Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Ат-Тавба 9:51–60
9:51Страница 195
قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١
Скажи: «Нас постигнет только то, что предписано нам Аллахом. Он - наш Покровитель. И пусть верующие уповают на одного Аллаха».
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا مُتَضَمِّنًا لِتَوَهُّمِ القُدْرَةِ عَلى الِاحْتِراسِ مِنَ القَدَرِ، قالَ تَعالى مُعْلِمًا بِجَوابِهِمْ مُخاطِبًا لِلرَّأْسِ لِعُلُوِّ المَقامِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: إنّا نَحْنُ لا نَقُولُ مَقالَتَكم لِمَعْرِفَتِنا بِأنّا لا نَمْلِكُ ضُرًّا ولا نَفْعًا، بَلْ نَقُولُ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا﴾ أيْ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿إلا ما كَتَبَ﴾ أيْ: قَدَّرَ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، ولَمّا كانَ قَضاءُ اللَّهِ كُلُّهُ خَيْرًا لِلْمُؤْمِنِ إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، عَبَّرَ بِاللّامِ فَقالَ: ﴿لَنا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ عَنّا إلّا هو سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مَوْلانا﴾ أيِ: القَرِيبُ مِنّا الَّذِي يَلِي جَمِيعَ أُمُورِنا، لا قَرِيبَ مِنّا سِواهُ، فَلَوْ أرادَ لَدَفَعَ عَنّا كُلَّ مُصِيبَةٍ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلَيْنا مِنها، لا تَصِلُ إلَيْنا بِدُونِ عِلْمِهِ وهو قادِرٌ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ لَهُ في ذَلِكَ لَطِيفُ سَرِيرَةٍ تَتَضاءَلُ دُونَها ثَواقِبُ الأفْكارِ وتَخْسَأُ عَنِ الإحاطَةِ بِتَحْقِيقِها نَوافِذُ الأبْصارِ فَنَحْنُ لا نَتَّهِمُهُ في قَضائِهِ لِأنّا قَدْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ وفَوَّضْنا أُمُورَنا إلَيْهِ، والمُوَكِّلُ (p-٤٩٧)لا يَتَّهِمُ الوَكِيلَ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى لا غَيْرَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كُلُّهم تَوَكُّلًا عَظِيمًا جازِمًا لا مَعْدِلَ عَنْهُ، فالفَيْصَلُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ هو إسْلامُ النَّفْسِ إلَيْهِ وحْدَهُ بِلا اعْتِراضٍ عَلَيْهِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيها بِما يُرِيدُ.
9:52Страница 195
قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢
Скажи: «Неужели вы ожидаете, что нам выпадет что-либо, кроме одного из двух благ? Мы тоже ждем, что Аллах поразит вас мучениями от Себя или же накажет вас нашими руками. Ждите, и мы подождем вместе с вами».
ولَمّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ أنَّ سَرّاءَهم وضَرّاءَهم لَهم خَيْرٌ مِن حَيْثُ إنَّ الرِّضى بِمُرِّ القَضاءِ مُوجِبٌ لِإقْبالِ القاضِي عَلى المَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ أيْ: تَنْتَظِرُونَ انْتِظارًا عَظِيمًا ﴿بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ أيْ: وهي أنْ نُصِيبَ أعْداءَنا فَنَظْفَرَ ونَغْنَمَ ونُؤْجَرَ أوْ يُصِيبُونا بِقَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ فَنُؤْجَرَ، وكِلا الأمْرَيْنِ حَسَنٌ: أمّا السَّرّاءُ الَّتِي تُوافِقُونَنا عَلى حُسْنِها فَأمْرُها واضِحٌ، وأمّا الضَّرّاءُ فَمُوجِبَةٌ لِرِضى اللَّهِ عَنّا ومَثُوبَتِهِ لَنا بِالصَّبْرِ عَلَيْها ورِضانا بِها إجْلالًا لَهُ وتَسْلِيمًا لِأمْرِهِ فَهي حُسْنى كَما نَعْلَمُ لا سُوأى كَما تَتَوَهَّمُونَ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أيْ: نَنْتَظِرُ إحْدى السَّوْأيَيْنِ وهي ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ القُدْرَةِ ونَحْنُ مِن حِزْبِهِ ﴿بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ: لا تَسَبُّبَ لَنا فِيهِ كَما أهْلَكَ القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ أيْ: بِسَبَبِنا مِن قَتْلٍ أوْ نَهْبٍ وأسْرٍ وضَرْبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ حَذَرَكم لا يَمْنَعُكم مِنَ اللَّهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَكم.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا البَيانِ أنَّ السُّوءَ خاصَّةً بِحِزْبِ الشَّيْطانِ، حَسُنَ (p-٤٩٨)أنْ يُؤْمَرُوا تَهَكُّمًا بِهِمْ بِما أدّاهم إلى ذَلِكَ تَخْسِيسًا لِشَأْنِهِمْ فَقالَ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيْ: أنْتُمْ ﴿إنّا﴾ أيْ: نَحْنُ ﴿مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ أيْ: بِكُمْ، نَفْعَلُ كَما تَفْعَلُونَ، والقَصْدُ مُخْتَلِفٌ، والآيَةٌ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا الإصابَةَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها بِما أثْبَتَ ثانِيًا، وثانِيًا إحْدى السَّوْأيَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها بِإثْباتِ الحُسْنَيَيْنِ أوَّلًا.
9:53Страница 195
قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣
Скажи: «Станете ли вы делать пожертвования по доброй воле или по принуждению - от вас все равно не будет принято, поскольку вы являетесь людьми нечестивыми».
ولَمّا كانَ جُمْلَةُ ما يُصِيبُهم مِنهم مِنَ العَذابِ الإنْفاقُ بِتَزْكِيَةِ ما طَهُرَ مِن أمْوالِهِمْ بِالإعانَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ خَوْفًا مِنَ اتِّهامِهِمْ بِالنِّفاقِ في أقْوالِهِمْ لِيَفْتَدُوا أنْفُسَهم بِهِ مِنَ السَّفَرِ قالَ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ أيْ: أوْجِدُوا الإنْفاقَ لِكُلِّ ما يُسَمّى إنْفاقًا ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ أيْ: مُظْهِرِينَ الطَّواعِيَةَ أوْ مُظْهِرِينَ الكَراهِيَةَ؛ ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْهم إنَّما سَبَبُهُ كُفْرُهم لا إنْفاقُهُمْ، لَمْ يَرْبِطِ الجَوابَ بِالفاءِ بَلْ قالَ: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: يَقَعُ تَقَبُّلٌ لِشَيْءٍ يَأْتِي مِن قِبَلِكم أصْلًا مَن أحَدٍ لَهُ أنْ يَتَقَبَّلَ كائِنًا مَن كانَ، ولِذَلِكَ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قُلُوبَكم كارِهَةٌ لَيْسَتْ لَها نِيَّةٌ صالِحَةٌ في الإنْفاقِ ولا في غَيْرِهِ، فانْقِسامُ إنْفاقِكم إلى طَوْعٍ وكُرْهٍ إنَّما هو بِاعْتِبارِ الظّاهِرِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِالتَّفَعُّلِ إشارَةً إلى قَبُولِهِ مِنهم ظاهِرًا؛ ولَمّا كانَ غَيْرَ مَقْبُولٍ باطِنًا عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الفِسْقِ بالِغِينَ أنْهى غاياتِهِ.
9:54Страница 195
وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤
Тому, чтобы их пожертвования были приняты, мешает только то, что они не веруют в Аллаха и Его Посланника, лениво совершают намаз и нехотя делают пожертвования.
(p-٤٩٩)ولَمّا عَلَّلَ بِالعَراقَةِ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ، بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ﴾ أيْ: باطِنًا، ولِذا عَبَّرَ بِالمُجَرَّدِ، ولِذا بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ النّافِعَ القَبُولُ في نَفْسِ الأمْرِ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ أيْ: وإنْ جَلَّتْ ﴿إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ لِفَسادِ جِبِلّاتِهِمْ وسُوءِ غَرائِزِهِمْ.
ولَمّا كانَ قَبُولُ النَّفَقاتِ مُهَيِّئًا لِلطَّهارَةِ الَّتِي تُؤَثِّرُها الصَّلاةُ، كانَ السِّياقُ لِعَدَمِ قَبُولِها - لِيَتَسَبَّبَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ - أبْلَغَ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الخُبْثِ، فَأكَّدَ كُفْرَهم بِزِيادَةِ الجارِّ إشْعارًا بِأنَّ الكُفْرَ بِكُلٍّ مِنهُما عَلى حِيالِهِ مانِعٌ فَقالَ: ﴿وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ: فِسْقُهم بِأنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو السَّبَبُ المانِعُ بِمُفْرَدِهِ مِنَ القَبُولِ، ثُمَّ قَدَحَ في شاهِدَيْ ما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ وهُما الصَّلاةُ والزَّكاةُ وغَيْرُهُما مِنَ الإنْفاقِ في الخَيْراتِ بِما هو لازِمٌ لِلْكُفْرِ ودالٌّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ﴾ أيِ: المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها ﴿إلا وهم كُسالى﴾ أيْ: في حالِ كَسَلِهِمْ، لا يَأْتُونَها قَطُّ بِنَشاطٍ ﴿ولا يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: نَفَقَةً مِن واجِبٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿إلا وهم كارِهُونَ﴾ أيْ: في حالِ الكَراهَةِ وإنْ ظَهَرَ لَكم خِلافُ ذَلِكَ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الصّالِحَةِ واعْتِقادِ الآخِرَةِ، وهَذا لا يُنافِي طَوْعًا لِأنَّ ذَلِكَ بِحَسْبِ الفَرْضِ أوِ الظّاهِرِ وهَذا بِحَسْبِ الواقِعِ.
9:55Страница 196
فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥
Пусть не восхищают тебя их имущество и дети. Аллах желает только наказать их детьми и имуществом в мирской жизни, дабы они расстались со своими душами неверующими.
(p-٥٠٠)ولَمّا انْتَفى عَنْ أمْوالِهِمُ النَّفْعُ الأُخْرَوِيُّ الَّذِي هو النَّفْعُ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الزُّهْدُ فِيها المُوجِبُ لِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْها وعَدَمِ اعْتِقادِ أنَّ فِيها بَرَكَةً ودَلالَةً عَلى خَيْرٍ، فَقالَ - مُبَيِّنًا ما فِيها مِنَ الفَسادِ الَّذِي يُظُنُّ أنَّهُ صَلاحٌ: ﴿فَلا﴾ - بِفاءِ السَّبَبِ، فالسِّياقُ أبْلَغُ مِن سِياقِ الآتِيَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ ﴿تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ أيْ: وإنْ أنْفَقُوها في سَبِيلِي وجَهَّزُوا بِها الغُزاةَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ إخْلاصٍ مِنهم ولا حُسْنِ نِيَّةٍ ولا جَمِيلِ طَوِيَّةٍ، وإنَّما هو لَمّا أذَلَّهم مِن عِزَّةِ الإسْلامِ وأخافَهم مِن سَطْوَةِ الِانْتِقامِ فَهو مِن جُمْلَةِ العَذابِ، وعَطَفَ عَلَيْها الأوْلادَ لِمُشارَكَتِها لَها في المَلاذِّ والقُوَّةِ والِاسْتِعْمالِ في الجِهادِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِلنَّفْيِ بِإعادَةِ النّافِي: ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُرادُ بِإعْطائِهِمْ ذَلِكَ؟ ولَوْ مَنَعُوها وأُعْطِيَها المُخْلِصُونَ لَكانَ قُوَّةً لِلدِّينِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ: يُوقِعُ الإرادَةَ لَهم بِها المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ الحِكْمَةِ كَما أنَّ لَهُ الإحاطَةَ بِتَمامِ القُدْرَةِ، وأبْلَغَ في الحَصْرِ بِإدْخالِ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ أنْ يُعَذِّبَهم ﴿بِها في الحَياةِ﴾ أيْ: وإنْ كانَ يَتَراءى أنَّها لَذِيذَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِ الحَياةِ فَإنَّما هي لَهم مَوْتٌ في الحَقِيقَةِ ﴿الدُّنْيا﴾ أيْ: تارَةً بِجَمْعِها وتَرْبِيَتِها وتارَةً بِبَذْلِها كُرْهًا في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ في تَزْكِيَتِها وتارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وتَزْهَقَ﴾ أيْ: وإنَّما يُرِيدُ بِتَمْكِينِهِمْ مِنّا لِأجْلِ أنْ يَخْرُجَ وقْتَ المَوْتِ بِغايَةِ الصُّعُوبَةِ ﴿أنْفُسُهُمْ﴾ (p-٥٠١)أيْ: بِسَبَبِها ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في الكُفْرِ، وهَكَذا كُلُّ مَن أرادَ اسْتِدْراجَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ في الغالِبِ يُكْثِرُ أمْوالَهم وأوْلادَهم لِنَحْوِ هَذا لِأنَّهم إذْ رَأوْا زِيادَتَهم بِها عَلى بَعْضِ المُخْلِصِينَ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِكَرامَتِهِمْ وحُسْنِ حالَتِهِمْ فَيَسْتَمِرُّونَ عَلَيْها حَتّى يَمُوتُوا فَهو سُبْحانُهُ لَمْ يُرِدْ بِها مِنحَتَهم بَلْ فِتْنَتَهم ومِحْنَتَهُمْ، وأمّا الدِّينُ فَإنَّ القادِرَ يُقَوِّيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَيَكُونُ أظْهَرَ لِدَلِيلِهِ وأوْضَحَ لِسَبِيلِهِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ ظَهَرَ لَهم أنَّهم أُكْرِمُوا بِها وخَفِيَ عَنْهم أنَّها سَبَبٌ لِعَذابِهِمْ في الحَياةِ بِاتِّكالِهِمْ عَلَيْها، وفي المَماتِ بِصُعُوبَتِهِ عَلَيْهِمُ المُشارِ إلَيْهِ بِالزَّهُوقِ، وفي الآخِرَةِ بِسَبَبِ مَوْتِهِمْ عَلى حالِ الكُفْرِ بِاسْتِدْراجِهِمْ بِها، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يَمُوتُ حَتّى يَرى مِنَ الثَّوابِ ما يُسَلِّيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَيَشْتاقُ إلى لِقاءِ اللَّهِ وتَخْرُجُ نَفْسُهُ وهو في غايَةِ المَحَبَّةِ لِخُرُوجِها لِأنَّ البَدَنَ عائِقٌ لَهُ عَمّا يَرى.
9:56Страница 196
وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦
Они клянутся Аллахом, что принадлежат к вам. Однако они не принадлежат к вам. Напротив, они - боязливые люди.
ولَمّا وضَحَ بِهَذِهِ الأُمُورِ مُنابِذَتُهم لِلْمُؤْمِنِينَ وخُرُوجُهم مِن رِبْقَةِ الدِّينِ المُصَحِّحِ لِوَصْفِهِمْ بِالفِسْقِ، أوْضَحَ لَبْسًا آخَرَ مِن أحْوالِهِمْ يُقِيمُونَهُ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ﴾ أيْ: طَلَبُوا لَكُمُ الفِتْنَةَ والحالُ أنَّهم يُجَدِّدُونَ الأيْمانَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن تَمامِ العَظَمَةِ ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ ﴿لَمِنكُمْ﴾ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ عَلى اعْتِقادِكم باطِنًا كَما هم ظاهِرًا ﴿وما﴾ (p-٥٠٢)أيْ: والحالُ أنَّهم ما ﴿هُمْ﴾ صادِقِينَ في حَلِفِهِمْ أنَّهم ﴿مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ﴾ أيْ: مَعَ أنَّ لَهم قُوَّةً وقِيامًا فِيما يُحاوِلُونَهُ ﴿يَفْرَقُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ مِنكم عَلى دِمائِهِمْ خَوْفًا عَظِيمًا يُفَرِّقُ هُمُومَهم فَهو المُلْجِئُ لَهم إلى الحَلِفِ كَذِبًا عَلى التَّظاهُرِ بِالإسْلامِ،
9:57Страница 196
لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧
Если бы они нашли убежище, пещеру или укрытие, то они поспешно направились бы туда.
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم يُقِيمُونَ بَيْنَنا والمُبْغِضُ لا يُعاشِرُ مَن يُبْغِضُهُ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يَحْمِيهِمْ مِنكم ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أيْ: شَيْئًا يَلْجَؤُونَ إلَيْهِ مِن حِصْنٍ أوْ جَبَلٍ أوْ قَوْمٍ يَمْنَعُونَهم مِنكم ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ في الجِبالِ تَسَعُهُمْ، جَمْعُ مَغارَةٍ - مَفْعَلَةٌ مِن غارَ في الشَّيْءِ - إذا دَخَلَ فِيهِ، والغَوْرُ: ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ.
ولَمّا كانَتِ الغِيرانُ - وهي النُّقُوبُ في الجِبالِ - واسِعَةً والوُصُولُ إلَيْها سَهْلًا، قالَ: ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ أيْ: مَكانًا يَدْخُلُونَهُ بِغايَةِ العُسْرِ والصُّعُوبَةِ لِضِيقِهِ أوْ لِمانِعٍ في طَرِيقِهِ أوْ قَوْمًا يُداخِلُونَهم وإنْ كانُوا يَكْرَهُونَهم - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ التَّشْدِيدُ: ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: لاشْتَدُّوا في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ مُتَوَلِّينَ مُرْتَدِّينَ عَنْكم عَلى أعْقابِهِمْ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: حالُهم حالُ الدّابَّةِ الَّتِي كانَتْ مُسْرِعَةً في طَواعِيَةِ راكِبِها فَإذا هي قَدْ نَكَصَتْ عَلى عَقِبِها ثُمَّ أخَذَتْ في غَيْرِ قَصْدِهِ بِغايَةِ الإسْراعِ ونِهايَةِ الرَّغْبَةِ والدّاعِيَةِ لا يَرُدُّها بِئْرٌ تَقَعُ فِيهِ ولا مَهْلَكَةٌ ولا شَيْءٌ.
9:58Страница 196
وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨
Среди них есть такие, которые обвиняют тебя из-за милостыни. Если им достается что-либо из милостыни, то они остаются довольными, если же им ничего не достается, то они приходят в ярость.
ولَمّا قَرَّرَ حالَ مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الجِهادِ، ورُبَّما بَذَلَ مالَهُ فِيهِ افْتِداءً لِسَفَرِهِ، شَرَعَ في ذِكْرِ مَن يُشارِكُهُ في الإنْفاقِ والنِّفاقِ ويُخالِفُهُ (p-٥٠٣)فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ أيْ: يَعِيبُكَ عِنْدَ مُشاكِلِيهِ عَلى طَرِيقِ المُلازَمَةِ في سَتْرٍ وخَفاءٍ أوْ تَظاهُرٍ وقِلَّةِ حَياءٍ ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أيِ: اللّاتِي تُؤْتِيها لِأتْباعِكَ، ولَمّا أخْبَرَ عَنِ اللَّمْزِ، أخْبَرَ أنَّهُ لِحَظِّ نَفْسِهِ لا لِلدِّينِ فَقالَ: ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا﴾ أيْ: عَنْكَ ﴿وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها﴾ فاجَؤُوا السُّخْطَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ في كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ أصْلًا، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ فَوافَقُوا الأوَّلِينَ في جَعْلِ الدُّنْيا هَمَّهُمْ، وخالَفُوهم في أنَّ أُولَئِكَ أنْفَقُوا لِيَتَمَتَّعُوا بِالتَّخَلُّفِ وهَؤُلاءِ طَلَبُوا لِيَتَنَعَّمُوا بِنَفْسِ المالِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ؛ قِيلَ: «إنَّها نَزَلَتْ في ذِي الخُوَيْصِرَةِ لَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو يُقَسِّمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍ: اعْدِلْ يا مُحَمَّدُ! فَإنِّي لَمْ أرَكَ تَعْدِلُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”ويْلَكَ! ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ؟“» وسَيَأْتِي حَدِيثُهُ.
9:59Страница 196
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩
Лучше бы они довольствовались тем, что дали им Аллах и Его Посланник, и сказали: «Нам достаточно Аллаха. Аллах одарит нас из Своей милости, а также Его Посланник. Воистину, мы устремляемся к Аллаху!»
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِهِمُ السَّيِّئِ الدَّنِيءِ الَّذِي لا يُجْدِيهِمْ في الدُّنْيا ويُهْلِكُهم في الأُخْرى، نَبَّهَهم عَلى ما هو الأصْلَحُ لَهم مِنَ الحالِ الشَّرِيفِ السَّنِيِّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ لَهُ جَمِيعَ الكَمالِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ قَلَّ ذَلِكَ المُؤْتى أوْ كَثُرَ طالَ زَمَنُهُ أوْ قَصُرَ ﴿وقالُوا﴾ أيْ: مَعَ الرِّضى ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: كافِينا لِأنَّ لَهُ جَمِيعَ العَظَمَةِ فَهو الغِنى المُطْلَقُ. (p-٥٠٤)ولَمّا كانَتِ الكِفايَةُ تارَةً تَكُونُ بِالتَّنْجِيزِ العاجِلِ وتارَةً بِالوُثُوقِ بِالوَعْدِ الآجِلِ، بَيَّنَ أنَّ الثّانِيَ هو المُرادُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الإيمانِ فَقالَ: ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ واعْتَقَدُوا أنْ لا حَقَّ لِأحَدٍ فَقالُوا: ﴿مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُخالِفُ أمْرَهُ، عَلى ما قَدَّرَ لَنا في الأزَلِ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا إلى اللَّهِ﴾ أيِ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿راغِبُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في الرَّغْبَةِ، فَلِذَلِكَ نَكْتَفِي بِما يَأْتِي مِن قَبْلِهِ كائِنًا ما كانَ، أيْ: لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم لِأنَّهُ لا يَنالُهم إلّا ما قَسَمَ سُبْحانَهُ لَهم شاؤُوا أوْ أبَوْا.
9:60Страница 196
۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦٠
Пожертвования предназначены для неимущих и бедных, для тех, кто занимается их сбором и распределением, и для тех, чьи сердца хотят завоевать, для выкупа рабов, для должников, для расходов на пути Аллаха и для путников. Таково предписание Аллаха. Воистину, Аллах - Знающий, Мудрый.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ لَمْزِهِمْ في الصَّدَقاتِ وقَرَّرَ ما هو خَيْرٌ لَهم إرْشادًا إلى النَّجاةِ، عَلَّلَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيها وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ غَيْرَهُ لِأنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ في شَرْعِهِ الأكْمَلِ غَيْرُهُ لَمَزُوا أوْ تَرَكُوا زَهِدُوا أوْ رَغِبُوا فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ القَصْرِ عَلى ما ذُكِرَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسُ بِجَمِيعِ ما صَدَقَ مِن أفْرادِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ قَدَّمَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، فَلِذا قالَ الشّافِعِيُّ: إنَّ الفَقِيرَ أشَدُّهم حاجَةً لِكَوْنِهِ ابْتَدَأ بِهِ، فَقالَ: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا شَيْءَ لَهم أوْ لَهم شَيْءٌ يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِهِمْ ﴿والمَساكِينِ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا كِفايَةَ لَهم بِدَلِيلِ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ [الكهف: ٧٩] وأمّا ﴿مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] (p-٥٠٥)فَتَقْيِيدُهُ دَلَّ عَلى أنَّ المُطْلَقَ بِخِلافِهِ ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ أيِ: المُؤْتَمَنِينَ في السِّعايَةِ والوِلايَةِ عَلى جَمْعِها ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: لِيُسْلِمُوا أوْ يُسْلِمَ بِسَبَبِهِمْ غَيْرُهم أوْ يَثْبُتُوا عَلى إسْلامِهِمْ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بُعِثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِشَيْءٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أرْبَعَةٍ وقالَ: أتَألَّفُهُمْ، فَقالَ رَجُلٌ: ما عَدَلْتَ! فَقالَ: يَخْرُجُ مِن ضِئْضِئِ هَذا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ». وفي رِوايَةٍ: «فاسْتَأْذَنَهُ رَجُلٌ في ضَرْبِ عُنُقِهِ فَقالَ: لا، دَعْهُ؛ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ». الحَدِيثَ. «ولَئِنْ أدْرَكْتُهم لَأقْتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ» ولا يُقالُ: إنَّ العِلَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِقَتْلِهِمْ لا لِلْكَفِّ عَنْهم فَإنَّ عَمَلَهُ بِالمَقامِ الخَضِرِيِّ - كَما تَقَدَّمَ - أنَّهُ ما مِن كَرامَةٍ لِنَبِيٍّ إلّا ولَهُ ﷺ مِثْلُها أوْ أعْلى مِنها بِنَفْسِهِ أوْ بِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ.
ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ الَّذِينَ يُعْطُونَ الصَّدَقَةَ في أيْدِيهِمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيها كَيْفَ شاؤُوا، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِاللّامِ، ذَكَرَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ الصَّدَقَةَ لِقَضاءِ ما بِهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِ: ”فِي“ (p-٥٠٦)فَقالَ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ أيْ: والمُكاتَبِينَ بِسَبَبِ فَكِّ رِقابِهِمْ مِنَ الرِّقِّ ﴿والغارِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اسْتَدانُوا في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، يُصْرَفُ ما يُعْطَوْنَهُ إلى قَضاءِ دُيُونِهِمْ فَقَطْ ﴿وفِي﴾ أيْ: والمُجاهِدِينَ في ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِالنَّفَقَةِ والحَمْلِ والإعانَةِ بِالسِّلاحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ونَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِ الفُقَهاءِ أنَّهُ عَمَّمَ السَّبِيلَ فَأجازَ صَرْفَهُ إلى جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مَن تَكْفِينَ المَوْتى وعِمارَةِ المَساجِدِ ونَحْوِها ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ عَنْ بَلَدِهِ، يُعْطى ما يُوصِلُهُ إلَيْهِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رَسُولَنا ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ما أدّى إلى لَمْزِهِمْ لَهُ بِسَبَبِهِ إلّا بِأمْرٍ حَقًّا، فَإنّا قَدْ عَيَّنّا لَهُ أهْلَ الصَّدَقاتِ فَهو لا يَعْدِلُ عَنْهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لِأنَّهُ واقِفٌ عِنْدَ ما يُرْضِينا، فَإنْ كانُوا مِنهم أعْطاهم وإلّا مَنَعَهم رَضِيَ مَن رَضِيَ وسَخِطَ مَن سَخِطَ، وقَدْ فَرَضَ ذَلِكَ، أوْ ثابِتَةٌ لِلْفُقَراءِ حالَ كَوْنِها ﴿فَرِيضَةً﴾ كائِنَةً ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا لِعِلْمِهِ بِأنَّ في ذَلِكَ أعْظَمَ صَلاحٍ، وهَذا كالزَّجْرِ عَنْ مُخالَفَةِ الظّاهِرِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ بِما يُصْلِحُ الدِّينَ والدُّنْيا ويُؤَلِّفُ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فَهو (p-٥٠٧)يَجْعَلُ أفْعالَهُ مِنَ الإحْكامِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى نَقْضِها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: ”إنَّما“ إنْ كانَتْ وُضِعَتْ لِلْحَصْرِ فالحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِن لَفْظِها، وإنْ كانَتْ لَمْ تُوضَعْ لِلْحَصْرِ فالحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِنَ الأوْصافِ؛ إذْ مَناطُ الحُكْمِ بِالوَصْفِ يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِهِ، والتَّعْلِيلُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ.
وحِكْمَةُ الزَّكاةِ مِن جِهَةِ المالِكِ أنَّ المالَ مَحْبُوبٌ؛ لِأنَّهُ يُحَصِّلُ المَحْبُوبَ، والتَّمادِي في حُبِّهِ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ اللَّهِ المُعْطِي لَهُ، فَكانَ مِنَ الحِكْمَةِ تَذْكِيرُ المالِكِ لَهُ بِالمالِكِ الحَقِيقِيِّ في أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِ إخْراجَ طائِفَةٍ مِنهُ لِيَكُفَّ مِنهُ انْصِبابَ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْهِ ويُطَهِّرَ النَّفْسَ عَنْ مَحَبَّتِها لَهُ ويُطَهِّرَهُ عَنْ مَحْضِ الإنْفاقِ في الشَّهَواتِ، ومِن جِهَةِ الآخِذِ أنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَتْ حاجَتُهُ إلَيْهِ وحاجَةُ - المالِكِ - ولَوِ احْتِمالًا - كانَ هُناكَ سَبَبانِ لِلتَّسَلُّطِ عَلى المالِ: أحَدُهُما اكْتِسابُ المالِكِ لَهُ، والثّانِي احْتِياجُ الآخِذِ إلَيْهِ، فَرُوعِيَ السَّبَبانِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ورَجَّحَ المالِكُ بِإبْقاءِ الكَثِيرِ، وصَرَفَ إلى الآخِذِ اليَسِيرَ. وأجْرى الشّافِعِيُّ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها فَقالَ: إنْ أخْرَجَها ذُو المالِ سَقَطَ سَهْمُ العامِلِ مَعَ سَهْمِ المُؤَلَّفَةِ وصُرِفَ إلى السِّتَّةِ الأصْنافِ، وإنْ قَسَّمَ الإمامُ فَعَلى سَبْعَةٍ، ويَجِبُ أنْ يُعْطى مِن كُلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةُ أنْفُسٍ، ومَن لَمْ يُوجَدْ مِنَ الأصْنافِ رَدَّ نَصِيبَهُ عَلى الباقِينَ ويَسْتَوِي بَيْنَ الأصْنافِ لا بَيْنَ آحادِ الصِّنْفِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ صَرْفُ الكُلِّ لِواحِدٍ مِنَ الأصْنافِ لِأنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ أنْ لا تُخْرَجَ (p-٥٠٨)الصَّدَقَةُ عَنْهُمْ، لا أنْ تَكُونَ في جَمِيعِ الأصْنافِ - وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ وأبِي العالِيَةِ ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии