Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Аль-Араф 7:89–101
7:89Страница 162
قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩
Мы возведем навет на Аллаха, если вернемся в вашу религию после того, как Аллах спас нас от нее. Не бывать тому, чтобы мы вернулись в вашу религию, если только этого не пожелает Аллах, наш Господь. Наш Господь объемлет знанием всякую вещь. Мы уповаем только на Аллаха. Господь наш! Рассуди между нами и нашим народом по справедливости, ведь Ты - Наилучший из судей».
ولَمّا كانَ العَرَبُ أبْعَدَ النّاسِ مِن مُطْلَقِ الكَذِبِ وأشَدِّهِمْ لَهُ تَحامِيًا ومِنهُ نَفْرَةً فَكَيْفَ بِالكَذِبِ عَلى الأكابِرِ فَكَيْفَ بِهِ عَلى المُلُوكِ فَكَيْفَ بِهِ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ! عَلَّقَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا الإخْبارَ لِمَن تَشَوَّفَ إلى عِلْمِ ما كانَ مِنهُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ اللَّيِّنِ وتَوَقُّعِ غَيْرِهِ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا﴾ أيْ: تَعَمَّدْنا الآنَ بِما نَقُولُهُ لَكُمْ، أيْ: مَن [أنَّ] اللَّهَ حَرَّمَ الكُفْرَ والإقْرارَ عَلَيْهِ،
﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ،
﴿كَذِبًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّحْقِيرِ، ولِكُلٍّ وجْهٌ يَدْعُو إلَيْهِ المَقامُ لا يَخْفى.
﴿إنْ عُدْنا﴾ أيْ: ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ،
﴿فِي مِلَّتِكُمْ﴾ أيْ: بِسُكُوتِنا أوْ بِسُكُوتِي وكُفْرِ مَن كانَ مِمَّنْ تَبِعَنِي كافِرًا،
﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْلى خارِقًا لِلْعادَةِ بِما كُنّا جَدِيرِينَ بِالِانْغِماسِ فِيهِ مُتابَعَةً لِلْآباءِ والأجْدادِ والعَشِيرَةِ بِما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ،
﴿مِنها﴾ أيْ: إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدِ ارْتَكَبْنا أقْبَحَ القَبائِحِ عَلى بَصِيرَةٍ مِنّا بِذَلِكَ، فَهو تَعْلِيقٌ عَلى مُحالٍ عادَةً، وهو مِن وادِي قَوْلِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ: (p-٣)
؎بَقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلى ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ
؎إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن نِهابِ نُفُوسِ
غَيْرَ أنَّ المُعَلَّقَ في البَيْتِ تَقْدِيرِي، وفي الآيَةِ تَحْقِيقِي؛ لِأنَّهم أخْبَرُوهم أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنِ الكُفْرِ، وأمَرَهم بِإنْذارِ كُلِّ كافِرٍ، فَمَتى تَرَكُوا ذَلِكَ لَزِمَهُمُ الكَذِبُ حَتْمًا،
﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ: ما يَصِحُّ وما يَتَّفِقُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيْ: مِلَّكِتُمْ.
ولَمّا كانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ لا واجِبَ عَلَيْهِ ولا قَبِيحَ مِنهُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ فَذَكَرَ اسْمَ الذّاتِ إشارَةً إلى أنَّ لَهُ جَمِيعَ الحَمْدِ لِذاتِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ الإحْسانِ عِياذًا مِن أنْ يُرادَ بِهِمُ الهَوانُ، فَقالَ: ﴿رَبُّنا﴾ أيْ: خَرْقَ العادَةِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، فَهو مِن بابِ التَّذَكُّرِ لِلْمَخاوِفِ والإشْرافِ عَلى إمْكانِ سُوءِ العَواقِبِ لِلصِّدْقِ في التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءِ إلَيْهِ والِاسْتِعاذَةِ مِن مَكْرِهِ؛ ولِذَلِكَ أتى بِاسْمِ الجَلالَةِ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى وصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ المُلْتَمَسِ بِذِكْرِها فِعْلُ ما يُفْعَلُ المُرَبِّي الشَّفِيقُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ عَوْدَنا في مِلَّتِكم غَيْرُ مُمْكِنٍ عادَةً، والمَحالُ عادَةً لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إلّا بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ، بَلْ ولا تُوَجَّهُ الهِمَمُ إلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ فِيما وهَبَهُ لَنا مِن هَذا الأمْرِ الجَلِيلِ، (p-٤)ويَنْزِعَ عَنّا هَذا اللِّباسَ الجَمِيلَ، وهو صَرِيحٌ في أنَّ الكُفْرَ يَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، بَلْ ولا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْنا،
﴿كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ زِيادَةٌ في حَثِّ أُمَّتِهِ عَلى الِالتِجاءِ والتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، أيْ: لا عِلْمَ لَنا بِخَواتِمِ الأعْمالِ والعِلْمِ لِلَّهِ فَهو التّامُّ العِلْمِ الكامِلُ القُدْرَةِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلتَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ [قَطْعًا] لِما عَساهُ أنْ يَحْدُثَ مِن طَمَعِ المُخاطَبِينَ في عَوْدِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما عَلَّقْنا العَوْدَ بِالمَشِيئَةِ لِنَقْصِ عُلُومِنا، فَرُبَّما كانَ في سَعَةِ عِلْمِهِ قِسْمٌ ثالِثٌ، وهو أنْ نَكُونَ في القَرْيَةِ عَلى دِينِنا وتَكُونُونَ أنْتُمْ أوْ لا، أوْ تُوافِقُونَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وهَكَذا يَنْبَغِي لِلْمَرْبُوبِ، ولا يَنْبَغِي الجَزْمُ بِأمْرٍ يُسْتَقْبَلُ إلّا اللَّهُ رَبُّنا لِإحاطَةِ عِلْمِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ لِأنَّ ”وسِعَ“ ماضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ أنَّ قَوْلَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا وآيَةُ الكَهْفِ مِن مُخْبِرٍ واحِدٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذا ما ذُكِرَ، كانَ مُزْعِجًا لِلْقُلُوبِ مُقْلِقًا لِلنُّفُوسِ مُزَعْزِعًا لِلْخَواطِرِ مُزَلْزِلًا لِلْأفْكارِ بِتَأمُّلِ هَذِهِ الأخْطارِ المُشْفِيَةِ عَلى غايَةِ الخَسارِ، فَكَأنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا: ما العَمَلُ وأيْنَ المَفَرُّ؟ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وحْدَهُ لا عَلى غَيْرِهِ،
﴿تَوَكَّلْنا﴾ أيْ: فَوَّضْنا جَمِيعَ أُمُورِنا إلَيْهِ، وهو أكْرَمُ مِن أنْ يَخْتارَ لَنا غَيْرَ الأرْشَدِ (p-٥)وقَدْ تَبَرَّأْنا مِن حَوْلِنا وقُوَّتِنا واعْتَصَمْنا بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، وجَعَلْنا جَمِيعَ أُمُورِنا كُلِّها مَحْمُولَةً عَلى قُدْرَتِهِ كَما يَحْمِلُ الوَكِيلُ أمْرَ مُوَكِّلِهِ عَنْهُ ويُرِيحُهُ مِن هَمِّهِ وقَلَقِهِ مِنهُ.
ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُوَكِّلَ يُخْبِرُ الوَكِيلَ بِما يُرِيدُ لِيَفْعَلَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ الدُّعاءَ بِالحُكْمِ بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن نَصْرِ المُحِقِّ وخَذْلِ المُبْطِلِ فَقالَ: ﴿رَبُّنا﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا،
﴿افْتَحْ﴾ أيِ: احْكم ﴿بَيْنَنا﴾ ولَمّا كانَ يُرِيدُ اسْتِعْطافَهم لِإسْعادِهِمْ قالَ: ﴿وبَيْنَ قَوْمِنا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَيْلِهِ إلى الدُّعاءِ بِهِدايَتِهِمْ، وأدَبٍ بِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِما لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ،
﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الفَيْصَلِ مِن مُعامَلَةِ كُلٍّ مِنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِما يَسْتَحِقُّهُ شَرْعًا وعُرْفًا بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ فَرِيقٍ بابٌ يَصِلُ بِهِ إلى غايَةِ أمْرِهِ وهَذا مَقامُ الإنْصافِ، فَقَدْ عُلِمَ مِن إشارَةِ قَوْلِهِ العِنايَةُ بِقَوْمِهِ، ومِن عِبارَتِهِ الإنْصافُ مِن نَفْسِهِ، ولَوْ أرادَ تَرْجِيحَ نَفْسِهِ ومُتَّبِعِيهِ لَدَعا لَهم أنْ يُعامَلُوا بِالفَضْلِ وأنْ يُعامَلَ ضِدُّهم بِالعَدْلِ، والآيَةُ مُعْلِمَةٌ بِأنَّ لَهُ تَعالى أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيدُ مِن خِذْلانِ الظّالِمِ ونَصْرِ المَظْلُومِ وتَعْذِيبِ العاصِي وإثابَةِ الطّائِعِ وعَكْسِ ذَلِكَ.
﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] لِأنَّهُ التّامُّ المُلْكِ العَظِيمُ المُلْكِ الشّامِلُ القُدْرَةِ الحَكِيمُ الخَبِيرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لا نَعُودُ إلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ السُّكُوتِ عَنْ دُعائِكم إلى اللَّهِ ونَهْيِكم عَنْ أفْعالِ الضَّلالِ؛ لِأنّا أُمِرْنا بِإنْذارِكم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ سُكُوتُنا بِأمْرٍ يُحْدِثُهُ إلَيْنا في ذَلِكَ (p-٦)لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضاها عِلْمُهُ وقَصُرَتْ عَنْها عُلُومُنا، فَإذا أرادَ ذَلِكَ وأمَرَنا بِهِ فَعَلْنا، فَلَهُ الخَلْقُ والأمْرُ.
ولَمّا أشارَ إلى الدُّعاءِ لِقَوْمِهِ، أشارَ - بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ - إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ أيْ: عَلى مَن سُدَّتْ عَلَيْهِ الأبْوابُ ولَمْ يَجِدْ مُخَلِّصًا.
7:90Страница 162
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠
Знатные люди из его народа, которые не уверовали, сказали: «Если вы последуете за Шуейбом, то непременно окажетесь в числе потерпевших урон».
ولَمّا انْقَضى جَوابُ الفَصْلِ المَبْنِيِّ عَلى إبْطالِ الفَضْلِ وإظْهارِ العَدْلِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ قَوْلَهم بَعْدَهُ عاطِفًا لَهُ عَلى ما مَضى مِن قَوْلِهِمْ أوْ قَوْلِهِ، وكانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: وقالُوا، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ بِالشَّرَفِ إشارَةً إلى أنَّهُ الَّذِي حَمَلَهم عَلى نَتِيجَةِ الِاسْتِكْبارِ وهي الكُفْرُ، ثُمَّ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ حَتّى أضافُوا إلَيْهِ تَكْفِيرَ غَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ المَلأُ﴾ أيِ: الأكابِرُ،
﴿الَّذِينَ﴾ يَمْلُؤُونَ العُيُونَ مَرْأًى والقُلُوبَ مَهابَةً، فَحَمَلَهُمُ التَّكَبُّرُ عَلى أنَّهم ﴿كَفَرُوا﴾
ولَمّا كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَكُونَ أقارِبُهُ يَتَنَكَّبُونَ عَمّا أتاهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ لِحَسَدٍ أوِ اتِّهامٍ أوْ غَيْرِهِما، فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعامِلُونَهُ بِهَذِهِ الغَلْطَةِ أجانِبُ عَنْهُ، قالَ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ بَيانًا لِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ فَقَدْ يُؤْتِيهِ البَغِيضَ البَعِيدَ ويَمْنَعُهُ الحَبِيبَ القَرِيبَ،
﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ووَطَّئُوا لِلْقَسَمِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ﴾ أيْ: أيُّها الأتْباعُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن بَعْدُ ﴿شُعَيْبًا﴾ أوْ تَرَكْتُمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِمّا أوْرَثَهُ لَكم (p-٧)آباؤُكُمْ؛ وأجابَ القَسَمَ بِما سَدَّ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا﴾ أيْ: وقْتَ اتِّباعِهِ،
﴿لَخاسِرُونَ﴾ أيْ: لِأنَّكُمُ اسْتَبْدَلْتُمْ بِدِينِ الآباءِ غَيْرَهُ وحَرَّمْتُمْ فَوائِدَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ وقَطْعِ السُّبُلِ.
7:91Страница 162
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١
Их постигло землетрясение, и они оказались повергнуты ниц в своих домах.
ولَمّا كَمُلَ إثْمُهم بِالضَّلالِ والإضْلالِ، اسْتَحَقُّوا الأخْذَ فَقالَ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ أقْوالِهِمْ هَذِهِ وأفْعالِهِمْ أنَّهُ أخَذَتْهم ﴿الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ العَظِيمَةُ في القُلُوبِ أوِ الدِّيارِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِلصَّيْحَةِ أوْ مُسَبَّبَةً عَنْها،
﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ: مَساكِنِهِمْ، وتَقَدَّمَ سِرُّ تَوْحِيدِها.
﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ: بارِكَيْنِ عَلى الرُّكَبِ أوْ لازِمَيْنِ أمْكِنَتَهم لا حَراكَ بِهِمْ، وهَذا دُونَ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمّا نَزَلَتِ المَلائِكَةُ بِحُنَيْنٍ، فَكانَ الكُفّارُ يَسْمَعُونَ في أجْوافِهِمْ مِثْلَ وقْعِ الحَصاةِ في الطَّسْتِ، ودُونَ ما كانَ يَجِدُ مُخالِفُهُ مِنَ الرُّعْبِ مِن مَسِيرَةِ شَهْرٍ مِن ورائِهِ، وشَهْرٍ مِن أمامِهِ، ولِكَوْنِهِ كانَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ ما اقْتَضى ذَلِكَ الهَلاكَ بَلِ النَّجاةَ.
7:92Страница 162
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢
Те, которые сочли Шуейба лжецом, словно никогда не жили там. Те, которые сочли Шуейба лжецом, оказались потерпевшими убыток.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهَلاكِهِمْ وما سَبَّبَهُ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وكانَ لِلتَّخْلِيصِ مِنَ العَظَمَةِ في القُلُوبِ بِتَصْوِيرِ المُخَلِّصِ لِلْأذْهانِ [ما] لا يَخْفى، لَخَّصَ ذَلِكَ ذاكِرًا لِأنَّهُ حَلَّ بِهِمْ [بِالخُصُوصِ -] ما نَسَبُوا إلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَسارَةِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ أيْ: نَسَبُوهُ إلى الكَذِبِ فِيما قالَهُ عَنّا وأيَّدْناهُ فِيهِ بِالبَيِّناتِ،
﴿كَأنْ﴾ أيْ: هُمُ المُخَصَّصُونَ بِالهَلاكِ (p-٨)حَتّى كَأنَّهُمْ،
﴿لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ: يَنْزِلُوا ويُقِيمُوا، وبَطَلَ مَقامُهم لاهِينَ بِالأفْراحِ والغِناءِ والِاسْتِغْناءِ مِنَ المَغانِي وهي المَنازِلُ والِاسْتِغْناءُ،
﴿فِيها﴾ أيِ: الدّارِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ.
ولَمّا كانَ تَكْذِيبُ الصّادِقِينَ لا سِيَّما الرُّسُلُ في غايَةِ الشَّناعَةِ، كَرَّرَهُ إشارَةً إلى ذَلِكَ وإعْلامًا بِأنَّهُ سَبَبٌ لَهم أعْظَمُ مِن هَلاكِ الأشْباحِ ضِدَّ ما سَبَّبَ التَّصْدِيقُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ أيْ: فَكانَ تَكْذِيبُهُ سَبَبًا لِهَلاكِهِمْ،
﴿كانُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ أيْضًا،
﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً،
﴿الخاسِرِينَ﴾ أيْ: خَسِرُوا أرْواحَهم كَما خَسِرُوا أشْباحَهُمْ؛ فَهم لِما سِوى ذَلِكَ أخْسَرُ، وأمّا الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فَما نالَهم شَيْءٌ مِنَ الخَسارِ، وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ والِابْتِداءِ والتَّكْرِيرِ مُبالَغَةٌ في رَدِّ مُقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ وتَسْفِيهٌ لِآرائِهِمْ واسْتِهْزاءٌ بِنُصْحِهِمْ لِقَوْمِهِمْ واسْتِعْظامٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ.
7:93Страница 162
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣
Он отвернулся от них и сказал: «О мой народ! Я донес до вас послания моего Господа и искренне желал вам добра. Как я могу печалиться о неверующих людях?».
ولَمّا صارَتْ تِلْكَ الدّارُ مَحَلَّ الغَضَبِ، سَبَّبَ ذَلِكَ أنْ هاجَرَ عَنْها كَما كانَتْ عادَةُ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ وقَبْلَهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَخايِلِهِ ذاهِبًا إلى مَكانٍ غَيْرِهِ، يَعْبُدُ رَبَّهُ فِيهِ،
﴿وقالَ﴾ مُتَأسِّفًا عَلى ما فاتَهُ مِن هِدايَتِهِمْ،
﴿يا قَوْمِ﴾ أيْ: يا عَشِيرَتِي وأقْرَبَ النّاسِ إلَيَّ،
﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ ولَعَلَّهُ جَمَعَ لِأجْلِ كَثْرَةِ ما أتاهم بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ فَقالَ: ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيَّ بِإنْجائِي ومَن تَبِعَنِي مِن عَذابِكم لِتَوْفِيقِهِ لَنا إلى ما يُرْضِيهِ،
﴿ونَصَحْتُ﴾ أيْ: وأوْقَعْتُ النُّصْحَ (p-٩)﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً.
ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا لِما طُبِعَ البَشَرُ مِنَ الأسَفِ عَلى أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ، سَبَّبَ عَنْهُ مُنْكِرًا عَلى نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ: أحْزَنُ حُزْنًا شَدِيدًا،
﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الكُفْرِ، فَعَرَفَ أنَّهُ أسِفَ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ قُرْبِهِمْ وفَواتِ الإيمانِ لَهم غَيْرُ آسِفٍ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ كُفْرِهِمْ، وتَخْصِيصُ تَكْرِيرِ هَذِهِ القِصَصِ الخَمْسِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ في كَثِيرٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ - دُونَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أعْظَمُهم - لِانْتِظامِهِمْ في أنَّهم أقَرَّتْ أعْيُنُهم بِأنْ رَأوْا مَصارِعَ مَن خالَفَهُمْ، وأمّا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ وقَعَ النَّصُّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] بِأنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ قَبْلَ عَذابِهِمْ ولَمْ يَسْلُكْ بِهِ سَبِيلَهم في إقْرارِ عَيْنِهِ بِإهْلاكِ مَن كَذَّبَهُ بِحَضْرَتِهِ، وهو أفْضَلُهُمْ؛ لِأنَّ الكائِنَ في قِصَّتِهِ أعْظَمُ في الأفْضَلِيَّةِ، وهو طِبْقُ ما اتَّفَقَ لِوَلَدِهِ أفْضَلِ البَشَرِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، وانْظُرْ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] تَعْرِفْ ما في هَذا المَقامِ مِنَ الإكْرامِ، وأنَّ الأمْرَ كَما قِيلَ: لِعَيْنٍ تُجازى ألْفُ عَيْنٍ وتُكْرَمُ.
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ إجْمالَ الإنْذارِ بِما اشْتَرَكَتْ فِيهِ الأُمَمُ مِنَ الإهْلاكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] الآيَةَ.
7:94Страница 162
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ ٩٤
В какое бы селение Мы не отправляли пророка, Мы непременно подвергали его жителей невзгодам и напастям, дабы они проявили смирение.
ثُمَّ أتْبَعَهُ - بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ عَلى النَّظْمِ الَّذِي سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ - تَفْصِيلَ ما انْفَرَدَتْ بِهِ كُلُّ أُمَّةٍ مِنَ العَذابِ الحادِثِ عَلى سَبِيلِ الصَّوابِ، أتْبَعَ ذَلِكَ إجْمالًا آخَرَ أبْسَطَ مِنَ الأوَّلِ عَلى نَمَطٍ غَرِيبٍ دالٍّ عَلى عادَتِهِ المُسْتَمِرَّةِ وسُنَّتِهِ المُسْتَقِرَّةِ في شَرْحِ (p-١٠)حالِ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الَّذِينَ ذَكَرَهم وغَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ غَيْرَهم كانَ حالُهُ غَيْرَ حالِهِمْ، فَبَيَّنَ أنَّ الكُلَّ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ وأنَّ السَّبَبَ في اسْتِئْصالِهِمْ واحِدٌ، وهو التَّكْذِيبُ والِاسْتِكْبارُ عَلى الحَقِّ، لِيَكُونَ الإجْمالُ كالضَّوابِطِ والقَواعِدِ الكُلِّيَّةِ لِتَنْطَبِقَ عَلى الجُزْئِيّاتِ، وذَلِكَ الِاسْتِبْصارُ بِما يَكُونُ مِن نافِعٍ أوْ ضارٍّ وعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِأحْوالِ المُسْتَدْرَجِينَ الأشْرارِ مُتَكَفِّلٌ بِالتَّسْلِيَةِ لِنَبِيِّهِ [ﷺ] والتَّأْسِيَةِ، مُتَقَدِّمٌ عَلى قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِطُولِها وتَعْجِيلًا بِما في ذَلِكَ مِن مَصارِعِ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما﴾ أيْ: أرْسَلْنا فُلانًا فَكانَ كَذا وفُلانًا فَكانَ كَذا، وما ﴿أرْسَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ،
﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ أيْ: مِن قُرى أُولَئِكَ وغَيْرِهِمْ،
﴿مِن نَبِيٍّ﴾ أيْ: مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوكَ ﴿إلا﴾ كانَ ما نُخْبِرُ بِهِ مِن تَرْهِيبِهِمْ مِن سَطَواتِنا وهو أنّا ﴿أخَذْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا،
﴿أهْلَها﴾ أيْ: أخْذَ قَهْرٍ وسَطْوَةٍ، أيْ: لِأجْلِ اسْتِكْبارِهِمْ عَنِ الحَقِّ،
﴿بِالبَأْساءِ﴾ أيْ: قَهْرِ الرِّجالِ ﴿والضَّرّاءِ﴾ أيِ: المَرَضِ والفَقْرِ،
﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ المَساءَةِ حالَ مَن يُرْجى تَضَرُّعُهُ وتَذَلُّلُهُ وتَخَضُّعُهُ لِمَن لا يَكْشِفُ ذَلِكَ عَنْهُ غَيْرُهُ ولَوْ كانَ التَّضَرُّعُ في أدْنى المَراتِبِ - عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ - لِأنَّ ذَلِكَ كافٍ في (p-١١)الإنْقاذِ مِن عَذابِ الإنْذارِ الَّذِي هَذِهِ سَوْرَتُهُ بِخِلافِ ما مَضى في الأنْعامِ.
7:95Страница 162
ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩٥
Затем Мы заменяли зло добром, и тогда они начинали благоденствовать и говорили: «Наших отцов также касались невзгоды и радости». Мы хватали их внезапно, когда они даже не помышляли об этом.
ولَمّا لَمْ يَتَضَرَّعُوا صادِقِينَ مِن قُلُوبِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِالحَقِّ لِأهْلِهِ كَما يَحِقُّ لَهُ، اسْتَدْرَجَهم بِإدْرارِ النِّعَمِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى طُولِ مُدَّةِ الِابْتِلاءِ واسْتِبْعادِهِمْ لِكَشْفِ ذَلِكَ البَلاءِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾، ومَظْهَرُ العَظَمَةِ يُؤَيِّدُ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ ﴿مَكانَ﴾ أيْ: جَعَلْنا بَدَلَ ﴿السَّيِّئَةِ﴾ أيِ: النِّقْمَةِ،
﴿الحَسَنَةَ﴾ أيِ: النِّعْمَةَ، وبَيَّنَ أنَّهُ مَدَّ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ أيْ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ نِعَمُهم فَلَمْ يَشْكُرُوا،
﴿وقالُوا﴾ مُسْنِدِينَ الأمْرَ إلى غَيْرِ أهْلِهِ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ﴾ أيِ: الشِّدَّةُ،
﴿والسَّرّاءُ﴾ أيِ: الرَّخاءُ والنِّعْمَةُ، مُعْتَقِدِينَ أنَّ هَذِهِ عادَةُ الدَّهْرِ لا فِعْلُ الفاعِلِ المُخْتارِ.
ولَمّا لَمْ يَعْتَبِرُوا ويَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِمَّنْ يُحِبُّ أنْ لا يُعْدَلَ عَنْ بابِهِ ولا يُغْفَلَ عَنْ جَنابِهِ، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ دَأبُ الدَّهْرِ وفِعْلُ الزَّمانِ، واسْتَمَرُّوا عَلى فَسادِهِمْ في حالِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا أشَدَّ الأخْذِ وأفْظَعَهُ في الظّاهِرِ والباطِنِ،
﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً حَتّى لا يَنْفَعَهُمُ التَّوْبَةُ، وأكَّدَ مَعْنى البَغْتِ تَحْقِيقًا لِأمْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَحَقُّ مَن سَمِعَ هَذا أنْ يُبادِرَ إلى الرُّجُوعِ عَنْ كُلِّ مُخالَفَةٍ هو فِيها خَوْفًا مِنَ الأخْذِ بَغْتَةً.
7:96Страница 163
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٦
Если бы жители селений уверовали и стали богобоязненны, Мы раскрыли бы перед ними благодать с неба и земли. Но они сочли это ложью, и Мы схватили их за то, что они приобретали.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما كانَ قَوْلُهم مُسَبِّبًا لَهُ مِنَ الأخْذِ بَغْتَةً، بَيَّنَ ما كانَ يَكُونُ ضِدَّ قَوْلِهِمْ مُسَبِّبًا لَهُ مِنَ البَرَكاتِ لَوْ وقَعَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ أيْ: هَذِهِ الَّتِي قَصَصْنا أخْبارَها،
﴿آمَنُوا﴾ أيْ: بِما أتاهم بِهِ رُسُلُهُمْ، (p-١٢)﴿واتَّقَوْا﴾ أيْ: خافُوا أمْرَ اللَّهِ وجَعَلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ سُخْطِهِ وِقايَةً مِن طاعاتِهِ فاسْتَمَرُّوا عَلى إيمانِهِمْ،
﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ﴾ أيْ: خَيْراتٍ ثابِتَةً لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إزالَتِها،
﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ الَّذِي يَكُونُ كَأفْواهِ القِرَبِ وما شابَهَهُ،
﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّبْتِ الغَلِيظِ وما قارَبَهُ، وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ تِلْكَ البَرَكاتِ، وأصْلُ البَرَكَةِ المُواظَبَةُ عَلى الخَيْرِ.
ولَمّا كانَ الكَلامُ بِما أفْهَمَتْهُ ”لَوْ“ في قُوَّةِ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: كانَ التَّكْذِيبُ دَيْدَنَهم وشَأْنَهُمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَدِّقُوا رُسُلَنا في شَيْءٍ، ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ مَوْضِعَ الجَلافَةِ والجُمُودِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِعَدَمِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ، سَبَّبَ عَنْهُ العَذابَ فَقالَ: ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ،
﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمُ الخَبِيثَةِ مِنَ الأعْمالِ المُناسِبَةِ لَها.
7:97Страница 163
أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ ٩٧
Неужели жители селений не опасались того, что Наше наказание постигнет их ночью, когда они спят?
ولَمّا كانُوا قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا في غَلَطِهِمْ في جَعْلِهِمُ السَّرّاءَ والضَّرّاءَ سَبَبًا لِلْأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ أمْنَهم عاطِفًا لَهُ عَلى ”كَذَّبُوا“ لِأنَّهُ سَبَبُ الغَلَطِ وهو سَبَبُ الأمْنِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ أيْ: كَذَّبُوا ناسِينَ أفْعالَنا المُرْهِبَةَ بِالمَضارِّ والمُرَغِّبَةَ بِالمَسارِّ فَأمِنُوا ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا﴾ أيِ: النّاشِئُ عَمّا لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَنْساها إلّا خاسِرٌ ﴿بَياتًا﴾ أيْ: لَيْلًا وهم قَدْ أخَذُوا الرّاحَةَ في بُيُوتِهِمْ، ولَمّا كانَ النَّوْمُ شَيْئًا واحِدًا يَغْمُرُ الحَواسَّ فَيَقْتَضِي الِاسْتِقْرارَ، عَبَّرَ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى الثَّباتِ فَقالَ: ﴿وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: عَلى غايَةِ الغَفْلَةِ عَنْهُ.
7:98Страница 163
أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٩٨
Неужели жители селений не опасались того, что Наше наказание постигнет их утром, когда они забавляются?
(p-١٣)ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ جاهِلٌ: لَوْ جاءَهم وهم أيْقاظٌ لَأمْكَنَ أنْ يُدافِعُوا! قالَ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ أوْ مُنْفَرِدِينَ فَإنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَنا في ذَلِكَ،
﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى﴾ أيْ: وقْتَ راحَتِهِمْ واجْتِماعِ قُواهم ونَشاطِهِمْ؛ ولَمّا كانَتِ اليَقَظَةُ مُوجِبَةً لِلْحَرَكَةِ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَعِبُهم شَيْئًا فَشَيْئًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وفِيهِ تَقْرِيعٌ لَهم بِنِسْبَتِهِمْ إلى أنَّهم صِبْيانُ العُقُولِ، لا التِفاتَ لَهم إلى غَيْرِ اللَّعِبِ.
7:99Страница 163
أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩٩
Неужели они не опасались хитрости Аллаха? Хитрости Аллаха не опасаются только люди, терпящие убыток!
ولَمّا كانَ ضَلالُهم - الَّذِي نَسَبُوا فِيهِ الأمْرَ إلى غَيْرِ أهْلِهِ - أشْنَعَ ضَلالٍ لِتَضَمُّنِهِ التَّعْطِيلَ وما يَجُرُّ إلَيْهِ مِنَ الأباطِيلِ، كَرَّرَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ عَلى وجْهٍ أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ فَقالَ مُسَبِّبًا الإنْكارَ عَمّا أثْبَتَ هَذا الكَلامُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَتَمارى فِيها ذُو لُبٍّ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: فِعْلَهُ الَّذِي يُشْبِهُ المَكْرَ بِأخْذِ الإنْسانِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِالِاسْتِدْراجِ بِما يُرِيدُ مِنَ النِّعَمِ والنِّقَمِ؛ وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ فَلا يُرَدُّ لَهُ أمْرٌ ﴿إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ كانَتْ قُواهم سَبَبًا لِعَراقَتِهِمْ في الأفْعالِ الضّارَّةِ والخِصالِ المُهْلِكَةِ.
7:100Страница 163
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠
Разве не ясно тем, которые унаследовали землю от ее прежних жителей, что если бы Мы пожелали, то покарали бы их за грехи? Мы запечатываем их сердца, и они не способны слышать.
ولَمّا بانَ بِما مَضى حالُ الكُفّارِ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا، وكانَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ عِبْرَةَ السّامِعِينَ، وكانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مَعَ إبْقاءِ مُهَجِهِمْ وحِفْظِ أرْواحِهِمْ وأفْهامِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ مَن قَبْلَهم في بَعْضِ ما لَحِقَهم مِن ذَلِكَ وإيراثِهِمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ حالًا يَكُونُونَ بِها في حَيِّزِ مَن يُرْجى (p-١٤)مِنهُ الخَوْفُ المُقْتَضِي لِلتَّضَرُّعِ والعِلْمِ قَطْعًا بِأنَّ الفاعِلَ لِذَلِكَ هو اللَّهُ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَأهْلَكَهم بِالذُّنُوبِ أوْ غَطّى أفْهامَهم بِحَيْثُ يَصِيرُونَ كالبَهائِمِ لا يَسْمَعُونَ إلّا دُعاءً ونِداءً، فَسَماعُهم حَيْثُ لا فَهْمَ كَلا سَماعٍ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأمْنِ؛ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ﴾ [الأعراف: ٩٧] إلى آخِرِهِ؛ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الِاسْتِدْلالِ عَلى القُدْرَةِ فَقالَ عاطِفًا [عَلى] ”أفَأمِنَ“،
﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ أيْ: يُبَيِّنْ أخْذُنا الأُمَمَ الماضِيَةَ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ ثُمَّ إهْلاكُهم إذا لَمْ يَتَّعِظُوا،
﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ وإشارَةً إلى بَلادَتِهِمْ لِعَدَمِ البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ لِيَعْلَمُوا مِنها ما يَضُرُّ وما يَنْفَعُ فَلا يَكُونُوا كالبَهائِمِ، فَإنَّهم لَوْ تَأمَّلُوا أحْوالَهم وأحْوالَ مَن ورِثُوا أرْضَهم وأحْوالَ الأرْضِ لَكَفاهم ذَلِكَ في الهِدايَةِ إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
ولَمّا كانَ إرْثُهم غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مَفْعُولَ ”يَهْدِ“ بِقَوْلِهِ: ”أنْ“، أيْ: أنّا،
﴿لَوْ نَشاءُ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ أرَدْنا،
﴿أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: إصابَةً نَمْحَقُهم بِها كَما فَعَلْنا بِمَن ورِثُوا أرْضَهُمْ؛ ولَمّا كانَ هَذا تَخْوِيفًا لِلْمَوْجُودِينَ بَعْدَ المُهْلَكِينَ، ومِنهم قُرَيْشٌ وسائِرُ العَرَبِ الَّذِينَ يُخاطَبُونَ بِهَذا القُرْآنِ، فَكَأنَّ المَخُوفَ بِهِ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، عَطَفَ عَلى ”أصَبْنا“ قَوْلَهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِإزالَةِ عُقُولِهِمْ حَتّى يَكُونُوا كالبَهائِمِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: (p-١٥)﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: سَماعَ فَهْمٍ، وعَبَّرَ عَنِ الإصابَةِ بِالماضِي إشارَةً إلى سُرْعَةِ الإهْلاكِ مَعَ كَوْنِهِ شَيْئًا واحِدًا غَيْرَ مُتَجَزِّئٍ، وعَنِ الطَّبْعِ بِالمُضارِعِ إيماءً إلى التَّجَدُّدِ بِحَيْثُ لا يَمُرُّ زَمَنٌ إلّا كانُوا فِيهِ في طَبْعٍ جَدِيدٍ.
7:101Страница 163
تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠١
Мы рассказываем тебе повествования об этих селениях. Их посланники приходили к ним с ясными знамениями. Однако они не хотели уверовать в то, что они сочли ложью прежде. Так Аллах запечатывает сердца неверующих.
ولَمّا انْقَضى ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأعْظَمِ والنَّظْمِ الأبْلَغِ الأحْكَمِ، وكانَتْ هَذِهِ القُرى بِحَيْثُ تَعْرِفُها العَرَبُ ويَرَوْنَها، أشارَ إلَيْهِمْ حَثًّا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ، ولَمّا كانَ أهْلُها جَدِيرِينَ بِالبُعْدِ عَنْهم والهَرَبِ مِنهُمْ، عَبَّرَ عَنْهم بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ القُرى﴾ أيْ: مَحالُّ القَبائِلِ الخَمْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البُعْدُ لِعَظَمَةِ ما حَصَلَ لِأهْلِها مِنَ العَذابِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مُبَيِّنًا لِحالِها: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾
ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن يَكْفِيهِ أدْنى شَيْءٍ، هَوَّلَ الأمْرَ بِأنَّ أخْبارَها تَفُوتُ الحَصْرَ، وأنَّ ما قُصَّ مِنها يَكْفِي المُعْتَبِرَ، فَقالَ: ﴿مِن أنْبائِها﴾ أيْ: أخْبارِها العَظِيمَةِ الهائِلَةِ المُطابِقَةِ لِلْواقِعِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَما يَفْعَلُ مَن يَتَتَبَّعُ الأثَرَ، وأنَّثَ الضَّمِيرَ لِأنَّ لِرُؤْيَةِ القُرى أنْفُسِها مَدْخَلًا في مَعْرِفَةِ أخْبارِ أهْلِها.
ولَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ التَّكْذِيبِ بَعْدَ ذَلِكَ البَيانِ، كانَ رُبَّما تَخَيَّلَ مُتَخَيِّلٌ أنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا بِالبَيانِ الشّافِي، فَشَهِدَ اللَّهُ تَعالى لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَصْدِيقًا لِمَن قالَ مِنهُمْ: قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ، بِقَوْلِهِ: ”ولَقَدْ“ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿جاءَتْهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ القُرى لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ،
﴿رُسُلُهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ،
﴿بِالبَيِّناتِ فَما﴾ أيْ: فَلَمْ يَتَسَبَّبْ عَنْ (p-١٦)ذَلِكَ بِسَبَبِ طَبْعِنا عَلى قُلُوبِهِمْ إلّا أنَّهم ما ﴿كانُوا﴾ مُوَفَّقِينَ،
﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: عِنْدَ مَجِيئِها، وقَدْ أكَّدَ مُنافاةَ حالِهِمُ الإيمانَ بِاللّامِ والكَوْنِ أتَمَّ تَأْكِيدٍ ”بِما“ أيْ: بِالَّذِي ﴿كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِهِ، [وحَذْفُها أدُلُّ عَلى الزَّجْرِ مِن مُطْلَقِ التَّكْذِيبِ وأوْفَقُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ].
ولَمّا كانَ تُكَذِّبِيهِمْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ أوْ بِتَكْذِيبِهِمُ الواقِعِ [مِنهُمْ] لِلرُّسُلِ فِيما أتَوْا بِهِ عَنِ اللَّهِ مِن قَبْلِ الأخْذِ بَغْتَةً، أوْ مِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالآياتِ، فَإنَّهم أوَّلُ ما جاءُوهم فاجَأُوهم بِالتَّكْذِيبِ، فَجُوزُوا عَلى تَكْذِيبِ الحَقِّ مِن غَيْرِ نَظَرٍ في دَلِيلٍ بِالطَّبْعِ [عَلى قُلُوبِهِمْ فَأتَوْهم بِالمُعْجِزاتِ فَأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ التَّكْذِيبِ ووَقَفُوا لِذَلِكَ الطَّبْعِ] مَعَ حُظُوظِهِمْ، ومَنَعَتْهم شَماخَتُهم وشِدَّةُ شَكائِمِهِمْ عَنِ الإيمانِ لِئَلّا يُقالَ: إنَّهم خافُوا أوَّلًا فِيما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ فَكانُوا فِيهِ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، أوْ إنَّهم خافُوا ثانِيًا ما قَرَعَتْهم بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الوَعِيدِ، فَدَخَلُوا جُبْنًا فِيما يَعْلَمُونَ بُطْلانَهُ، فَكانَ تَزْيِينُ هَذا لَهم طَبْعًا عَلى قُلُوبِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا العَجَبَ هَلْ يَقَعُ في مِثْلِ ذَلِكَ أحَدٌ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، مِثْلَ ما طَبَعْنا عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى صارَتْ مَعَ الفَهْمِ لا تَنْتَفِعُ، فَكَأنَّها لا تَفْهَمُ فَكَأنَّها لا تَسْمَعُ،
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكِبْرِ ونُعُوتِ الجَلالِ بِما يَجْعَلُ مِنَ الرَّيْنِ بِما لَهُ (p-١٧)مِنَ العَظَمَةِ،
﴿عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: كُلِّ مَن يُغَطِّي ما أعْطاهُ اللَّهُ مِن نُورِ العَقْلِ بِما تَدْعُوهُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِنَ الهَوى عَرِيقًا في الِاتِّصافِ [بِذَلِكَ] فَيَتْرُكُ آياتِ اللَّهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии