсь. Напротив, я - посланник Господа миров.

ولَمّا قَذَفُوهُ بِضَلالٍ مُقَيَّدٍ بِالوُضُوحِ، نَفى الضَّلالَ المُطْلَقَ الَّذِي هو الأعَمُّ، وبِنَفْيِهِ يَنْتَفِي كُلُّ أخَصِّيّاتِهِ بَلْ نَفى أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ الضَّلالِ، فَقالَ (p-٤٢٩)تَعالى مُخْبِرًا عَنْهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُجَدِّدًا لِاسْتِعْطافِهِمْ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ فَنَفى وِحْدَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، ولا يَصْدُقُ ذَلِكَ إلّا بِنَفْيٍ لِكُلِّ فَرْدٍ، فَهو أنَصُّ مَن نَفْيِ المَصْدَرِ، ولَمْ يَصِفْ المَلَأ مِن قَوْمِهِ هُنا بِالَّذِينِ كَفَرُوا ووَصَفَهم بِذَلِكَ في سُورَةِ ( هُودٍ )، إمّا لِأنَّها صِفَةُ ذَمٍّ لَمْ يُقْصَدْ بِها التَّقْيِيدُ فَلا يَخْتَلُّ المَعْنى بِإثْباتِها ولا نَفْيِها، أوْ لِأنَّهم أجابُوهُ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ: إحْداهُما قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ أحَدٌ مِن أشْرافِهِمْ، والثّانِيَةُ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ بَعْضُهم.

ولَمّا نَفى ما رَمَوْهُ بِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ البَلِيغِ، أثْبَتَ لَهُ ضِدَّهُ بِأشْرَفِ ما يَكُونُ مِن صِفاتِ الخَلْقِ، فَقالَ مُسْتَدْرِكًا - بَعْدَ نَفْيِ الضَّلالِ - إثْباتَ مَلْزُومِ ضِدِّهِ: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ أيْ: إلَيْكم بِما أمَرْتُكم بِهِ فَأنا عَلى أقْوَمِ طَرِيقٍ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ لِهِدايَتِهِمْ بِإنْقاذِهِمْ مِنَ الضَّلالِ، فَرَدَّ الأمْرَ عَلَيْهِمْ بِألْطَفِ إشارَةٍ.

7:62Страница 158

أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢

Я сообщаю вам послания моего Господа и даю вам искренние советы. Я узнаю от Аллаха то, чего вы не знаете.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ وظِيفَتِهِ بَيانًا لِرِسالَتِهِ فَقالَ: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ وكَأنَّ أبْوابَ كُفْرِهِمْ كانَتْ كَثِيرَةً فَجَمَعَ بِاعْتِبارِها أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُعْجِزاتِهِ أوْ تَعَدُّدِ نَوْباتِ الوَحْيِ في الأزْمانِ المُتَطاوِلَةِ والمَعانِي المُخْتَلِفَةِ، أوْ أنَّهُ جَمَعَ لَهُ ما أرْسَلَ بِهِ مَن قَبْلَهُ كَإدْرِيسَ - جَدِّهِ - وهو ثَلاثُونَ صَحِيفَةً وشِيثٍ وهو خَمْسُونَ صَحِيفَةً - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ: ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وجَمِيعِ أنْواعِ التَّكالِيفِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، لا أزِيدُ فِيها ولا أُنْقِصُ مِنها - كَما هو شَأْنُ كُلِّ رَسُولٍ مُطِيعٍ-. (p-٤٣٠)ولَمّا كانَ الضَّلالُ مِن صِفاتِ الفِعْلِ اكْتَفى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْصَحُ﴾ وقَصَرَ الفِعْلَ ودَلَّ عَلى تَخْصِيصِ النُّصْحِ بِهِمْ ومَحَّضَهُ لَهم، فَقالَ: ﴿لَكُمْ﴾ والنَّصِيحَةُ: الإرْشادُ إلى المَصْلَحَةِ مَعَ خُلُوصِ النِّيَّةِ مِن شَوائِبِ المَكْرُوهِ، ولَمّا كانَ الضَّلالُ مِنَ الجَهْلِ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن صِفاتِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وسائِرِ شُؤُونِهِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِن عَظِيمِ أخْذِهِ لِمَن يَعْصِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ لَكم قابِلِيَّةٌ لِعِلْمِهِ بِغَيْرِ سِفارَتِي فَخُذُوهُ عَنِّي تَصِيرُوا عُلَماءَ، ولا تَتْرُكُوهُ بِنِسْبَتِي إلى الضَّلالِ تَزْدادُوا ضَلالًا.

7:63Страница 158

أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣

Неужели вы удивляетесь тому, что напоминание от вашего Господа явилось к вам через мужчину из вашей среды, чтобы он мог предостеречь вас и чтобы вы стали богобоязненны? Быть может, тогда вы будете помилованы».

ولَمّا كانَ الحامِلُ لَهم عَلى هَذا مُجَرَّدَ اسْتِبْعادِ أنْ يَخْتَصَّ عَنْهم بِفَضِيلَةٍ وهو مِنهم كَما سَيَأْتِي في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ - أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ﴾ أيْ: أكَذَّبْتُمْ وعَجِبْتُمْ ﴿أنْ جاءَكُمْ﴾ وضَمَّنَ (جاءَ) مَعْنى (أنْزَلَ)، فَلِذَلِكَ جُعِلَتْ صِلَتُهُ (عَلى) فَقالَ: ﴿ذِكْرٌ﴾ رِسالَةٌ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِالإيجادِ والتَّرْبِيَةِ مُنْزِلًا ﴿عَلى رَجُلٍ﴾ أيْ: كامِلٍ في الرُّجُولَةِ وهو مَعَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا تَتَّهِمُونَهُ فَإنَّهُ ﴿مِنكُمْ﴾ لِقَوْلِكم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ [المؤمنون: ٢٤] أيْ: إرْسالِ البَشَرِ ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ] ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ لِتَحْذَرُوا ما يُنْذِرُكُمُوهُ ﴿ولِتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما تَحْذَرُونَهُ وِقايَةً لَعَلَّكم تَنْجُونَ ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: ولِيَكُونَ حالُكم إذا لَقِيتُمْ اللَّهَ حالَ مَن تَرَجّى (p-٤٣١)رَحْمَتَهُ بِأنْ يَرْفَعَهُ اللَّهُ في الدّارَيْنِ.

7:64Страница 158

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤

Они сочли его лжецом, а Мы спасли его и тех, кто был с ним, в ковчеге, и потопили тех, кто счел ложью Наши знамения. Воистину, они были слепыми людьми.

ولَمّا نَسَبُوهُ أوَّلًا إلى الضَّلالِ وهو قَدْ يَكُونُ خَطَأً عَنْ ذُهُولٍ ونَحْوِهِ، فَأقامَ لَهم الدَّلِيلَ عَلى أنَّهُ عَلى الصَّوابِ - أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ عَنْ ذَلِكَ إلّا تَصْرِيحُهم بِما لَوَّحُوا إلَيْهِ أوَّلًا بِالضَّلالِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: المَلَأُ وتَبِعَهم مَن دُونَهُمْ؛ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ تَصْدِيقُ اللَّهِ لَهم بِإهْلاكِهِمْ وإنْجائِهِ ومَن آمَنَ بِهِ، قالَ مُقَدِّمًا لِإنْجائِهِ اهْتِمامًا بِهِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِن أهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ ومِن عَذابِنا الَّذِي أخَذْناهم بِهِ: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ: بِصُحْبَةِ الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ وهو السَّفِينَةُ الَّتِي مَنَّ اللَّهُ عَلى النّاسِ بِتَعْلِيمِهِ عَمَلَها لِتَقِيَهُ مِنَ الطُّوفانِ فَكانَتْ آيَةً ومَنفَعَةً عَظِيمَةً لِمَن أتى بَعْدَهم ﴿وأغْرَقْنا﴾ أيْ: بِالطُّوفانِ، وهو الماءُ الَّذِي طَبَقَ ظَهْرَ الأرْضِ فَلَمْ يُبْقِ مِنها مَوْضِعًا حَتّى أحاطَ بِهِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْلِيقًا لِلْفِعْلِ بِالوَصْفِ إشارَةً إلى أنَّ مَن فَعَلَ مَعَ الرَّسُولِ شَيْئًا فَإنَّما فَعَلَهُ مَعَ مُرْسِلِهِ فَهو يُجازِيهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: وهي مِنَ الظُّهُورِ في حَدٍّ لا خَفاءَ بِهِ لِما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، وعُدِّيَ هُنا فِعْلُ النَّجاةِ بِالهَمْزَةِ وهي الأصْلُ في التَّعْدِيَةِ، وقُرِنَتْ بِـ: ”الَّذِينَ“ لِأنَّهُ أخْلَصُ المَوْصُولاتِ وأصْرَحُها. (p-٤٣٢)ولَمّا أُعِيدَتْ القِصَّةُ في سُورَةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ الألْيَقُ بِكَلامِ البُلَغاءِ والأشْبَهُ بِطَرائِقِ الفُصَحاءِ التَّفَنُّنُ في العِبارَةِ، فَعُدِّيَ التَّضْعِيفُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الأبْلَغِيَّةِ بِإفْهامِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ مُناسَبَةً لِما تَقَدَّمَ مِن مَزِيدِ التَّفْوِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] وتَلا بِـ: ”مِن“ ضَمًّا لِلْفَرْعِ إلى الفَرْعِ فَإنَّ ”مِن“ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الوَصْلِ والشَّرْطِ، وهي أيْضًا قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، فَناسَبَ ذَلِكَ الحالَ، وزِيدَ هُناكَ في وصْفِ النّاجِينَ ﴿وجَعَلْناهم خَلائِفَ﴾ [يونس: ٧٣] نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى في في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ [يونس: ١٣] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] فَلَوَّحَ لَهم بِالإهْلاكِ إنْ ظَلَمُوا، ثُمَّ أشارَ لَهم - في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِكَوْنِهِ أعْلَمَهم أنَّ الخَلائِفَ هم النّاجُونَ الباقِي ذِكْرُهم وذُرِّيَّتُهم - إلى أنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ إلى الإجابَةِ ورَحِمَهم بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ - عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ - فَقَضى أنَّهم غَيْرُ مُهْلَكِينَ.

ولَمّا افْتُتِحَتْ القِصَّةُ بِنِسْبَتِهِمْ لَهُ إلى الضَّلالِ باطِلًا، وهو ناشِئٌ عَنْ عَمى البَصِيرَةِ أوْ البَصَرِ، ناسَبَ أنْ يُقْلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ عَلى وجْهِ الحَقِّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ: لِما جَبَلْتُهم مِنَ العِوَجِ (p-٤٣٣)﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾ أيْ: مَطْبُوعِينَ في عَمى القَلْبِ مَعَ قُوَّتِهِمْ فِيما يُحاوِلُونَهُ، ثابِتٌ لَهم ذَلِكَ، بِما أشارَ إلَيْهِ فِعْلٌ دُونَ أنْ يُقالَ فاعِلٌ، وخُتِمَتْ القِصَّةُ في يُونُسَ بِقَوْلِهِ

﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [يونس: ٧٣] لِقَوْلِهِ أوَّلَها ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي﴾ [يونس: ٧١] أيْ: إنْذارِي لِأنَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ كَبُرَ عَلَيْهِمْ ولَوْ كانَ تَبْشِيرًا لَما عَزَّ عَلَيْهِمْ.

7:65Страница 158

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥

Мы отправили к адитам их брата Худа. Он сказал: «О мой народ! Поклоняйтесь Аллаху, ибо нет у вас другого божества, кроме Него. Неужели вы не устрашитесь?».

ولَمّا كانَ عادٌ بَعْدَهم، ولَمْ يَكُنْ هُنا ما يَقْتَضِي تَشْوِيشَ التَّرْتِيبِ، أتْبَعَهم بِهِمْ مُقَدِّمًا المُرْسَلَ إلَيْهِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَ رِسالَتِهِ بِهِمْ وهم بَعْضُ أهْلِ الأرْضِ، فَقالَ: ﴿وإلى عادٍ﴾ خاصَّةً أرْسَلْنا ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ: في النَّسَبِ لِأنَّهم عَنْهُ أفْهَمُ وبِحالِهِ في الثِّقَةِ والأمانَةِ أعْرَفُ. ولَمّا عَطَفَهُ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بَعْدَ تَقْدِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُودًا﴾ بِخِلافِ قَوْمِ نُوحٍ فَإنَّهم كانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ؛ لِأنَّ القَبائِلَ لَمْ تَكُنْ فَرَّقَتْ النّاسَ ولا الألْسِنَةَ إذْ كانَ لِسانُ الكُلِّ واحِدًا، ولَمْ تُفَرَّقْ الألْسِنَةُ إلّا بَعْدَ الصَّرْحِ؛ ولِهَذا عَمَّ الغَرَقُ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، فَكانَ المَعْنى حِينَئِذٍ لا يَخْتَلِفُ في قِصَّتِهِ بِتَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ، فَناسَبَ تَقْدِيمَ الرِّسالَةِ أوْ المُرْسَلَ لِأنَّهُ أهَمُّ.

ولَمّا كانَتْ قِصَّةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ قِصَصِ الأنْبِياءِ مَعَ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عَهْدٌ بِمُجاوَراتِ الأنْبِياءِ ومَن يُرْسَلُونَ إلَيْهِ، فَأتى فِيها (p-٤٣٤)بِالأصْلِ (أرْسَلْناهُ) فَقالَ سِياقًا واحِدًا إخْبارًا لِمَن هو فارِغُ الذِّهْنِ مِن كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِها؛ أتَتْ قِصَّةُ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ عِلْمِ السّامِعِينَ بِقِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا وقَعَ مِن تَبْلِيغِهِ لَهم ورَدِّهِمْ عَلَيْهِ، فَلَمّا ذَكَرَ إرْسالَهُ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى أنَّهُ هَلْ قالَ لَهم كَما قالَ نُوحٌ وهَلْ رَدُّوا عَلَيْهِ كَرَدِّ قَوْمِهِ أوْ كانَ الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ؟ فَأُجِيبَ سُؤالُ المُتَشَوِّفِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ كَقَوْلِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَواءٌ ﴿يا قَوْمِ﴾ مُذَكِّرًا لَهم بِأنَّهُ أحَدُهم يُهِمُّهُ ما يُهِمُّهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: لِاسْتِحْقاقِهِ ذَلِكَ لِذاتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ أوْ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ولَمّا كانُوا عارِفِينَ بِما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: أفَلا تَجْعَلُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ عَذابِ هَذا الواحِدِ الجَبّارِ وِقايَةً.

7:66Страница 158

قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦

Знатные люди из его народа, которые не уверовали, сказали: «Мы видим, что ты глупец, и считаем тебя одним из лжецов».

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِمْ بَعْدَ هَذا التَّرْغِيبِ المَمْزُوجِ بِالتَّرْهِيبِ، أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلأُ﴾ أيْ: الأشْرافُ الَّذِينَ يَمْلُؤُونَ العُيُونَ بَهْجَةً والصُّدُورَ هَيْبَةً، ولَمّا كانَتْ عادٌ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ قَدْ أسْلَمَ مِن أشْرافِهِمْ مَن لَهُ غِنًى في الجُمْلَةِ، قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما مِن حَقِّهِ الظُّهُورُ مِن أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ، ووُصِفُوا تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ فِيما يَرى مِن جَفاءِ قَوْمِهِ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ كانَ لِإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وأكَّدُوا ما واجَهُوهُ بِهِ مِنَ الجَفاءِ؛ لِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ حالَهُ في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ يُكَذِّبُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا لَنَراكَ﴾ أيْ: لَنَعْلَمُكَ عِلْمًا مُتَيَقَّنًا (p-٤٣٥)حَتّى كَأنَّهُ مَحْسُوسٌ ﴿فِي سَفاهَةٍ﴾ أيْ: مَظْرُوفًا لِخِفَّةِ العَقْلِ، فَهي مُحِيطَةٌ بِكَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، لا خَلاصَ لَكَ مِنها، فَلِذا أدَّتْكَ إلى قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، فَإنْ قِيلَ: بَلْ لِلتَّحْقِيرِ، كَأنَّهم تَوَقَّفُوا في وصْفِهِ بِذَلِكَ كَما تَوَقَّفُوا في الجَزْمِ بِالكَذِبِ فَقالُوا: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: المُتَعَمِّدِينَ لِلْكَذِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَهم عِلْمٌ مِنَ الرُّسُلِ وما يَأْتِي مُخالِفَهم مِنَ العَذابِ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَكُنْ العَهْدُ بَعِيدًا، وأمّا قَوْمُ نُوحٍ فَجَزَمُوا بِالضَّلالِ وأكَّدُوهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم شُعُورٌ بِأحْوالِ الرُّسُلِ وعَذابِ الأُمَمِ قَبْلَ ذَلِكَ، ولِهَذا قالُوا

﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ ورَدَ في جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ في سُورَةِ هُودٍ مِثْلُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] فَإنْ قِيلَ: إنَّما كانَ هَذا في ثانِي الحالِ بَعْدَ أنْ نَصَبَ لَهم الأدِلَّةَ وأقامَ البَراهِينَ عَلى صِحَّةِ مُدَّعاهُ وثارَتْ حُظُوظُ الأنْفُسِ بِالجِدالِ، فَإنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْمُهُ أجابُوهُ بِذَلِكَ أوَّلَ ما دَعاهم، قِيلَ: والأمْرُ كَذَلِكَ في قِصَّةِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَواءٌ فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ إلّا الكُفّارُ مِن قَوْمِهِ، فَتَقْيِيدُهم بِالوَصْفِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن اتَّبَعَهُ، بَلْ وإنَّ مُتَّبِعَهُ كانَ مِن أشْرافِهِمْ هم بِالظَّنِّ، وتَعْبِيرُ في الكَذِبِ لِإرادَتِهِمْ أنَّهُ يَكْفِي في (p-٤٣٦)وصْفِهِ بِالسَّفاهَةِ الَّتِي زَعَمُوها إقْدامُهُ عَلى ما يُحْتَمَلُ مَعَهُ ظَنُّهم لِكَذِبِهِ، أوْ يَكُونُ قَوْلُهُ غَيْرَ الحَقِّ - في زَعْمِهِمْ - مُرَدَّدًا بَيْنَ أنْ يَكُونَ قالَهُ عَنْ تَعَمُّدٍ أوْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ ما رَمَوْهُ بِهِ مِنَ السَّفَهِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ.

7:67Страница 158

قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧

Он сказал: «О мой народ! Я не являюсь глупцом, а являюсь посланником Господа миров.

ولَمّا قابَلُوا لِينَتَهُ لَهم وشَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الغِلْظَةِ - أعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ وعامَلَهم مِنَ الحِلْمِ بِضِدِّهِ ما سَمَّوْهُ بِهِ بِأنْ ﴿قالَ﴾ مُعَلِّمًا الأدَبَ في مُخاطَبَةِ السُّفَهاءَ ﴿يا قَوْمِ﴾ مُذَكِّرًا بِما بَيْنَهم مِنَ النَّسَبِ الدّاعِي إلى الوُدِّ والمُناصَحَةِ والعَطْفِ والمُلاطَفَةِ ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ فَنَفى أنْ يَكُونَ بِهِ شَيْءٌ مِن خِفَّةِ حُلْمٍ، فانْتَقى أنْ يَكُونَ كاذِبًا لِأنَّ الدّاعِيَ إلى الكَذِبِ الخِفَّةُ والطَّيْشُ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَخْصِيصِهِ بِنَفْيٍ.

ولَمّا نَفى السَّفاهَةَ، أثْبَتَ ما يَلْزَمُ مِنهُ ضِدُّها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ وبَيَّنَ المُرْسَلَ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِقَوْلِهِ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بَعْدَ نِعْمَةِ الإيجادِ والأرْزاقِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِيُكْسِبُوهم مَعالِيَ الأخْلاقِ الَّتِي بِها انْتِظامُ نِعْمَةِ الإبْقاءِ

7:68Страница 159

أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨

Я доношу до вас послания от вашего Господа, и я для вас - надежный и добрый советчик.

﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ وجَمَعَ الرِّسالَةَ؛ لِما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ بِتَعْلِيمِي ما لَمْ أكُنْ أعْلَمُ وتَأْهِيلِي لِما لَمْ يَكُنْ في حِسابِي.

ولَمّا كانُوا قَدْ رَمَوْهُ بِالسَّفَهِ الَّذِي هو مِن غَرائِزِ النَّفْسِ لِأنَّهُ ضِدُّ الحِلْمِ والرَّزانَةِ، عَبَّرَ عَنْ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ النّافِيَةِ لَهُ بِما يَقْتَضِي الثَّباتَ، فَقالَ: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ النُّصْحُ مِن صِفَتِي، ولَيْسَ هو ما تَكَسَّبْتُهُ بَلْ غَرِيزَةٌ فِيَّ، وقَدْ بَلَوْتُمُونِي فِيهِ قَبْلَ الرِّسالَةِ وإظْهارِ هَذِهِ المَقالَةِ (p-٤٣٧)دَهْرًا دَهِيرًا وزَمانًا طَوِيلًا؛ ولَمّا قالُوا إنَّهم يَظُنُّونَ كَذِبَهُ - زادَهم صِفَةَ الأمانَةِ، فَقالَ: ﴿أمِينٌ﴾

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English