Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Худ 11:38–44
11:38–40Страница 226
وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨
Он сооружал ковчег, и каждый раз, когда мимо него проходили знатные люди из его народа, они глумились над ним, а он говорил: «Если вы глумитесь над нами, то и мы будем глумиться над вами, подобно тому, как глумитесь вы.
فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩
Вы непременно узнаете, кого поразит унизительная кара, кого постигнут вечные мучения».
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠
А когда явилось Наше веление и разразилась потоком печь, Мы сказали: «Погрузи на него от каждого вида по паре и свою семью, за исключением тех, о которых уже было сказано Слово, а также тех, кто уверовал». Но уверовали вместе с ним лишь немногие.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾
التَقْدِيرُ: فَشَرَعَ يَصْنَعُ فَحُكِيَتْ حالُ الِاسْتِقْبالِ، إذْ في خِلالِها وقَعَ مُرُورُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَنَعَ نُوحٌ الفُلْكَ بِبِقاعِ دِمَشْقَ وأخَذَ عُودَها مِن لُبْنانَ وعُودَها مِنَ الشَمْشادِ وهو البَقْصُ. ورُوِيَ أنَّ عُودَها مِنَ الساجِ، وأنَّ (p-٥٧٤)نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ اغْتَرَسَهُ حَتّى كَبُرَ في أرْبَعِينَ سَنَةً ورُوِيَ أنَّ طُولَ السَفِينَةِ ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتانِ، وعَرَضَها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقِيلَ: طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، فاخْتَصَرْتُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثَ إحْياءِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لِسامِ بْنِ نُوحٍ وسُؤالِهِ إيّاهُ عن أمْرِ السَفِينَةِ فَذَكَرَ أنَّها ثَلاثُ طَبَقاتٍ: طَبَقَةٌ لِلنّاسِ، وطَبَقَةٌ لِلْبَهائِمِ، وطَبَقَةٌ لِلطَّيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
و"المَلَأُ" هُنا الجَماعَةُ، و"سَخِرُوا" مَعْناهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، وهَذا الِاسْتِجْهالُ إنْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلُ رَأوا سَفِينَةً ولا كانَتْ- فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ. وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَفاسِيرُ وإنْ كانَتِ السَفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في مَوْضِعٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُبُوَّةِ؟
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ: في الآخِرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَحْتَمِلُ الكَلامُ -بَلْ هو الأرْجَحُ- أنْ يُرِيدَ: إنّا نَسْخَرُ مِنكُمُ الآنَ، أيْ نَسْتَجْهِلُكم لِعِلْمِنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى والكَوْنِ بِمُدْرَجِ عَذابِهِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدًا، والسُخْرُ: الِاسْتِجْهالُ مَعَ اسْتِهْزاءٍ، ومَصْدَرُهُ: سُخْرى بِضَمِّ السِينِ، والمَصْدَرُ مِنَ السُخْرَةِ والتَسْخِيرِ سِخْرى بِكَسْرِها.
و"العَذابُ المُخْزِي" هو الغَرَقُ، و"المُقِيمُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ "وَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، ويَقْرَأُ "وَيَحِلُّ" بِكَسْرِها، بِمَعْنى ويَجِبُ. ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ". وجازَ أنْ يَكُونَ "تَعْلَمُونَ" بِمَثابَةِ "تَعْرِفُونَ" في التَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ.
(p-٥٧٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ الآيَةُ، الأمْرُ هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ، فَمَعْناهُ أمْرُنا لِلْماءِ بِالفَوَرانِ، أو لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أو لِلْمَلائِكَةِ بِالتَصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النازِلَةِ و"وَفارَ" مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ في "التَنُّورُ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ- مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو تَنُّورُ الخُبْزِ الَّذِي يُوقَدُ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتْ هَذِهِ أمارَةً جَعَلَها اللهُ لِنُوحٍ، أيْ إذا فارَ التَنُّورُ فارْكَبْ في السَفِينَةِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الأمارَةِ أنَّ مُسْتَوْقَدَ النارِ إذا فارَ بِالماءِ فَغَيْرُهُ أشَدُّ فَوَرانًا، وأحْرى بِذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ خَلُصَ إلى نُوحٍ فَكانَ يُوقِدُ فِيهِ، وقالَ النَقّاشُ: اسْمُ المُسْتَوْقَدِ التَنُّورُ بِكُلِّ لُغَةٍ وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في الأدَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا بَعِيدٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَوْضِعَ تَنُّورِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ مَسْجِدِ الكُوفَةِ، وقِيلَ: كانَ في ناحِيَةِ الكُوفَةِ، قالَهُ الشَعْبِيُّ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: كانَ في الجِهَةِ الغَرْبِيَّةِ مِن قِبْلَةِ المَسْجِدِ بِالكُوفَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعِكْرِمَةُ: التَنُّورُ وجْهُ الأرْضِ، ويُقالُ لَهُ: تَنُّورُ الأرْضِ، وقالَ قَتادَةُ: التَنُّورُ: أعالِي الأرْضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَنُّورُ: عَيْنٌ بِناحِيَةِ الجَزِيرَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: التَنُّورُ مُجْتَمَعُ ماءِ السَفِينَةِ فارَ مِنهُ الماءُ وهي بَعْدُ في اليُبْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَنُّورُ هو الفَجْرُ، المَعْنى: إذا طَلَعَ الفَجْرُ فارْكَبْ في السَفِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، إلّا أنَّ التَصْرِيفَ يُضْعِفُهُ، وكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ التَنُّورُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكَلامُ مَجازٌ وإنَّما أرادَ غَلَبَةَ الماءِ وظُهُورَ العَذابِ كَما «قالَ النَبِيُّ ﷺ لِشِدَّةِ الحَرْبِ: "حَمِيَ (p-٥٧٦)الوَطِيسُ"» والوَطِيسُ أيْضًا مُسْتَوْقَدُ النارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَحَمِيَ وفارَ إذْ يُسْتَعْمَلانِ في النارِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧]، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الوَطِيسِ والتَنُّورِ.
وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" بِتَنْوِينِ "كُلٍّ"، وقَرَأ الباقُونَ: "مَن كُلِّ زَوْجَيْنِ" بِإضافَةِ "كُلٍّ" إلى "زَوْجَيْنِ". فَمَن قَرَأ بِالتَنْوِينِ حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ التَقْدِيرُ: مِن كُلِّ حَيَوانٍ أو نَحْوِهِ، وأعْمَلَ "الحَمْلَ" في زَوْجَيْنِ، وجاءَ قَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ" تَأْكِيدًا- كَما قالَ: إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ. ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فَأعْمَلَ "الحَمْلَ" في قَوْلِهِ: اثْنَيْنِ، وجاءَ قَوْلُهُ: "زَوْجَيْنِ" بِمَعْنى العُمُومِ، أيْ مِن كُلِّ ما لَهُ ازْدِواجٌ، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، ولَوْ قَدَّرْنا المَعْنى: احْمِلْ مَن كُلِّ زَوْجَيْنِ حاصِلَيْنِ اثْنَيْنِ لَوَجَبَ أنْ يَحْمِلَ مَن كُلِّ نَوْعٍ أرْبَعَةً، والزَوْجُ يُقالُ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ لِلْواحِدِ مِمّا لَهُ ازْدِواجٌ، فَيُقالُ: هَذا زَوْجُ هَذا، وهُما زَوْجانِ: وهَذا هو المَهِيعُ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ثُمَّ فَسَّرَها، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥]. قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في كِتابِ "الحُجَّةِ": وقَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ مِن كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ ∗∗∗ زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها
وهَكَذا يَأْخُذُ العَدَدِيُّونَ. الزَوْجُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ النَوْعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٧٧)﴿وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] وقوله عزّ وجلّ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ [يس: ٣٦]. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَأْتِيهِ الحَيَوانُ، فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلى الذَكَرِ ويَسارَهُ عَلى الأُنْثى. ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما أُدْخِلَ في السَفِينَةِ الذَرُّ، وآخِرَ ما أُدْخِلَ الحِمارُ، فَتَمَسَّكَ الشَيْطانُ بِذَنَبِهِ، فَزَجَرَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْبَعِثْ فَقالَ لَهُ: ادْخُلْ ولَوْ كانَ مَعَكَ الشَيْطانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَلَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مِن لِسانِهِ فَدَخَلَ الشَيْطانُ حِينَئِذٍ، وكانَ في كَوْثَلِ السَفِينَةِ، أيْ عِنْدِ مُؤَخَّرِها، وقِيلَ: كانَ عَلى ظَهْرِها.
ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ آذاهُ نَتَنُ الزِبَلِ والعُذْرَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: أنِ امْسَحْ عَلى ذَنَبِ الفِيلِ، فَفَعَلَ، فَخَرَجَ مِنَ الفِيلِ- وقِيلَ: مِن أنْفِهِ- خِنْزِيرٌ وخِنْزِيرَةٌ، فَكَفَيا نُوحًا وأهْلَهُ ذَلِكَ الأذى وهَذا يَجِيءُ مِنهُ أنَّ نَوْعَ الخَنازِيرِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. ورُوِيَ أنَّ الفَأْرَ آذى الناسَ في السَفِينَةِ بِقَرْضِ حِبالِها وغَيْرِ ذَلِكَ، فَأمَرَ اللهُ نُوحًا أنْ يَمْسَحَ عَلى جَبْهَةِ الأسَدِ فَفَعَلَ، فَعَطَسَ فَخَرَجَ مِنهُ هِرٌّ وهِرَّةٌ، فَكَفَياهُمُ الفَأْرَ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ الفَأْرَ خَرَجَ مِن أنْفِ الخِنْزِيرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ قَصَصٌ لا يَصِحُّ إلّا لَوِ اسْتُنِدَ واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ.
وقَوْلُهُ: "وَأهْلَكَ" عَطْفٌ عَلى ما عَمِلَ فِيهِ "احْمِلْ"، و"الأهْلُ" هُنا: القَرابَةُ، وبِشَرْطِ مَن آمَنَ مِنهُمْ، خُصِّصُوا تَشْرِيفًا ثُمَّ ذُكِرَ مَن آمَنَ ولَيْسَ مِنَ الأهْلِ واخْتُلِفَ في الَّذِي ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ فَقِيلَ: هو ابْنُهُ يامُ، وقالَ النَقّاشُ: اسْمُهُ كَنْعانُ وقِيلَ: هي امْرَأتُهُ والِعَةُ هَكَذا اسْمُها بِالعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وقِيلَ: هو عُمُومٌ في مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ نُوحٍ وعَشِيرَتِهِ. والقَوْلُ هاهُنا مَعْناهُ: القَوْلُ بِأنَّهُ يُعَذَّبُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن آمَنَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَأهْلَكَ"، ثُمَّ قالَ إخْبارًا عن حالِهِمْ: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ واخْتُلِفَ في ذَلِكَ "القَلِيلِ"، فَقِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً وقِيلَ: كانَ جَمِيعُهم ثَلاثَةً وثَمانِينَ: وقِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ في الكُلِّ، قالَهُ السُدِّيُّ: وقِيلَ: عَشْرَةٌ، وقِيلَ: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: سَبْعَةٌ، واللهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: كانَ في السَفِينَةِ جُرْهُمٌ، (p-٥٧٨)وَقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ الغَرَقِ أحَدٌ إلّا عَوْجُ بْنُ أعْنَقَ، وكانَ في السَفِينَةِ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ ثَلاثَةٌ مِن بَنِيهِ: سامُ، وحامُ، ويافِثُ، وغَرِقَ يامُ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "سامُ أبُو العَرَبِ، ويافِثُ أبُو الرُومِ، وحامُ أبُو الحَبَشِ".»
11:41–42Страница 226
۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١
Он сказал: «Садитесь на него! С именем Аллаха он будет плыть и останавливаться. Воистину, Господь мой - Прощающий, Милосердный».
وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢
Ковчег поплыл с ними по волнам, подобным горам, и Нух (Ной) воззвал к своему сыну, который одиноко стоял в стороне: «Сын мой! Садись с нами и не оставайся с неверующими».
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾
المَعْنى وقالَ نُوحٌ -حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ في السَفِينَةِ- لِمَن آمَنَ مَعَهُ: ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ فَأنَّثَ الضَمِيرَ، إذْ هي سَفِينَةٌ لِأنَّ الفُلْكَ المَذْكُورَ مُذَكَّرٌ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "عَلى اسْمِ اللهِ". وقَوْلُهُ: بِسْمِ اللهِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ارْكَبُوا كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ وبِسِلاحِهِ، أيِ ارْكَبُوا مُتَبَرِّكِينَ بِاللهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ ظَرْفَيْنِ، أيْ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها. كَما تَقُولُ العَرَبُ: "الحَمْدُ لِلَّهِ سِرارَكَ وإهْلالَكَ وخُفُوقَ النَجْمِ ومَقْدَمَ الحاجِّ"، فَهَذِهِ ظَرْفِيَّةُ زَمانٍ، والعامِلُ في هَذا الظَرْفِ ما في "بِسْمِ اللهِ" مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "بِسْمِ اللهِ" في مَوْضِعِ خَبَرٍ و"مَجْراها ومُرْساها" ابْتِداءٌ مَصْدَرانِ كَأنَّهُ قالَ: "ارْكَبُوا فِيها فَإنَّ بِبَرَكَةِ اللهِ إجْراءَها وإرْساءَها"، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "فِيها"، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "ارْكَبُوا" لِأنَّهُ لا عائِدَ في الجُمْلَةِ يَعُودُ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ الضَحّاكُ: إنَّ نُوحًا كانَ إذا أرادَ جَرْيَ السَفِينَةِ قالَ: بِسْمِ اللهِ، فَتَجْرِي وإذا أرادَ وُقُوفَها قالَ: بِسْمِ اللهِ فَتَقِفُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "مُجْراها ومُرْساها" بِضَمِّ المِيمَيْنِ عَلى مَعْنى: إجْرائِها وإرْسائِها، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٌ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وجُمْهُورِ الناسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ:(p-٥٧٩)
؎ وعَمَرْتُ حَرْسًا قَبَلَ مُجْرى داحِسٍ ∗∗∗ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَجُوجِ خُلُودُ
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مَجْرِيها" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الراءِ، وكُلُّهم ضَمَّ المِيمَ مِن "مُرْساها"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "مَجْراها ومَرْساها" بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، وذَلِكَ مِنَ الجَرْيِ والرَسْوِ، وهَذِهِ ظَرْفِيَّةُ مَكانٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ:
؎ فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ
واخْتارَ الطَبَرِيُّ قِراءَةَ "مَجْراها ومُرْساها" بِفَتْحِ المِيمِ الأولى وضَمِّ الثانِيَةِ، ورَجَّحَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي﴾، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ، "تَجْرِي" وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا، رَواها عنهُ أبُو وائِلٍ، ومَسْرُوقٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، والنَخْعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، والكَلْبِيُّ، والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، وأهْلُ الشامِ: "مُجْرِيها ومُرْسِيها" وهُما -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- صِفَتانِ لِلَّهِ تَعالى عائِدَتانِ عَلى ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: بِسْمِ اللهِ.
(p-٥٨٠)وَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى قَدْرِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ ورَحْمَتِهِ لَهم وسِتْرِهِ عَلَيْهِمْ وغُفْرانِهِ ذُنُوبَهم بِتَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ السَماءَ أمْطَرَتْ بِأجْمَعِها حَتّى لَمْ يَكُنْ في الهَواءِ جانِبٌ لا مَطَرَ فِيهِ، وتَفَجَّرَتِ الأرْضُ كُلُّها بِالنَبْعِ، فَهَكَذا كانَ التِقاءُ الماءِ، ورُوِيَ أنَّ الماءَ عَلا عَلى الجِبالِ وأعْلى الأرْضَ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشْرَةَ ذِراعًا، وأشارَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ الماءَ انْطَبَقَ، ماءُ الأرْضِ وماءُ السَماءِ فَصارَ الكُلُّ كالبَحْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، وأيْنَ كانَ المَوْجُ كالجِبالِ عَلى هَذا؟ وكَيْفَ اسْتَقامَتْ حَياةُ مَن في السَفِينَةِ عَلى هَذا؟
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ابْنَهُ" عَلى إضافَةِ الِابْنِ إلى نُوحٍ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: هو ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّهُ ابْنُ قَرِيبٍ لَهُ، ودَعاهُ بِالبُنُوَّةِ حَنانًا مِنهُ وتَلَطُّفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "ابْنَهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهَذا عَلى لُغَةٍ لِأزْدِ السَراةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ .......................... ∗∗∗ ∗∗∗ مِطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ
وقَرَأ السُدِّيُّ "ابْناهُ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى النِداءِ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ النُدْبَةِ مَحْكِيَّةً، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (p-٥٨١)"ابْنَها"، وتَأوَّلُوا ذَلِكَ عَلى أنَّهُ دَعا ابْنَ امْرَأتِهِ الكافِرَةِ إذْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: "وَأهْلَكَ"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَدْخُلُ تَأْوِيلُ مَن قالَ: "كانَتْ خائِنَةً" فِيهِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذا بَعْدُ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "ابْنَهَ" عَلى تَقْدِيرِ "ابْنَها"، فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا وهي لُغَةٌ ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أمّا تَقُودُ بِهِ شاةً فَتَأْكُلُها ∗∗∗ ∗∗∗ أو أنْ تَبِيعَهُ في بَعْضِ الأراكِيبِ
وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ عَلى هَذا:
؎ فَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ بِلَهَفَ ولا بَلِيَتْ ولا لَوّانِي
يُرِيدُ: بِلَهَفا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وخَطَّأ النَحّاسُ أبا حاتِمٍ في حَذْفِ هَذِهِ الألِفِ ولَيْسَ كَما قالَ. وقَرَأ وكِيعُ بْنُ الجَرّاحِ: "وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ" بِضَمِّ التَنْوِينِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي لُغَةُ سُوءٍ لا تُعْرَفُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ في مَعْزِلٍ﴾ أيْ: في ناحِيَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ: في مَعْزِلٍ في الدِينِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ في مَعْزِلٍ في بُعْدِهِ عَنِ السَفِينَةِ، واللَفْظُ يَعُمُّهُما، وقالَ مَكِّيٌّ في المُشْكِلِ: ومَن قالَ: "مَعْزِلٍ" - بِكَسْرِ الزايِ- أرادَ المَوْضِعَ، ومَن قالَ: "مَعْزَلٍ" - بِفَتْحِها- أرادَ المَصْدَرَ: فَلَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّها قِراءَةٌ ولَكِنْ يَقْتَضِي ذَلِكَ لَفْظُهُ.
(p-٥٨٢)وَقَرَأ السَبْعَةُ "يا بُنَيِّ" بِكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، وهي ثَلاثُ ياءاتٍ: أُولاها ياءُ التَصْغِيرِ، وحَقُّها السُكُونُ والثانِيَةُ لامُ الفِعْلِ، وحَقُّها أنْ تُكْسَرَ بِحَسَبِ ياءِ الإضافَةِ إذْ ما قَبْلَ ياءِ الإضافَةِ مَكْسُورٌ: والثالِثَةُ: ياءُ الإضافَةِ فَحُذِفَتْ ياءُ الإضافَةِ إمّا لِسُكُونِها وسُكُونِ الراءِ، وإمّا إذْ هي بِمَثابَةِ التَنْوِينِ في الأعْلامِ وهو يُحْذَفُ في النِداءِ فَكَذَلِكَ ياءُ الإضافَةِ والحَذْفُ فِيها كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، تَقُولُ: يا غُلامِ، ويا عَبِيدِ، وتَبْقى الكِسْرَةُ دالَّةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الياءُ الساكِنَةُ في الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَدْ رَوى أبُو بَكْرٍ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ أيْضًا "يا بُنِّيَّ" بِفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ: أنَّ المُفَضَّلَ رَواها عن عاصِمٍ، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُبْدِلَ مِن ياءِ الإضافَةِ ألِفًا وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ تَقُولُ: يا غُلاما، ويا عَيْنا، فانْفَتَحَتِ الياءُ قَبْلَ الألِفِ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ اسْتِخْفافًا ولِسُكُونِها وسُكُونِ الراءِ مِن قَوْلِهِ: ارْكَبْ. والثانِي: أنَّ الياءاتِ لَمّا اجْتَمَعَتِ اسْتُثْقِلَ اجْتِماعُ المُماثَلَةِ فَخُفِّفَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالُ بِالفَتْحِ إذْ هو أخَفُّ الحَرَكاتِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وعَلى هَذا حُمِلَ قَوْلُهُ ﷺ: « "وَحِوارِيَّ الزُبَيْرُ» ".
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ في سُورَةِ لُقْمانَ: "يا بُنَيْ لا تُشْرِكْ بِاللهِ" بِحَذْفِ ياءِ الإضافَةِ ويُسَكِّنُ الياءَ خَفِيفَةً، وقَرَأ الثانِيَةَ: "يا بُنَيَّ إنَّها" كَقِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ الثالِثَةَ: "يا بُنَيْ أقِمِ" ساكِنَةً كالأُولى.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا مَحْضًا مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ كافِرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ كُفْرُهُ فَناداهُ ألّا يَبْقى- وهو مُؤْمِنٌ- مَعَ الكَفَرَةِ فَيَهْلَكَ بِهَلاكِهِمْ، والأوَّلُ أبْيَنُ.
11:43–44Страница 226
قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣
Он сказал: «Я укроюсь на горе, которая спасет меня от воды». Он сказал: «Сегодня никто не спасет от воли Аллаха, если только Он не смилостивится». Тут волна разлучила их, и он оказался в числе потопленных.
وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
И было сказано: «О земля, поглоти свою воду! О небо, перестань!». Вода спала, и свершилось веление. Ковчег пристал к аль-Джуди, и было сказано: «Да сгинут люди несправедливые!».
(p-٥٨٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنَ أمْرِ اللهِ إلا مِنَ رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ: يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ: بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾
ظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والماءَ عَلى العادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ﴾، قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ عَلى لَفْظَةِ فاعِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ يُرِيدُ: إلّا اللهُ الراحِمُ، فَـ "مَن" كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، المَعْنى: لا عاصِمَ اليَوْمَ إلّا الَّذِي رَحِمَنا فَـ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مَوْجُودٌ، لَكِنْ مَن رَحِمَ اللهُ مَوْجُودٌ، وحَسَّنَ هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، أنَّ نَفْيَ العاصِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَعْصُومِ. فَهو حاصِلٌ بِالمَعْنى. وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ النابِغَةِ:
؎ إلّا الأُوارِيَّ............. ∗∗∗.....................
ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
إذْ هَذانَ أنِيسُ ذَلِكَ المَوْضِعِ القَفْرِ، والمَعْصُومُ هُنا لَيْسَ بِعاصِمٍ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: " عاصِمٌ " مَعْناهُ: ذُو اعْتِصامٍ، فَـ " عاصِمٌ " -عَلى هَذا- في مَعْنى مَعْصُومٍ، ويَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُسْتَقِيمًا، و"مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (p-٥٨٤)﴿مِن أمْرِ اللهِ﴾، أو بِالخَيْرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ " عاصِمَ " لِأنَّهُ كانَ يَجِيءُ مُنَوَّنًا: "لا عاصِمًا اليَوْمَ"، يَرْجِعُ إلى أصْلِ النَصْبِ لِئَلّا يَرْجِعُ ثَلاثَةُ أشْياءَ واحِدًا، وإنَّما القانُونُ أنْ يَكُونَ الشَيْئانِ واحِدًا: "لا" وما عَمِلَتْ فِيهِ، ومِثالُ النَحْوِيِّينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: لا أمْرًا يَوْمَ الجُمْعَةِ لَكَ، فَإنْ أعْمَلْتَ في يَوْمٍ لَكَ قُلْتَ: لا أمْرَ.
و"بَيْنَهُما" يُرِيدُ:: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ، فَكانَ الِابْنُ مِمَّنْ غَرِقَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ الآيَةُ، بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَعْظِيمِ والجَبَرُوتِ، وكَذَلِكَ بِناءُ الأفْعالِ -بَعْدَ ذَلِكَ- في سائِرِ الآيَةِ ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، و"البَلْعُ" هو تَجَرُّعُ الشَيْءِ وازْدِرادُهُ، فَشَبَّهَ قَبْضَ الأرْضِ لِلْماءِ وتَسَرُّبَهُ فِيها بِذَلِكَ، وأُمِرَتْ بِالتَشْبِيهِ وأضافَ الماءَ إلَيْها إذْ هُو عَلَيْها وحاصِلٌ فِيها، و"السَماءُ" في هَذِهِ الآيَةِ، إمّا السَماءُ المُظِلَّةُ، وإمّا السُحُبُ، و"الإقْلاعُ" عَنِ الشَيْءِ تَرْكُهُ، والمَعْنى: أقْلِعِي عَنِ الإمْطارِ، وغِيضَ مَعْناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ فِيما هو بِمَعْنى جُفُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ [الرعد: ٨]، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الحَيْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعَفُرَ:
؎ ......................... ∗∗∗ ∗∗∗ ما غِيضَ مِن بَصَرِي ومِن أجْلادِي
(p-٥٨٥)وَذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ الهَرَمَ إنَّما تَنَقُّصُهُ بِجُفُوفٍ وقَضافَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ القِصَّةِ:
بَعْثُ الماءِ وإهْلاكُ الأُمَمِ وإنْجاءُ أهْلِ السَفِينَةِ. ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ رَكِبَ في السَفِينَةِ مِن عَيْنِ ورْدَةَ بِالشامِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وقِيلَ: في العاشِرِ مِنهُ، وقِيلَ: في الخامِسَ عَشَرَ، وقِيلَ: في السابِعَ عَشَرَ، واسْتَوَتِ السَفِينَةُ في ذِي الحِجَّةِ، وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وقِيلَ: لَهُ: اهْبِطْ في يَوْمِ عاشُوراءَ فَصامَهُ وصامَهُ مَن مَعَهُ مِن ناسٍ ووُحُوشٍ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ما يَقْتَضِي أنَّهُ أقامَ عَلى الماءِ نَحْوَ السَنَةِ، وذَكَرَ أيْضًا حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أنَّ نُوحًا رَكِبَ في السَفِينَةِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وصامَ الشَهْرَ أجْمَعَ، وجَرَتْ بِهِمُ السَفِينَةُ إلى يَوْمِ عاشُوراءَ، فَفِيهِ أرْسَتْ عَلى الجُودِيِّ، فَصامَهُ نُوحٌ ومَن مَعَهُ"».
ورُوِيَ أنَّ نُوحًا لَمّا طالَ مُقامُهُ عَلى الماءِ بَعَثَ الغُرابَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ فَوَجَدَ جِيفَةً طافِيَةً فَبَقِيَ عَلَيْها فَلَمْ يَرْجِعْ بِخَبَرٍ، فَدَعا عَلَيْهِ نُوحٌ فاسْوَدَّ لَوْنُهُ وخُوِّفَ مِنَ الناسِ، فَهو لِذَلِكَ مُسْتَوْحَشٌ، ثُمَّ بَعَثَ نُوحٌ الحَمامَ فَجاءَتْهُ بِوَرَقِ زَيْتُونَةٍ في فَمِها ولَمْ تَجِدْ تُرابًا تَضَعُ رِجْلَيْها عَلَيْهِ، فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ بَعَثَها فَوَجَدَتِ الماءَ قَدِ انْحَسَرَ عن مَوْضِعِ الكَعْبَةِ، وهي أوَّلُ بُقْعَةٍ انْحَسَرَ الماءُ عنها، فَمَسَّتِ الطِينَ بِرِجْلَيْها وجاءَتْهُ، فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ أخَذَ في النُضُوبِ، ودَعا لَها فَطُوِّقَتْ وأنْسِتْ. فَهي لِذَلِكَ تَأْلَفُ الناسَ ثُمَّ أوحى اللهُ إلى الجِبالِ أنَّ السَفِينَةَ تَرْسِي عَلى واحِدٍ مِنها فَتَطاوَلَتْ كُلُّها وبَقِيَ الجُودِيُّ- وهو جَبَلٌ بِالمُوصِلِ في ناحِيَةِ الجَزِيرَةِ- لَمْ يَتَطاوَلْ تَواضُعًا لِلَّهِ، فاسْتَوَتِ السَفِينَةُ بِأمْرِ اللهِ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ عَلَيْهِ أعْوادُها، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: "لَقَدْ بَقِيَ مِنها شَيْءٌ أدْرَكَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ"». وقالَ (p-٥٨٦)الزَجّاجُ: الجُودِيُّ هو بِناحِيَةِ آمِدَ.
وقالَ قَوْمٌ: هو عِنْدَ باقِرْدى. ورُوِيَ أنَّ السَفِينَةَ لَمّا اسْتَقَلَّتْ مِن عَيْنِ ورْدَةَ جَرَتْ حَتّى جاءَتِ الكَعْبَةَ فَوَجَدْتَها قَدْ نَشَزَتْ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَنَلْها غَرَقٌ فَطافَتْ بِها أُسْبُوعًا ثُمَّ مَضَتْ إلى اليَمَنِ ورَجَعَتْ إلى الجُودِيِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَصَصُ في هَذِهِ المَعانِي كَثِيرٌ صَعْبٌ أنْ يُسْتَوْفى، فَأشَرْتُ مِنهُ إلى نُبَذٍ ويَدْخُلُهُ الِاخْتِلافُ كَما تَرى في أمْرِ الكَعْبَةِ واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ. واسْتَوَتْ مَعْناهُ: تَمَكَّنَتْ واسْتَقَرَّتْ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلى الجُودِيِّ" بِكَسْرِ الياءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "عَلى الجُودِي" بِسُكُونِ الياءِ، وهُما لُغَتانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى عَطْفًا عَلى "وَقِيلَ" الأوَّلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْلَغُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии