Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Аль-Анфаль 8:24–28
8:24Страница 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
О те, которые уверовали! Отвечайте Аллаху и Посланнику, когда он призывает вас к тому, что дарует вам жизнь. Знайте, что Аллах - между человеком и его сердцем (может помешать человеку добиться того, что он желает), и что вы будете собраны к Нему.
(p-٢٥١)ولَمّا كانَ ما مَضى مِن نَكالِ الكافِرِينَ مُسَبَّبًا عَنْ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِها تَحْذِيرًا مِنَ الكَوْنِ مَعَ الكَفَرَةِ في مِثْلِ حالِهِمْ فَيُحْشَرُوا مَعَهم في مَآلِهِمْ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أيْ: صَدِّقُوا دَعْواكم ذَلِكَ بِإيجادِ الإجابَةِ إيجادَ مَن هو في غايَةِ الرَّغْبَةِ فِيها ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: واجْعَلُوا إجابَتَكم هَذِهِ خاصَّةً لِلَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ولِلرَّسُولِ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ.
ولَمّا كانَ ﷺ يَدْعُوهم لا مَحالَةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِدُعائِهِمْ، وكانَ لا يَدْعُوهم إلّا إلى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وكانَ سُبْحانَهُ لا يَدْعُو إلّا إلى صَلاحٍ ورُشْدٍ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّحْقِيقِ ووَحَّدَ الضَّمِيرَ وشَوَّقَ بِإثْمارِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ أيِ: الرَّسُولُ بِالنَّدْبِ والتَّحْرِيضِ.
ولَمّا كانَ اجْتِناءُ ثَمَرَةِ الطّاعَةِ في غايَةِ القُرْبِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِاللّامِ دُونَ ”إلى“ فَقالَ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ: يَنْقُلُكم بِعِزِّ الإيمانِ والعِلْمِ عَنْ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ الصَّمَمِ والبَكَمِ وعَدَمِ العَقْلِ الَّذِي هو المَوْتُ المَعْنَوِيُّ إلى الحَياةِ المَعْنَوِيَّةِ، ولا يَعُوقُكم عَنِ الِاسْتِجابَةِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ أنْ تَقُولُوا: إنّا اسْتَجَبْنا إلى الإيمانِ وكَثِيرٍ مِن شَرائِعِهِ، فَلَوْلا أنَّ رَبَّنا عَلِمَ فِينا الخَيْرَ ما أسْمَعَنا، فَنَحْنُ ناجُونَ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ ابْنِ المُعَلّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”كُنْتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعانِي فَلَمْ آتِهِ حَتّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَ؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَقالَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا﴾ - (p-٢٥٢)الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَخْرُجَ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقالَ: هِيَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]“هِيَ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ”».
ولِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أُبَيُّ! وهو يُصَلِّي، فالتَفَتَ أُبَيٌّ فَلَمْ يُجِبْهُ وصَلّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُوَلَ اللَّهِ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ما مَنَعَكَ يا أُبَيُّ أنْ تُجِيبَنِي إذْ دَعَوْتُكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي كُنْتُ في الصَّلاةِ، قالَ: فَلَمْ تَجِدْ فِيما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ أنِ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ: بَلى! ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ! قالَ: تُحِبُّ أنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها؟ قالَ: نَعَمْ، يا رَسُولَ اللَّهِ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تَقْرَأُ في الصَّلاةِ؟ قالَ: فَقَرَأ أُمَّ القُرْآنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ما أُنْزِلَتْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها، وإنَّها سَبْعٌ مِنَ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» - هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا كانَ عَلى حالَةٍ يُسْتَعْبَدُ جِدًّا أنْ يَصْبِرَ عَلى (p-٢٥٣)غَيْرِها، قالَ تَعالى مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿يَحُولُ﴾ أيْ: بِشُمُولِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ فَيَرُدُّهُ إلى ما عَلِمَ مِنهُ فَيَصِيرُ فِيما كَشَفَهُ الحالُ كافِرًا مُعانِدًا بَعْدَ أنْ كانَ في ظاهِرِ الحالِ مُؤْمِنًا مُسْتَسْلِمًا فَيَكُونُ مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِ وقَسَرَهُ عَلى الإجابَةِ فَلَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْها، ويَرُدُّ الكافِرَ بَعْدَ عِنادِهِ إلى الإيمانِ بِغايَةِ ما يَرى مِن سُهُولَةِ قِيادِهِ، فَكَنّى سُبْحانَهُ بِشِدَّةِ القُرْبِ اللّازِمِ لِلْحَيْلُولَةِ عَنْ شِدَّةِ الِاقْتِدارِ عَلى تَبْدِيلِ العَزائِمِ والمُراداتِ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى المُبادَرَةِ إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ ما دامَتِ القُلُوبُ مُقْبِلَةً عَلى ذَلِكَ خَوْفًا مِن تَغْيِيرِها.
ولَمّا خَوَّفَهم عاقِبَةَ الحالِ، حَذَّرَهم شَأْنَ المَآلِ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ﴾ أيْ: واعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، فَيَحْشُرُ المُسْتَجِيبِينَ في زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُعْرِضِينَ في عِدادِ الكافِرِينَ وإنْ أبَوْا حُكْمًا واحِدًا؛ لِأنَّ الدِّينَ لا يَتَجَزَّأُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ“إذا" لَيْسَتْ قَيْدًا وإنَّما هي تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ في كُلِّ ما يَدْعُو إلَيْهِ لِعِصْمَتِهِ، وحِكْمَةُ الإتْيانِ بِها الإعْلامُ بِأنَّهُ ما تَرَكَ خَيْرًا إلّا دَعا إلَيْهِ؛ قالَ الحَرالِّيُّ في أواخِرِ كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الفِقْهِ: ولَها - أيِ: العِصْمَةِ - مَعْنَيانِ: أحَدُهُما عِصْمَةُ الحِفْظِ، وهو مَعْنًى يَنْشَأُ مِنَ التِزامِ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِماضِي شِرْعَتِهِ، وهي العِصْمَةُ العامَّةُ لِلْأنْبِياءِ، وفي هَذِهِ الرُّتْبَةِ يَقَعُ الكَلامُ في الحِفْظِ مِنَ الصَّغائِرِ بَعْدَ (p-٢٥٤)الِاتِّفاقِ عَلى الحِفْظِ عَمّا يُخِلُّ بِالتَّبْلِيغِ ويَحُطُّ الرُّتْبَةَ والكَبائِرِ، وحَقِيقَةُ الصَّغائِرِ مُقَدِّماتُ الذُّنُوبِ الَّتِي لَمْ تَتِمَّ، فَيَكُونُ تَمامُها كَبِيرَتَها، وعَلى ذَلِكَ بَنى قَوْمٌ احْتِمالَ وُقُوعِ الفِعْلِ مَحْظُورًا مِن نَبِيٍّ، وكُلُّ ذَلِكَ - وإنْ كانَ مِن أحْوالِ أنْبِياءٍ - فَإنَّ المُتَحَقِّقَ مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما هو عُلُوٌّ عَنْ هَذا المَحَلِّ.
المَعْنى الثّانِي مِنَ العِصْمَةِ رَفْعُ الحُكْمِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِما حَفِظَهُ الحافِظُ مِن ماضِي ظاهِرِ شِرْعَتِهِ وبِما بَلَغَ إلَيْهِ فَهْمُهُ مِن مَبادِئِ التَّنَشُّؤِ مِن سُنَنِهِ، واتِّخاذُ فِعْلِهِ مَبْدَأً لِلْأحْكامِ في كُلِّ آنٍ مِن غَيْرِ التِفاتٍ لِما تَقَرَّرَ في ماضِي الزَّمانِ، وهَذِهِ هي العِصْمَةُ الخاصَّةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ الجامِعِ، فَلا يَكُونُ لِفِعْلِهِ حُكْمٌ إلّا ما يُفْهِمُهُ إنْباؤُهُ عَنْ حالِ وُقُوعِهِ، ويَكُونُ الأحْكامُ تَبَعًا لِفِعْلِهِ، لا أنَّ فِعْلَهُ يَتْبَعُ حُكْمًا، فَهَذا وجْهُ عِصْمَتِهِ الخاصَّةِ المُمْتَنِعِ عَلَيْها جَوازُ الخُرُوجِ عَنْها، فَمَن كانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ نَحْوٌ مَن هَذا المَعْنى لا يَتَوَقَّفُ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ كالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكَما كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في اقْتِدائِهِ حَتّى في إدارَةِ راحِلَتِهِ وصَبْغِهِ بِالصُّفْرَةِ ولُبْسِهِ النِّعالَ السَّبْتِيَّةَ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ وأمْرِ مَن حَذا مِنهم هَذا الحَذْوَ، ومَن كانَ يَتَوَهَّمُ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ وفَهْمِهِ مِن أمْرِ شِرْعَتِهِ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِن وُقُوعٍ في أمْرٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ انْتِحالَهُ كَما حَكَمَ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا كانَ يُصَلِّي بِإمْضاءِ عَمَلِ الصَّلاةِ إذْ دَعاهُ حَتّى بَيَّنَ لَهُ قُصُورَ فَهْمِهِ عَنِ اللَّهِ (p-٢٥٥)فِي حَقِّهِ أيْ: بِقَوْلِهِ: ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ وكالَّذِي قالَ: انْزِلْ فاجْدَعْ لَنا، فَقالَ: إنَّ عَلَيْكَ نَهارًا، فَقالَ لَهُ في الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ: انْزِلْ فاجْدَعْ لَنا ويْلَكَ أوْ ويْحَكَ! فَإذا وضَحَ أنَّ فِعْلَهُ مَبْدَأُ الحُكْمِ ومَعْلَمُ الإنْباءِ لَزِمَ صِحَّةُ التَّأسِّي بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ، إمّا عَلى بَيانٍ مِن تَعَيُّنِ رُتْبَةِ الحُكْمِ مِن وُجُوبٍ أوْ نَدْبٍ أوْ إباحَةٍ، أوْ عَلى مُطْلَقِ التَّأسِّي مَعَ إبْهامِ رُتْبَةِ الحُكْمِ والِاتِّكالِ عَلى ما عِنْدَهُ هو ﷺ مِنَ العِلْمِ، فَنِيَّةُ التَّأسِّي بِهِ عَلى إبْهامٍ في الحُكْمِ رُبَّما كانَ أتَمَّ مِنَ العَمَلِ بِما تَبَيَّنَ حُكْمُهُ، أحْرَمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو بِاليَمَنِ، تَوَّجَهُ إلى مَكَّةَ بِإحْرامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَتَطَرَّقُ لِشَيْءٍ مِن أمْرِهِ ﷺ بِما وقَعَ مِن كَوْنِهِ يُفْتِي بِأمْرٍ ثُمَّ يُوافِقُ في غَيْرِهِ؛ لِأنَّ الآخِذَ في ذَلِكَ عَنْ قُصُورٍ في العِلْمِ بِمَكانَتِهِ مِن عِلْمِ رَحْمانِيَّةِ اللَّهِ وكَلِمَتِهِ وتَنْزِيلِهِ إلى مُوافَقَةِ أمْرِ سُنَّةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ نَحْوَ الَّذِي أفْتاهُ بِتَكْفِيرِ الجِهادِ كُلَّ ذَنْبٍ بِناءً عَلى عِلْمِهِ بِرَحْمانِيَّةِ اللَّهِ وإمْضاءِ كَلِمَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ ما قالَ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اسْتِثْناءِ الدَّيْنِ مِمّا أُنْزِلَ عَلى حُكْمِ أمْرِ اللَّهِ في مُحْكَمِ شِرْعَتِهِ وسُنَّتِهِ، يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ مَن صَحَّ جِهادُهُ تُكَفَّرُ كُلُّ ذُنُوبِهِ، وأنَّ تَوَقُّفَ الدَّيْنِ عَلى إرْضاءِ اللَّهِ لِخَصْمِهِ، فالإخْبارُ بِالكَفّارَةِ ناظِرٌ إلى المَآلِ، والإخْبارُ بِنَفْيِها ناظِرٌ إلى الِابْتِداءِ، وكَذَلِكَ أفْتى بِتَرْكِ التَّلْقِيحِ بِناءً عَلى إنْفاذِ كَلِمَةِ اللَّهِ، ورَدَّهم إلى عادَةِ دُنْياهم حِينَ لَمْ يَتَجَشَّمُوا الصَّبْرَ (p-٢٥٦)إلى ظُهُورِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلى مُسْتَمِرِّ عادَتِهِ، فَقَدْ عَمِلَ بِأوَّلِ فُتْياهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَرِبْ في نَفاذِ حُكْمِهِ وصِحَّتِهِ فَأخْفَقَ ثَمَراتِ ثَلاثِ سِنِينَ ثُمَّ عادَ - في غِنًى عَنِ التَّلْقِيحِ - إلى أحْسَنَ مِن حالِهِ في مُتَقَدَّمِ عادَتِهِ، ولا يَتَقاصَرُ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ مَن أمْرُهُ في كُلِّ نازِلَةٍ مِن نَحْوِهِ إلّا مَن لَمْ يَسْمُ بِهِ التَّأْيِيدُ إلى مَعْرِفَةِ حَظٍّ مِن مَكانَتِهِ، فَإذا وضَحَ ذَلِكَ فَكُلُّ فِعْلٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإنْ كانَ بَيانًا لِواجِبٍ فَهو مُنْجٍ مِن عِقابِ اللَّهِ، وإنْ كانَ تَعْلِيمًا لِقُرْبِي مِنَ اللَّهِ فَهو وصْلَةٌ إلى مَحَبَّةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وإنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ مُجْمَلٌ مِنهُما تَأسّى بِها عَلى إبْهامٍ يُغْنِيهِ عَمَلُهُ وتَعْلُو بِهِ نِيَّتُهُ، وما كانَ مُخْتَصًّا بِهِ فَلا بُدَّ مِن إظْهارِ أمْرِ اخْتِصاصِهِ بِخِطابٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أوْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] انْتَهى.
8:25Страница 179
وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥
Бойтесь искушения, которое поразит не только тех из вас, кто был несправедлив. И знайте, что Аллах суров в наказании.
ولَمّا كانَ لِمُجِيبٍ رُبَّما قالَ: لَيْسَ عَلَيَّ إلّا الإجابَةُ في خاصَّةِ نَفْسِي، ولَيْسَ عَلَيَّ تَعْرِيضُ نَفْسِي لِلْأذى بِالأخْذِ عَلى يَدِ غَيْرِي، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُنابَذَةٌ لِلدِّينِ واجْتِثاثٌ لَهُ مِن أصْلِهِ؛ لِأنَّ تَرْكَ العاصِي عَلى عِصْيانِهِ كَتَرْكِ الكافِرِ عَلى كُفْرانِهِ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِعُمُومِ البَلاءِ، ومَزِيدِ القَضاءِ فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ أيْ: بَلاءً مُمِيلًا مُحِيلًا إنْ لا تَتَّقُوهُ يَعُمَّكُمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، لَكِنْ لَمّا كانَ نَهْيُ الفِتْنَةِ عَلى إصابَتِهِمْ (p-٢٥٧)أرْوَعَ مِن سَوْقِ ذَلِكَ مَساقَ الشَّرْطِ ومِن نَهْيِهِمْ عَنِ التَّعْرِيضِ لَها لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ حُضُورِها وفَهْمِها لِلنَّهْيِ أتى بِهِ، ولَمّا كانَ نَهْيُها عَنْ تَخْصِيصِ الظّالِمِ أشَدَّ رَوْعَةً لِإفْهامِهِ، أمَرَها بِأنْ تَعُمَّ؛ قالَ مُجِيبًا لِلْأمْرِ: ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ ولَحِقَهُ نُونَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النَّهْيِ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا بِمُوافَقَةِ المَعْصِيَةِ ما لا يَفْعَلُهُ إلّا مَن لا نُورَ لَهُ ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المَأْمُورُونَ بِالتَّقْوى ﴿خاصَّةً﴾ أيْ: بَلْ تَعُمُّكُمْ، فَهو نَهْيٌ لِلْفِتْنَةِ والمُرادُ نَهْيُ مُباشَرَتِها؛ أيْ: لا يَفْعَلْ أحَدٌ مِنكُمُ الذَّنْبَ يُصِبْكم أثَرُهُ عُمُومًا أوْ لا يُباشِرْ أسْبابَ العَذابِ بَعْضُكم والبَعْضُ الآخَرُ مُقِرٌّ لَهُ يَعُمُّكُمُ اللَّهُ بِهِ، وذَلِكَ مِثْلُ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، والمَعْنى: فَكُنْ هاهُنا فَأراكَ. فالتَّقْدِيرُ: واجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ البَلاءِ العامِّ وِقايَةً بِإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِكم واجْتِماعِ كَلِمَتِكم عَلى أمْرِ اللَّهِ ورَدِّ مَن خالَفَ إلى أمْرِ اللَّهِ ولا تَخْتَلِفُوا كَما اخْتَلَفْتُمْ في أمْرِ الغَنِيمَةِ فَتَفْشَلُوا فَيُسَلَّطُ عَلَيْكم عَذابٌ عامٌّ مِن أعْدائِكم أوْ غَيْرِهِمْ، فَإنْ كانَ الطّائِعُ مِنكم أقْوى مِنَ العاصِي أوْ لَيْسَ أضْعَفَ مِنهُ فَلَمْ يَرُدَّهُ فَقَدِ اشْتَرَكَ الكُلُّ في الظُّلْمِ، ذَلِكَ بِفِعْلِهِ وهَذا بِرِضاهُ، فَيَكُونُ العَذابُ عَذابَ انْتِقامٍ لِلْجَمِيعِ؛ رَوى أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في خُطْبَةٍ خَطَبَها: أيُّها النّاسُ! إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وتُأوِّلُونَها عَلى خِلافِ تَأْوِيلِها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”ما مِن قَوْمٍ (p-٢٥٨)عَمِلُوا بِالمَعاصِي وفِيهِمْ مَن يَقْدِرُ أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ إلّا يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ“؛» ولِلتِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِنهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ”؛» ولِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولِتُحاضُّنَّ عَلى الخَيْرِ أوْ لَيُسْحِتَنَّكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا بِعَذابٍ أوْ لَيُؤَمِّرَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكم ثُمَّ يَدْعُو خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَكم». وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ لِأنَّهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، فَإنْ كانَ الطّائِعُ أضْعَفَ مِنَ العاصِي نُزِّلَ عَلى ما رَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ - وحَسَّنَهُ - وابْنُ ماجَهْ «عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ:“كَيْفَ تَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ودَعْ عَنْكَ أمْرَ العَوامِّ؛ فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلى الجَمْرِ، لِلْعامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنهُمْ؟ قالَ: أجْرُ خَمْسِينَ مِنكُمْ» والأحادِيثُ في مِثْلِهِ كَثِيرَةٌ، (p-٢٥٩)وحِينَئِذٍ يَكُونُ العَذابُ لِلْعاصِي نِقْمَةً ولِلطّائِعِ رَحْمَةً ويُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ.
ولَمّا حَذَّرَهم سُبْحانَهُ عُمُومَ البَلاءِ، أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِأنَّهُ قادِرٌ مَرْبُوبٌ لِيَلْزَمُوا سَبِيلَ الِاسْتِقامَةِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ العَظَمَةِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾
8:26Страница 180
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦
Помните, что вы были малочисленны и считались слабыми на земле. Вы опасались, что люди схватят вас, но Он дал вам убежище, подкрепил вас Своей помощью и наделил вас благами, чтобы вы были благодарны.
ولَمّا كانَ مِن أشَدِّ العِقابِ الإذْلالُ، حَذَّرَهُمُوهُ بِالتَّذْكِيرِ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ؛ لِأنَّهُ أبْعَثُ عَلى الشُّكْرِ وأزْجَرُ عَنِ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا﴾ وذَكَرَ المَفْعُولَ بِهِ فَقالَ: ﴿إذْ أنْتُمْ﴾ أيْ: في أوائِلِ الإسْلامِ ﴿قَلِيلٌ﴾ أيْ: عَدَدُكم.
ولَمّا كانَ وُجُودُ مُطْلَقِ الِاسْتِضْعافِ دالًّا عَلى غايَةِ الضَّعْفِ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ أيْ: لا مَنفَذَ عِنْدَكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ أطْلَقَها والمُرادُ مَكَّةُ، لِأنَّها لِعِظَمِها كَأنَّها هي الأرْضُ كُلُّها، ولِأنَّ حالَهم كانَ في بَقِيَّةِ البِلادِ كَحالِهِمْ فِيها أوْ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿تَخافُونَ﴾ أيْ: في حالِ اجْتِماعِكم فَكَيْفَ عِنْدَ الِانْفِرادِ ﴿أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ﴿النّاسُ﴾ أيْ: كَما تَتَخَطَّفُ الجَوارِحُ الصُّيُودَ، فَحَذَّرَهم سُبْحانَهُ - بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنَّ يُعِيدَهم إلى ما كانُوا عَلَيْهِ - مِن هَذِهِ الأحْوالِ بِالمُخالَفَةِ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ وتَرْكِ التَّسَبُّبِ إلى اجْتِماعِها بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وفي ذَلِكَ (p-٢٦٠)أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمّا كانُوا في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هي في غايَةِ الضَّعْفِ، وكانَتْ كَلِمَتُهم مُجْتَمَعِةً عَلى أمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو تَوْحِيدُهُ وطاعَةُ رَسُولِهِ، أعْقَبَهُمُ الإيواءَ في دارٍ مَنِيعَةٍ، قَدْ أيَّدَهم بِالنَّصْرِ وأحْسَنَ رِزْقَهُمْ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَهُ: ﴿فَآواكُمْ﴾ أيْ: في دارِ الهِجْرَةِ رَحْمَةً لَكم ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ: بِأهْلِها مَعَ المَلائِكَةِ ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: الغَنائِمِ الكامِلَةِ الطَّيِّبَةِ بِالإحْلالِ وعَدَمِ المُنازِعِ الَّتِي لَمْ تُحَلَّ لِأحَدٍ قَبْلَكم وغَيْرِها ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهُ، فَيَكُونُ بَعِيدًا عَنِ المُنازَعَةِ في الأنْفالِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَهْما اسْتَمَرُّوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، كانَ - بِإقْبالِهِمْ عَلى مِثْلِ ما أتاهم بِهِ وزادَهم مِن فَضْلِهِ - أنْ جَعَلَهم سادَةً في الدّارَيْنِ بِما يَهَبُ لَهم مِنَ الفُرْقانِ الآتِي في الآيَةِ بَعْدَها والتَّوْفِيقِ عِنْدَ إتْيانِهِ، فالآيَةُ مُنْصَبَّةٌ إلى الصَّحابَةِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ وهي صالِحَةٌ لِلْعَرَبِ كافَّةً فَتَنْصَرِفُ إلَيْهِمْ بِالقَصْدِ الثّانِي؛ قالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ وأشْقاهم عَيْشًا وأجْوَعَهم بَطْنًا وأعْراهم جِلْدًا وأبْيَنَهم ضَلالًا، مَن عاشَ مِنهم عاشَ شَقِيًّا ومَن ماتَ مِنهم تَرَدّى في النّارِ مَعْكُوفِينَ عَلى رَأْسِ الحِجْرَيْنِ الشَّدِيدَيْنِ: فارِسَ والرُّومِ، يُؤْكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، وما في بِلادِهِمْ شَيْءٌ عَلَيْهِ يُحْسَدُونَ حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ لَهم مِنَ البِلادِ ووَسَّعَ لَهم في الرِّزْقِ والغَنائِمِ وجَعَلَهم مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ فاشْكُرُوا اللَّهَ عَلى (p-٢٦١)نِعَمِهِ، فَإنَّ رَبَّكم يُحِبُّ شُكْرَهُ والشّاكِرُ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
8:27Страница 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧
О те, которые уверовали! Не предавайте Аллаха и Посланника и не покушайтесь на то, что вверено вам, сознательно.
ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِما هو في غايَةِ النَّصِيحَةِ مِنهُ تَعالى لَهم مِنَ الإيواءِ والنَّصْرِ والرِّزْقِ الطَّيِّبِ المُشارِ بِهِ إلى الِامْتِنانِ بِإحْلالِ المُنْعِمِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالحَثِّ عَلى الشُّكْرِ؛ نَهانا عَنْ تَضْيِيعِ الشُّكْرِ في ذَلِكَ بِالخِيانَةِ في أوامِرِهِ بِالغُلُولِ أوْ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَذْكِيرًا بِما ألْزَمُوا بِهِ أنْفُسَهم مِنَ الوَفاءِ ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ أيْ: تَنْقُصُوا مِن حُقُوقِ المَلِكِ الأعْظَمِ، فَإنَّ أصْلَ الخَوْنِ النَّقْصُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ فَصارَتْ نَقْصًا خاصًّا ﴿والرَّسُولَ﴾ بِغُلُولٍ ولا غَيْرِهِ، بَلْ أدُّوا الأمانَةَ في جَمِيعِ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ كَرَّرَ العامِلَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ مِنَ الفَرائِضِ والحُدُودِ والنَّوافِلِ وغَيْرِها إشارَةً إلى أنَّ الخِيانَتَيْنِ مُخْتَلِفَتانِ، فَخِيانَتُهم لِلَّهِ حَقِيقَةٌ، وخِيانَتُهم لِلْأمانَةِ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ حامِلَها لَمّا أخَلَّ بِها كانَ كَأنَّهُ خانَها؛ وخَفَّفَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حالَ الغَفْلَةِ ونَحْوَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ غَيْرَ مُرادٍ فَيَكُونُ المَعْنى: وأنْتُمْ عُلَماءُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْها بِأنَّهم جَدِيرُونَ بِأنْ لا يُقْبَلَ مِنهم عُذْرٌ بِجَهْلٍ ولا نِسْيانٍ لِأنَّهم عُلَماءُ، والعالِمُ هو العارِفُ بِاللَّهِ، والعارِفُ لا يَنْبَغِي أنْ يَنْفَكَّ عَنِ المُراقَبَةِ.
8:28Страница 180
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨
Знайте, что ваше имущество и ваши дети являются искушением и что у Аллаха - великая награда.
ولَمّا كانَ سَبَبُ الخِيانَةِ غالِبًا مَحَبَّةَ المالِ أوِ الوَلَدِ، وكانَ سَبَبُ التَّقاوُلِ المُسَبَّبِ عَنْهُ إنْزالَ هَذِهِ السُّورَةِ - كَما سَلَفَ بَيانُهُ أوَّلَها - الأمْوالَ مِن (p-٢٦٢)الأنْفالِ، وكانَ مِن أعْظَمِ الخِيانَةِ في الأنْفالِ الغُلُولُ، وكانَ الحامِلُ عَلى الغُلُولِ المِحْنَةَ بِحُبِّ جَمْعِ المالِ إمّا اسْتِلْذاذًا بِهِ أوْ لِإنْفاقِهِ عَلى مَحْبُوبٍ، وكانَ الوَلَدُ أعَزَّ مَحْبُوبٍ؛ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إيلاءُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واعْلَمُوا﴾ وهي كَلِمَةٌ يُنَبَّهُ بِها السّامِعُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مُهِمٌّ جِدًّا ﴿أنَّما أمْوالُكُمْ﴾ قَلَّتْ أوْ جَلَّتْ هانَتْ أوْ عَزَّتْ ﴿وأوْلادُكُمْ﴾ كَذَلِكَ ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: سَبَبُها، يَفْعَلُ اللَّهُ بِها فِعْلَ المُخْتَبِرِ لِيَنْكَشِفَ لِلْعِبادِ مَن يَغْتَرُّ بِالعاجِلِ الفانِي مِمَّنْ تَسْمُو نَفْسُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلا يَحْمِلَنَّكم ذَلِكَ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ فَتَهْلَكُوا ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عاجِلًا وآجِلًا لِمَن وقَفَ عِنْدَ حُدُودِهِ، فَيَحْفَظُ لَهُ مالَهُ ويُثَمِّرُ أوْلادَهُ ويُبارِكُ لَهُ فِيهِمْ مَعَ ما يَدَّخِرُ لَهُ في دارِ السَّعادَةِ، وعِنْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ لِمَن ضَيَّعَها، فَأقْبِلُوا بِجَمِيعِ هِمَمِكم إلَيْهِ تَسْعَدُوا، وزادَ وضْعَها هُنا حُسْنًا سَبَبُ نُزُولِ الَّتِي قَبْلَها مِن قِصَّةِ أبِي لُبابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الحامِلِ عَلَيْها مالُهُ ووَلَدُهُ، وكانَتْ قِصَّتُهُ في قُرَيْظَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وغَزْوَةُ بَدْرٍ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии