Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Юсуф 12:21–29
12:21–22Страница 237
وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١
Тот житель Египта, который купил Йусуфа (Иосифа), сказал своей жене: «Относись к нему хорошо. Быть может, он принесет нам пользу, или же мы усыновим его». Так Мы утвердили Йусуфа (Иосифа) на земле и научили его толкованию снов. Аллах властен вершить Свои дела, однако большинство людей не ведает об этом.
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢
Когда Йусуф (Иосиф) достиг зрелого возраста, Мы даровали ему умение принимать решения и знание. Так Мы вознаграждаем творящих добро.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾
رُوِيَ أنَّ مُبْتاعَ يُوسُفَ -وَهُوَ الوارِدُ مِن إخْوَتِهِ أوِ التاجِرُ مِنَ الوُرّادِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ- ورَدَ بِهِ مِصْرَ -البَلَدَ المَعْرُوفَ ولِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ- فَعَرَضَهُ في السُوقِ، وكانَ أجْمَلَ الناسِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ مُزايَدَةٌ حَتّى بَلَغَ ثَمَنًا عَظِيمًا، فَقِيلَ: وزْنُهُ مِن ذَهَبٍ، ومِن فِضَّةِ، ومِن حَرِيرٍ. فاشْتَراهُ العَزِيزُ وكانَ حاجِبُ المَلِكِ وخازِنُهُ، واسْمُ المَلِكِ الرَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ، وهو أحَدُ الفَراعِنَةِ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ مُوسى عُمِّرَ إلى زَمانِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، وذَلِكَ أنَّ ظُهُورَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ في مُدَّةِ كافِرٍ يَخْدُمُهُ يُوسُفُ. واسْمُ العَزِيزِ المَذْكُورِ: قَطْفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: أطْفِيرُ، وقِيلَ: قَنْطُورُ، واسْمُ امْرَأتِهِ: راعِيلُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقِيلَ: رَبِيحَةُ، وقِيلَ: زُلَيْخا، وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الصَنَمِ في بَيْتِهِ -حَسْبَما نَذْكُرُهُ في (p-٦٢)البُرْهانِ الَّذِي رَأى يُوسُفُ - وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ العَزِيزُ مُسْلِمًا. والمَثْوى: مَكانُ الإقامَةِ، و الإكْرامُ إنَّما هو لِذِي المَثْوى، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾، أيْ: بِأنْ يُعِينَنا في أبْوابِ دُنْيانا وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ النَفْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ نَتَبَنّاهُ، وكانَ -فِيما يُقالُ- لا ولَدَ لَهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: "وَكَذَلِكَ"، أيْ: كَما وصَفْنا ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ، و"الأحادِيثُ": الرُؤْيا في النَوْمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أحادِيثُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ. والضَمِيرُ في "أمْرِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى يُوسُفَ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ إخْبارًا مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ في شَأْنِ يُوسُفَ خاصَّةً بَلْ عامًّا في كُلِّ أمْرٍ، وكَذَلِكَ الِاحْتِمالُ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ رَأيْتُ أبا بَكْرٍ - ورَبُّكَ غالِبٌ ∗∗∗ عَلى أمْرِهِ- يَبْغِي الخِلافَةَ بِالتَمْرِ
وأكْثَرُ الناسِ الَّذِينَ نُفِيَ عنهُمُ العِلْمُ هُمُ الكَفَرَةُ، وفِيهِمُ الَّذِينَ زَهِدُوا في يُوسُفَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ جَهِلَ أمْرَهُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: أصَحُّ الناسِ فِراسَةً ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ قالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾، وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ: ﴿اسْتَأْجِرْهُ، إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ-.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِراسَةُ العَزِيزِ إنَّما كانَتْ في نَفْسِ نَجابَةِ يُوسُفَ، لا أنَّهُ تَفَرَّسَ الَّذِي كانَ كَما في المِثالَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَإنَّ ما تَفَرَّسَ خَرَجَ بِعَيْنِهِ.
(p-٦٣)و الأشُدُّ: اسْتِكْمالُ القُوَّةِ وتَناهِي البَأْسِ، وهُما أشُدّانِ: أوَّلُهُما البُلُوغُ، وقَدْ عَبَّرَ عنهُ مالِكٌ ورَبِيعَةُ بِأشُدٍّ، وذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والثانِي الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، وقِيلَ: هو مِن ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ إلى سِتِّينَ سَنَةٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الأشَدُّ: بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: بَلْ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ،وَهَذا هو أظْهَرُ الأقْوالِ فِيما نَحْسَبُهُ، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً، وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشُدُّ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الأشُدُّ: جَمَعَ شِدَّةٍ نَحْوُ نِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، وقالَ الكِسائِيُّ: أشُدُّ جَمْعُ شَدٍّ نَحْوُ قَدٍّ وأقُدٍّ، وشَدُّ النَهارِ: مُعْظَمُهُ وحَيْثُ تُسْتَكْمَلُ نَهارِيَّتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حُكْمًا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الحِكْمَةَ والنُبُوءَةَ، وهَذا عَلى الأشُدِّ الأعْلى، ويُحْتَمَلُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ دُونَ النُبُوَّةِ، وهَذا أشْبَهُ إنْ كانَتْ قِصَّةُ المُراوَدَةِ بَعْدَ هَذا. "وَعِلْمًا" يُرِيدُ تَأْوِيلَ الأحادِيثِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "حُكْمًا" أيْ سَلَّطانا في الدُنْيا وحُكْمًا بَيْنَ الناسِ بِالحَقِّ، وتَدْخُلُ النُبُوَّةُ وتَأْوِيلُ الأحادِيثِ وغَيْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "وَعِلْمًا".
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ألْفاظٌ فِيها وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلا يَهُولَنَّكَ فِعْلُ الكَفَرَةِ بِكَ وعُتُوُّهم عَلَيْكَ، فاللهُ تَعالى يَصْنَعُ لِلْمُحْسِنِينَ أجْمَلَ صُنْعٍ.
12:23–25Страница 238
وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
Женщина, в доме которой он жил, стала соблазнять его, заперла двери и сказала: «Иди ко мне». Он сказал: «Упаси Аллах! Ведь он - мой господин, обеспечивший мне прекрасную жизнь. Воистину, беззаконники не преуспеют».
وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤
Она возжелала его, и он возжелал бы ее, если бы не увидел знамение своего Господа. Так Мы отвратили от него зло и мерзость. Воистину, он был из числа Наших избранных (или искренних) рабов.
وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥
Они бросились к двери, пытаясь опередить друг друга, и она порвала его рубаху со спины. У двери они встретили ее господина. Она сказала: «Как иначе можно покарать того, кто хотел причинить зло твоей жене, если не заточить его в темницу или не подвергнуть мучительным страданиям?!».
(p-٦٤)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عن نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عنهُ السُوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابَ قالَتْ ما جَزاءُ مِن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ ألِيمٌ﴾
المُراوَدَةُ: المُلاطَفَةُ في السُوقِ إلى غَرَضٍ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ هَذِهِ اللَفْظَةِ إنَّما هو في هَذا المَعْنى الَّذِي هو بَيْنَ الرِجالِ والنِساءِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن "رادَ يَرُودُ" إذا تَقَدَّمَ لِاخْتِبارِ الأرْضِ والمَراعِي، فَكَأنَّ المُراوِدَ يَخْتَبِرُ أبَدًا بِأقْوالِهِ وتَلَطُّفِهِ حالَ المُراوَدِ مِنَ الإجابَةِ أوِ الِامْتِناعِ.
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَقَرَعَتِ الأبْوابَ"، وكَذَلِكَ رُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، والَّتِي هو في بَيْتِها هي زُلَيْخا امْرَأةُ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: "عن نَفْسِهِ" كِنايَةٌ عن غَرَضِ المُواقَعَةِ، وقَوْلُهُ: "وَغَلَّقَتِ" تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ. وظاهِرُ هَذِهِ النازِلَةِ أنَّها كانَتْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: "هَيْتُ" بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو الأسْوَدِ، وعِيسى بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والبَصْرِيُّونَ: "هَيْتَ" بِفَتْحِ الهاءِ والتاءِ وسُكُونِ الياءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأبِي عَمْرٍو، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَعْرِفُ أهْلُ البَصْرَةِ غَيْرَها، وهم أقَلُّ الناسِ غُلُوًّا في القِراءَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقَدْ رُوِيَتْ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "هِيتَ" بِكَسْرِ الهاءِ، وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ التاءِ وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهَذِهِ الأرْبَعُ بِمَعْنًى واحِدٍ واخْتَلَفَتْ بِاخْتِلافِ اللُغاتِ فِيها، (p-٦٥)وَمَعْناهُ: الدُعاءُ، أيْ: تَعالَ وأقْبِلْ عَلى هَذا الأمْرِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناها: هَلُمَّ، ويَحْسُنُ أنْ تَتَّصِلَ بِها "لَكَ" إذْ حَلَّتْ مَحَلَّ قَوْلِها: إقْبالًا أو قُرْبًا، فَجَرَتْ مَجْرى "سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ يُخاطِبُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ:
؎ أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِيـ...... ـنَ أخا العِراقِ إذا أتَيْنا
؎ إنَّ العِراقَ وأهْلَهَ ∗∗∗ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتًا
ومِن ذَلِكَ عَلى اللُغَةِ الأُخْرى قَوْلُ طُرْفَةَ:
؎ لَيْسَ قَوْمِي بِالأبْعَدِينَ إذا ما ∗∗∗ ∗∗∗ قالَ داعٍ مِنَ العَشِيرَةِ هَيْتُ
ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ قَدْ رابَنِي أنَّ الكِرى أسْكَتا ∗∗∗ ∗∗∗ ولَوْ غَدا يُعْنى بِنا لَهَيَّتا
أسْكَتَ: دَخَلَ في السُكُوتِ، و "هَيَّتَ" مَعْناهُ: قالَ: هَيْتَ، كَما قالُوا: أفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ أُفٍّ، ومِنهُ: سَبَّحَ وكَبَّرَ ودَعْدَعَ إذا قالَ: داعَ داعَ.
والتاءُ عَلى هَذِهِ اللُغاتِ كُلِّها مَبْنِيَّةٌ، فَهي في حالِ الرَفْعِ مِثْلَ قَبْلُ وبَعْدُ، وفي الكَسْرِ عَلى البابِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وفي حالِ النَصْبِ كَكَيْفَ ونَحْوِها قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (p-٦٦)و"هَيْتَ" لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَيْتَ لَكَ، وهَيْتَ لَكُما، وهَيْتَ لَكم.
وقَرَأ هِشامُ ابْنُ عامِرٍ: "هِئِتُ" بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزِ وضَمِّ التاءِ. وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي وائِلٍ، وأبِي رَجاءَ، ويَحْيى، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن: "هاءَ الرَجُلُ يَهِيءُ" إذا أحْسَنَ هَيْئَتَهُ عَلى مِثالِ: "جاءَ يَجِيءُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَهَيَّأْتُ، كَما يُقالُ: "فِئْتُ وتَفَيَّأْتُ" بِمَعْنىً واحِدٍ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨]، وقالَ: ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩].
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا هَكَذا إلّا أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "هُيِّئْتُ لَكَ"، وقَرَأ الحُلْوانِيُّ عن هِشامٍ: "هِئِتَ" بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزِ وفَتْحِ التاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ وهْمٌ، لِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ: "هِئِتَ لِي" وسِياقُ الآياتِ يُخالِفُ هَذا، وحَكى النَحّاسُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "هِيتِ" بِكَسْرِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ.
و"مَعاذَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ومَعْنى الكَلامِ: أعُوذُ بِاللهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ رَبِّي﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العَزِيزَ سَيِّدَهُ، أيْ: فَلا يَصْلُحُ لِي أنْ أخُونَهُ وقَدْ أكْرَمَ مَثْوايَ وائْتَمَنَنِي. قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُ: "رَبِّي" مَعْناهُ: سَيِّدِي، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإذا حَفِظَ الآدَمِيَّ لِإحْسانِهِ فَهو عَمَلٌ زاكٍ وأحْرى أنْ يَحْفَظَ رَبَّهُ.
(p-٦٧)وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْأمْرِ والشَأْنِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ مُرادٌ بِهِ الأمْرُ والشَأْنُ فَقَطْ.
وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿مَعاذَ اللهِ﴾ ثُمَّ دافَعَ الأمْرَ بِاحْتِجاجٍ ومُلايَنَةٍ امْتَحَنَهُ اللهُ تَعالى بِالهَمِّ بِما هَمَّ بِهِ، ولَوْ قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ" ودافَعَ بِعُنْفٍ، وبِغَيْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما ابْتُلِيَ بِالمَكْرُوهِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مَثْوَيَّ"، وكَذا قَرَأها أبُو طُفَيْلٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨].
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ الآيَةُ. لا شَكَّ أنَّ هَمَّ زُلَيْخا كانَ في أنْ يُواقِعَها يُوسُفُ، واخْتُلِفَ في هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ مِثْلَ هَمِّها، واخْتَلَفُوا كَيْفَ يَقَعُ مِن مِثْلِ يُوسُفَ وهو نَبِيُّ؟ فَقِيلَ: ذَلِكَ لِيُرِيَهُ اللهُ تَعالى مَوْقِعَ العَفْوَ والكِفايَةَ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِثالًا لِلْمُذْنِبِينَ لِيَرَوْا أنَّ تَوْبَتَهم تَرْجِعُ بِهِمْ إلى عَفْوِ اللهِ كَما رَجَعَتْ بِمَن هو خَيْرٌ مِنهم ولَمْ يُوبِقْهُ القُرْبُ مِنَ الذَنْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ عَلى أنَّ هَمَّ يُوسُفَ بَلَغَ -فِيما رَوَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ- إلى أنْ جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْ زُلَيْخا وأخَذَ في حَلِّ ثِيابِهِ وتِكَّتِهِ ونَحْوِ هَذا، وهي قَدِ اسْتَلْقَتْ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَمِّهِ: إنَّما كانَ بِخَطِراتِ القَلْبِ الَّتِي لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى التَحَفُّظِ مِنها، ونَزَعَ عِنْدَ ذَلِكَ ولَمْ يَتَجاوَزْهُ، فَلا يَبْعُدُ هَذا عَلى مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ "حَسَنَةٌ"، فَقَدْ يَدْخُلُ يُوسُفُ في هَذا الصِنْفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَمُّ يُوسُفَ بِضَرْبِها ونَحْوِ ذَلِكَ.
(p-٦٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ البَتَّةَ.
والَّذِي أقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كَوْنَ يُوسُفَ نَبِيًّا في وقْتِ هَذِهِ النازِلَةِ لَمْ يَصِحْ ولا تَظاهَرَتْ بِهِ رِوايَةٌ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَهو مُؤْمِنٌ قَدْ أُوتِيَ حُكْمًا وعِلْمًا ويَجُوزُ عَلَيْهِ الهَمُّ الَّذِي هو إرادَةُ الشَيْءِ دُونَ مُواقَعَتِهِ، وأنْ يَسْتَصْحِبَ الخاطِرَ الرَدِيءَ عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الخَطِيئَةِ، وإنْ فَرَضْناهُ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ عِنْدِي إلّا الهَمُّ الَّذِي هو الخاطِرُ، ولا يَصِحُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ مِن حَلِّ تِكَّةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العِصْمَةَ مَعَ النُبُوَّةِ، وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لَهُ: "تَكُونُ في دِيوانِ الأنْبِياءِ وتَفْعَلُ فِعْلَ السُفَهاءِ؟!" فَإنَّما مَعْناهُ العِدَةُ بِالنُبُوَّةِ فِيما بَعْدُ، ولِلْهَمِّ بِالشَيْءِ مَرْتَبَتانِ: فالأُولى تَجُوزُ عَلَيْهِ مَعَ النُبُوَّةِ، والثانِيَةُ الكُبْرى لا تَقَعُ إلّا مِن غَيْرِ نَبِيٍّ؛ لِأنَّ اسْتِصْحابَ خاطِرِ المَعْصِيَةِ والتَلَذُّذُ بِهِ مَعْصِيَةٌ في نَفْسِها تُكْتَبُ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ اللهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسُهم ما لَمْ تَنْطِقْ بِهِ أو تَعْمَلْ"» مَعْناهُ: مِنَ الخَواطِرِ، وأمّا اسْتِصْحابُ الخاطِرِ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ مُباحًا، فَإنْ وقَعَ فَهو خَطِيئَةٌ مِنَ الخَطايا، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَمُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ الَّتِي فِيها الخاطِرُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ اسْتِصْحابَ الخاطِرِ مَعْصِيَةٌ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ"،» وقَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الشَرْعِ، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ أنَّ الهَمَّ بِالمَعْصِيَةِ واسْتِصْحابَ التَلَذُّذِ بِها غَيْرُ جائِزٍ ولا داخِلٍ في التَجاوُزِ.
واخْتُلِفَ في البُرْهانِ الَّذِي رَأى يُوسُفُ، وقِيلَ: نُودِيَ. واخْتُلِفَ فِيما نُودِيَ بِهِ فَقِيلَ: ناداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ: يا يُوسُفُ، تَكُونُ في دِيوانِ الأنْبِياءِ وتَفْعَلُ فِعْلَ (p-٦٩)السُفَهاءِ؟! وقِيلَ: نُودِيَ: يا يُوسُفُ، لا تُواقِعِ المَعْصِيَةَ فَتَكُونَ كالطائِرِ الَّذِي عَصى فَتَساقَطَ رِيشُهُ فَبَقِيَ مُلْقًى، ناداهُ بِذَلِكَ يَعْقُوبُ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا في مَعْناهُ. وقِيلَ: كانَ البُرْهانُ كِتابًا رَآهُ مَكْتُوبًا، فَقِيلَ: في جِدارِ المَجْلِسِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: بَيْنَ عَيْنَيْ زُلَيْخا، وقِيلَ: في كَفٍّ مِنَ الأرْضِ خَرَجَتْ دُونَ جَسَدٍ، واخْتُلِفَ في المَكْتُوبِ؛ فَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا. وقِيلَ: كانَ البُرْهانُ أنْ رَأى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ مُمَثَّلًا مَعَهُ في البَيْتِ عاضًّا عَلى إبْهامِهِ، وقِيلَ: عَلى شَفَتِهِ، وقِيلَ: بَلِ انْفَرَجَ السَقْفُ فَرَآهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُ: لَئِنْ واقَعْتَ المَعْصِيَةَ لَأمْحُوَنَّكَ مِن دِيوانِ النُبُوَّةِ. وقِيلَ: إنْ جِبْرِيلَ رَكَضَهُ بِرِجْلِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ عَلى أنامِلِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ.
وقِيلَ: بَلْ كانَ البُرْهانُ فِكْرَتَهُ في عَذابِ اللهِ ووَعِيدِهِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ البُرْهانُ الَّذِي اتَّعَظَ بِهِ أنَّ زُلَيْخا قالَتْ لَهُ: مَكانَكَ حَتّى أسْتُرَ هَذا الصَنَمَ -لِصَنَمٍ كانَ مَعَها في البَيْتِ- فَإنِّي أسْتَحْيِي مِنهُ أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ الحالِ، وقامَتْ إلَيْهِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فاتَّعَظَ يُوسُفُ وقالَ: مَن يَسْتُرُنِي أنا مِنَ اللهِ القائِمِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟! وإذا كُنْتِ أنْتِ تَفْعَلِينَ هَذا لِما لا يَعْقِلُ فَإنِّي أولى أنْ أسْتَحْيِيَ مِنَ اللهِ.
والبُرْهانُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُعْطِي القَطْعَ واليَقِينَ لِأنَّهُ مِمّا يُعْلَمُ ضَرُورَةً أو بِخَبَرٍ قَطْعِيٍّ أو بِقِياسٍ نَظَرِيٍّ، فَهَذِهِ الَّتِي رُوِيَتْ فِيما رَآهُ يُوسُفُ بَراهِينُ.
و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ رَأى﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَقْدِيرُ: لَوْلا رُؤْيَتُهُ بُرْهانَ رَبِّهِ، وهَذِهِ "لَوْلا" الَّتِي يُحْذَفُ مَعَها الخَبَرُ، تَقْدِيرُهُ: لَفَعَلَ أو لارْتَكَبَ المَعْصِيَةَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾، وأنَّ جَوابَ "لَوْلا" في قَوْلِهِ: ﴿وَهَمَّ بِها﴾، وأنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ رَأى البُرْهانَ لَهَمَّ، أيْ: فَلَمْ يَهُمَّ عَلَيْهِ (p-٧٠)السَلامُ، وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ وأقْوالُ السَلَفِ، قالَ الزَجّاجُ: ولَوْ كانَ الكَلامُ: "وَلَهَمَّ بِها لَوْلا" لَكانَ بَعِيدًا، فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللامِ؟
والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ: عِصْمَتُنا لَهُ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِنَصْرِفَ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيَصْرِفَ" بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.
(p-٧١)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ في كُلِّ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ "مُخْلِصًا" في سُورَةِ مَرْيَمَ، وقَرَأ نافِعٌ "مُخْلِصًا" كَذَلِكَ بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ سائِرَ القُرْآنِ "المُخَلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وجُمْهُورٌ مِنَ القُرّاءِ "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، و”مُخْلَصًا" كَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ الآيَةُ. "واسْتَبَقا" مَعْناهُ: سابَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ إلى البابِ؛ هي لِتَرُدَّهُ إلى نَفْسِها، وهو لِيَهْرُبَ عنها، فَقَبَضَتْ في أعْلى قَمِيصِهِ مِن خَلْفِهِ، فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ عِنْدَ طَوْقِهِ، ونَزَلَ التَخْرِيقُ إلى أسْفَلِ القَمِيصِ و”القَدُّ": القَطْعُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ طُولًا، والقَطُّ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وكَذَلِكَ هي اللَفْظَةُ في قَوْلِ النابِغَةِ:
؎ تَقُدُّ السَلُوقِيَّ ∗∗∗.......... [...................
فَإنَّ قَوْلَهُ: "تُوقِدُ بِالصُفّاحِ" يَقْتَضِي أنَّ القَطْعَ بِالطُولِ.
و”ألْفَيا": وجَدا، والسَيِّدُ: الزَوْجُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ومُجاهِدٌ. فَيُرْوى أنَّهُما وجَدا العَزِيزَ ورَجُلًا مِن قَرابَةِ زُلَيْخا عِنْدَ البابِ الَّذِي اسْتَبَقا إلَيْهِ، قالَهُ السُدِّيُّ، فَلَمّا رَأتِ الفَضِيحَةَ فَزِعَتْ إلى مُطالَبَةِ يُوسُفَ والبَغْيِ عَلَيْهِ، فَأرَتِ العَزِيزَ أنْ يُوسُفَ أرادَها، وقالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وتَكَلَّمَتْ في الجَزاءِ، أيْ أنَّ الذَنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ.
(p-٧٢)وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ مَوْقِعِ السِجْنِ مِنَ النُفُوسِ لا سِيَّما بِذَوِي الأقْدارِ؛ إذْ قَدْ قُرِنَ بِألِيمِ العَذابِ.
12:26–29Страница 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
Он сказал: «Это она пыталась соблазнить меня». А свидетель из ее семьи сказал: «Если его рубаха разорвана спереди, то она говорит правду, а он - один из тех, кто лжет.
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
А если его рубаха разорвана со спины, то она лжет, а он - один из тех, кто говорит правду».
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨
Увидев, что его рубаха разорвана со спины, он сказал: «Воистину, все это - ваши женские козни. Воистину, ваши козни велики!
يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩
Йусуф (Иосиф), забудь об этом! А ты проси прощения за свое прегрешение, ибо ты совершила грех».
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عن نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِن الكاذِبِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِن الصادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدِكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عن هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
قالَ نُوفٌ الشامِيُّ: كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُبِنْ عَلى كَشْفِ القِصَّةِ، فَلَمّا بَغَتْ عَلَيْهِ غَضِبَ فَقالَ الحَقَّ، فَأخْبَرَهُ أنَّها هي راوَدَتْهُ عن نَفْسِهِ، فَرُوِيَ أنَّ الشاهِدَ كانَ الرَجُلَ ابْنَ عَمِّها، قالَ: انْظُرْ إلى القَمِيصِ، فَإنْ كانَ قَدُّهُ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ، أو مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رَجُلًا مِن خاصَّةِ المَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: إنَّ الشاهِدَ كانَ طِفْلًا في المَهْدِ فَتَكَلَّمَ بِهَذا، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والضَحّاكُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِمّا يُضْعِفُ هَذا أنَّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ: « "لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجَ، وابْنُ السَوْداءِ الَّذِي تَمَنَّتْ لَهُ أنْ يَكُونَ كالفاجِرِ الجَبّارِ"،» فَقالَ: "لَمْ يَتَكَلَّمْ"، وأسْقَطَ صاحِبَ يُوسُفَ مِنها، ومِنها أنَّ الصَبِيَّ لَوْ تَكَلَّمَ لَكانَ الدَلِيلُ نَفْسَ كَلامِهِ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالقَمِيصِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "تَكَلَّمَ في المَهْدِ أرْبَعَةٌ"» فَذَكَرَ الثَلاثَةَ وزادَ صاحِبَ يُوسُفَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ ابْنَ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَهم -عَلى هَذا- خَمْسَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الشاهِدُ القَمِيصُ.
(p-٧٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مِنَ الأهْلِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِن قُبُلٍ" و”مِن دُبُرٍ" بِضَمِّ الباءَيْنِ وبِالتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ، والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ، ونُوحٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِن قُبُلُ" و”مِن دُبُرُ" بِثَلاثِ ضَمّاتٍ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هُما غايَتانِ بُنِيَتا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ جِدًّا، وإنَّما يَقَعُ هَذا البِناءُ في الظُرُوفِ، وقَرَأ الحَسَنُ "مِن قَبْلٍ" و”مِن دُبْرٍ" بِإسْكانِ الباءَيْنِ والتَنْوِينِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عن نُوحٍ القارِّيِّ أنَّهُ أسْكَنَ الباءَيْنِ وضَمَّ الأواخِرَ ولَمْ يُنَوِّنْ، ورَواها عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ عن يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.
وسُمِّيَ المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ شاهِدًا مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشاهِدِ، ونَفْسُ الشاهِدِ هو تَخْرِيقُ القَمِيصِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ عُطَّ مِن دُبُرٍ". والضَمِيرُ في "رَأى" هو لِلْعَزِيزِ، وهو القائِلُ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وقِيلَ: بَلِ الشاهِدُ قالَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "إنَّهُ" يُرِيدُ مَقالَها المُتَقَدِّمَ في الشَكْوى بِيُوسُفَ.
ونَزَعَ لِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى الحُكْمَ بِالأمارَةِ مِنَ العُلَماءِ؛ فَإنَّها مُعْتَمَدُهُمْ، (p-٧٤)و" يُوسُفُ " في قَوْلِهِ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عن هَذا﴾ مُنادًى -قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - ناداهُ الشاهِدُ، وهو الرَجُلُ الَّذِي كانَ مَعَ العَزِيزِ و﴿أعْرِضْ عن هَذا﴾ مَعْناهُ: عَنِ الكَلامِ بِهِ، أيِ اكْتُمْهُ ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْها فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أيِ: اسْتَغْفِرِي زَوْجَكِ وسَيِّدَكِ، وقالَ: ﴿مِنَ الخاطِئِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "مِنَ الخاطِئاتِ" لِأنَّ الخاطِئِينَ أعَمُّ، وهو مِن: خَطِئَ يَخْطَأُ خَطْأً وخَطَأً، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّما خَطَئِي وصَوْبِي ∗∗∗ عَلَيَّ، وإنَّما أتْلَفْتُ مالِيَ
ويُنْشِدُ بَيْتَ أُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии