Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Юсуф 12:39–50
12:39–42Страница 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩
О мои товарищи по темнице! Множество различных богов лучше или же Аллах, Единственный, Могущественный?
مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠
Помимо Него вы поклоняетесь лишь именам, которые придумали вы и ваши отцы. Аллах не ниспослал о них никакого доказательства. Решение принимает только Аллах. Он повелел, чтобы вы не поклонялись никому, кроме Него. Это и есть правая вера, но большая часть людей не знает этого.
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١
О мои товарищи по темнице! Один из вас будет разливать вино для своего господина, а другой будет распят, и птицы будут клевать с его головы. Дело, о котором вы спрашивали, уже предрешено».
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢
Он попросил того, который, по его предположению, должен был спастись: «Напомни обо мне твоему господину». Но дьявол побудил его позабыть напомнить это его господину (или дьявол побудил Йусуфа забыть помянуть своего Господа), и он пробыл в темнице несколько лет.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ ﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
وصْفُهُ لَهُما بِـ ﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ﴾ هُوَ: إمّا عَلى أنَّ نَسَبَهُما بِصُحْبَتِهِما لِلسِّجْنِ مِن حَيْثُ سَكَناهُ، كَما قالَ تَعالى: " أصْحابُ الجَنَّةِ "، و " أصْحابِ الجَحِيمِ "، ونَحْوَ هَذا، وإمّا أنْ يُرِيدَ صُحْبَتَهُما لَهُ في السِجْنِ، فَأضافَهُما إلى السَجْنِ بِذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: يا صاحِبَيَّ في السِجْنِ، وهَذا كَما قِيلَ في الكُفّارِ: إنَّ الأصْنامَ شُرَكاؤُهم. وعَرَضَهُ عَلَيْهِما بِطُولِ أمْرِ الأوثانِ بِأنْ وصَفَها بِالتَفَرُّقِ، ووَصَفَ اللهَ تَعالى بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ (p-٩٠)تَلَطُّفٌ حَسَنٌ وأخْذٌ بِيَسِيرِ الحُجَّةِ قَبْلَ كَثِيرِها الَّذِي رُبَّما نَفَرَتْ مِنهُ طِباعُ الجاهِلِ وعانَدَتْهُ، وهَكَذا الوَجْهُ في مُحاجَّةِ الجاهِلِ، أنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجاجِ يَقْبَلُها، فَإذا قَبِلَها لَزِمَتْهُ عنها دَرَجَةٌ أُخْرى فَوْقَها، ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا حَتّى يَصِلَ إلى الحَقِّ، وإنَّ أخْذَ الجاهِلِ بِجَمِيعِ المَذْهَبِ الَّذِي يُساقُ إلَيْهِ دَفْعَةً أباهُ لِلْحِينِ وعانَدَهُ، وقَدِ ابْتُلِيَ بِأرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ مَن يَخْدِمُ أبْناءَ الدُنْيا ويُؤَمِّلُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا أسْماءً﴾، ذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ أوقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ الأسْماءَ عَلى المُسَمَّياتِ وعَبَّرَ عنها بِها إذْ هي ذَواتُ أسْماءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاسْمُ الَّذِي هُوَ: (ألِفٌ وسِينٌ ومِيمٌ) قَدْ يَجْرِي في اللُغَةِ مَجْرى النَفْسِ والذاتِ والعَيْنِ، فَإنْ حَمَلْتَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ صَحَّ المَعْنى، ولَيْسَ الِاسْمُ -عَلى هَذا- بِمَنزِلَةِ التَسْمِيَةِ الَّتِي هِيَ: رَجُلٌ وحَجَرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الأسْماءِ الَّتِي في الآيَةِ أسْماءَ الأصْنامِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ اللاتِ والعُزّى ونَحْوِ ذَلِكَ مِن تَسْمِيَتِها آلِهَةً، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا ذَواتَ أسْماءٍ، وحَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ. ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الراجِحُ المُخْتارُ إنْ شاءَ اللهُ- أنْ يُرِيدَ: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ أُلُوهِيَّةً، ولا لَكم تَعَلُّقٌ بِإلَهٍ إلّا بِحَسْبَ أنْ سَمَّيْتُمْ أصْنامَكم آلِهَةً، فَلَيْسَتْ عِبادَتُكم لِإلَهٍ إلّا بِاسْمٍ فَقَطْ لا بِالحَقِيقَةِ، وأمّا الحَقِيقَةُ فَهي وسائِرُ الحِجارَةِ والخَشَبِ سَواءٌ، فَإنَّما تَعَلَّقَتْ عِبادَتُكم بِحَسْبَ الِاسْمِ الَّذِي وضَعْتُمْ، فَذَلِكَ هو مَعْبُودُكم إذا حَصَلَ أمْرُكُمْ، فَعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِاللَفْظِ المَسْرُودِ في الآيَةِ. ومِن هَذِهِ الآيَةِ وهِمَ مَن قالَ: (فِي قَوْلِنا: رَجُلٌ وحَجَرٌ) إنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى في كُلِّ حالٍ، وقَدْ بانَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ في صَدْرِ التَعْلِيقِ.
ومَفْعُولُ "سَمَّيْتُمْ" الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: آلِهَةً، هَذا عَلى أنَّ الأسْماءَ يُرادُ بِها ذَواتُ الأصْنامِ، وأمّا عَلى المَعْنى المُخْتارِ مِن أنَّ عِبادَتَهم إنَّما هي لِمَعانٍ تُعْطِيها الأسْماءُ ولَيْسَتْ مَوْجُودَةً في الأصْنامِ- فَقَوْلُهُ "سَمَّيْتُمُوها" بِمَنزِلَةِ: وضَعْتُمُوها، فالضَمِيرُ لِلتَّسْمِياتِ، وأكَّدَ الضَمِيرَ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ.
(p-٩١)والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ لِأصْنامِكُمُ الَّتِي سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِنَ الحُكْمِ والأقْدارِ والأرْزاقِ شَيْءٌ، أيْ: فَما بالُها إذَنْ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرَدَّ عَلى حُكْمِهِمْ في نَصْبِهِمْ آلِهَةً دُونَ اللهِ تَعالى: ولَيْسَ لَهم تَعِدِّي أمْرِ اللهِ في ألّا يُعْبَدَ غَيْرُهُ. و"القَيِّمُ" مَعْناهُ: المُسْتَقِيمُ، و﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لِجَهالَتِهِمْ وغَلَبَةِ الكُفْرِ.
ثُمَّ نادى ﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ﴾ ثانِيَةً لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ الجَوابِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لِنَبْوَ: أمّا أنْتَ فَتَعُودُ إلى مَرْتَبَتِكَ وسِقايَةِ رَبِّكَ، وقالَ لِمِجْلَثَ: أمّا أنْتَ فَتُصْلَبُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ ثَلاثٍ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا لَهُ: ما رَأيْنا شَيْئًا وإنَّما تَحالَمْنا لِنُجَرِّبَكَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا الَّذِي حَدَّثَهُ بِالصَلْبِ، وقِيلَ: كانا رَأيا ثُمَّ أنْكَرا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْقِي رَبَّهُ" مِن سَقى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيُسْقى" مِن أسْقى، وهُما لُغَتانِ لِمَعْنًى واحِدٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، "فَيُسْقى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ، أيْ: ما يُرْوِيهِ. وأخْبَرَهُما يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ -عن غَيْبٍ عَلِمَهُ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى- أنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ ووافَقَ القَدَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ﴾ الآيَةُ. الظَنُّ هاهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ يَلْزَمُ ذَلِكَ، وهو يَقِينٌ فِيما لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ إلى الوُجُودِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ لِأنَّ عِبارَةَ الرُؤْيا ظَنٌّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ دالٌّ عَلى وحْيٍ، ولا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ قَتادَةَ إلّا بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾، أيْ: قُضِيَ كَلامِي وقُلْتُ ما عِنْدِي واللهُ أعْلَمُ بِما يَكُونُ بَعْدُ.
(p-٩٢)وَفِي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهُوَ: أنْ يَكُونَ "ظَنَّ" مُسْنَدًا إلى الَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا، لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ أُبَّهَةُ السُرُورِ بِما بُشِّرَ بِهِ، وصارَ في رُتْبَةِ مَن يُؤَمَّلُ حِينَ ظَنَّ وغَلَبَ عَلى مُعْتَقَدِهِ أنَّهُ ناجٍ وذَلِكَ بِخِلافِ ما نَزَلَ بِالآخَرِ المُعَرَّفِ بِالصَلْبِ.
ومَعْنى الآيَةِ: قالَ يُوسُفُ لِساقِي المَلِكِ حِينَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى مَعَ المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ المَلِكِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنْ يُذَكِّرَهُ بِعِلْمِهِ ومَكانَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُذَكِّرَهُ بِمَظْلَمَتِهِ وما امْتُحِنَ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أو يُذَكِّرَهُ بِهِما.
والضَمِيرُ في "فَأنْساهُ" قِيلَ: هو عائِدٌ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: نَسِيَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَشْتَكِيَ إلى اللهِ، وجَنَحَ إلى الِاعْتِصامِ بِمَخْلُوقٍ، فَرُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَهُ فَعاتَبَهُ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ، وطُوِّلَ سِجْنُهُ عُقُوبَةً عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: أُوحِيَ إلَيْهِ: يا يُوسُفُ اتَّخَذَتْ مِن دُونِي وكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، وقِيلَ: إنِ الضَمِيرَ في "فَأنْساهُ" عائِدٌ عَلى الساقِي، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، أيْ: نَسِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ عِنْدَ رَبِّهِ، فَأضافَ الذَكَرُ إلى رَبِّهِ إذْ هو عِنْدَهُ، والرَبُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ: المَلِكُ.
والبِضْعُ في كَلامِ العَرَبِ اخْتُلِفَ فِيهِ -فالأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مِنَ الثَلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَلى هَذا هو فِقْهُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في الدَعاوِي والأيْمانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البِضْعُ لا يَبْلُغُ العَقْدَ ولا نِصْفَ العَقْدِ، وإنَّما هو مِنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: البِضْعُ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقالَ قَتادَةُ: البِضْعُ مِنَ الثَلاثَةِ إلى التِسْعَةِ، ويُقَوِّي هَذا ما رُوِيَ مِن «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ في قِصَّةِ خَطَرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ في غَلَبَةِ الرُومِ لِفارِسَ: "أما عَلِمْتَ أنَّ البِضْعَ مِنَ الثَلاثِ إلى التِسْعِ؟!"،» وقالَ مُجاهِدٌ: (p-٩٣)مِنَ الثَلاثَةِ إلى السَبْعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يُذْكَرُ البِضْعُ إلّا مَعَ العَشَراتِ، لا يُذْكَرُ مَعَ مِائَةٍ ولا مَعَ ألْفٍ، والَّذِي رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ سُجِنَ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ لَهُ قِصَّةُ الفَتَيَيْنِ، وعُوقِبَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ بِالبَقاءِ في السِجْنِ سَبْعَ سِنِينَ، فَكانَتْ مُدَّةُ سِجْنِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: عُوقِبَ بِبَقاءِ سَنَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لَوْلا كَلِمَتُهُ ما لَبِثَ في السِجْنِ طُولَ ما لَبِثَ"،» ثُمَّ بَكى الحَسَنُ وقالَ: نَحْنُ إذا نَزَلَ بِنا أمْرٌ فَزِعْنا إلى الناسِ.
12:43–45Страница 240
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣
Царь сказал: «Я видел, как семь тощих коров пожирают семерых тучных, а также семь зеленых колосьев и семь высохших. О знатные люди! Разъясните мое видение, если вы умеете толковать сны».
قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤
Они сказали: «Это - бессвязные сны! Мы не умеем толковать такие сновидения».
وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥
Но тот из двух людей, который спасся, вдруг вспомнил его спустя много времени и сказал: «Я расскажу вам его толкование, только пошлите меня».
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعَ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾
المَعْنى: وقالَ المَلِكُ الأعْظَمُ: ﴿إنِّي أرى﴾ يُرِيدُ: في مَنامِهِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وحُكِيَتْ حالٌ ماضِيَةٌ بِـ "أرى" وهو مُسْتَقْبِلٌ مِن حَيْثُ يَسْتَقْبِلُ النَظَرَ في الرُؤْيا.
﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾، يُرْوى أنَّهُ قالَ: رَأيْتُها خارِجَةً مَن نَهْرٍ، وخَرَجَتْ وراءَها سَبْعٌ عِجافٌ، فَرَأيْتُها أكَلَتْ تِلْكَ السِمانَ حَتّى حَصَلَتْ في بُطُونِها، ورَأى السَنابِلَ أيْضًا كَما ذَكَرَ، والعِجافُ: الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ الهُزالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
(p-٩٤)...................
؎ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
ثُمَّ قالَ لِجَماعَتِهِ وحاضِرِيهِ: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي﴾. قَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِأنْ لَفَظَتْ بِألِفِ "أفْتُونِي" واوًا. وقَوْلُهُ: ﴿لِلرُّؤْيا﴾ دَخَلَتِ اللامُ لِمَعْنى التَأْكِيدِ والرَبْطِ، وذَلِكَ أنَّ المَفْعُولَ إذا تَقَدَّمَ حَسُنَ في بَعْضِ الأفْعالِ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ لامُ الجَرِّ، وإذا تَأخَّرَ لَمْ يَحْتَجِ الفِعْلُ إلى ذَلِكَ، و(عِبارَةُ الرُؤْيا): مَأْخُوذَةٌ مِن: عَبَرَ النَهْرَ، وهو تَجاوُزُهُ مِن شَطٍّ إلى شَطٍّ، فَكَأنَّ عابِرَ الرُؤْيا يَنْتَهِي إلى آخِرِ تَأْوِيلِها.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ الآيَةُ. الضِغْثُ -فِي كَلامِ العَرَبِ - أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِنَ النَباتِ والعُشْبِ ونَحْوِهِ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ورُبَّما كانَ مِن أخْلاطِ النَباتِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]، ورُوِيَ أنَّهُ أخَذَ (عِثْكالًا) مِنَ النَخْلِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَعَلَ نَحْوَ هَذا في حَدٍّ أقامَهُ عَلى رَجُلِ زَمِنٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎ خَوْدٌ كَأنَّ فِراشَها وُضِعَتْ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أضْغاثُ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالٍ
(p-٩٥)وَمِنَ الأخْلاطِ قَوْلُ العَرَبِ في أمْثالِها: (ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ)، فَيُشَبِّهُ اخْتِلاطَ الأحْلامِ بِاخْتِلاطِ الجُمْلَةِ مِنَ النَباتِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي رَأيْتَ، أيُّها المَلِكُ، اخْتِلاطٌ مِنَ الأحْلامِ بِسَبَبِ النَوْمِ، ولَسْنا مِن أهْلِ العِلْمِ بِذَلِكَ، أيْ: بِما هو مُخْتَلِطٌ ورَدِيءٌ، فَإنَّما نَفَوْا عن أنْفُسِهِمْ عَبْرَ الأحْلامِ لا عَبْرَ الرُؤْيا عَلى الإطْلاقِ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".»«وَقالَ لِلَّذِي كانَ يَرى رَأْسَهُ يُقْطَعُ ثُمَّ يَرُدُّهُ فَيَرْجِعُ: "إذا لَعِبَ الشَيْطانُ بِأحَدِكم في النَوْمِ فَلا يُحَدِّثُ بِذَلِكَ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالأحْلامُ وحَدَثانِ النَفْسِ مُلْغاةٌ، الرُؤْيا هي الَّتِي تُعَبَّرُ ويُلْتَمَسُ عِلْمُها. والباءُ في قَوْلِهِ: "بِعالِمِينَ" لِلتَّأْكِيدِ، وفي قَوْلِهِ: "بِتَأْوِيلِ" لِلتَّعْدِيَةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "بِعالِمِينَ".
و(الأحْلامِ): جَمْعُ حُلْمٍ، يُقالُ: حَلَمَ الرَجُلُ -بِفَتْحِ اللامِ- يَحْلُمُ إذا خُيِّلَ إلَيْهِ في مَنامِهِ، والأحْلامُ مِمّا أثْبَتَتْهُ الشَرِيعَةُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ، وهي المُبَشِّرَةُ، والحُلْمُ المُحْزِنُ مِنَ الشَيْطانِ، فَإذا رَأى أحَدُكم ما يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَلى يَسارِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولِيَقُلْ: أعُوذُ بِاللهِ مِن شَرِّ ما رَأيْتُ، فَإنَّها لا تَضُرُّهُ".» وما كانَ عن حَدِيثِ النَفْسِ في اليَقَظَةِ فَإنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ.
ولَمّا سَمِعَ الساقِي الَّذِي نَجا هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ المَلِكِ ومُراجِعَةِ أصْحابِهِ تَذَكَّرَ يُوسُفَ (p-٩٦)وَعِلْمَهُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ والرُؤى، فَقالَ مَقالَتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
و”ادَّكَرَ" أصْلُهُ: اذْتَكَرَ، افْتَعَلَ مِنَ الذِكْرِ، قُلِبَتُ التاءُ دالًا وأُدْغِمَ الأوَّلُ في الثانِي، ثُمَّ بُدِّلَتْ دالًا غَيْرَ مَنقُوطَةٍ لِقُوَّةِ الدالِّ وجَلَدِها، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: "اذَّكَّرَ"، وقُرِئَ: "فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ" بِالنُقَطِ، و"مِن مُدَّكِرٍ" عَلى اللُغَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَعْدَ أُمَّةٍ" وهي المُدَّةُ مِنَ الدَهْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: "بَعْدَ أمَةٍ" وهو النِسْيانُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ: "بَعْدَ أمْهٍ" بِسُكُونِ المِيمِ، وهو مَصْدَرٌ مِن "أمِهَ" إذا نَسِيَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ: "بَعْدَ إمَّةٍ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والإمَّةُ: النِعْمَةُ، والمَعْنى: بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَها اللهُ عَلى يُوسُفَ في تَقْرِيبِ إطْلاقِهِ وعِزَّتِهِ. وبِقَوْلِهِ: "وادَّكَرَ" يُقَوِّي قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ في "فَأنْساهُ" عائِدٌ عَلى الساقِي، والأمْرُ مُحْتَمَلٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنا أُنَبِّئُكُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أنا آتِيكُمْ"، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ اسْتِئْذانٌ في المُضِيِّ، فَقِيلَ: كانَ السِجْنُ في غَيْرِ مَدِينَةِ المَلِكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: كانَ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَرْسُمُ الناسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ في مَوْضِعٍ عَلى النِيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ.
12:46–49Страница 241
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦
Он сказал: «О Йусуф (Иосиф)! О правдивый муж! Поведай нам о семи тучных коровах, которых пожирают семь тощих, а также о семи зеленых колосьях и семи высохших, чтобы я вернулся к людям. Быть может, они уразумеют».
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
Он сказал: «Семь лет подряд вы будете усердно сеять. То, что вы пожнете, оставляйте в колосьях, за исключением небольшого количества, которое вы будете есть.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Затем наступят семь тяжелых лет, которые поедят то, что вы приготовите для них, кроме небольшого количества, которое вы сбережете.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Вслед за ними наступит год, когда люди получат обильные дожди и будут выжимать плоды».
(p-٩٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿يُوسُفُ أيُّها الصِدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى الناسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ الناسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
المَعْنى: فَجاءَ الرَسُولُ -وَهُوَ الساقِي- إلى يُوسُفَ فَقالَ لَهُ: يا يُوسُفُ، ﴿أيُّها الصِدِّيقُ﴾، وسَمّاهُ صِدِّيقًا مِن حَيْثُ كانَ جَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ شَيْءٍ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن (صَدَقَ)، وسُمِّيَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ صِدِّيقًا مِن (صَدَّقَ غَيْرَهُ) إذْ مَعَ كُلِّ تَصْدِيقٍ صِدْقٌ، فالمُصَدِّقُ بِالحَقائِقِ صادِقٌ أيْضًا، وعَلى هَذا الأساسِ سُمِّيَ المُؤْمِنُونَ صِدِّيقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩].
ثُمَّ قالَ: ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ﴾ أيْ: فِيمَن رَأى في المَنامِ سَبْعَ بَقَراتٍ، وحَكى النَقّاشُ حَدِيثًا رَوى فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ في السِجْنِ وبَشَّرَهُ بِعَطْفِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأخْرَجَهُ مِنَ السَجْنِ، وأنَّهُ قَدْ أحْدَثَ لِلْمَلِكِ مَنامَةً جَعَلَها سَبَبًا لِفَرَجِ يُوسُفَ، ويُرْوى أنَّ المَلِكَ كانَ يَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَخْرُجْنَ مِنَ النَهْرِ، وتَخْرُجُ وراءَها سَبْعٌ عِجافٌ، فَتَأْكُلُ العِجافُ السِمانَ، فَكانَ يُعْجَبُ كَيْفَ غَلَبَتْها؟ وكَيْفَ وسِعَتِ السِمانَ في بُطُونِ العِجافِ؟ وكانَ يَرى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وقَدِ التَفَّتْ بِها سَبْعٌ يابِساتٌ حَتّى كانَتْ تُغَطِّي خُضْرَتَها فَعَجِبَ أيْضًا لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: تَأْوِيلَ هَذِهِ الرُؤْيا فَيَزُولُ هَمُّ المَلِكِ لِذَلِكَ وهَمُّ الناسِ، وقِيلَ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ مَكانَتَكَ مِنَ العِلْمِ وكُنْهَ فَضْلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَخَلُّصِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ﴾ الآيَةُ. تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ: أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى وبِاللَفْظِ. والثانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمْرٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾، والثالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
(p-٩٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَحْتَمِلُ هَذا ألّا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الجَدْبِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَقْطَعُهُ إلّا خَصْبٌ شافٍ، كَما أعْطى أنَّ النَهْرَ مِثالٌ لِلزَّمانِ؛ إذْ هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ فَجاءَتِ البَقَراتُ مِثالًا لِلسِّنِينَ.
و"دَأبًا" مَعْناهُ: مُلازَمَةً لِعادَتِكم في الزِراعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها
........... البَيْتُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "دَأْبًا" بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "دَأبًا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وأبُو عَمْرٍو يُسَهِّلُ الهَمْزَةَ عِنْدَ دَرْجِ القِراءَةِ، وهُما مِثْلُ: نَهْرٍ ونَهَرٍ، والناصِبُ لِقَوْلِهِ: "دَأبًا" "تَزْرَعُونَ" عِنْدَ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ؛ إذْ في قَوْلِهِ: "تَزْرَعُونَ" تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ: (قَعَدَ القُرْفُصاءَ)، و(اشْتَمَلَ الصَمّاءَ) وسِيبَوَيْهَ يَرى نَصْبَ هَذا كُلِّهِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الظاهِرُ، كَأنَّهُ قالَ: "تَزْرَعُونَ تَدْأبُونَ دَأبًا".
وقَوْلُهُ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ﴾ هي إشارَةٌ بِرَأْيٍ نَبِيلٍ نافِعٍ بِحَسْبَ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُنْبُلِ؛ فَإنَّ الحَبَّةَ إذا بَقِيَتْ في خِبائِها انْحَفَظَتْ والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَرْعَ في السُنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عنهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَعامُ هَكَذا ويَتَرَكَّبُ، ويُؤَكِّلُ الأقْدَمَ فالأقْدَمَ، فَإذا جاءَتِ السُنُونَ الجَدْبَةُ تَقَوَّتَ الناسُ الأقْدَمَ فالأقْدَمَ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وادَّخَرُوا أيْضًا الشَيْءَ الَّذِي يُصابُ في أعْوامِ الجَدْبِ عَلى قِلَّتِهِ، وحَمَلَتِ الأعْوامُ بَعْضُها بَعْضًا حَتّى يَتَخَلَّصَ الناسُ، وإلى هَذِهِ السِنِينَ أشارَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في دُعائِهِ عَلى قُرَيْشٍ: « "اللهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ "،» فابْتَدَأ (p-٩٩)ذَلِكَ بِهِمْ، ونَزَلَتْ سَنَةً حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتّى دَعا لَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فارْتَفَعَ ذَلِكَ عنهم ولَمْ يَتَمادَ سَبْعَ سِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا خَرَجَ ووَصَفَ هَذا التَرْتِيبَ لِلْمَلِكِ وأعْجَبَهُ أمْرُهُ، قالَ لَهُ المَلِكُ، قَدْ أسْنَدْتُ إلَيْكَ تَوَلِّي هَذا الأمْرِ في الأطْعِمَةِ هَذِهِ السِنِينَ المُقْبِلَةَ، فَكانَ هَذا أوَّلُ ما ولِيَ يُوسُفُ.
وأسْنَدَ الأكْلَ إلى السِنِينَ في قَوْلِهِ: "يَأْكُلْنَ" اتِّساعًا مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ فِيها، كَما قالَ تَعالى: ﴿والنَهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وكَما قالَ: (نَهارُكَ بَطّالٌ ولَيْلُكَ قائِمٌ)، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَمّى فِعْلُ الجَدْبِ وإيباسِ البالاتِ أكْلًا، وفي الحَدِيثِ: « "فَأصابَتْهم سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ"» وقالَ الأعْرابِيُّ في السَنَةِ: (جَمَشَتِ النَجْمَ، وألْحَبَتِ اللَحْمَ، وأحْجَنَتِ العَظْمَ).
و"تُحْصِنُونَ" مَعْناهُ: تُحْرِزُونَ وتُخَزِّنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ، وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، ومِنهُ تَحَصُّنُ النِساءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَحَرُّزِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:" يُغاثُ" جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ - وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، (p-١٠٠)وَمُجاهِدٍ، وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أيْ: يُمْطَرُونَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن (أغاثَهُمُ اللهُ) إذا فَرَّجَ عنهُمْ، ومِنهُ الغَوْثُ وهو الفَرَجُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، "يَعْصِرُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الصادِ، وقَرَأ حَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ ذَلِكَ بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي مِن عَصْرِ النَباتاتِ كالزَيْتُونِ والعِنَبِ والقَصَبِ والسِمْسِمِ والفُجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، والحَلْبُ مِنهُ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضَّرْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ والعُصْرِ وهو المَلْجَأُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ:
؎ صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
ومِنهُ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقْ ∗∗∗ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎ وصاحِبِي وهْوَةٌ مُسْتَوْهِلٌ زَعِلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ يَحُولُ بَيْنَ حِمارِ الوَحْشِ والعَصَرِ
(p-١٠١)وَمِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎ فَباتَ وأسْرى القَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وما كانَ وقّافًا بِغَيْرِ مُعْصَّرِ
أيْ: بِغَيْرِ مُلْتَجَأٍ، فالآيَةُ عَلى مَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ، وعِيسى، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "يُعْصَرُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصادِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، أيْ: يُؤْتُونَ بِعُصْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن: عَصَرَتِ السَحابُ ماءَها عَلَيْهِمْ، قالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناها: يُمْطَرُونَ، وحَكى النِقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ: "يُعَصِّرُونَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصادِ وشَدِّها وجَعْلِها مِن عَصْرِ البَلَلِ، ورَدَّ الطَبَرِيُّ عَلى مَن جَعَلَ اللَفْظَةَ مِنَ العُصْرَةِ رَدًّا كَثِيرًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
12:50Страница 241
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠
Царь сказал: «Приведите его ко мне!». Когда к нему пришел посланец, он сказал: «Возвращайся к своему господину и спроси его, что стало с женщинами, которые порезали себе руки. Воистину, моему Господу известно об их кознях».
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾
فِي تَضاعِيفَ هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفاتٌ يُعْطِيها ظاهِرُ الكَلامِ ويَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى هُنا: فَرَجَعَ الرَسُولُ إلى المَلَأِ والمَلِكِ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَقالَةَ يُوسُفَ، فَرَأى المَلِكُ وحاضَرُوهُ نُبْلَ التَعْبِيرِ وحُسْنَ الرَأْيِ وتَضَمُّنَ الغَيْبَ في أمْرِ العامِ الثامِنِ، مَعَ ما وصَفَهُ بِهِ الرَسُولُ مِنَ الصِدْقِ في المَنامَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَعَظُمَ يُوسُفُ في نَفْسِ المَلِكِ، وقالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾، فَلَمّا وصَلَ الرَسُولُ في إخْراجِهِ إلَيْهِ وقالَ: إنِ المَلِكَ قَدْ أمَرَ بِأنْ تَخْرُجَ فَقالَ لَهُ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: المَلِكِ وقُلْ لَهُ: ﴿ما بالُ النِسْوَةِ﴾ ومَقْصِدُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ (p-١٠٢)إنَّما كانَ: وقُلْ لَهُ يَسْتَقْصِي عن ذَنْبِي ويَنْظُرُ في أمْرِي، هَلْ سُجِنْتُ بِحَقٍّ أو بِظُلْمٍ؟ فَرَسَمَ قِصَّتَهُ بِطَرَفٍ مِنها إذا وقَعَ النَظَرُ عَلَيْهِ بانَ الأمْرُ كُلُّهُ، ونَكَّبَ عن ذِكْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ حُسْنَ عِشْرَةٍ ورِعايَةً لِزِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ لَهُ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "النُسْوَةِ" بِضَمِّ النُونِ، وقَرَأ الباقُونَ: "النِسْوَةِ" بِكَسْرِ النُونِ، وهُما لُغَتانِ في تَكْسِيرِ "نِساءٍ" الَّذِي هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الَّلايِي" بِالياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الَّلاتِي" بِالتاءِ، وكِلاهُما جَمْعُ "الَّتِي".
وكانَ هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ أناةً وصَبْرًا وطَلَبًا لِبَراءَةِ الساحَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ -فِيما رُوِيَ- خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً ويَسْكُتَ عن أمْرِ ذَنْبِهِ صَفْحًا، فَيَراهُ الناسُ بِتِلْكَ العَيْنِ أبَدًا، ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ مَوْلاهُ، فَأرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ تَبِينَ بَراءَتُهُ وتَتَحَقَّقَ مَنزِلَتُهُ مِنَ العِفَّةِ والخَيْرِ، وحِينَئِذٍ يُخْرَجُ لِلْأخْطاءِ والمَنزِلَةِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَرْحَمُ اللهُ أخِي يُوسُفَ، لَقَدْ كانَ صابِرًا حَلِيمًا، ولَوْ لَبِثْتُ في السَجْنِ لُبْثَهُ لَأجَبْتُ الداعِيَ ولَمْ ألْتَمِسِ العُذْرَ حِينَئِذٍ"،» ورُوِيَ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ القاسِمِ صاحِبِ مالِكٍ في كِتابِ التَفْسِيرِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ، ولَيْسَ لِابْنِ القاسِمِ في الدِيوانِ غَيْرُهُ.
وهُنا اعْتِراضٌ يَنْبَغِي أنْ يَنْفَصِلَ عنهُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لِيُوسُفَ، فَما بالُهُ هو يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ عن حالَةٍ قَدْ مَدَحَ بِها غَيْرَهُ؟ فالوَجْهُ في ذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ إنَّما أخَذَ لِنَفْسِهِ وجْهًا آخَرَ مِنَ الرَأْيِ لَهُ جِهَةً أيْضًا مِنَ الجَوْدَةِ، أيْ: لَوْ كُنْتُ أنا لَبادَرَتُ بِالخُرُوجِ ثُمَّ حاوَلَتْ بَيانَ عُذْرِي بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القَصَصَ والنَوازِلَ إنَّما هي مَعْرَضَةٌ لِيَقْتَدِيَ الناسُ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَأرادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَمْلَ (p-١٠٣)الناسِ عَلى الأحْزَمِ مِنَ الأُمُورِ، وذَلِكَ أنَّ المُتَعَمِّقَ في مِثْلِ هَذِهِ النازِلَةِ التارِكُ فُرْصَةَ الخُرُوجِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ السَجْنِ رُبَّما يَنْتُجُ لَهُ مِن ذَلِكَ البَقاءُ في سِجْنِهِ، وانْصَرَفَتْ نَفْسُ مُخْرِجِهِ عنهُ، وإنْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ أمِنَ مِن ذَلِكَ بِعِلْمِهِ مِنَ اللهِ فَغَيْرُهُ مِنَ الناسِ لا يَأْمَنُ ذَلِكَ، فالحالَةُ الَّتِي ذَهَبَ النَبِيُّ ﷺ بِنَفْسِهِ إلَيْها حالَةُ حَزْمٍ ومَدْحٍ، وما فَعَلَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ صَبْرٌ عَظِيمٌ وجَلَدٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالرَبِّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ، وفي الآيَةِ وعِيدٌ -عَلى هَذا- وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالرَبِّ العَزِيزَ مَوْلاهُ، فَفي ذَلِكَ اسْتِشْهادٌ بِهِ وتَقْرِيعٌ لَهُ، والضَمِيرُ في "بِكَيْدِهِنَّ" لِلنِّسْوَةِ المَذْكُوراتِ لا لِلْجِنْسِ لِأنَّها حالَةُ تَوْقِيفٍ عَلى ذَنْبٍ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии