Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Ат-Тавба 9:1–5, продолжение
فَهَذا فِيهِ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ سَفَرِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وإنَّما قَيَّدْتُ أنا بِتَكامُلِ نُزُولِها لِأنَّهُ ورَدَ أنَّ الَّذِي في النَّقْضِ فَبَعَثَ بِهِ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّما هو عَشْرُ آياتٍ أوْ سَبْعٌ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ التَّصْرِيحُ بِنُزُولِها قَبْلَ سَفَرِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَفي زِياداتِ مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ «عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”لَمّا نَزَلَتْ عَشْرُ آياتٍ مِن بَراءَةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ دَعا أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَعَثَهُ بِها لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعانِي النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: أدْرِكْ أبا بَكْرٍ، فَحَيْثُ ما لَحِقْتَهُ (p-٣٦٦)فَخُذِ الكِتابَ مِنهُ فاذْهَبْ بِهِ إلى أهْلِ مَكَّةَ فاقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ - فَذَكَرَهُ، وفِيهِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَما رَجَعَ: أنَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قالَ: لا. ولَكِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَنِي فَقالَ: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إلّا أنْتَ أوْ رَجُلٌ مِنكَ» ونَقَلَ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «أنَّهُ ﷺ بَعَثَ مَعَ أبِي بَكْرٍ بِأرْبَعِينَ آيَةً مِن صَدْرِ سُورَةِ بَراءَةَ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ عَلِيًّا عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ لِيَقْرَأ عَلى النّاسِ صَدْرَ بَراءَةَ وأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِمَكَّةَ ومِنًى وعَرَفَةَ. وفِيهِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أنَزَلَ في شَأْنِي شَيْءٌ؟ قالَ:“لا، ولَكِنْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا الأمْرَ إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي”» فَتَبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ مِن إطْلاقِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ لا سِيَّما وهو الَّذِي فِيهِ البَراءَةُ، وما سُمِّيَتْ السُّورَةُ بَراءَةَ إلّا بِهِ؛ وأنَّ المَعْنى: لا يُؤَدِّي عَنِّي في العُهُودِ، لا مُطْلَقًا؛ فَقَدْ أرْسَلَ رُسُلًا لِلْأداءِ عَنْهُ مِن غَيْرِ أهْلِ بَيْتِهِ؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ في تَفْسِيرِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢] ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ خُرُوجِ أبِي بَكْرٍ بِالنّاسِ لِيَحُجَّ بِهِمْ سَنَةَ تِسْعٍ، فَبَعَثَ بِها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَتْلُوَها عَلى النّاسِ بِالمَوْضِعِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الفَرِيقانِ وهو مِنًى، وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ: أنْ لا يَحُجُّ بَعْدَ (p-٣٦٧)العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، فَنادى عَلِيٌّ وأعانَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وغَيْرُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وكانَ عَلى مَكَّةَ حِينَئِذٍ عَتّابُ بْنُ أسِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ الفَتْحِ وهو عامُ ثَمانٍ، وكانَ حَجُّ عَتّابٍ وأبِي بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ في ذِي القِعْدَةِ - كَذا قالَ وسَيَأْتِي بَيانُ بُطْلانِهِ، وتَقَدَّمَ خِلافُهُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدٍ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ البَسْتِيُّ القاضِي في تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ عَنِ الحَجّاجِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ مِن تَبُوكَ فَأرادَ الحَجَّ فَقالَ: إنَّهُ يَحْضُرُ البَيْتَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ عُراةً فَلا أُحِبُّ أنْ أحُجَّ حَتّى لا يَكُونَ ذَلِكَ، فَأرْسَلَ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَطافا في النّاسِ بِذِي المَجازِ وبِأمْكِنَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَتَبايَعُونَ بِها كُلِّها وبِالمَوْسِمِ كُلِّهِ، وآذَنُوا أصْحابَ العَهْدِ بِأنْ يَأْمَنُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ - يَعْنِي أشْهُرَ الحَرَمِ المُنْسَلِخاتِ المُتَوالِياتِ: عِشْرُونَ مِن آخِرِ ذِي الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ يَخْلُونَ مِن رَبِيعٍ الآخَرِ، ثُمَّ لا عَهْدَ لَهُمْ، فَآذَنَ النّاسَ كُلَّهم بِالقِتالِ إلّا أنْ يُؤْمِنُوا، فَآمَنَ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وفِي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ: حَدَّثَنا يُونُسُ - يَعْنِي ابْنَ بَكِيرٍ - عَنْ أسْباطِ بْنِ نَصْرٍ الهَمْدانِيِّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] (p-٣٦٨)قالَ: عِشْرِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ مِن رَبِيعٍ الآخَرِ ثُمَّ لا أمانَ لِأحَدٍ ولا عَهْدَ إلّا السَّيْفَ أوِ الإسْلامَ؛ وقالَ ابْنُ هِشامٍ: حَتّى إذا كانَ يَوْمُ النَّحْرِ قامَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأذَّنَ في النّاسِ بِالَّذِي أمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأجَّلَ النّاسَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ أذَّنَ فِيهِمْ لِيَرْجِعَ كُلُّ قَوْمٍ إلى مَأْمَنِهِمْ؛ ولِلتِّرْمِذِيِّ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْعٍ قالَ: سَألْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِأيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ؟ قالَ: بِأرْبَعٍ: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إلى مُدَّتِهِ ومَن لا مُدَّةَ لَهُ فَأرْبَعَةُ أشْهُرٍ». ونَقَلَ ابْنُ سَيِّدِ النّاسِ عَنِ ابْنِ عائِذٍ أنَّهُ لَمّا ضَرَبَ لِلْمُشْرِكِينَ هَذا الأجَلَ قالُوا: بَلِ الآنَ لا نَبْتَغِي تِلْكَ المَدَّةَ، نَبْرَأُ مِنكَ ومِنَ ابْنِ عَمِّكَ إلّا بِالضَّرْبِ والطَّعْنِ؛ فَحَجَّ النّاسُ عامَهم ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعُوا رَغَّبَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ فَدَخَلُوا في الإسْلامِ طَوْعًا وكَرْهًا. وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِ مُشْرِكٌ، ولَمْ يَطُفْ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ. وقَدْ ورَدَتْ نُصُوصٌ وظَواهِرُ في كَثِيرٍ مِن سُورَةِ بَراءَةَ أنَّهُ نَزَلَ قَبْلَ الرُّجُوعِ عَنْ تَبُوكَ أوْ قَبْلَ الِاعْتِذارِ، فَمِنَ النُّصُوصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] (p-٣٦٩)وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] - الآياتِ.
﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] إلى أنْ قالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٥] وأمّا الظَّواهِرُ فَإنَّ الواقِدِيَّ قالَ في سِيرَتِهِ فَأُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ في غَزْوَةَ تَبُوكَ، ثُمَّ ذَكَرَ أكْثَرَ سُورَةِ بَراءَةَ. وقالَ هو وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ السِّيَرِ:“وكانَ رَهْطٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في تَبُوكَ مِنهم ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ - فَذَكَرَ القِصَّةَ الَّتِي فِيها أنَّ بَعْضَهم قالَ تَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ: أتَحْسَبُونَ قِتالَ بَنِي الأصْفَرِ كَقِتالِ غَيْرِهِمْ؟ واللَّهِ لَكَأنّا بِكم غَدًا مُقَرَّنِينَ في الحِبالِ، وقالَ كُلٌّ مِنهم شَيْئًا إلى أنْ قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: أدْرِكِ القَوْمَ؛ فَإنَّهم قَدِ احْتَرَقُوا فَسَلْهم عَمّا قالُوا، فَإنْ أنْكَرُوا فَقُلْ: بَلى، قُلْتُمْ كَذا وكَذا - إلى أنْ قالَ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ! فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] - إلى قَوْلِهِ: - ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦] ثُمَّ قالَ: وجاءَ الجُلّاسُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَ ما قالَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، وكانَ قَدْ قالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] - إلى آخِرِها، فاعْتَرَفَ الجُلّاسُ حِينَئِذٍ (p-٣٧٠)وتابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ"، وذَكَرَ مَسْجِدَ الضِّرارِ وأنَّ أهْلَهُ كانُوا سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ وهو مُتَجَهِّزٌ إلى تَبُوكَ أنْ يُصَلِّيَ لَهم فِيهِ فاعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِشُغْلِهِ بِالسَّفَرِ ووَعَدَهم أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ إذا رَجَعَ، فَلَمّا نَزَلَ ﷺ بِذِي أوانَ - قالَ ابْنُ هِشامٍ: بَلَدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ - أتاهُ خَبَرُهُ وخَبَرُ أهْلِهِ مِنَ السَّماءِ، فَدَعا اثْنَيْنِ مِن أصْحابِهِ فَأمَرَهُما بِهِ فَأحْرَقاهُ، وتَفْرَّقَ أهْلُهُ ونَزَلَ فِيهِ مِنَ القُرْآنِ ما نَزَلَ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧] - إلى آخِرِ القِصَّةِ؛ قالَ الواقِدِيُّ: وكانَ عاصِمَ بْنُ عَدِيٍّ يَقُولُ: كُنّا نَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَبْتَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قائِمَيْنِ عَلى المَسْجِدِ الضِّرارِ - إلى أنْ قالَ: فَواللَّهِ ما رَجَعْنا مِن سَفَرِنا حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ بِذَمِّهِ وذَمِّ أهْلِهِ.
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ [التوبة: ١٠٧] - إلى آخِرِها، ومِن ذَلِكَ تَسْمِيَتُها بِالفاضِحَةِ، فَلَوْلا نُزُولُها قَبْلَ مَعْرِفَةِ أخْبارِهِمْ لَمْ تَكُنْ فاضِحَةً، وهي في الظّاهِرِ لِلْمُعاهِدِينَ وفي الباطِنِ مُشِيرَةٌ إلى أهْلِ الرِّدَّةِ وأنْ لا يُقْبَلَ مِنهم إيمانٌ ما لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ كَما فَهِمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأُقِيمَتْ عَلى ذَلِكَ قَرائِنُ مِنها تَكْرِيرُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ في سِياقِ الإيمانِ تَكْرِيرًا لَمْ يَكُنْ في غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ، فَهي مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ (p-٣٧١)ورَوى أبُو مُحَمَّدٍ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ القاضِي البَسْتِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: إنَّ هَذا الإسْلامَ ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشْرٌ مِنها في بَراءَةَ، وعَشْرٌ في الأحْزابِ، وعَشْرٌ في المُؤْمِنِينَ وسَألَ سائِلٌ.
9:2Страница 187
فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢
Посему странствуйте по земле в течение четырех месяцев и знайте, что вам (многобожникам) не сбежать от Аллаха и что Аллах опозорит неверующих.
ولَمّا أعْلَمَهم سُبْحانَهُ بِأنَّهُ رَدَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وكانُوا مُخْتَلِطِينَ مَعَ أهْلِ الإسْلامِ، جَعَلَ لَهم مُخَلِّصًا إنْ آثَرُوا البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ مَعَ إعْلامِهِمْ بِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم لِأنَّهم في قَبْضَتِهِ، فَقالَ مُخاطِبًا لَهم ولِكُلِّ مُشْرِكٍ مُسَبِّبًا عَنِ البَراءَةِ: ﴿فَسِيحُوا﴾ والسِّياحَةُ: الِاتِّساعُ في السَّيْرِ والبُعْدِ عَنِ المُدُنِ والعِمارَةِ مَعَ الإقْلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ لِلصّائِمِ: سائِحٌ: والمُرادُ هَنا مُطْلَقُ السَّيْرِ.
ولَمّا كانَتِ السِّياحَةُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ حَقَّقَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: في أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ.
﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ أيْ: مِن أيّامِ الحَجِّ، فَيَكُونُ آخِرُها عاشِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، تَأْمَنُونَ فِيها أمْنًا لا نَعْرِضُ لَكم بِسُوءٍ، بَلْ تَذْهَبُونَ فِيها حَيْثُ شِئْتُمْ، أوْ تَرُمُّونَ حُصُونَكم وتُهَيِّئُونَ سِلاحَكم وتَلُمُّونَ شَعَثَكم لا نَغْدِرُكُمْ؛ لِأنَّ دِينَنا مَبْنِيٌّ عَلى المَحاسِنِ، ولَوْلا أنَّ الأمْرَ يَتَعَلَّقُ بِنُفُوسِنا ما نَبَذْنا عَهْدَكم ولا نَقْضَنا عَقْدَكُمْ، ولَكِنَّ الخَطَرَ في النَّفْسِ وقَدْ ظَهَرَتْ مِنكم أماراتُ الغَدْرِ ولَوائِحُ الشَّرِّ. ”وعَنْ أيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقاتِلُ“ فَإذا انْقَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ فَتَهَيَّؤُوا لِقِتالِنا وتَدَرَّعُوا لِنِزالِنا.
ولَمّا كانَ الإسْلامُ قَدْ ظَهَرَ بَعْدَ أنْ كانَ خَفِيًّا، وقَوِيَ بَعْدَ أنْ كانَ (p-٣٧٢)ضَعِيفًا، افْتَتَحَ وعْظَهم بِالكَلِمَةِ الَّتِي تُقالُ أوَّلًا لِمَن يُرادُ تَقْرِيعُ سَمْعِهِ وإيقاظُ قَلْبِهِ وتَنْبِيهُهُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها أمْرٌ مُهِمٌّ يَنْبَغِي مَزِيدُ الِاعْتِناءِ بِهِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكُمْ﴾ أيْ: أيُّها الكَفَرَةُ وإنْ كَثُرْتُمْ ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَهو قادِرٌ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ.
﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلالِ والإكْرامِ ﴿مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ مِنكم ومِن غَيْرِكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: قَدْ سَبَقَ بِذَلِكَ، ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، والإخْزاءُ: الإذْلالُ مَعَ إظْهارِ الفَضِيحَةِ والعارِ. وأظْهَرَ الوَصْفَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ؛ ولَعَلَّ الِالتِفاتَ إلى الخِطابِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن تَرَكَ أمْرَ اللَّهِ حَدَبًا عَلى قَرِيبٍ أوْ عَشِيرٍ فَهو مِنهُمْ، وقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ، فَلْيَنْجُ بِنَفْسِهِ ولا نَجاءَ لَهُ، أوْ يَكُونُ لِاسْتِعْطافِ الكُفّارِ تَلْذِيذُ الخِطابِ وتَرْهِيبُهم بِزَواجِرِ العِقابِ.
9:3Страница 187
وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣
В день великого паломничества Аллах и Его Посланник объявят людям о том, что Аллах и Его Посланник отрекаются от многобожников. Если вы раскаетесь, то тем лучше для вас. Если же вы отвернетесь, то знайте, что вам не сбежать от Аллаха. Обрадуй же вестью о мучительных страданиях неверующих.
ولَمّا أنْزَلَ البَراءَةَ، أمَرَ بِالإعْلامِ بِها في المَجْمَعِ الأعْظَمِ لِيَقْطَعَ الحُجَجَ، فَقالَ عاطِفًا ظِهْرَةَ الجُمْلَةِ إلى مَضْمُونِها: الإخْبارُ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ بِالجُمْلَةِ الأُولى المَعْطُوفَةِ عَلَيْها مِنَ البَراءَةِ: ﴿وأذانٌ﴾ أيْ: وهَذا إعْلامٌ وإعْلانٌ واقِعٌ وواصِلٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ العَظَمَةِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ، فَلا يُوَجِّهُهُ إلى شَيْءٍ إلّا أعْلاهُ عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإبْلاغَ الَّذِي هو وظِيفَةُ الرَّسُولِ، عَدّاهُ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ فَقالَ: ﴿إلى النّاسِ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ مِن أهْلِ البَراءَةِ (p-٣٧٣)وغَيْرِهِمْ ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ قَيَّدَهُ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذا الإعْلامُ؟ قالَ مُفَسِّرًا لَهُ مُصَرِّحًا بِما هو المَقْصُودُ لِئَلّا يَقَعَ فِيهِ نَوْعُ لَبْسٍ حاذِفًا الصِّلَةَ إعْلامًا بِأنَّ هَذا مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ، لا مَعْمُولٍ لِأذانٍ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ والقُوَّةُ الباهِرَةُ ﴿بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا عَهْدَ لَهم خاصٌّ فَلا مانِعَ مِن قِتالِهِمْ، قِيلَ: والَّذِينَ وقَعَتِ البَراءَةُ مِنهم صِنْفانِ: أحَدُهُما كانَتْ مُدَّتُهُ دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَرُفِعَ إلَيْها، والآخَرُ مُدَّتُهُ بِغَيْرِ حَدٍّ فَقُصِرَ عَلَيْها، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَهو أوْلى، ومَن كانَ عَهْدُهُ مَحْدُودًا بِأكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ولَمْ يُحْدِثْ شَرًّا أُمِرَ بِإتْمامِ عَهْدِهِ إلى مُدَّتِهِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيْ: بَرِيءٌ مِنهُمْ، فَهو مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى المَنوِيِّ في ”بَرِيءٌ“ أوْ عَلى مَحَلِّ ”أنَّ“ المَكْسُورَةِ واسْمِها عِنْدَ مَن كَسَرَها، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ: أنَّ ”أوْ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ، وبِالجَرِّ عَلى الجِوارِ، وقِيلَ: عَلى القَسَمِ - قالَهُ في الكَشّافِ: قالَ: ويُحْكى أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَؤُها فَقالَ: إنْ كانَ اللَّهُ بَرِيئًا مِن رَسُولِهِ فَأنا مِنهُ بَرِيءٌ، فَلَبَّبَهُ الرَّجُلُ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَكى الأعْرابِيُّ قِراءَتَهُ، فَعِنْدَها أمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ، ورَوى الإمامُ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ بْنِ بَشّارٍ الأنْبارِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: قَدِمَ أعْرابِيٌّ في زَمانِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَن يُقْرِئُنِي (p-٣٧٤)مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَأقْرَأهُ رَجُلٌ بَراءَةَ فَقالَ:“أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ”بِالجَرِّ، فَقالَ: أوَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِن رَسُولِهِ؟ إنْ يَكُنِ اللَّهُ بَرِيءٌ مِن رَسُولِهِ فَأنا أبْرَأُ مِنهُ، فَبَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَقالَةُ الأعْرابِيِّ فَدَعاهُ - يَعْنِي فَسَألَهُ فَأخْبَرَهُ - فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَ هَكَذا يا أعْرابِيُّ! قالَ: فَكَيْفَ هي يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ فَقالَ الأعْرابِيُّ: وأنا واللَّهِ أبْرَأ مِمّا بَرِئَ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنهُ، فَأمَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ لا يُقْرِئَ القُرْآنَ إلّا عالِمٌ بِاللُّغَةِ.
وأمَرَ أبا الأسْوَدِ فَوَضَعَ النَّحْوَ، ونَحْوَ ذَلِكَ في الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَرَبِيَّةِ ما حَكاهُ الشَّرِيفُ مُحَمَّدُ بْنُ أسْعَدَ الجَوّانِيُّ النَّسّابَةُ في كِتابِهِ في الأنْسابِ في تَرْجَمَةِ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ بِسَنَدِهِ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: دَخَلْتُ عَلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَأيْتُهُ مُطْرِقًا مُفَكِّرًا فَقُلْتُ: فِيمَ تُفَكِّرُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ بِبَلَدِكم هَذا لَحْنًا، فَأرَدْتُ أنْ أضَعَ كِتابًا في أُصُولِ العَرَبِيَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إنْ فَعَلْتَ هَذا بَقِيَتْ فِينا هَذِهِ اللُّغَةُ، ثُمَّ أتَيْتُهُ بَعْدَ أيّامٍ فَألْقى إلَيَّ صَحِيفَةً فِيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الكَلامُ كُلُّهُ اسْمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ، فالِاسْمُ ما أنْبَأ عَنِ المُسَمّى، والفِعْلُ ما أنْبَأ عَنْ حَرَكَةِ (p-٣٧٥)المُسَمّى، والحَرْفُ ما أنْبَأ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ ولا فِعْلٍ: ثُمَّ قالَ: تَتَبَّعْهُ وزِدْ فِيهِ ما وقَعَ لَكَ، واعْلَمْ أنَّ الأشْياءَ ثَلاثَةٌ: ظاهِرٌ ومُضْمَرٌ وشَيْءٌ لَيْسَ بِظاهِرٍ ولا مُضْمَرٍ، وإنَّما يَتَفاضَلُ النّاسُ في مَعْرِفَةِ ما لَيْسَ بِمُضْمَرٍ ولا ظاهِرٍ، قالَ أبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ: فَجَمَعْتُ أشْياءَ فَعَرَضْتُها عَلَيْهِ، فَكانَ مِن ذَلِكَ حُرُوفُ النَّصْبِ، فَذَكَرْتُ مِنها: إنَّ وأنَّ ولَيْتَ ولَعَلَّ وكَأنَّ، ولَمْ أذْكُرْ لَكِنَّ، فَقالَ لِي: لِمَ تَرَكْتَها؟ فَقُلْتُ: لَمْ أحْسَبْها فِيها، فَقالَ: بَلْ هي مِنها فَزِدْها فِيها، وقالَ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الزُّبَيْدِيُّ في طَبَقاتِ النَّحْوِيِّينَ: وقالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: سُئِلَ أبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ عَمَّنْ فَتَحَ لَهُ الطَّرِيقَ إلى الوَضْعِ في النَّحْوِ وأرْشَدَهُ إلَيْهِ، فَقالَ: تَلَقَّنْتُهُ مِن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: ألْقى إلَيَّ أُصُولًا احْتَذَيْتُ عَلَيْها؛ وفي مُخْتَصِرِ طَبَقاتِهِمْ لِلْحافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرانَ المَرْزُبانِيِّ: كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ رَسَمَ لِأبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ حُرُوفًا يُعَلِّمُها النّاسَ لَمّا فَسَدَتْ ألْسِنَتُهم فَكانَ لا يُحِبُّ أنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ ضَنًّا بِهِ بَعْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمّا كانَ زِيادٌ وجَّهَ إلَيْهِ أنِ اعْمَلْ شَيْئًا تَكُونُ فِيهِ إمامًا ويَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ؛ فَقَدْ كُنْتَ شَرَعْتَ فِيهِ لِتُصْلِحَ ألْسِنَةَ النّاسِ، فَدافَعَ بِذَلِكَ حَتّى مَرَّ يَوْمًا بِكَلَإ البَصْرَةِ وإذا قارِئٌ يَقْرَأُ:“أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ”وحَتّى سَمِعَ رَجُلًا قالَ: سَقَطَتْ عُصاتِي، فَقالَ: لا يَحِلُّ لِي بَعْدَ هَذا أنْ أتْرُكَ النّاسَ! فَجاءَ إلى زِيادٍ فَقالَ: أنا أفْعَلُ ما أمَرَ بِهِ الأمِيرُ (p-٣٧٦)فَلْيَبْتَغِ لِي كاتِبًا حَصِيفًا ذَكِيًّا يَعْقِلُ ما أقُولُ، فَأُتِيَ بِكاتِبٍ مِن عَبْدِ القَيْسِ فَلَمْ يَرْضَهُ، فَأُتِيَ بِآخَرَ مِن ثَقِيفٍ؛ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا أبُو عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ العُتْبِيُّ: كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى زِيادٍ يَطْلُبُ عُبَيْدَ اللَّهِ ابْنَهُ، فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ كَلَّمَهُ فَوَجَدَهُ يَلْحَنُ، فَرَدَّهُ إلى زِيادٍ وكَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا يَلُومُهُ فِيهِ ويَقُولُ: أمِثْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُضَيَّعُ؟ فَبَعَثَ زِيادٌ إلى أبِي الأسْوَدِ فَقالَ: يا أبا الأسْوَدِ ! إنَّ هَذِهِ الحَمْراءَ قَدْ كَثُرَتْ وأفْسَدَتْ مِن ألْسُنِ العَرَبِ، فَلَوْ وضَعْتَ شَيْئًا يُصْلِحُ بِهِ النّاسُ كَلامَهم ويُعْرِبُونَ بِهِ كِتابَ اللَّهِ، فَأبى ذَلِكَ أبُو الأسْوَدِ وكَرِهَ إجابَةَ زِيادٍ إلى ما سَألَ، فَوَجَّهَ زِيادٌ رَجُلًا فَقالَ لَهُ: اقْعُدْ في طَرِيقِ أبِي الأسْوَدِ، فَإذا مَرَّ بِكَ فاقْرَأْ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ وتَعَمَّدِ اللَّحْنَ فِيهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
فَلَمّا مَرَّ بِهِ أبُو الأسْوَدِ رَفَعَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ يَقْرَأُ:“أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ" فاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ أبُو الأسْوَدِ وقالَ: عَزَّ وجْهُ اللَّهِ أنْ يَبْرَأ مِن رَسُولِهِ، ثُمَّ رَجَعَ مِن فَوْرِهِ إلى زِيادٍ فَقالَ: يا هَذا، قَدْ أجَبْتُكَ إلى ما سَألْتَ، ورَأيْتُ أنْ أبْدَأ بِإعْرابِ القُرْآنِ، فابْعَثْ إلَيَّ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَأحْضَرَهم زِيادٌ فاخْتارَ مِنهم أبُو الأسْوَدِ عَشَرَةً، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَخْتارُهم حَتّى اخْتارَ مِنهم رَجُلًا مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَقالَ: خُذِ المُصْحَفَ وصَبْغًا يُخالِفُ (p-٣٧٧)لَوْنَ المِدادِ، فَإذا فَتَحْتُ شَفَتِي فانْقُطْ واحِدَةً فَوْقَ الحَرْفِ، وإذا ضَمَمْتُهُما فاجْعَلِ النُّقْطَةَ إلى جانِبِ الحَرْفِ، وإذا كَسَرْتُهُما فاجْعَلِ النُّقْطَةَ في أسْفَلِهِ، فَإنْ أتْبَعْتُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الحَرَكاتِ غُنَّةً فانْقُطْ نُقْطَتَيْنِ، فابْتَدَأ بِالمُصْحَفِ حَتّى أتى عَلى آخِرِهِ، ثُمَّ وضَعَ المُخْتَصَرَ المَنسُوبَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى.
ويَوْمُ الحَجِّ المَذْكُورِ هُنا لِلْجِنْسِ، أيْ: في جَمِيعِ أيّامِ الحَجِّ - قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ - كَيَوْمِ صِفِّينَ والجَمَلِ وبُعاثٍ يُرادُ بِهِ الحِينُ والزَّمانُ الَّذِي كانَ فِيهِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ نادى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ ومَن نَدَبَهُ لِذَلِكَ في جَمِيعِ تِلْكَ الأيّامِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجَماعَةٌ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ أبُو مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجَماعَةٌ: هو يَوْمُ النَّحْرِ، وقِيلَ: أيّامُ الحَجِّ كُلُّها - قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أذَّنَ بِتِلْكَ الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إثْرَ خِطْبَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ رَأى أنَّهُ لَمْ يَعُمَّ النّاسَ بِالإسْماعِ (p-٣٧٨)فَتَتَبَّعَهم بِالأذانِ بِها أيْضًا يَوْمَ النَّحْرِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ بَعَثَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَن يُعِينُهُ بِها كَأبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ويَتْبَعُوا أيْضًا أسْواقَ العَرَبِ كَذِي المَجازِ وغَيْرِهِ؛ وبِهَذا يَتَرَجَّحُ قَوْلُ سُفْيانَ - انْتَهى. ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، وقالَ في تَفْسِيرِهِ أيْضًا: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّما سُمِّيَ الحَجَّ الأكْبَرَ لِأنَّهُ حَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الحِجَّةَ الَّتِي حَجَّها، واجْتَمَعَ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، ووافَقَ أيْضًا ذَلِكَ عِيدَ اليَهُودِ والنَّصارى.
ولَمّا أعْلَمَ سُبْحانَهُ بِالبَراءَةِ عَنْها، سَبَّبَ عَنْها مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا قَوْلَهُ: التِفاتًا إلى الخِطابِ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والغَدْرِ ﴿فَهُوَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ العَظِيمُ وهو المَتابُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: لِأنَّكم تَفُوزُونَ في الوَفاءِ بِالأمانِ في الدُّنْيا، وفي الإسْلامِ بِالسَّلامَةِ في الدّارَيْنِ.
ولَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ مَحْبُوبَةً بِالطَّبْعِ لِما لَها مِنَ النَّفْعِ قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم خِلافَ ما يُشْتَهى مِنَ التَّوْبَةِ مُوافِقَةً لِلْفِطْرَةِ الأُولى، وأصْرَرْتُمْ عَلى الكُفْرِ والغَدْرِ اتِّباعًا لِلْهَوى المُكْتَسَبِ مِن خَباثَةِ الجِبِلَّةِ ورَداءَةِ الأخْلاطِ الَّتِي قَعَدَتْ بِالرُّوحِ عَنْ أوْجِها الأوَّلِ إلى الحَضِيضِ الأسْفَلِ ﴿فاعْلَمُوا﴾ أيْ: عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ﴿أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ (p-٣٧٩)أيْ: لِأنَّ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، والِالتِفاتُ هُنا مِثْلُهُ فِي: ﴿فَسِيحُوا﴾ [التوبة: ٢] والإشارَةُ بِهِ إلى ما ذُكِرَ في ذَلِكَ.
ولَمّا واجَهَهم بِالتَّهْدِيدِ أعْرَضَ عَنْهم وجْهَ الخِطابِ تَحْقِيرًا لَهم مُخاطِبًا لِأعْلى خَلْقِهِ مُبَشِّرًا لَهُ في أُسْلُوبِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَبَشِّرِ الغادِرِينَ بِالخِذْلانِ، أوْ فَبَشِّرِ التّائِبِينَ بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا هَذا الوَصْفَ ﴿بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ فِيهِما.
9:4Страница 187
إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤
Это не относится к тем многобожникам, с которыми вы заключили договор и которые после этого ни в чем его не нарушили и никому не помогали против вас. Соблюдайте же договор с ними до истечения его срока. Воистину, Аллах любит богобоязненных.
ولَمّا أعْلَمَهم بِالبَراءَةِ وبِالوَقْتِ الَّذِي يُؤْذَنُ بِها فِيهِ، وكانَ مَعْنى البَراءَةِ مِنهم أنَّهُ لا عَهْدَ لَهُمْ، اسْتَثْنى بَعْضَ المُعاهَدِينَ فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ أيْ: أوْقَعْتُمْ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدًا ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ المُدَّةِ اتَّصَفُوا بِأنَّهم ﴿لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلى الوَفاءِ في أنْفُسِهِمْ كَما نَقَضَ بَنُو الدِّيلِ مِن بَنِي بَكْرٍ في قِتالِهِمْ لِخُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا﴾ أيْ: يُعاوِنُوا مُعاوَنَةً تُظْهِرُ ﴿عَلَيْكم أحَدًا﴾ أيْ: مِن أعْدائِكم كَما ظاهَرَتْ قُرَيْشٌ حُلَفاءَهم مِن بَنِي الدِّيلِ عَلى حُلَفائِكم مِن خُزاعَةَ ﴿فَأتِمُّوا﴾ وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنِ الخَيْرِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ أيْ: وإنْ طالَتْ؛ قالَ البَغَوِيُّ: وهم بَنُو ضَمْرَةَ (p-٣٨٠)حَيٌّ مِن كِنانَةَ، وكانَ قَدْ بَقِيَ مِن عُهَدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ، وكانَ السَّبَبُ فِيهِ أنَّهم لَمْ يَنْقُضُوا؛ وقالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ هَذا مَخْصُوصٌ يُرادُ بِهِ بَنُو ضَمْرَةَ خاصَّةً؛ وقالَ أبُو مُحَمَّدٍ البَسْتِيُّ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ قالَ: ثِنا الحَجّاجُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ بَيْنَ بَنِي مُدْلِجٍ وخُزاعَةً عَهْدٌ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ .
ولَمّا كانَتْ مُحافَظَتُهم عَلى عَهْدِهِمْ مِن أفْرادِ التَّقْوى، وكانَ الأمْرُ بِالإحْسانِ إلى شَخْصٍ مِن أفْعالِ المُحِبِّ، قالَ تَعالى مُعَلِّلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: يَفْعَلُ بِهِمْ وبِكُمُ أفْعالَ المُحِبِّ، فَهو قَوْلٌ حاثٌّ لِلْكُلِّ عَلى التَّقْوى، وكُلٌّ يُنْزِلُهُ عَلى ما يَفْهَمُ، فَهو مِنَ الإعْجازِ الباهِرِ.
9:5Страница 187
فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Когда же завершатся запретные месяцы, то убивайте многобожников, где бы вы их ни обнаружили, берите их в плен, осаждайте их и устраивайте для них любую засаду. Если же они раскаются и станут совершать намаз и выплачивать закят, то отпустите их, ибо Аллах - Прощающий, Милосердный.
ولَمّا قَرَّرَ أمْرَ البَراءَةِ إثْباتًا ونَفْيًا، أمَرَ بِما يَصْنَعُ بَعْدَ ما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ الأجَلِ فَقالَ: ﴿فَإذا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ إذا ﴿انْسَلَخَ﴾ أيِ: انْقَضى وانْجَرَدَ وخَرَجَ ومَضى ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ أيِ: الَّتِي حَرَّمْتُ عَلَيْكم فِيها قِتالَهم وضَرَبْتُها أجَلًا لِسِياحَتِهِمْ، والتَّعْرِيفُ فِيها مِثْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: النّاكِثِينَ الَّذِينَ ضَرَبْتُمْ لَهم هَذا الأجَلَ إحْسانًا وكَرَمًا؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هَذِهِ الآيَةُ تَنْسَخُ كُلَّ آيَةٍ في القُرْآنِ فِيها ذِكْرُ الإعْراضِ والصَّبْرِ عَلى (p-٣٨١)أذى الأعْداءِ. انْتَهى.
ومَعْنى: ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: في حِلٍّ أوْ حَرَمٍ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿وخُذُوهُمْ﴾ أيْ: بِالأسْرِ ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ أيْ: بِالحَبْسِ عَنْ إتْيانِ المَسْجِدِ والتَّصَرُّفِ في بِلادِ الإسْلامِ وكُلِّ مَقْصِدٍ ﴿واقْعُدُوا لَهُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ خاصَّةً؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أفْضَلِ العِباداتِ ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أيِ: ارْصُدُوهم وخُذُوهم بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُ ولَوْ عَلى غِرَّةٍ أوِ اغْتِيالًا مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ مَعْنى اقْعُدُوا لَهُمُ: ارْصُدُوهُمْ، ومَتى كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ المُخْتَصِّ عامِلًا مِن لَفْظِهِ أوْ مِن مَعْناهُ جازَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ واسِطَةِ ”فِي“ فَكَما يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إذا كانَ بِمَعْناهُ فَكَذَلِكَ إلى الظَّرْفِ - ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ، والتَّعْبِيرُ بِالقُعُودِ لِلرَّشادِ إلى التَّأنِّي، وفي التَّرَصُّدِ والِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الظَّرْفِ إشارَةٌ إلى أنْ يَشْغَلُوا في التَّرَصُّدِ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ كُلِّ مَرْصَدٍ إنْ قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ بِخِلافِ ما لَوْ عَبَّرَ بِ: ”فِي“ فَإنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى شَغْلِ كُلِّ مَرْصَدٍ الصّادِقِ بِالكَوْنِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ مِنهُ أيَّ مَوْضِعٍ كانَ.
ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ ما يُوجِبُ الكَفَّ عَنْهم فَقالَ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ ﴿وأقامُوا﴾ أيْ: وصَدَّقُوا دَعْواهُمُ التَّوْبَةَ بِالبَيِّنَةِ العادِلَةِ بِأنْ أقامُوا ﴿الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أيْ: فَوَصَلُوا (p-٣٨٢)ما بَيْنَهم وبَيْنَ الخالِقِ وما بَيْنَهم وبَيْنَ الخَلائِقِ خُضُوعًا لِلَّهِ تَعالى وتَرْكًا لِلْفَسادِ ومُباشَرَةً لِلصَّلاحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإذا وُجِدَ هَذانِ الشّاهِدانِ العَدْلانِ ﴿فَخَلُّوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿سَبِيلَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْرِضُوا لِشَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ لِأنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم ويَغْفِرُ لَهم ما سَلَفَ ﴿إنَّ﴾ أيْ: لِأنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المَحْوِ لِلذُّنُوبِ الَّتِي تابَ صاحِبُها عَنْها والِاتِّباعِ لَهُ بِالإكْرامِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии