Аль-БикаиАт‑Тавба · 9:109–116

Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском

Ат-Тавба 9:109–116

9:109Страница 204

أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩

Тот ли, кто заложил основание своего строения на страхе перед Аллахом и стремлении к Его довольству, лучше или же тот, кто заложил его на самом краю обрыва, готового обвалиться, так что он обвалился вместе с ним в огонь Геенны? Воистину, Аллах не ведет прямым путем несправедливых людей.

ولِما عُلِمَ مِن هَذا بِطْرِيقِ الإشارَةِ والتَّلْوِيحِ أنَّ التَّأْسِيسَ مِثْلَ ابْتِداءِ خَلْقِ الحَيَوانِ، فَمَن جُبِلَ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ جِبِلَّةَ شَرٍّ لا يَصْلُحُ لِلْخَيْرِ أبَدًا ولا يَقْبَلُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ فَسَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلَهُ مُمَثِّلًا الباطِلَ بِبِناءٍ عَلى حَرْفِ وادٍ واهٍ جِدًّا عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ أيْ كَما أشَرْتُ إلَيْهِ في المَسْجِدِ المَحْثُوثِ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿ورِضْوانٍ﴾ فَكانَ كَمَن بَنى بُنْيانَهُ عَلى جَبَلٍ لا تَهْدِمُهُ الأمْطارُ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِ السُّيُولُ ﴿خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ عَلى فِسْقٍ وفُجُورٍ وعَدَمِ اكْتِراثٍ بِالأُمُورِ فَكانَ كَمَن بَنى بُنْيانَهُ ﴿عَلى شَفا﴾ أيْ حَرْفٍ، ومِنهُ الشَّفَهُ ﴿جُرُفٍ﴾ أيْ مَكانِ جَفْرَةِ السَّيْلِ \ وجَرْفِهِ فَصارَ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿هارٍ﴾ أيْ هائِرٍ، مِن هارَ الجَرْفُ - إذا أشْرَفَ لِتَخْرِيقِ السُّيُولِ عَلى السُّقُوطِ ﴿فانْهارَ﴾ أيْ: فَكانَ بِناؤُهُ لِذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّهُ سَقَطَ سُقُوطًا لا تَماسُكَ مَعَهُ ﴿بِهِ﴾ أيْ: وهو فِيهِ آمِنًا مِن سُقُوطِهِ بِقِلَّةِ عَقْلِهِ وسَفاهَةِ رَأْيِهِ ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ (p-٢١)فالجَوابُ: لا شَكَّ الأوَّلُ خَيْرٌ، بَلْ لا خَيْرَ في الثّانِي أصْلًا، والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِن كَوْنِهِ بَنى هَذا البِناءَ هَكَذا، فَأُجِيبَ بِأنَّهُ لا عَجَبَ لِأنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ، لا مَفَرَّ مِن قَضائِهِ، وهو قَدْ هَدى الأوَّلَ إلى ما فِيهِ صَلاحُهُ، ولَمْ يَهْدِ الثّانِيَ لِما عَلِمَ فِيهِ مِن عَدَمِ قابِلِيَّةِ الخَيْرِ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ المَطْبُوعِينَ عَلى ظَلامِ البَصائِرِ، فَهم لا يَكْفُرُونَ في شَيْءٍ إلّا جاءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وعَلى غَيْرِ نِظامٍ كَخُطُواتِ الماشِي في الظَّلامِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا التَّقْوى؛ لِأنَّ أهْلَ الإسْلامِ أحَقُّ بِها، فَدَلَّتْ عَلى حَذْفِ ضِدِّها ثانِيًا، وأثْبَتَ ثانِيًا ضَعْفَ البِناءِ حِسًّا لِأنَّ مَسْجِدَ الضِّرارِ أوْلى بِهِ، فَدَلَّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا، فَذَكَرَ النِّهايَةَ المَعْقُولَةَ لِأهْلِها والبِدايَةَ المَحْسُوسَةَ لِلنّاظِرِينَ لَها؛ ورُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ الدُّخانَ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ وحُكِيَ عَنْ خَلَفِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ رَأى فِيهِ حَجَرًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُّخانُ في أوَّلِ دَوْلَةِ بَنِي العَبّاسِ.

9:110Страница 204

لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠

Строение, которое они построили, всегда будет порождать сомнения в их сердцах, пока их сердца не разорвутся. Аллах - Знающий, Мудрый.

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ غَيْرَ قاطِعٍ في إخْرابِهِ لِما ثَبَتَ لِلْمَساجِدِ مِنَ الحُرْمَةِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ أنَّهُ لا يُعَدُّ في عِدادِ المَساجِدِ بِوَجْهٍ، وإنَّما هو في عِدادِ بُيُوتِ الأصْنامِ فَهو واجِبُ الإعْدامِ فَقالَ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ (p-٢٢)أيْ نَفْسُ المَبْنى وهو المَسْجِدُ ﴿الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً﴾ أيْ شَكًّا ونِفاقًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ كَمًّا أنَّ بُيُوتَ الأصْنامِ كَذَلِكَ لِأهْلِها، فَكانَ ذَلِكَ حَثًّا عَلى إخْرابِهِ ومَحْوِهِ وقَطْعِ أثَرِهِ. والمَعْنى أنَّهُ جامِعٌ لَهم عَلى الرِّيبَةِ في كُلِّ زَمانٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ﴿إلا أنْ﴾ ولَمّا كانَ القَطْعُ مُحَصِّلًا لِلْمَقْصُودِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى قاطِعٍ مُعَيَّنٍ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: إلّا زَمانٌ يُوجَدُ فِيهِ القَطْعُ البَلِيغُ الكَثِيرُ لِقُلُوبِهِمْ وعَزائِمِهِمْ ويُباعِدُ بَيْنَهم ويُفَرِّقُ شَمْلَهم بِإخْراجِهِ، وقِراءَةُ يَعْقُوبَ: بِ ”إلى“ الجارَّةِ واضِحَةٌ في المُرادِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ لا يَزالُ حامِلًا لَهم عَلى التَّصْمِيمِ عَلى النِّفاقِ إلى أنْ يَمُوتُوا، فَهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ عَلِيمٌ بِما أخْبَرَكم بِهِ فَلا تَشُكُّوا فِيهِ، عَطْفٌ عَلَيْهِ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ وتَعْظِيمًا لِلْأمْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ فَهو يُتْقِنُ ما يَأْمُرُ بِهِ.

9:111Страница 204

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١

Воистину, Аллах купил у верующих их души и имущество в обмен на Рай. Они сражаются на пути Аллаха, убивая и погибая. Таково Его обещание и обязательство в Таурате (Торе), Инджиле (Евангелии) и Коране. Кто выполняет свои обещания лучше Аллаха? Возрадуйтесь же сделке, которую вы заключили. Это и есть великое преуспеяние.

ولَمّا تَقَدَّمَ الإنْكارُ عَلى المُتَثاقِلِينَ عَنِ النَّفْرِ في سَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٨] - الآيَةَ. ثُمَّ الجَزْمُ بِالأمْرِ بِالجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ في قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ. وكانَ أمْرُهُ تَعالى كافِيًا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي صَدَقَ إيمانُهُ بِالإسْلامِ في امْتِثالِهِ لِذَلِكَ في مَنشَطِهِ ومَكْرَهِهِ، وكانَ كَثِيرٌ مِنهم قَدْ فَعَلُوا بِتَثاقُلِهِمْ ما يَقْدَحُ في (p-٢٣)إيمانِهِمْ طَعَمًا في سَتْرِهِ بِمَعاذِيرِهِمْ وإيمانِهِمْ، اقْتَضى المَقامُ تَبْكِيتَ المُتَثاقِلِينَ وتَأْنِيبَ المُنافِقِينَ عَلى وجْهٍ مُهَتِّكٍ لِأسْتارِهِمْ مُكْشِفٌ لِأسْرارِهِمْ. فَلَمّا اسْتَوْفى تَعالى في ذَلِكَ أقْسامَهُمْ، ونَكَّسَ ألْوِيَتَهم وأعْلامَهُمْ، وخَتَمَهم بِهَذِهِ الطّائِفَةِ الَّتِي ظَهَرَ فِيها امْتِثالُهُ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] بِأنْ هَدَّ مَسْجِدَهم وحَرَّقَهُ بِالنّارِ وأزالَ بُنْيانَهُ وفَرَّقَهُ وقَدَّ أدِيمَهُ عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ ومَزَّقَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِتَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ ما أمَرَهم بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] لِيَفْعَلُوا فِيهِ ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيما أُمِرَ بِهِ، فَساقَ مَساقَ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ طالَ المَدى وعَظُمَ الخَطْبُ في هَذِهِ السُّورَةِ في إبانَةِ الفَضائِحِ وهَتْكِ السَّرائِرِ وإظْهارِ القَبائِحِ، فَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ بِالأمْرِ بِالسَّتْرِ وأخْذِ العَفْوِ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا مَلِكَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، ولا يُخْشى إلّا عَذابُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ،

﴿اشْتَرى﴾ [أيْ] بِعُهُودٍ أكِيدَةٍ ومَواثِيقَ غَلِيظَةٍ شَدِيدَةٍ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى اللَّجاجِ فِيها فَقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِاللَّهِ وما جاءَ مِن عِنْدِهِ، وقَدَّمَ النَّفْسَ إشارَةً إلى المُبايَعَةِ سابِقَةً عَلى اكْتِسابِ المالِ فَقالَ مُقَدِّمًا لِلْأعَزِّ: ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِها ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ أيِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِرِزْقِها وهو يَمْلِكُها دُونَهم.

(p-٢٤)ولَمّا ذَكَرَ المَبِيعَ أتْبَعَهُ الثَّمَنَ فَقالَ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ أيْ خاصَّةً بِهِمْ مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ، لا يَكُونُ لِغَيْرِ مُؤْمِنٍ، فَمَيَّزَهم حَتّى يُقابَلَ كُلٌّ بِما يَسْتَحِقُّهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَرى مِنهم ذَلِكَ بِماذا؟ فَقِيلَ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ الأعْلى] بِسَبَبِ دَيْنِهِ الَّذِي لا يَرْضى غَيْرَهُ، قِتالًا يَكُونُ الدِّينُ مُحِيطًا بِهِ وظَرْفًا، فَلا يَكُونُ فِيهِ شائِبَةٌ لِغَيْرِهِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما هو حَقِيقٌ بِهِ، فَقالَ: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ أعَمُّ مَن يَكُونُ ذَلِكَ بِالقُوَّةِ أوْ بِالفِعْلِ، فَيَخُصُّهم بِالجَنَّةِ كَما وعَدَهُمْ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ «أمْدَحُ»، لِأنَّ مَن طَلَبَ المَوْتَ - لا يَقِفُ لَهُ خَصْمُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَطَلَبُوا أنْ يَكُونُوا مَقْتُولِينَ فَقَتَلُوا أقْرانَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ إلى المَجْمُوعِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم يُقاتِلُونَ بَعْدَ رُؤْيَةِ مَصارِعِ أصْحابِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُوهِنَهم ذَلِكَ، وعَنْ بَعْضِ الأعْرابِ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: بَيْعٌ واللَّهِ مُرْبِحٌ! لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ، فَخَرَجَ إلى الغَزْوِ فاسْتُشْهِدَ.

ولَمّا كانَ القَتْلُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْجَنَّةِ بِشارَةً ووَعْدًا، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعْدًا﴾ وزادَهُ بِحَرْفِ الإيجابِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ وأتَمَّ التَّأْكِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾ ولَمّا أكَّدَ هَذِهِ المُبايَعَةَ الكَرِيمَةَ هَذِهِ التَّأْكِيداتِ العَظِيمَةَ زادَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ في جَمِيعِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ فَقالَ: ﴿فِي التَّوْراةِ﴾ (p-٢٥)كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والإنْجِيلِ﴾ كِتابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والقُرْآنِ﴾ أيِ الكِتابِ الجامِعِ لِكُلِّ ما قَبْلَهُ ولِكُلِّ خَيْرٍ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ كُلُّهم مِمَّنِ ادَّعى الإيمانَ وارْتَدى بِهِ حُلَلَ الأمانِ، ثُمَّ إنَّهم فَعَلُوا بِتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الإقْباضِ وتَوَقُّفِهِمْ عَنِ الإسْراعِ والإيقاضِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ ومَساوِئِ أفْعالِهِمْ فِعْلَ الكاذِبِ في دَعْواهُ أوِ الشّاكِّ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ كَذِبٌ بِالآخِرَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الجَنَّةِ أوْ يَكُونَ شَكٌّ في وعْدِ اللَّهِ بِإيراثِهِمْ إيّاها أوْ بِتَخْصِيصِهِمْ بِها، وجُوِّزَ أنْ يَدْخُلَها غَيْرُهُمْ، وطَمِعَ أنْ يَكُونَ هو مِمَّنْ يَدْخُلُها مَعَ التَّكْذِيبِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ وهو وفِيٌّ بِعَهْدِهِ ﴿ومَن﴾ أيْ وعَدَ بِذَلِكَ والحالُ أنَّهُ أوْفى المُعاهِدِينَ فَهو مَقُولٌ فِيهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ: مَن ﴿أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الإخْلافَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ الكِرامُ مِنَ النّاسِ فَكَيْفَ بِخالِقِهِمُ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّبْشِيرِ، لِأنَّهُ لا تَرْغِيبَ في الجِهادِ أحْسَنُ مِنهُ، قالَ مُهَنِّئًا لَهُمْ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا﴾ أيْ فَأوْجِدُوا في نُفُوسِكم غايَةَ البِشْرِ يا مَعاشِرَ المُجاهِدِينَ، ولَمّا ذَكَرَهُ في ابْتِداءِ العَقْدِ يَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، ذَكَرَهُ في آخِرِهِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى السِّعَةِ إشارَةً إلى سِعَةِ الجَزاءِ فَقالَ: ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ﴾ (p-٢٦)أيْ: أوْقَعْتُمُ المُبايَعَةَ لِلَّهِ ﴿بِهِ﴾ فَإنَّهُ مُوَفِّيكم لا مَحالَةَ فَذَلِكَ هو الأجْرُ الكَرِيمُ ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ إيراثُكُمُ الجَنَّةَ وتَخْصِيصُكم بِها ﴿هُوَ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فالحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالنَّفْرِ بِالنَّفْسِ والمالِ.

9:112Страница 205

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢

Обрадуй верующих, которые каются и поклоняются, восхваляют и постятся (или путешествуют), кланяются и падают ниц, повелевают совершать одобряемое и запрещают предосудительное, и соблюдают ограничения Аллаха.

ولَمّا ثَبَتَتِ المُعاقَدَةُ وأحْكامُها، وصَفَ المُعاقَدِينَ عَلى طَرِيقِ المَدْحِ لِلْحَثِّ عَلى أوْصافِهِمْ فَقالَ: ﴿التّائِبُونَ﴾ مُبْتَدِئًا أوْصافَهم بِالتَّوْبَةِ الَّتِي هي أساسُ العَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ ابْتَدَأ المُؤَسِّسُ بِمُطْلَقِ العِبادَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ أنْواعِ الدِّينِ مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿العابِدُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أقْبَلُوا عَلى العِبادَةِ فَأخْلَصُوها لِلَّهِ؛ ولَمّا كانَ التِزامُ الدِّينِ لا يُعْرَفُ إلّا بِالإقْرارِ بِاللِّسانِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الحَمْدَ الَّذِي تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى بُلُوغِ الغايَةِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الثَّناءُ اللِّسانِيُّ بِالجَمِيلِ الشّامِلِ لِلتَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿الحامِدُونَ﴾ أيِ المُثْنُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ثَناءً عَظِيمًا، تَطابَقَتْ عَلَيْهِ ألْسِنَتُهم وقُلُوبُهم فَتَبِعَتْهُ آثارُهُ؛ ولَمّا كانَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ لا يُقْبَلُ إلّا عِنْدَ مُطابَقَةِ القَلْبِ تَلاهُ بِالسِّياحَةِ الَّتِي تَدُورُ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ عَلى الِاتِّساعِ الَّذِي مِنهُ إصْلاحُ القَلْبِ لِيَتَّسِعَ لِلتَّجَرُّدِ عَنْ ضِيقِ المَأْلُوفاتِ إلى فَضاءِ الحَضَراتِ الإلَهِيّاتِ فَقالَ: ﴿السّائِحُونَ﴾ ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ نَتِيجَةَ ذَلِكَ لِكَوْنِها جامِعَةً لِعَمَلِ القَلْبِ واللِّسانِ وغَيْرِهِما مِنَ الأرْكانِ، وهي أعْظَمُ مُوَصِّلٍ إلى بِساطِ الأُنْسِ في حَضَراتِ القُدْسِ وأعْلى مُجَرَّدٍ عَنِ الوُقُوفِ مَعَ المَأْلُوفِ. وكانَ أوَّلُ مَراتِبِ التَّواضُعِ القِيامَ وأوْسَطُها الرُّكُوعَ وغايَتُها السُّجُودَ، وكانَ جَمِيعُ (p-٢٧)أشْكالِ الصَّلاةِ مُوافِقًا لِلْعادَةِ إلّا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ، أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ مُخَصِّصًا لَها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الصَّلاةِ نِهايَةُ الخُضُوعِ: ﴿الرّاكِعُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ تَمامَ هَذِهِ البُشْرى لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنَّ صَلاةَ غَيْرِهِمْ لا رُكُوعَ فِيها، وأتَمَّها بِقَوْلِهِ: ﴿السّاجِدُونَ﴾ ولَمّا كانَ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِتَهْذِيبِ لِسانِهِ وقَلْبِهِ وجَمِيعِ جَوارِحِهِ لا يُقْبَلُ إلّا إذا بَذَلَ الجُهْدَ في نَصِيحَةِ غَيْرِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ مِثالُ السَّفَرِ في السَّفِينَةِ لِيَحْصُلَ المَقْصُودُ مِنَ الدِّينِ وهو جَمْعُ الكُلِّ عَلى اللَّهِ المُقْتَضِي لِلتَّعاضُدِ والتَّناصُرِ المُوجِبِ لِدَوامِ العِبادَةِ والنُّصْرَةِ، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّجَرُّدُ عَنْ كُلِّ مَأْلُوفٍ مُجانِسٍ وغَيْرِ مُجانِسٍ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيِ السُّنَّةِ.

ولَمّا كانَ الدِّينُ مَتِينًا فَلَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، كانَ المُرادُ مِنَ المَأْمُوراتِ مُسَمّاها دُونَ تَمامِها ومُنْتَهاها ««إذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»» والمُرادُ مِنَ المَنهِيّاتِ تَرْكُها كُلِّها، ومِنَ الحُدُودِ الوُقُوفُ عِنْدَها مِن غَيْرِ مُجاوِزَةٍ ««وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ»» رَواهُ البُخارِيُّ في الِاعْتِصامِ مِن صَحِيحِهِ ومُسْلِمٌ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَتِ العَرَبُ - كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وفي آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] عَنِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ الحَرالِّيِّ - إذا أتْبَعْتَ بَعْضَ الصِّفاتِ بَعْضًا مِن غَيْرِ عَطْفٍ عُلِمَ أنَّها غَيْرُ تامَّةٍ، فَإذا عَطَفْتَها أرَدْتَ التَّمَكُّنَ فِيها والعَراقَةَ والتَّمامَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ المُرادَ (p-٢٨)فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الإتْيانُ بِما أمْكَنَ مِنها، فَأتى بِها اتِّباعًا دُونَ عَطْفٍ لِذَلِكَ، وأشارَ إلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ والوُقُوفَ عِنْدَ الحُدُودِ لا يُقْنَعُ مِنهُ إلّا بِالتَّمامِ لِأنَّ المُقَصِّرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إمّا راضٍ بِهَدْمِ الدِّينِ وإمّا هادِمٌ بِنَفْسِهِ، فَيَجِبُ التَّجَرُّدُ التّامُّ [فِيهِ] لِأنَّ النَّهْيَ أصْعَبُ أقْسامِ العِبادَةِ؛ لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالغَيْرِ وهو مُثِيرٌ لِلْغَضَبِ مُوجَبٌ لِلْحَمِيَّةِ وظُهُورِ الخُصُومَةِ، فَرُبَّما كانَ عَنْهُ ضَرْبٌ وقَتْلٌ؛ فَلِذَلِكَ عَطَفَها ولَمْ يُتْبِعْها فَقالَ: ﴿والنّاهُونَ﴾ أيْ بِغايَةِ الجِدِّ ﴿عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيِ البِدْعَةِ. ولَمّا كانَ فاعِلُ الخَيْرِ لا يَنْفَعُهُ فِعْلُهُ إلّا بِاسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿والحافِظُونَ﴾ أيْ بِغايَةِ العَزْمِ والقُوَّةِ ﴿لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّتِي حَدَّها في هَذا الشَّرْعِ القَيِّمِ فَلَمْ يَتَجاوَزُوا شَيْئًا مِنها، فَخَتَمَ بِما بِهِ بَدَأ \ مَعَ قَيْدِ الدَّوامِ بِالرَّعْيِ والقُوَّةِ، والحاصِلُ أنَّ الوَصْفَ الأوَّلَ لِلتَّجَرُّدِ عَنْ رِبْقَةِ مَأْلُوفٍ خاصٍّ وهو شِرْكُ المَعْصِيَةِ بِشِرْكِهِ أوْ غَيْرِهِ، والثّانِي لِلتَّجَرُّدِ عَنْ قُيُودِ العاداتِ إلى قَضاءِ العِباداتِ، والثّالِثُ لِبُلُوغِ الغايَةِ في تَهْذِيبِ الظّاهِرِ.

والرّابِعُ لِلتَّوَسُّعِ إلى التَّجَرُّدِ عَنْ قُيُودِ الباطِنِ، والخامِسُ والسّادِسُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ كَمالِ الباطِنِ والظّاهِرِ، والسّابِعُ لِلسَّيْرِ إلى إفاضَةِ ذَلِكَ عَلى الغَيْرِ، والثّامِنُ: لِلدَّوامِ عَلى تِلْكَ الحُدُودِ بِتَرْكِ جَمِيعِ القُيُودِ. فَمَقْصُودُ الآيَةِ العُرُوجُ مِنَ الحَضِيضِ الجُسْمانِيِّ إلى الشَّرَفِ الرُّوحانِيِّ؛ ثُمَّ أمْرُهُ ﷺ بِتَبْشِيرِ المُتَخَلِّقِ بِهَذِهِ الأوْصافِ عاطِفًا لِأمْرِهِ بِهِ (p-٢٩)عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ: فَأنْذِرْ مَن تَخَلّى مِنها بِكُلِّ ما يَسُوءُهُ بَعْدَ سَجْنِهِ في دارِ الشَّقاوَةِ فَإنَّهُ كافِرٌ وبَشِّرْهُمْ، أيْ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ، هَكَذا كانَ الأصْلُ الإضْمارَ، ولَكِنَّهُ أُظْهِرَ خِتامًا بِما بِهِ بَدَأ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ وتَعْمِيمًا فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ المُتَخَلِّقِينَ بِها بِكُلِّ ما يَسُرُّهم بَعْدَ تَخْصِيصِهِمْ بِدارِ السَّعادَةِ، وفي خَتْمِ الآيَتَيْنِ بِالبِشارَةِ تارَةً مِنَ الخالِقِ وتارَةً مِن أكْمَلِ الخَلائِقِ أعْظَمَ مَزِيَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي جَعْلِ الأُولى مِنَ اللَّهِ أعْظَمَ تَرْغِيبٍ في الجِهادِ وأعْلى حَثٍّ عَلى خَوْضِ غَمَراتِ الجِلادِ، وفي ابْتِداءِ الآيَتَيْنِ بِالوَصْفِ المُشْعِرِ بِالرُّسُوخِ في الإيمانِ الَّذِي هو الوَصْفُ المُتَمِّمُ لِلْعَشْرِ، وخَتَمَهُما بِمِثْلِهِ إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ مائِدَةٌ لا يُخْلَسُ عَلَيْها طُفَيْلِيٌّ، وأنَّ مَن عَدا الرّاسِخِينَ في دَرَجَةِ الإهْمالِ لا كَلامَ مَعَهم ولا التِفاتَ بِوَجْهٍ إلَيْهِمْ.

9:113Страница 205

مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣

Пророку и верующим не подобает просить прощения для многобожников, даже если они являются родственниками, после того, как им стало ясно, что они будут обитателями Ада.

ولَمّا كَثُرَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ الأوامِرُ بِالبَراءَةِ مِن أحْياءِ المُشْرِكِينَ وجاءَ الأمْرُ أيْضًا بِالبَراءَةِ مِن أمْواتِ المُنافِقِينَ بِالنَّهْيِ عَنِ الدُّعاءِ لَهُمْ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى البَراءَةِ مِن كُلِّ مُشْرِكٍ فَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بَعْدَها بِما أشارَتْ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ في تَقْدِيمِ الجارِّ أنَّ المُبايَعَةَ وقَعَتْ عَلى تَخْصِيصِ الجَنَّةِ بِالمُؤْمِنِينَ وأنَّهُ تَعالى أوْفى مَن عاهَدَ، ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ غَيْرُهُمُ الجَنَّةَ وأنَّ غَيْرَهم أصْحابُ النّارِ، لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ الآخِرَةَ دارانِ: جَنَّةٌ ونارٌ، ولَمّا ثَبَتَ هَذا كُلُّهُ عُلِمَ قَطْعًا عِلْمُ النَّتِيجَةِ مِنَ المُقَدِّماتِ الصَّحِيحَةِ أنَّهُ ﴿ما كانَ﴾ أيْ في نَفْسِ الأمْرِ (p-٣٠)﴿لِلنَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي لا يَنْطِقُ إلّا بِما عِنْدَهُ فِيهِ بَيانٌ مِنَ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِأنَّهم صَدَّقُوا بِدَعْوَتِهِ فَلا يَفْعَلُونَ إلّا ما عِنْدَهم مِنهُ عِلْمٌ ﴿أنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ أيْ يَطْلُبُوا المَغْفِرَةَ ويَدْعُوا بِها ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإشْراكِ في عِبادَةِ رَبِّهِمْ ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيِ المُشْرِكِينَ ﴿أُولِي قُرْبى﴾ أيْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ أيْ بِمَوْتِهِمْ عَلى الشِّرْكِ وإنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ لِلْخَتْمِ بِالتَّخْصِيصِ بِالجَنَّةِ ﴿أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيْ لا أهْلِيَّةَ لَهم لِلْجَنَّةِ. فَإنَّ الِاسْتِغْفارَ مَعْناهُ مَحْوُ الذُّنُوبِ حَتّى يَنْجُوَ صاحِبُها مِنَ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ وما يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكُونَ لَهم إلَيْهِمُ التِفاتٌ؛ فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما جَرَّ إلى مُلايَنَةٍ تَفْتُرُ عَنِ القِتالِ الواقِعِ عَلَيْهِ المُبايِعَةُ، فَما يَنْبَغِي إلّا مَحْضُ المُقاطَعَةِ والمُخاشَنَةِ والمُنازَعَةِ. وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالتَّبْيِينِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الدُّعاءِ لِلْحَيِّ؛ فَإنَّ القَصْدَ بِالِاسْتِغْفارِ الإقْبالُ بِهِ إلى الإيمانِ المُوجِبِ لِلْغُفْرانِ.

9:114Страница 205

وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤

А молитва Ибрахима (Авраама) о прощении для его отца была всего лишь исполнением обещания, которое он ему дал. Когда же ему стало ясно, что его отец является врагом Аллаха, он отрекся от него. Воистину, Ибрахим (Авраам) был смиренным, выдержанным.

ولَمّا أنْكَرَ أنْ يَكُونَ لَهم ذَلِكَ، وكانَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَأْمُورُ بِالِاقْتِداءِ بِهِ واللُّزُومِ بِمِلَّتِهِ قَدِ اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ، بَيَّنَ أنَّهُ كانَ أيْضًا قَبْلَ العِلْمِ بِما في نَفْسِ الأمْرِ مِنَ اسْتِحْقاقِهِ لِلتَّأْبِيدِ في النّارِ، فَقالَ دالًّا بِواوِ العَطْفِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَما اسْتَغْفَرَ لَهم بَعْدَ العِلْمِ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ﴾ أيْ خَلِيلُ اللَّهِ ﴿لأبِيهِ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ خالَفَهُ في الدِّينِ ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ \ أيْ وهي قَوْلُهُ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] وأكَّدَ صُدُورَ (p-٣١)الوَعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدَها إيّاهُ﴾ أيِ الخَلِيلُ لِأبِيهِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ أبْدى الشَّقاوَةَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأبِيهِ، كانَ وعَدَهُ أنَّهُ يُسْلِمُ فاسْتَغْفَرَ لَهُ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ صَدَقَ في وعْدِهِ فَأسْلَمَ، [والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ قَوْلُهُ]: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ [أيْ بَيانًا شافِيًا قاطِعًا] ﴿أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مُؤَبِّدِ العَداوَةِ لَهُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ أوْ بِالوَحْيِ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلَيْهِ.

﴿تَبَرَّأ﴾ أيْ أكْرَهَ نَفْسَهُ عَلى البَراءَةِ ﴿مِنهُ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ما أفْهَمَتْهُ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ مِنَ المُعالَجَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الرِّقَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّأوُّهِ مِن خَوْفِ اللَّهِ ومِنَ الشَّفَقَةِ عَلى العِبادِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والتَّأوُّهُ أنْ يُسْمَعَ لِلصَّدْرِ صَوْتٌ مِن تَنَفُّسِ الصُّعَداءِ ﴿حَلِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ التَّحَمُّلِ والإغْضاءِ عَنِ المُؤْذِي لَهُ، هَكَذا خَلَقَهُ في حَدِّ ذاتِهِ فَكَيْفَ في حَقِّ أبِيهِ ولَوْ قالَ لَهُ: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي﴾ [مريم: ٤٦] وأضْعافَ ذَلِكَ؛ قالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدٍ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ إسْماعِيلَ البَسْتِيُّ القاضِي في تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنا حَرْمَلَةُ حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أيُّوبَ بْنِ هانِئٍ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا وخَرَجْنا مَعَهُ حَتّى انْتَهى إلى المَقابِرِ فَأمَرَنا فَجَلَسْنا ثُمَّ تَخَطّى القُبُورَ حَتّى انْتَهى إلى قَبْرٍ مِنها فَجَلَسَ إلَيْهِ فَناجاهُ طَوِيلًا، ثُمَّ ارْتَفَعَ نَحِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ باكِيًا فَبَكَيْنا لِبُكاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّ (p-٣٢)النَّبِيَّ ﷺ أقْبَلَ إلَيْنا فَتَلَقّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: ما الَّذِي أبْكاكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَقَدْ أبْكانا وأفْزَعَنا، فَأخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ أقْبَلَ إلَيْنا فَأتَيْناهُ فَقالَ: أفْزَعَكم بُكائِي؟ قُلْنا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: إنَّ القَبْرَ الَّذِي رَأيْتُمُونِي أُناجِي قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وهْبٍ وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأذَنْ لِي ونَزَلَ عَلَيَّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] حَتّى خَتَمَ الآيَةَ.

﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ مِنَ الرِّقَّةِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي أبْكانِي» - وهَذا سَنَدٌ حَسَنٌ، ولِمُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ في الجَنائِزِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «زارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكى وأبْكى مَن حَوْلَهُ وقالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في أنْ أسْتَغْفِرَ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ أنْ أزُورَ قَبْرَها فَأذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ؛ فَإنَّها تُذَكِّرُ المَوْتَ»».

ولِلْبُخارِيِّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْ عَمِّ! قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ [أبِي] أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ ! (p-٣٣)أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ - وفي رِوايَةٍ: فَكانَ آخِرُ ما كَلَّمَهم أنْ قالَ: هو عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ - فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَنَزَلَتْ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ. [وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] الآيَةَ. -]» . ولَعَلَّهُ اسْتَمَرَّ يَسْتَغْفِرُ لَهُ ما بَيْنَ مَوْتِهِ وغَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى نَزَلَتْ، ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها غَيْرُ هَذا أيْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَتَعَدَّدَ الأسْبابُ.

9:115Страница 205

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥

Аллах не вводит в заблуждение людей, которым Он указал прямой путь, пока Он не разъяснит им, чего они должны опасаться. Воистину, Аллах знает о всякой вещи.

ولَمّا كانَ الِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِينَ أمْرًا عَظِيمًا، وكانَ فِيهِ نَوْعُ وِلايَةٍ لَهُمْ، أظْهَرَ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالإقْدامِ عَلَيْهِ تَهْوِيلًا لِذَلِكَ وقَطْعًا لِما بَيْنَ أوْجِ الإيمانِ وحَضِيضِ الكُفْرانِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ الضَّلالُ سَبَبَ الهَلاكِ، وكانَ مَن شَرَعَ شَرِيعَةً ثُمَّ عاقَبَ مُلْتَزِمَها مِن غَيْرِ بَيانٍ كَمَن دَلَّ عَلى طَرِيقٍ غَيْرِ مُوصِلٍ فَهَلَكَ صاحِبُهُ فَكانَ الدّالُّ بِذَلِكَ مُضِلًّا، \ قالَ: ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أيْ: يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَفْعَلُ بِالضّالِّينَ مِنَ العُقُوبَةِ لِأجْلِ ارْتِكابِهِمْ لِما يَنْهى عَنْهُ بِناسِخٍ نَسَخَهُ ﴿بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ أيْ بِشَرِيعَةٍ نَصَبَها لَهم ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أيْ بَيانًا شافِيًا لِداءِ العِيِّ ﴿ما يَتَّقُونَ﴾ أيْ مِمّا هو جَدِيرٌ بِأنْ يَحْذَرُوهُ ويَتَجَنَّبُوهُ خَوْفًا مِن غائِلَتِهِ [بِناسِخٍ يَنْسَخُ حالَ الإباحَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها].

9:116Страница 205

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦

Воистину, Аллаху принадлежит власть над небесами и землей. Он дарует жизнь и умерщвляет. Нет у вас, кроме Аллаха, ни покровителя, ни помощника.

(p-٣٤)ولَمّا كانَ الَّذِي يَأْمُرُ بِسُلُوكِ طَرِيقٍ ثُمَّ يَتْرُكُ فِيها ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ إنَّما يُؤْتى عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ أوِ النِّسْيانِ، نَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ مُعَلِّلًا لِعَدَمِ الإضْلالِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] أيْ بالِغُ العِلْمِ فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خَفاءٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ فَهو يَبِينُ لَكم جَمِيعَ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الهُدى، وما تَرَكَهُ فَهو إنَّما يَتْرُكُهُ رَحْمَةً لَكم ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] فَلا تَبْحَثُوا عَنْهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ فَهو قادِرٌ عَلى نُصْرَةِ مَن يُرِيدُ والِانْتِقامِ مِمَّنْ يُرِيدُ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحِبَّ إلّا فِيهِ ولا يُبْغِضَ إلّا فِيهِ ولا يَهْتَمَّ بِعَداوَةِ أحَدٍ مِمَّنْ عاداهُ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لَهُ﴾ أيْ بِكُلِّ اعْتِبارٍ تَعُدُّونَهُ مِنَ اعْتِباراتِ الكَمالِ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَهو خَبِيرٌ بِكُلِّ ما يَنْفَعُكم ويَضُرُّكم وهو ولِيُّكُمْ، يُبَيِّنُهُ لَكُمْ، ومَن كانَ لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ كانَ بِحَيْثُ لا يَسْتَعْصِي عَلى أمْرِهِ شَيْءٌ: عِلْمٌ ولا غَيْرُهُ، لِأنَّ العِلْمَ مِن أعْظَمِ القُوى والقُدَرِ، ولا يَكُونُ المَلِكُ إلّا عالِمًا قادِرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ قُدْرَتَهُ وعِلْمَهُ بِما يُشاهَدُ مُتَكَرِّرًا مِن فِعْلِهِ في الحَيَوانِ والنَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ بِكُلِّ مَعْنًى فَهو الَّذِي أحْياكم وغَيْرَكُمُ الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ وخَصَّكم أنْتُمْ بِالحَياةِ الإيمانِيَّةِ، وكَما جَعَلَ غَيْرَكم بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، وجَمَعَهم كُلَّهم عَلى وِلايَةِ عَدُوِّهِمُ الشَّيْطانِ جَعَلَكم (p-٣٥)أنْتُمْ أوْلِياءَ رَبِّكُمُ الرَّحْمَنِ؛ فَهو ولِيُّكم وناصِرُكم ”وما“ أيْ والحالُ أنَّهُ ”ما لَكم“ ولَمّا كانَ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَجُوزَ كُلَّ ما دُونَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ] الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ قَرِيبٍ يَفْعَلُ مَعَكم مِنَ الحِياطَةِ والنُّصْحِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مِنَ النُّصْرَةِ وغَيْرُهُ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَنْصُرُهُ غَيْرُ قَرِيبِهِ قالَ.

﴿ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: فَلا تُوالُوا إلّا مَن كانَ مِن حِزْبِهِ وأهْلِ حُبِّهِ وقُرْبِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لِمَن أقْدَمَ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَتَّقِيَ لا سِيَّما المُلايَنَةُ لِأعْداءِ اللَّهِ مِنَ المُساتِرِينَ والمُصارِحِينَ، فَإنَّ غايَةَ ذَلِكَ مُوالاتُهم وهي لا تُغْنِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English