Аль-Бикаи · Тафсир · на арабском
Ат-Тавба 9:61–68
9:61Страница 196
وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١
Среди них есть такие, которые обижают Пророка и говорят: «Он есть ухо (выслушивает любые новости)». Скажи: «Он слушает только то, что лучше для вас. Он верует в Аллаха и доверяет верующим. Он является милостью для тех, которые уверовали». Тем же, которые обижают Посланника Аллаха, уготованы мучительные страдания.
ولَمّا بَيَّنَ الصِّنْفَيْنِ السّالِفَيْنِ، وخَتَمَ أمْرَهُما بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، أتْبَعَهُما بِصِنْفٍ آخَرَ يُؤْذِي بِما يَجْعَلُهُ نَقْصًا في صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ فَلْيَزَمُ الطَّعْنُ في عِلْمِ مُرْسِلِهِ وحِكْمَتِهِ فَقالَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ أيِ: الَّذِي أعْلى اللَّهُ مِقْدارَهُ، فَهو يُنْبِئُهُ بِما يُرِيدُ سُبْحانَهُ مِن خَفايا الأسْرارِ؛ ولَمّا أخْبَرَ بِمُطْلَقِ الأذى الشّامِلِ لِلْقَوْلِ والفِعْلِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُونَ هُوَ﴾ أيْ: مِن فَرْطِ سَماعِهِ لِما يُقالُ لَهُ ﴿أُذُنٌ﴾ ومُرادُهم أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسْمَعُ ويَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ أحَدٍ - كَما سُمِّيَ الجاسُوسُ عَيْنًا؛ قالَ أبُو حَيّانَ: كانَ خِذامُ بْنُ خالِدٍ وعُبَيْدُ بْنُ هِلالٍ والجُلّاسُ بْنُ سُوَيْدٍ في آخَرِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَفْعَلُوا؛ فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ فَيُوقِعَ بِنا، فَقالَ الجُلّاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا؛ فَإنَّ مُحَمَّدًا أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَتْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. انْتَهى. ومُرادُهم أنَّهُ ﷺ لا يَعْرِفُ مَكْرَ مَن يَمْكُرُ بِهِ وخِداعَ مَن يُخادِعُهُ وكَذَبُوا، هو أعْرَفُ النّاسِ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ (p-٥٠٩)يُعْرِضُ عِنْدَ المَصالِحِ، لا يَلِيقُ بِمَحاسِنِ الدِّينِ غَيْرُها، بَيَّنَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ نَفْعَ ذَلِكَ عائِدٌ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ﴾ أيْ: يُوقِعُ الإيمانَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَهُ عَنِ اللَّهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِأنْ يُصَدِّقَهم مُعْتَرِفًا ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ بِهِ حَقَّ الإيمانِ لِما لَهُ مِن كَمالِ العِلْمِ بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ؛ وحاصِلُهُ أنَّ فِعْلَ الإيمانِ ضِمْنَ فِعْلِ التَّصْدِيقِ ثُمَّ حُذِفَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ حالٌ أُقِيمَتْ مَقامَهُ ثُمَّ حُذِفَتْ وأُتِيَ بِصِلَةٍ تَدُلُّ عَلَيْها كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أنَّ التَّقْدِيرَ: حامِدِينَ عَلى ما هَداكُمْ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: يُؤْمِنُ مُصَدِّقًا بِاللَّهِ، فَهَذا حَقِيقَتُهُ وهو يُثْمِرُ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ ووِلايَتَهُمْ، ولِذا أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ، يُوقِعُ الإيمانَ لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ بِأنْ يُصَدِّقَهم في كُلِّ ما يُخْبِرُونَهُ بِهِ مِمّا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ، وذَلِكَ لِأجْلِ مَصالِحِهِمْ والتَّأْلِيفِ بَيْنَهم مَعَ ما ثَبَتَ مِن صِدْقِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ حَمَلَهم عَلى عَقْلِهِ ومَبْلَغِ عِلْمِهِ يُحِبُّهُ الكاذِبُ وعاقَبَ الخائِنَ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ وتَفَرُّسِهِ، لَقَصُرَتْ عَنْ ذَلِكَ غالِبُ الأفْهامِ وتاهَتْ بِسَبَبِهِ أكْثَرُ الأوْهامِ، فَنَفَرَتِ القُلُوبُ ووَقَعَ مِنَ الأغْلَبِ الِاتِّهامُ. ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِ الإلَهِ عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ المُقْتَضِي لِلْأمْرِ والنَّهْيِ عُدِّيَ بِالباءِ، وهُنا كانَ التَّصْدِيقُ إنَّما هو لِلْإخْبارِ بِأيِّ شَيْءٍ كانَ عُدِّيَ بِاللّامِ وأُشِيرَ - بِقَصْرِ الفِعْلِ وهو مُتَعَدٍّ - إلى مُبالَغَةٍ في التَّصْدِيقِ بِحَيْثُ كَأنَّهُ لا تَصْدِيقَ غَيْرُهُ. (p-٥١٠)ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ تَصْدِيقَهُ ظاهِرًا وباطِنًا إنَّما هو لِلرّاسِخِينَ في الإيمانِ، بَيَّنَ أنَّ تَصْدِيقَهُ لِغَيْرِهِمْ إنَّما هو الظّاهِرُ فَقالَ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: وهو رَحْمَةٌ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿مِنكُمْ﴾ فَهو -واللَّهُ أعْلَمُ- إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ ومَن في حُكْمِهِمْ مِمَّنْ جَزَمَ لِسانُهُ وقَلْبُهُ مُزَلْزَلٌ، أيْ: أنَّ إظْهارَ تَصْدِيقِهِمْ قَبُولًا لِما ظَهَرَ مِنهم وسَتْرَ قَبائِحِ أسْرارِهِمْ سَبَبٌ لِلْكَفِّ عَنْ دِمائِهِمْ، وإظْهارُ المُؤْمِنِينَ لِمَقْتِهِمْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِصِدْقِ إيمانِهِمْ بِما يَرَوْنَ مِن مَحاسِنِ الإيمانِ بِتَمادِي الزَّمانِ، ولا يُسْتَبْعَدُ كَوْنُ التَّعْبِيرِ بِالماضِي إشارَةً إلى المُنافِقِينَ لا سِيَّما بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَقَدْ قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في كِتابِهِ: ”المِفْتاحُ“ ما نَصُّهُ: البابُ الرّابِعُ في رُتَبِ البَيانِ عَنْ تَطَوُّرِ الإنْسانِ بِتَرَقِّيهِ في دَرَجِ الإيمانِ وتَرَدِّيهِ في دَرَكِ الكُفْرانِ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ خَلْقًا وأمْرًا أوَّلًا وآخِرًا ظاهِرًا وباطِنًا وهو حَمْدُهُ، ولَهُ عُلُوٌّ في ظُهُورِ أمْرِهِ وكَبِيرِ خَلْقِهِ، واحْتِجابٌ في مُقابِلِ ذَلِكَ مِن خِلْقِهِ وأمْرِهِ بِما أبْداهُ مِن حِكْمَتِهِ وأسْبابِ هُداهُ وفِتْنَتِهِ، وذَلِكَ العُلُوُّ هو إلَهِيَّتُهُ، والِاحْتِجابُ هو مُلْكُهُ، وبَيْنَهُما إقامَةُ كُلِّ خَلْقٍ لِما خُلِقَ لَهُ وتَأْيِيدُ كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأمْرَيْنِ لِما أُقِيمَ لَهُ، وذَلِكَ هو رَبّانِيَّتُهُ ولِكُلِّ فَتْقٍ مِن خَلْقِهِ وأمْرِهِ رَتْقٌ سابِقٌ.
ولِكُلِّ تَفاوُتٍ سَواءٌ، وذَلِكَ هو رَحْمانِيَّتُهُ، ولِكُلِّ أقْرَبَ في مَدَدِ الحِجابِ اخْتِصاصٌ؛ وذَلِكَ هو رَحِيمِيَّتُهُ، ولِكُلِّ أبْعَدَ في مَدَدِ (p-٥١١)الحِجابِ بَطْشٌ مِنهُ شَدِيدٌ في رَدِّهِ إلى القُرْبِ وتِلْكَ هي نِقْمَتُهُ، ولِكُلٍّ مِن تَنَزُّلاتِهِ العَلِيَّةِ ظاهِرًا وباطِنًا أمْرٌ خاصٌّ، ولِكُلِّ أمْرٍ خَلْقٌ، يَرِدُ بَيانُ القُرْآنِ لِكُلِّ خَلْقٍ بِحَسَبِ كُنْهِ ذاتِهِ واخْتِصاصِ رُتْبَةِ قُرْبِهِ ومَحَلِّ بُعْدِهِ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ آدَمَ وذَرَأهُ خَلِيفَةً لَهُ في جَمِيعِ أمْرِهِ وتَفْصِيلِهِ، وأنْزَلَ القُرْآنَ بِناءً عَلى جُمْلَةِ ذَلِكَ، فَأرْدَأُ الأحْوالِ لِهَذا المُسْتَخْلَفِ المَحَلُّ الَّذِي سُمِّيَ فِيهِ بِالإنْسانِ، وهو حَيْثُ أنِسَ بِنَفْسِهِ وغَيْرِهِ ونَسِيَ عَهْدَ رَبِّهِ، فَيَرِدُ لِذَلِكَ بِناؤُهُ بِالذَّمِّ في القُرْآنِ ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] ثُمَّ المَحَلُّ الَّذِي تَدارَكَهُ فِيهِ تَنَبُّهٌ لِسَماعِ الزَّجْرِ مِن رَبِّهِ، وهو لَهُ بِمَنزِلَةِ سِنِّ المَيْزِ لِابْنِ سَبْعٍ، ولا يَقَعُ إلّا عَنِ اجْتِماعٍ وتَراءٍ، وذَلِكَ هو السِّنُّ المُسَمَّوْنَ فِيهِ بِالنّاسِ لِنَوْسِهِمْ، أيْ: تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ سَماعِ الزَّجْرِ مِن رَبِّهِمْ وغَلَبَةِ أهْوائِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَيَرِدُ لِذَلِكَ بِناؤُهم بِذَمِّ أكْثَرِهِمْ في القُرْآنِ ”﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]“ - و”لا يَشْكُرُونَ“ ثُمَّ المَحَلُّ الَّذِي يَتَحَقَّقُ لَهم قَبُولٌ وسَماعٌ وإيمانٌ لِغائِبِ الأمْرِ والخَلْقِ، لَكِنَّهم يَتَزَلْزَلُونَ عَنْهُ كَثِيرًا عِنْدَ كُلِّ عارِضَةِ نَيْلٍ وخادِعَةِ رَفْعَةٍ، وهو لَهم بِمَنزِلَةِ سِنِّ المُحْتَلِمِ الَّذِي قَدْ ذاقَ طَعْمَ بُدُوِّ النُّطْفَةِ مِن باطِنِهِ النّاجِمِ العَقْلِ لِلنَّظَرِ في حَقائِقِ المَحْسُوساتِ، وذَلِكَ هو السِّنُّ الَّذِي يَسْعَوْنَ فِيهِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ وهو أوَّلُ سِنِّ التَّلَقِّي، فَلِذَلِكَ جَمِيعُ آدابِ القُرْآنِ (p-٥١٢)وتَعْلِيمُهُ إنَّما مَوْرِدُهُ أهْلُ هَذا السِّنِّ، كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إذا سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ فَأعِرْها سَمْعَكَ؛ فَإنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ أوْ شَرٌّ يَنْهى عَنْهُ، وكَما أنَّ ما يَخُصُّ البالِغَ العاقِلَ مِنَ الخِطابِ لا يَدْخُلُ فِيهِ الصَّبِيُّ المُمَيِّزُ، وما يَخُصُّ المُمَيِّزَ لا يَدْخُلُ فِيهِ البالِغُ، كَذَلِكَ خِطابُ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ النّاسُ بَعْدُ، وخِطابُ النّاسِ قَدْ جاوَزَهُ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ لِأنَّهم قَدِ انْزَجَرُوا بِما قَبِلَتْ قُلُوبُهم عَمّا يَنْزَجِرُ عَنْهُ النّاسُ، وقَدِ ائْتَمَرُوا بِما يَأْتَمِرُ بِهِ النّاسُ؛ وهَذِهِ الأسْنانُ الخالِيَةُ عِنْدَ أُولِي البَصائِرِ، وخاصُّ خِطابِها أشَدُّ ظُهُورًا مِن أسْنانِ الأبْدانِ عِنْدَ أصْحابِ الأبْصارِ، وعَدَمِ التَّبْصِرَةِ بِهَذِهِ المَراتِبِ في الأحْوالِ والبَيانِ هي أقْفالُ القُلُوبِ المانِعَةُ مِن تَدَبُّرِ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ ما فَوْقَ سِنِّ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مِن سِنِّ ”الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ“ وهم في أوَّلِ حَدِّ القُرْبِ مَنزِلَةُ بُلُوغِ الأشُدِّ، وسِنُّ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ و”النّاسُ“ في مَدَدِ حَدِّ البُعْدِ ولِذَلِكَ يُخاطَبُونَ بِحَرْفِ: ”يا“ المُرْسَلَةِ إلى حَدِّ البُعْدِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] وفَوْقَ ذَلِكَ سِنُّ المُؤْمِنِينَ وأدْنى قُرْبًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ في خِطابِهِمْ ”يا“ البُعْدِ، وهَذا السِّنُّ بِمَنزِلَةِ الِاكْتِهالِ وسِنِّ الشَّيْبِ، وتَمامُ سِنِّهِمْ ”المُؤْمِنُونَ حَقًّا“ وكَذَلِكَ إلى سِنِّ ”المُحْسِنِينَ“ إلى غَيْبِ سِنِّ ﴿المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] إلى ما وراءَ ذَلِكَ، فَإنَّ أسْنانَ الجِسْمِ أرابِيعُ، (p-٥١٣)وأسْنانَ القَلْبِ أسابِيعُ، يَعْرِفُها مَن تَطَوَّرَ فِيها، ويَجْهَلُها مَن نَبَتَ سِنُّ قَلْبِهِ عَلى الجَهْلِ وتَطَوَّرَ سِنُّ جِسْمِهِ إلى الهَرَمِ ”يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِيبُ مِنهُ اثْنَتانِ: الحِرْصُ والأمَلُ“ فالحِرْصُ فَقْرُهُ ولَوْ مَلَكَ الدُّنْيا، والأمَلُ هَمُّهُ وتَعَبُهُ، فَمَن لَمْ يَتَحَقَّقْ أسْنانُ القَلْبِ وتَفاوُتُ خِطابِها لَمْ يَنْفَتِحْ لَهُ البابُ إلى فَهْمِ القُرْآنِ، ومَن لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَنَزُّلاتُ الخِطابِ لَمْ يَبِنْ لَهُ خِطابُ اللَّهِ مِن خِطابِ الرَّحْمَنِ مِن خِطابِ المَلِكِ الدَّيّانِ. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ ما لِمَن صَدَّقَهُ باطِنًا أوْ ظاهِرًا مِنَ الرَّحْمَةِ، بَيَّنَ ما عَلى مَن كَذَّبَهُ فَآذاهُ مِنَ النِّقْمَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ ومِن غَيْرِهِمْ ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي أظْهَرَ - وهو المَلِكُ الأعْلى - شَرَفَهُ وعَظَمَتَهُ بِالجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ وأعْلاهُ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ، وزادَ في رِفْعَتِهِ بِالتَّعْبِيرِ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الجامِعِ، وهو واسِطَةٌ بَيْنَ الحَقِّ والخَلْقِ في إصْلاحِ أحْوالِهِمْ فَإنَّما يَسْتَحِقُّ مِنهُمُ الشُّكْرَ والإكْرامَ لا الأذى والإيلامَ.
ولَمّا كانَ أذاهم مُؤْلِمًا جَعَلَ جَزاءَهم مِن جِنْسِهِ فَقالَ: ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
9:62Страница 197
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢
Они клянутся Аллахом, чтобы угодить вам. Но для них было бы лучше, если только они являются верующими, угождать Аллаху и Его Посланнику.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِاسْتِهانَتِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وأخْبَرَ أنَّهم يَخْشَوْنَ عَلى دِمائِهِمْ فَيُصْلِحُونَ ظَواهِرَهم حِفْظًا لَها بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ تَمامُ العَظَمَةِ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: أنَّهم ما آذَوُا النَّبِيَّ ﷺ خُصُوصًا ولا أوْلادَكم بِالمُخالَفَةِ عُمُومًا؛ وبَيَّنَ غايَةَ مُرادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾
ولَمّا كانَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِأُذُنٍ بِالمَعْنى الَّذِي (p-٥١٤)أرادُوهُ، بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ راضِيًا بِإيمانِهِمْ لِعَدَمِ وُقُوعِ صِدْقِهِمْ في قَلْبِهِ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَصْدِيقَهم لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإصْلاحِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيِ: الَّذِي هو أعْلى خَلْقِهِ، وبَلَغَ النِّهايَةَ في تَعْظِيمِهِ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى وحْدَةِ الرّاضِي لِأنَّ كُلَّ ما يُرْضِي أحَدَهُما يُرْضِي الآخَرَ فَقالَ: ﴿أحَقُّ أنْ﴾ أيْ: بِأنْ ﴿يُرْضُوهُ﴾ ولَمّا كانَ مُناطُ الإرْضاءِ الطّاعَةَ ومُدارُ الطّاعَةِ الإيمانَ، قالَ مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ لِأنَّهُ مُجْزَأهُ: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فَهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ أحَقُّ بِالإرْضاءِ فَيَجْتَهِدُونَ فِيهِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم إنْ جَدَّدُوا إرْضاءَهُ كُلَّ وقْتٍ كانَ دَلِيلًا عَلى إيمانِهِمْ، وإنْ خالَفُوهُ كانَ قاطِعًا عَلى كُفْرانِهِمْ.
9:63Страница 197
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣
Разве они не знали, что тому, кто проявляет враждебность к Аллаху и Его Посланнику, навеки уготован огонь Геенны? Это - великое бесчестие.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ حِلْفَهم هَذا إنَّما هو لِكَراهَةِ الخِزْيِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ وبَيَّنَ مَن هو الأحَقُّ بِأنْ يُرْضُوهُ، أقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ في اسْتِفْهامِ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ مُبَيِّنًا أنَّهم فَرُّوا مِن خِزْيٍ مُنْقَضٍ فَسَقَطُوا في خِزْيٍ دائِمٍ، والخِزْيُ: اسْتِحْياءٌ في هَوانٍ، فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: لِدَلالَتِهِمْ عَلى الأحَقِّ بِالإرْضاءِ. ولَمّا كانَ ذِكْرُ الشَّيْءِ مُبْهَمًا ثُمَّ مُفَسَّرًا أضْخَمَ، أُضْمِرَ لِلشَّأْنِ فَقالَ: ﴿أنَّهُ﴾ أيِ: الشَّأْنَ العَظِيمَ ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ وهو المَلِكُ الأعْظَمُ، ويُظْهِرُ المُحادَدَةَ - بِما أشارَ إلَيْهِ الفَكُّ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ، بِأنْ يَفْعَلَ مَعَهُما فِعْلَ مَن يُخاصِمُ في (p-٥١٥)حَدِّ أرْضٍ فَيُرِيدُ أنْ يَغْلِبَ عَلى حَدِّ خَصْمِهِ، ويُلْزِمُهُ أنْ يَكُونَ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّهِ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: فَكَوْنُها لَهُ جَزاءً لَهُ عَلى ذَلِكَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ ﴿خالِدًا فِيها﴾ أيْ: دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِضاءٍ كَما كانَتْ نِيَّتُهُ المُحادَّةَ أبَدًا؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى عَظَمَةِ هَذا الجَزاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ البَعِيدُ الوَصْفِ العَظِيمُ الشَّأْنِ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾
9:64Страница 197
يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤
Лицемеры опасаются, что им будет ниспослана сура, которая поведает о том, что в их сердцах. Скажи: «Насмехайтесь! Аллах непременно выведет наружу то, чего вы опасаетесь».
ولَمّا عَلَّلَ فِعْلَ المُسْتَهِينِينَ، أتْبَعَهُ تَعْلِيلَ أمْرِ صِنْفٍ آخَرَ أخَفَّ مِنهم نِفاقًا بِما عِنْدَهم مِمّا يُقارِبُ التَّصْدِيقَ فَقالَ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ وعَبَّرَ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى الرُّسُوخِ تَحْذِيرًا لَهم مِن أدْنى النِّفاقِ فَإنَّهُ يَجُرُّ إلى أعْلاهُ ﴿أنْ تُنَـزَّلَ﴾ ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ الفاضِحَةُ لَهم داهِيَةً ونائِبَةً مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ وشَدائِدِهِ، عَدّى الفِعْلَ بِعَلى فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ أيْ: قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ شَدِيدَةُ الِانْتِظامِ ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ: تُخْبِرُهم إخْبارًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ لَمْ يُظْهِرُوا عَلَيْهِ أحَدًا مِن غَيْرِهِمُ أوْ أحَدًا مُطْلَقًا، لَعَلَّ هَذا الصِّنْفَ كانُوا يُسْلِفُونَ الأيْمانَ لَعَلَّها تُشَكِّكُ بَعْضَ النّاسِ أوْ تُخَفِّفُ عَنْهم إذا نَزَلَ ما يَهْتِكُهُمْ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ما يُؤَدِّي ويَدُلُّ عَلى النِّفاقِ ويَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا سِرَّنا، وقالَ بَعْضُهم بَعْدَ كَلامٍ قالُوهُ: واللَّهِ إنِّي لَأرانا شَرَّ خَلْقِ اللَّهِ ولَوَدِدْتُ أنِّي قُدِّمْتُ فَجُلِدْتُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وأنَّهُ لا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا.
(p-٥١٦)ولَمّا كانَ حَذَرُهم مَعَ العَمَلِ يُنافِيهِ مِن كَلامِ النِّفاقِ فِعْلَ المُسْتَهْزِئِ، قالَ مُهَدِّدًا: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أيِ: افْعَلُوا فِعْلَ المُسْتَهْزِئِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِكَمالِ العِلْمِ وتَمامِ القُدْرَةِ ﴿مُخْرِجٌ﴾ أيْ: كانَتْ لَهُ وصْفُ إخْراجِهِ ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾ أيْ: إخْراجَهُ مِن قَبائِحِكُمْ؛ وعَنِ الحَسَنِ: كانَ المُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَةَ الحَفّارَةَ، حَفَرَتْ ما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ وأظْهَرَتْهُ.
9:65Страница 197
وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥
Если ты их спросишь, они непременно скажут: «Мы только болтали и забавлялись». Скажи: «Неужели вы насмехались над Аллахом, Его аятами и Его Посланником?
ولَمّا وصَفَهم بِالنِّفاقِ، حَقَّقَهُ بِعَدَمِ مُبادَرَتِهِمْ إلى التَّوْبَةِ الَّتِي هي فِعْلُ المُؤْمِنِينَ، وبِاجْتِرائِهِمْ عَلى الإنْكارِ مَعَ كَوْنِ السّائِلِ لَهم مَن بَلَغَ الغايَةَ في الجَلالِ والوَقارِ والكَمالِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: وأنْتَ مَن يَجِبُ أنْ يُصَدِّقَهُ مَسُؤُولُهُ عَمّا أخْرَجَتِ السُّورَةُ مِمّا أظْهَرُوا بَيْنَهم مِنَ الكُفْرِ، وذَلِكَ حِينَ قالَ بَعْضُهُمُ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يَظُنُّ أنَّهُ يَفْتَحُ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها! هَيْهاتَ هَيْهاتَ! فَأعْلَمَهُ اللَّهُ فَقالَ: احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ؛ فَسَألَهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما﴾ أيْ: ما قُلْنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، إنَّما ﴿كُنّا نَخُوضُ﴾ أيْ: نَتَحَدَّثُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ ﴿ونَلْعَبُ﴾ أيْ: بِما لا حَرَجَ عَلَيْنا فِيهِ ويَحْمِلُ عَنّا ثِقَلَ الطَّرِيقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ لَهم إذا حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ عَلى العادَةِ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم تَقْرِيرًا عَلى اسْتِهْزائِهِمْ مُتَوَعِّدًا لَهم مُعْرِضًا عَمّا اعْتَذَرُوا إعْلامًا بِأنَّهُ غَيْرُ أهْلٍ لِأنْ يُسْمَعَ جاعِلًا لَهم كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِالِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ يَلِي حَرْفَ التَّقْرِيرِ، وذَلِكَ إنَّما يَسْتَقِيمُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ تَكْذِيبًا لَهم (p-٥١٧)فِي قَوْلِهِمْ: إنَّكَ أُذُنٌ، بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوهُ، وبَيانًا لِما في إظْهارِكَ لِتَصْدِيقِهِمْ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ ﴿أبِاللَّهِ﴾ أيْ: هو المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿وآياتِهِ﴾ أيِ: الَّتِي لا يُمْكِنُ تَبْدِيلُها ولا تَخْفى عَلى ذِي بَصَرٍ ولا بَصِيرَةٍ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ وهو مُجْتَهِدٌ في إصْلاحِكم وتَشْرِيفِكم وإعْلائِكم ﴿كُنْتُمْ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿تَسْتَهْزِئُونَ﴾
9:66Страница 197
لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦
Не извиняйтесь. Вы стали неверующими после того, как уверовали». Если Мы простим некоторых из вас, то непременно подвергнем мучениям остальных за то, что они стали грешниками.
ولَمّا حَقَّقَ اسْتِهْزاءَهُمْ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لا تُبالِغُوا في إثْباتِ العُذْرِ، وهو ما يَنْفِي المَلامَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُغْنِيكم وإنِ اجْتَهَدْتُمْ لِأنَّ القَطْعَ حاصِلٌ بِأنَّكم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: بِقَوْلِكم هَذا، ودَلَّ - عَلى أنَّ كُفْرَهم أحْبَطَ ما كانَ لَهم مِن عَمَلٍ - بِنَزْعِ الخافِضِ تَشْدِيدًا عَلى مَن نَكَثَ مِنهم تَخْوِيفًا لَهُ وتَحْقِيقًا بِحالِ مَن أصَرَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم صِدْقًا مِن بَعْضِكم ونِفاقًا مِن غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِبَيانِ ما صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ إكْفارِهِمْ مِن تَوْبَتِهِمْ أوْ إصْرارِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم قِسْمانِ: أحَدُهُما مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ ومَقْضِيٌّ تَوْبَتُهُ وحُبُّهُ، وهَذا الأشْرَفُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: بانِيًا لِلْمَفْعُولِ إعْلامًا بِأنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ هو الفِعْلُ، لا بِالنَّظَرِ إلى فاعِلٍ مُعَيَّنٍ: ﴿إنْ نَعْفُ﴾ لِأنَّ كَلامَ المَلِكِ وإنْ جَرى في مِضْمارِ الشَّرْطِ فَهو مُرْشِدٌ إلى تَحَقُّقِهِ (p-٥١٨)لِيَحْصُلَ الفَرْقُ بَيْنَ كَلامِ الأعْلى والأدْنى ﴿عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: لِصَلاحِيَتِها لِلتَّوْبَةِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ أيْ: قَوْمٌ ذَوُو عَدَدٍ فِيهِمْ أهْلِيَّةُ الِاسْتِدارَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِبِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ عَلى العَظَمَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: كَسْبُهم لِلذُّنُوبِ القاطِعَةِ عَنِ الخَيْرِ صِفَةً لَهم ثابِتَةً لا تَنْفَكُّ، فَهم غَيْرُ مُتَأهِّلِينَ لِلْعَفْوِ، وشَرْحُ هَذِهِ القِصَّةَ أنَّهُ كانَ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِنَ المُنافِقِينَ: اثْنانِ يَسْتَهْزِئانِ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ، والآخَرُ يَضْحَكُ، قِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّهُ يَغْلِبُ الرُّومَ ويَفْتَحُ مَدائِنَهُمْ، ما أبْعَدَهُ مِن ذَلِكَ! وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّهُ نَزَلَ في أصْحابِنا المُقِيمِينَ في المَدِينَةِ قُرْآنٌ، وإنَّما هو قَوْلُهُ وكَلامُهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: احْبِسُوا الرَّكْبَ عَلَيَّ، فَدَعاهم وقالَ لَهُمْ: قُلْتُمْ كَذا وكَذا؟ فَقالُوا: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] أيْ: كُنّا نَتَحَدَّثُ ونَخُوضُ في الكَلامِ كَما يَفْعَلُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ بِالحَدِيثِ واللَّعِبِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: والَّذِي عُفِيَ عَنْهُ رَجُلٌ واحِدٌ وهو مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ الأشْجَعِيُّ، يُقالُ: هو الَّذِي كانَ يَضْحَكُ، ولا يَخُوضُ وكانَ يَمْشِي مُجانِبًا لَهم ويُنْكِرُ بَعْضَ ما يَسْمَعُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تابَ.
قالَ: اللَّهُمَّ! لا أزالُ أسْمَعُ آيَةً تُقْرَأُ، تَقْشَعِرُّ مِنها (p-٥١٩)الجُلُودُ، وتَجِبُ مِنها القُلُوبُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وفاتِي قَتْلًا في سَبِيلِكَ! لا يَقُولُ أحَدٌ: أنا غَسَّلْتُ أنا كَفَّنْتُ أنا دَفَنْتُ، فَأُصِيبَ يَوْمَ اليَمامَةِ، فَما أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا عَرَفَ مَصْرَعَهُ غَيْرَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولَعَلَّ إطْلاقَ الطّائِفَةِ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وسَتْرًا عَلَيْهِ وتَبْشِيرًا بِتَوْبَةِ غَيْرِهِ، ولَعَلَّ مَخْشِيًّا كانَ مُؤْمِنًا ولَكِنْ كانَ إيمانُهُ مُزَلْزَلًا فَلِذا عَبَّرَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ أشْنَعُ في الذَّمِّ ولا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ لِأنَّهم يَتَمادَحُونَ بِالثَّباتِ عَلى أيِّ أمْرٍ اخْتارُوهُ ويَتَذامُّونَ بِالطَّيْشِ، ولَعَلَّ الجُلّاسَ المَعْنِيُّ بِالقِصَّةِ الآتِيَةِ وحْدَهُ أوْ مَعَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ آمَنَ كَغَيْرِهِ مِمَّنْ عُنِيَ بِها، وما آمَنَ إلّا حِينَ تابَ، فَلِذا عَبَّرَ هُناكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] قالَ أبُو حَيّانَ: «قالَ ابْنُ عُمَرَ: ”رَأيْتُ ودِيعَةَ بْنَ ثابِتٍ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُماشِيها والحِجارَةُ تَنْكُتُهُ وهو يَقُولُ: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:“أبِاللَّهِ وآياتِهِ"» . الآيَةَ.
9:67Страница 197
ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧
Лицемеры и лицемерки подобны друг другу. Они велят совершать предосудительное, запрещают одобряемое и сжимают свои руки (скупятся делать пожертвования). Они предали забвению Аллаха, и Он предал их забвению. Воистину, лицемеры являются нечестивцами!
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أفْعالًا وأقْوالًا لِطَوائِفَ مِنَ المُنافِقِينَ - مِنهم مَن كانَ مَعَهُ ﷺ في العَسْكَرِ - هي في غايَةِ الفَسادِ، كانَ ذَلِكَ رُبَّما اقْتَضى أنْ يَسْألَ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ لَوْ خَرَجُوا ما كانَ يَكُونُ حالُهُمْ؟ فَقالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ واسْتِدْلالًا عَلى أنَّ إجْرامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْفُ عَنْهم مِنهم خُلُقٌ لازِمٌ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ أيِ: الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ (p-٥٢٠)وأبْطَنُوا الكُفْرانَ ﴿بَعْضُهُمْ﴾ ولَمّا كانَ مَرْجِعُهُمُ الجُمُودَ عَلى الهَوى والطَّبْعِ والعادَةِ والتَّقْلِيدِ مِنَ التّابِعِ مِنهم لِلْمَتْبُوعِ، قالَ: ﴿مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: في صِفَةِ النِّفاقِ هم فِيها كالجَسَدِ الواحِدِ، أُمُورُهم مُتَشابِهَةٌ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وجَمِيعِ أحْوالِهِمْ، والقَصْدُ أنَّ حالَهم يُضادُّ حالَ أهْلِ الإيمانِ ولِذَلِكَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ أيْ: مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الخَبالِ والإيضاعِ في الخِلالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيِّءِ الخِصالِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ ما يَكُونُ فِيهِ تَعْظِيمُ الإسْلامِ وأهْلِهِ، يَبْغُونَ بِذَلِكَ الفِتْنَةَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: يَشُحُّونَ فَلا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ.
ولَمّا كانَ كَأنْ قِيلَ: أما خافُوا بِذَلِكَ مِن مُعاجَلَةِ العِقابِ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛ ولِما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أيْ: فَعَلَ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِي لِما اسْتَهانَ بِهِ بِأنْ تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ التَّرْكُ سَبَبًا لِحُلُولِ نِقْمَتِهِ؛ ولِما تَطَبَّعُوا بِهَذِهِ النَّقائِصِ كُلِّها، اخْتَصُّوا بِكَمالِ الفِسْقِ فَشَرَحَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ فَقالَ مُظْهِرًا مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الفاسِقُونَ﴾ أيِ: الخارِجُونَ عَنْ دائِرَةِ ما يَنْفَعُهم مِنَ الطّاعَةِ الرّاسِخُونَ في ذَلِكَ، فَقَدْ عَلِمَ أنَّهم لَوْ غَزَوْا فَعَلُوا فِعْلَ هَؤُلاءِ سَواءٌ لَأنَّ الكُلَّ مِن طِينَةٍ واحِدَةٍ.
9:68Страница 197
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨
Лицемерам, лицемеркам и неверующим Аллах обещал огонь Геенны, в котором они пребудут вечно. Довольно с них этого! Аллах проклял их, и им уготованы вечные мучения.
(p-٥٢١)ولَمّا بَيَّنَ كَثِيرًا مِن أحْوالِهِمْ فاشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى مَآلِهِمْ وكانَ مَقْصُودُها بِإظْهارِ الإيمانِ والِاعْتِذارِ عَنِ النَّقائِضِ بِتَأْكِيدِ الأيْمانِ إنَّما هو التَّقَرُّبُ إلى المُؤْمِنِينَ والتَّحَبُّبُ طَمَعًا في العَيْشِ في أكْنافِهِمْ وفَرَقًا مِنَ المُعاجَلَةِ بِما يَسْتَحِقُّونَ مِن إتْلافِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ لَهم عَلى هَذا الخِداعِ العَذابَ الدّائِمَ والطَّرْدَ اللّازِمَ، وجَمَعَ مَعَهُمُ المُصارِحِينَ بِالكُفْرِ إعْلامًا بِأنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا أعْظَمَ عِنادًا مِنهم فَهم سَواءٌ، فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ وساقَهَ بِصِيغَةِ البِشارَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وإبْلاغًا في مُساءَتِهِمْ ﴿المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ أيِ: المُساتِرِينَ بِاعْتِقادِهِمْ ﴿والكُفّارَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ في عِنادِهِمْ.
ولَمّا كانُوا مَجْبُولِينَ عَلى تَجَهُّمِ المُؤْمِنِينَ والِانْقِباضِ عَنْهُمْ، وإنْ أظْهَرُوا خِلافَ ذَلِكَ فَهو تَصَنُّعٌ قالَ: ﴿نارَ جَهَنَّمَ﴾ أيِ: النّارَ الَّتِي مِن شَأْنِها تَجَهُّمُ أهْلِها ولِقاؤُهم بِالعُبُوسَةِ الزّائِدَةِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: لا بَراحَ لَهم عَنْها ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: كافِيَتُهم في العَذابِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الخُلُودُ قَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الزَّمَنِ الطَّوِيلِ فَيَكُونُ بَعْدَهُ فَرَجٌ قالَ: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ وهو المَلِكُ العَلِيمُ الحَكِيمُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَأفْهَمَ أنَّهُ لا فَرَجَ لَهُمْ، ثُمَّ نَفى كُلَّ احْتِمالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: بِالأمْرَيْنِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: لا وصْفَ لَهُ غَيْرُ الإقامَةِ في الدُّنْيا بِما هم مَقْهُورُونَ بِهِ مِن سَطْوَةِ الإسْلامِ وجُنُودِهِ الكِرامِ الأعْلامِ، وفي الآخِرَةِ بِما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ (p-٥٢٢)المَلِكُ العَلّامُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии