Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Юсуф 12:51–63
12:51Страница 241
قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٥١
Он сказал: «Что вы скажете о том, как вы пытались соблазнить Йусуфа (Иосифа)?». Они ответили: «Упаси Аллах! Мы не знаем о нем ничего плохого». Жена знатного мужа сказала: «Теперь истина прояснилась. Это я пыталась соблазнить его, а он - один из тех, кто говорит правду.
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عن نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عن نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾
المَعْنى: فَجَمَعَ المَلِكُ النِسْوَةَ وامْرَأةَ العَزِيزِ مَعَهُنَّ، وقالَ لَهُنَّ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ الآيَةُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كانَتْ قِصَّتُكُنَّ؟ فَهو اسْتِدْعاءٌ مِنهُ أنْ يُعْلِمْنَهُ القِصَّةَ، فَجاوَبَ النِساءُ بِجَوابٍ جَيِّدٍ تَظْهَرُ مِنهُ بَراءَةُ أنْفُسِهِنَّ جُمْلَةً، وأعْطَيْنَ يُوسُفَ بَعْضَ بَراءَةٍ، وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا قَرَّرَ لَهُنَّ أنَّهُنَّ راوَدْنَهُ قُلْنَ -جَوابًا عن ذَلِكَ-: ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾، وقَدْ يَحْتَمِلُ -عَلى بُعْدٍ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ: ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ في جِهَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُنَّ: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ لَيْسَ بِإبْراءٍ تامٍّ، وإنَّما كانَ الإبْراءُ التامُّ وصْفَ القِصَّةِ عَلى وجْهِها حَتّى يَتَقَرَّرَ الخَطَأُ في جِهَتَيْنِ، ولَوْ قُلْنَ: (ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا) لَكانَ أدْخَلَ في التَبْرِئَةِ، وقَدْ بَوَّبَ البُخارِيُّ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ عَلى أنَّها تَزْكِيَةٌ، وأدْخَلَ قَوْلَ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ في حَدِيثِ الإفْكِ: « (أهْلُكَ ولا نَعْلَمُ إلّا خَيْرًا)،» وأمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ فَلا يَقْنَعُ بِهَذا في تَزْكِيَةِ الشاهِدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِإثْباتِ العَدالَةِ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: فَلَمّا سَمِعَتْ زَوْجَةُ العَزِيزِ مَقالَتَهُنَّ وحَيْدَتَهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في (p-١٠٤)الخِزْيِ حَضَرَتْها نِيَّةٌ وتَحْقِيقٌ فَقالَتْ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾. و"حَصْحَصَ" مَعْناهُ: تَبَيَّنَ بَعْدَ خَفائِهِ، كَذا قالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ، أيْ بانَتْ حِصَّتُهُ مِن حِصَّةِ الباطِلِ، ثُمَّ أقَرَّتْ عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ، والتَزَمَتِ الذَنْبَ، وأبْرَأتْ يُوسُفَ البَراءَةَ التامَّةَ.
12:52Страница 241
ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢
Я признаюсь в этом для того, чтобы мой муж знал, что я не изменила ему в его отсутствие, и что Аллах не помогает козням изменников.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾
قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: هَذِهِ المَقالَةُ هي مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ سَيِّدِي أنِّي لَمْ أخُنْهُ في أهْلِهِ وهو غائِبٌ، ولِيَعْلَمَ أيْضًا أنَّ اللهَ تَعالى لا يَهْدِي كَيْدَ خائِنٍ ولا يَرْشُدُ سَعْيُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والهُدى لِلْكَيْدِ مُسْتَعارٌ، بِمَعْنى: لا يُكَلِّمُهُ ولا يُمْضِيهِ عَلى طَرِيقِ إصابَةٍ، ورُبَّ كَيْدٍ مَهْدِيٍّ إذا كانَ مَن تَقِيٍّ في مَصْلَحَةٍ.
واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ فَقالَ ابْنُ جُرَيْجَ: هَذِهِ المَقالَةُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ لِلرَّسُولِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ؛ فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هي إلى بَقائِهِ في السِجْنِ والتِماسِهِ البَراءَةَ، أيْ: هَذا لِيَعْلَمَ سَيِّدِي أنِّي لَمْ أخُنْهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما قالَ يُوسُفُ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ كَلامَها إلى قَوْلِها: ﴿وَإنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- إلى إقْرارِها وصَنِيعِ اللهِ تَعالى فِيهِ. وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُضُورَهُ مَعَ النِسْوَةِ عِنْدَ المَلِكِ، وبَعْدَ هَذا يَقُولُ المَلِكُ: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٤].
(p-١٠٥)وَقالَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وكَلامُها مُتَّصِلٌ، أيْ: قَوْلِي هَذا وإقْرارِي لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في غَيْبَتِهِ، بِأنْ أكْذِبَ عَلَيْهِ أو أرْمِيَهُ بِذَنْبٍ هو بَرِيءٌ مِنهُ، والتَقْدِيرُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: تَوْبَتِي وإقْرارِي لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي... وعَلى أنَّ الكَلامَ مِن يُوسُفَ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: ولِيَعْلَمَ أنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ.
12:53Страница 242
۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣
Я не оправдываю себя, ведь душа человека повелевает зло, если только мой Господь не проявит к ней милосердия. Воистину, мой Господь - Прощающий, Милосердный».
وَقوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هَذِهِ أيْضًا مُخْتَلَفٌ فِيها هَلْ هي مِن كَلامِ يُوسُفَ أمْ مِن كَلامِ المَرْأةِ، حَسَبَ الَّتِي قَبِلَها؟
فَمَن قالَ: "مِن كَلامِ يُوسُفَ " رَوى في ذَلِكَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لَمّا قالَ يُوسُفُ: ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: "وَلا حِينَ هَمَمْتَ وحَلَلْتَ سَراوِيلَكَ؟!"،» وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ. ورُوِيَ أنَّ المَرْأةَ قالَتْ لَهُ ذَلِكَ، قالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ أنْ يُوسُفَ تَذَكَّرَ مِن تِلْقائِهِ ما كانَ هَمَّ بِهِ فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُوءِ﴾، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا.
ومَن قالَ: "إنَّ المَرْأةَ قالَتْ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ " فَوَجْهُ كَلامِها الِاعْتِذارُ عن وُقُوعِها فِيما يَقَعُ فِيهِ البَشَرُ مِنَ الشَهَواتِ، كَأنَّها قالَتْ: وما هَذا بِبِدَعٍ ولا ذَلِكَ بِنَكِيرٍ عَلى البَشَرِ فَأُبَرِّئُ أنا مِنهُ نَفْسِي، والنُفُوسُ أمّاراتٌ بِالسُوءِ مائِلَةٌ إلَيْهِ.
و"أمّارَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما رَحِمَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ فِيها، وهو -عَلى هَذا- اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: إلّا رَحْمَةَ رَبِّي. ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ بِمَعْنى (p-١٠٦)"مَن"، هَذا عَلى أنْ تَكُونَ "النَفْسُ" يُرادُ بِها النُفُوسُ؛ إذِ النَفْسُ تَجْرِي صِفَةً لِمَن يَعْقِلُ كالعَيْنِ والسَمْعِ، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إلّا النُفُوسُ الَّتِي يَرْحَمُها اللهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإذا "النَفْسُ" اسْمُ جِنْسٍ، فَصَحَّ أنْ تَقَعَ "ما" مَكانَ "مَن" إذْ هي كَذَلِكَ في صِفاتٍ مَن يَعْقِلُ وفي أجْناسِهِ، وهو نَصٌّ في كَلامِ المُبَرِّدِ، وهو -عِنْدِي- مَعْنى كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، ذَكَرَهُ في "البَغْدادِيّاتِ".
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" ظَرْفِيَّةً، المَعْنى: إنَّ النَفْسَ لِأمّارَةٌ بِالسُوءِ إلّا مُدَّةَ رَحْمَةِ اللهِ العَبْدَ وذَهابِهِ عَنِ اشْتِهاءِ المَعاصِي.
ثُمَّ تَرَجّى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
12:54–57Страница 242
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤
Царь сказал: «Приведите его ко мне. Я сделаю его своим приближенным». Побеседовав с ним, он сказал: «Сегодня при нас ты обрел положение и доверие».
قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥
Он сказал: «Назначь меня управлять хранилищами земли, ибо я - знающий хранитель».
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦
Так Мы наделили Йусуфа (Иосифа) властью на земле. Он мог поселиться там, где желал. Мы одаряем Своей милостью, кого пожелаем, и не теряем вознаграждения творящих добро.
وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧
Воистину, вознаграждение в Последней жизни лучше для тех, которые уверовали и были богобоязненны.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
المَعْنى: إنَّ المَلِكَ لِما تَبَيَّنَتْ لَهُ بَراءَةُ يُوسُفَ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ، وتَحَقَّقَ في القِصَّةِ أمانَتُهُ، وفَهِمَ أيْضًا صَبْرَهُ وجَلَدَهُ -عَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، وتَيَقَّنَ حُسْنَ خِلالِهِ فَقالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. وهَذا الَّذِي أمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ -بِتَثَبُّتِهِ في السِجْنِ- أنْ يَرْتَقِيَ إلى أعْلى المَنازِلِ، فَتَأمَّلْ أنَّ المَلِكَ قالَ أوَّلًا -حِينَ تَحَقَّقَ عِلْمُهُ-: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ فَقَطْ، فَلَمّا فَعَلَ يُوسُفُ ما فَعَلَ، فَظَهَرَتْ أمانَتُهُ وصَبْرُهُ وعُلُوُّ هِمَّتِهِ وجَوْدَةُ نَظَرِهِ قالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، فَلَمّا جاءَهُ وكَلَّمَهُ قالَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ رَأى مِن كَلامِهِ وحُسْنِ مَنطِقِهِ ما صَدَّقَ بِهِ الخَبَرَ أو أرْبى عَلَيْهِ؛ إذِ المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ، ثُمَّ لَمّا زاوَلَ الأعْمالَ مَشى القُدَمِيَّةَ حَتّى ولِيَ خُطَّةَ العَزِيزِ.
(p-١٠٧)و"أمِينٌ" مِنَ الأمانَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى آمِنٌ. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن نَمَطِ الكَلامِ، ويَنْحَطُّ إكْرامُ يُوسُفَ كَثِيرًا.
ويُرْوى أنَّ المَلِكَ لَمّا أدْنى يُوسُفَ قالَ لَهُ: إنِّي أُشارِكُكَ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا أنِّي أُحِبُّ أنْ لا تُشْرِكُنِي في أهْلِي، وألّا تَأْكُلَ عِنْدِي، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: أتَأْنَفُ أنْ آكُلَ مَعَكَ؟! أنا أحَقُّ أنْ آنَفُ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ، وابْنُ إسْحاقَ الذَبِيحِ، وابْنُ يَعْقُوبَ الصِدِّيقِ، وفي هَذا الحَدِيثِ بُعْدٌ وضَعْفٌ. وقَدْ قالَ ابْنُ مَيْسَرَةَ: إنَّما جَرى هَذا في أوَّلِ أمْرِهِ، كانَ يَأْكُلُ مَعَ العَزِيزِ، فَلَمّا جَرَتْ قَصَّةُ المَرْأةِ قالَتْ لِلْعَزِيزِ: أتَدَعُ هَذا يُؤاكِلُكَ؟ فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ فَكُلْ مَعَ العَبِيدِ، فَأنِفَ وقالَ ما تَقَدَّمُ. أمّا أنَّ الظاهِرَ مِن قِصَّتِهِ وقْتَ مُحاوَرَةِ المَلِكِ أنَّهُ كانَ عَلى عُبُودِيَّةٍ، وإلّا كانَ اللائِقُ بِهِ أنْ يَنْتَحِيَ بِنَفْسِهِ عن عَمَلِ الكافِرِ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا أهْلَ أوثانٍ، ومُحاوَرَةُ يُوسُفَ لِصاحِبِي السِجْنِ تَقْضِي بِذَلِكَ.
وسَمّى اللهُ تَعالى فِرْعَوْنَ مِصْرَ مَلِكًا؛ إذْ هي حِكايَةُ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ زَمَنُهُ، ولَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ حُكْمًا لَهُ إذا قِيلَ لِكافِرٍ: "مَلِكٌ أو أمِيرٌ"، ولِهَذا «كَتَبَ النَبِيُّ ﷺ إلى هِرَقْلَ فَقالَ: "عَظِيمُ الرُومِ "،» ولَمْ يَقُلْ: مَلِكًا ولا أمِيرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ، والحَقُّ أنْ يُسْلِمَ ويُسْلِمُوا. وأمّا كَوْنُهُ عَظِيمَهم فَتِلْكَ صِفَةٌ لا تُفارِقُهُ كَيْفَما تَقَلَّبُ، ولَوْ كَتَبَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "أمِيرُ الرُومِ "، لَتَمَسَّكَ بِتِلْكَ الحُجَّةِ عَلى نَحْوِ تَمَسُّكِ زِيادٍ في قَوْلِهِ: "شَهِدَ -واللهِ- لِي أبُو الحَسَنِ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ الآيَةُ. فَهِمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المَلِكِ أنَّهُ عَلى تَصْرِيفِهِ والِاسْتِعانَةِ بِنَظَرِهِ في المُلْكِ، فَألْقى يَدَهُ في الفِعْلِ الَّذِي يُمْكِنُهُ فِيهِ المَعْدِلَةَ، ويَتَرَتَّبُ لَهُ الإحْسانُ إلى مَن يَجِبُ، ووَضْعُ الحَقِّ عَلى أهْلِهِ وعِنْدَ أهْلِهِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: في هَذِهِ الآيَةِ ما يُبِيحُ لِلرَّجُلِ الفاضِلِ أنْ يَعْمَلَ لِلرَّجُلِ الفاجِرِ بِشَرْطِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ يُفَوَّضُ إلَيْهِ في فَعْلِ ما لا يُعارِضُ فِيهِ، فَيُصْلِحُ مِنهُ ما يَشاءُ، وأمّا إنْ كانَ عَمَلُهُ بِحَسْبَ اخْتِيارِ الفاجِرِ وشَهَواتِهِ وفُجُورِهِ فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
(p-١٠٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وطُلْبَةُ يُوسُفِ لِلْعَمَلِ إنَّما هي حِسْبَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِرَغْبَتِهِ في أنْ يَقَعَ العَدْلُ، ونَحْوَ هَذا هو دُخُولُ أبِي بَكْرٍ الصَدِّيقِ في الخِلافَةِ، مَعَ نَهْيِهِ المُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَتَأمَّرَ عَلى اثْنَيْنِ، الحَدِيثُ بِكَمالِهِ. فَجائِزٌ لِلْفاضِلِ أنْ يَعْمَلَ وأنْ يَطْلُبَ العَمَلَ إذا رَأى ألّا عِوَضَ مِنهُ، وجائِزٌ أيْضًا لِلْمَرْءِ أنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالحَقِّ إذا جُهِلَ أمْرُهُ.
والخَزائِنُ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَخْتَزِنُهُ المَمْلَكَةُ مِن طَعامٍ ومالٍ وغَيْرِهِ. و﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ صِفَتانِ تَعُمُّ وُجُوهَ التَثْقِيفِ والحَيْطَةِ لا خَلَلَ مَعَهُما لِعامِلٍ، وقَدْ خَصَّصَ الناسُ بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ أشْياءَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: حَفِيظٌ بِالحِسابِ عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعَتْنِي عَلِيمٌ بِسِنِي الجُوعِ، وهَذا كُلُّهُ تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، وإنَّما أرادَ بِاتِّصافِهِ أنْ يَعْرِفَ المَلِكُ بِالوَجْهِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ الكَوْنَ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، فاتَّصَفَ بِأنَّهُ يَحْفَظُ المُجْبى مِن كُلِّ جِهَةٍ تَحْتاجُ إلى الحِفْظِ، ويَعْلَمُ التَناوُلَ أجْمَعَ، ورُوِيَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: " مِصْرُ خِزانَةُ الأرْضِ"، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ مَمْلَكَةُ فِرْعَوْنَ إلّا بِها فَقَطْ، ويُؤَكِّدُ أنْ تُسَمّى خِزانَةَ الأرْضِ بِصِيتِها في بِلادِ الأرْضِ وتَوَسُّطِها، فَمِنها يَنْتَقِلُ الناسُ إلى أقْطارِ الأرْضِ، وهي مَحِلُّ كُلَّ جالِبٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ الآيَةُ. الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيلِ صُنْعِ اللهِ بِهِ، أيْ: ولِهَذِهِ الأفْعالِ المَنصُوصَةِ دَرَجْناهُ في الرُتَبِ ونَقَلْناهُ فَمَكَّنا لَهُ في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَرُوِيَ أنَّ العَزِيزَ ماتَ في تِلْكَ اللَيالِي، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَلْ عَزَلَهُ المَلِكُ، ثُمَّ ماتَ (p-١٠٩)قِطْفِيرُ فَوَلّاهُ المَلِكُ مَكانَهُ وزَوَّجَهُ زَوْجَتَهُ، فَلَمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَرُوسًا قالَ لَها: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا كُنْتِ أرَدْتِ؟ فَقالَتْ لَهُ: أيُّها الصَدِّيقُ، كُنْتُ في غايَةِ الجَمالِ وكُنْتُ شابَّةً عَذْراءَ، وكانَ زَوْجِي لا يَطَأُ، فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي في حُبِّكَ، فَدَخَلَيُوسُفُ بِها فَوَجَدَها بِكْرًا، ووَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ عَزَلَ العَزِيزَ ووَلّاهُ مَوْضِعَهُ، ثُمَّ عَظُمَ مُلْكُ يُوسُفَ وتَغَلَّبَ عَلى حالِ المَلِكِ أجْمَعَ، قالَ مُجاهِدٌ: وأسْلَمَ المَلِكُ آخِرَ أمْرِهِ، ودَرُسَ أمْرُ العَزِيزِ وذَهَبَتْ دُنْياهُ وماتَ وافْتَقَرَتْ زَوْجَتُهُ وزَمِنَتْ وشاخَتْ، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأيّامِ لَقِيَتْ يُوسُفَ في طَرِيقٍ والجُنُودُ حَوْلَهُ ووَراءَهُ، وعَلى رَأْسِهِ بُنُودٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، فَصاحَتْ بِهِ وقالَتْ: سُبْحانَ مَن أعَزَّ العَبِيدَ بِالطاعَةِ، وأذِلَّ الأرْبابَ بِالمَعْصِيَةِ، فَعَرَفَها، وقالَتْ لَهُ: تَعْطِفُ عَلَيَّ وارْزُقْنِي شَيْئًا فَدَعاها وكَلَّمَها، وأشْفَقَ لِحالِها، ودَعا اللهَ تَعالى فَرَدَّ عَلَيْها جَمالَها وتَزَوَّجَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا مِنَ القِصَصِ ما لا يُوقَفُ عَلى صِحَّتِهِ، ويَطُولُ الكَلامُ بِسَوْقِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَيْثُ يَشاءُ" عَلى الإخْبارِ عن يُوسُفَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "حَيْثُ نَشاءُ" بِالنُونِ عَلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: حَيْثُ يَشاءُ اللهُ مَن تَصَرُّفِ يُوسُفَ عَلى اخْتِلافِ تَصَرُّفِهِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ، وشَيْبَةَ، ونافِعٍ، وأبِي جَعْفَرٍ -بِخِلافٍ عَنِ الثَلاثَةِ المَدَنِيِّينَ- وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ: "حَيْثُ يَشاءُ مِنَ المَحارِيبِ والمُتَعَبَّداتِ"، وأحْوالِ الطاعاتِ، فَهي قُرَبٌ يُرِيدُها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ويَشاؤُها، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْناها: "حَيْثُ يَشاءُ يُوسُفُ "، لَكِنْ أضافَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ المَشِيئَةَ الَّتِي لِيُوسُفَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو عَبْدٌ مِن عَبِيدِهِ، وكانَتْ مَشِيئَتُهُ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى وقَوَّتِهِ، كَما قالَ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ مِن أبِي عَلَيٍّ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ وتَحَفُّظٌ مِن أنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن فاعِلَيْنِ، فَتَأمَّلْهُ. واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى حَدِّ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: (p-١١٠)﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] و﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقَوْلُهُ: "يَتَبَوَّأُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، و﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى المَفْعُولِ بِهِ، كَما قالَ الشَمّاخُ:
......................
؎ حَيْثُ تُكْوى النَواحِزُ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإحْسانَ مِنَ العَبْدِ والجَرْيَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ لا يَضِيعُ عِنْدَ اللهِ، ولا بُدَّ مِن حُسْنِ عاقِبَتِهِ في الدُنْيا أعَقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ حالَ الآخِرَةِ أحْمَدُ، وأحْرى أنْ يُجْعَلَ غَرَضًا ومَقْصَدًا، وهَذا هو الَّذِي يُنْتَزَعُ مِنَ الآيَةِ بِحَسْبَ التَقَيُّدِ بَيْنَ الإيمانِ والتَقْوى مِنَ الناسِ، وفِيها -مَعَ ذَلِكَ- إشارَةٌ إلى أنَّ حالَهُ مِنَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن حالِهِ العَظِيمَةِ في الدُنْيا.
12:58–60Страница 242
وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨
Братья Йусуфа (Иосифа) прибыли в Египет и явились к нему. Он узнал их, а они его не узнали.
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩
Снабдив их провизией, он сказал: «Привезите ко мне вашего брата по отцу. Разве вы не убедились, что я сполна наполняю меру и что я - самый гостеприимный из хозяев?
فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠
Если же вы не привезете его ко мне, то я не стану отмеривать вам. И тогда даже не приближайтесь ко мне».
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾
قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: سَبَبُ مَجِيئِهِمْ أنَّ المَجاعَةَ الَّتِي أنْذَرَ بِها يُوسُفُ أصابَتِ البِلادَ الَّتِي كانَ بِها يَعْقُوبُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في العَرَباتِ مِن أرْضِ فِلِسْطِينَ بِغَوْرِ الشامِ، وقِيلَ: كانَ بِالأدْلاجِ مِن ناحِيَةِ الشِعْبِ، وكانَ صاحِبُ بادِيَةٍ، لَهُ إبِلٌ وشاءٌ، فَأصابَهُمُ الجُوعُ، وكانَ أهْلُ مِصْرَ قَدِ اسْتَعَدُّوا وادَّخَرُوا مِنَ السِنِينَ الخَصِيبَةِ، فَكانَ الناسُ (p-١١١)يِمْتارُونَ مِن عِنْدِ يُوسُفَ وهو في رُتْبَةِ العَزِيزِ المُتَقَدِّمِ، وكانَ لا يُعْطِي الوارِدَ أكْثَرَ مَن حِمْلِ بِعِيرٍ، يُسَوِّي بَيْنَ الناسِ، فَلَمّا ورَدَ إخْوَتُهُ عَرَفَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ ولَمْ يَعْرِفُوهُ هم لِبُعْدِ العَهْدِ وتَغَيُّرِ سِنِّهِ، ولَمْ يَقَعْ لَهم -بِسَبَبِ مُلْكِهِ ولِسانِهِ القِبْطِيِّ- ظَنٌّ عَلَيْهِ، ورُوِيَ في بَعْضِ القَصَصِ أنَّهُ لَمّا عَرَفَهم أرادَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِجَمِيعِ أمْرِهِمْ، فَباحَثَهم بِأنْ قالَ لَهم (بِتُرْجُمانٍ): أظُنُّكم جَواسِيسَ، فاحْتاجُوا حِينَئِذٍ إلى التَعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ رَجُلٍ صِدِّيقٍ، وكُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، ذَهَبَ واحِدٌ مِنّا في البَرِّيَّةِ، وبَقِيَ أصْغَرُنا عِنْدَ أبِينا، وجِئْنا نَحْنُ لِلْمِيرَةِ، وسُقْنا بِعِيرَ الباقِي مِنّا، وكانُوا عَشَرَةً ولَهم أحَدُ عَشَرَ بَعِيرًا، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ولِمَ تَخَلَّفَ أخُوكُمْ؟ قالُوا: لِمَحَبَّةِ أبَيْنا فِيهِ، قالَ: فَأْتُونِي بِهَذا الأخِ حَتّى أعْلَمِ حَقِيقَةَ قَوْلِكُمْ، وأرى: لِمَ أحَبَّهُ أبُوكم أكْثَرَ مِنكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. ورُوِيَ في القَصَصِ أنَّهم ورَدُوا مِصْرَ، واسْتَأْذَنُوا عَلى العَزِيزِ وانْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ، فَعَرَفَهم وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ، وأدْخَلَهم في ثانِي يَوْمٍ عَلى هَيْئَةٍ عَظِيمَةٍ لِمُلْكِهِ وأُبَّهَةٍ شائِقَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مُتَلَثِّمًا أبَدًا سَتْرًا لِجَمالِهِ، وأنَّهُ كانَ يَأْخُذُ الصُواعَ فَيَنْقُرُهُ، ويَفْهَمُ مِن طَنِينِهِ صِدْقَ ما يُحَدَّثُ بِهِ أو كَذِبَهُ، فَسُئِلُوا عن أخْبارِهِمْ، فَكُلَّما صَدَقُوا قالَ لَهم يُوسُفُ: صَدَقْتُمْ، فَلَمّا قالُوا: وكانَ لَنا أخٌ أكَلَهُ الذِئْبُ طَنَّ يُوسُفُ الصُواعَ وقالَ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَغَيَّرَ لَهُمْ، وقالَ: أراكم جَواسِيسَ، وكَلَّفَهم سَوْقَ الأخِ الباقِي لِيَظْهَرَ صِدْقُهم. وفي ذَلِكَ قَصَصٌ طَوِيلٌ جاءَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في القُرْآنِ وجِيزَةً.
والجِهازُ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ، وكُلُّ ما يَحْمِلُ، وكَذَلِكَ جِهازُ العَرُوسِ وجِهازُ المَيِّتِ.
وقَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ الآيَةُ. يُرَغِّبُهم في نَفْسِهِ آخِرًا، ويُؤْنِسُهم ويَسْتَمِيلُهم. و”المُنْزِلِينَ": يَعْنِي المُضِيفِينَ في قُطْرِهِ ووَقْتِهِ. والجِهازُ المُشارُ إلَيْهِ: الطَعامُ الَّذِي كانَ حَمَلَهُ لَهُمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم إنْ لَمْ يَجِيئُوا بِالأخِ بِأنَّهُ لا كَيْلَ لَهم عِنْدَهُ في المُسْتَأْنَفِ، وأمَرَهم ألّا يَقْرَبُوا لَهُ بَلَدًا ولا طاعَةً، و"لا تَقْرَبُونِ" نَهْيٌ لَفْظًا ومَعْنًى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُهُ الخَبَرَ ومَعْناهُ النَهْيَ، وتُحْذَفُ إحْدى النُونَيْنِ، كَما قُرِئَ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا خَبَرٌ لا غَيْرَ، وخَلَطَ النَحّاسُ في هَذا المَوْضِعِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ الآيَةُ -وَما يَلِيها- تَقْتَضِي أنَّ كَيْلَ الطَعامِ عَلى البائِعِ، وكَذَلِكَ هي الرِوايَةُ في التَوْلِيَةِ والشَرِكَةِ أنَّها بِمَنزِلَةِ البَيْعِ، والرِوايَةُ في القَرْضِ: أنَّ الكَيْلَ عَلى (p-١١٢)المُسْتَقْرِضِ، ورُوِيَ أنَّهُ حَبَسَ مِنهم شَمْعُونَ رَهِينَةً حَتّى يَجِيئُوهُ بِبِنْيامِينَ، قالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَحْبِسْ مِنهم أحَدًا، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "كانَ يُوسُفُ يُلْقِي حَصاةً في إناءِ فِضَّةٍ مُخَوَّصٍ بِالذَهَبِ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّ هَذا الإناءَ يُخْبِرُنِي أنَّ لَكم أبًا شَيْخًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّها حِيلَةٌ وإيهامٌ لَهُمْ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ الإناءَ بِهِ كانَ يَكِيلُ الطَعامَ إظْهارًا لِعِزَّتِهِ بِحَسْبَ غَلائِهِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ورُوِيَ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ اسْتَوْفى في تِلْكَ السِنِينَ أمْوالَ الناسِ ثُمَّ أمْلاكَهُمْ، فَمِن هُناكَ لَيْسَ لِأحَدٍ في أرْضِ مِصْرَ ومَزارِعِها مُلْكٌ، وظاهِرُ كُلِّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ مَعَهم أنَّهُ بِوَحْيٍ وأمْرٍ، وإلّا فَكانَ بِرُّ يَعْقُوبَ يَقْتَضِي أنْ يُبادِرَ إلَيْهِ ويَسْتَدْعِيَهُ، لَكِنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أعْلَمَهُ بِما يَصْنَعُ لِيُكْمِلَ أجْرَ يَعْقُوبَ ومِحْنَتِهِ وتَتَفَسَّرَ الرُؤْيا الأُولى.
12:61–63Страница 242
قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١
Они сказали: «Мы постараемся уговорить его отца. Мы непременно сделаем это».
وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢
Он велел своим слугам: «Положите их деньги во вьюки, чтобы они узнали о них, когда возвратятся к своим семьям. Быть может, они вернутся».
فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣
Вернувшись к отцу, они сказали: «Отец наш! Нам не будут больше отмеривать зерно. Отпусти с нами нашего брата, и мы получим свою меру. Воистину, мы будем оберегать его».
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عنهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾
تَقَدَّمَ مَعْنى "المُراوَدَةُ"، أيْ: سَنُفائِلُ أباهُ في أنْ يَتْرُكَهُ يَأْتِي مَعَنا إلَيْكَ، ثُمَّ شَدَّدُوا هَذِهِ المَقالَةَ بِأنِ التَزَمُوها لَهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وَإنّا لَفاعِلُونَ﴾، وأرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ المُبالَغَةَ في اسْتِمالَتِهِمْ بِأنْ رَدَّ مالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم في رَحْلِهِ بَيْنَ طَعامِهِ، وأمَرَ بِذَلِكَ فِتْيانَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "لِفِتْيَتِهِ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِفِتْيانِهِ"، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَفِتْيانٌ لِلْكَثْرَةِ عَلى مُراعاةِ المَأْمُورِينَ، وفِتْيَةٌ لِلْقِلَّةِ عَلى مُراعاةِ المُتَناوِلِينَ وهُمُ الخَدَمَةُ، ويَكُونُ هَذا الوَصْفُ لِلْحُرِّ والعَبْدِ، وفي (p-١١٣)مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقالَ لِفِتْيانِهِ وهو يُكايِلَهُمْ".
وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ يُرِيدُ: لَعَلَّهم يَعْرِفُونَ لَها يَدًا أو تَكْرِمَةً يَرَوْنَ حَقَّها فَيَرْغَبُونَ فِينا فَلَعَلَّهم يَرْجِعُونَ حِينَئِذٍ، وأمّا مَيْزُ البِضاعَةَ فَلا يُقالُ فِيهِ: "لَعَلَّ"، وقِيلَ: قَصَدَ يُوسُفُ بِرَدِّ البِضاعَةِ أنْ يَتَحَرَّجُوا مِن أخْذِ الطَعامِ بِلا ثَمَنٍ فَيَرْجِعُوا لِدَفْعِ الثَمَنِ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ، وسُرُورِهِمْ بِالبِضاعَةِ وقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] يَكْشِفُ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَقْصِدْ هَذا، وإنَّما قَصَدَ أنْ يَسْتَمِيلَهم ويَصِلَهم فَيُرَغِّبُهم في نَفْسِهِ كالَّذِي كانَ. وخَصَّ البِضاعَةَ دُونَ أنْ يُعْطِيَهم غَيْرَها مِنَ الأمْوالِ لِأنَّها أوقَعُ في نُفُوسِهِمْ؛ إذْ يَعْرِفُونَ حِلَّها، ومالُهُ هو إنَّما كانَ عِنْدَهم مالًا مَجْهُولَ الحالِ، غايَتَهُ أنْ يُسْتَجازَ عَلى نَحْوِ اسْتِجازَتِهِمْ قَبُولَ المِيرَةِ، ويُظْهِرَ أنَّ ما فَعَلَ يُوسُفُ مِن صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ في تِلْكَ الشِدَّةِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، إذْ هو مَلِكٌ عَدْلٌ، وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ. وقِيلَ: عَلِمَ عَدَمَ البِضاعَةِ والدَراهِمِ عِنْدَ أبِيهِ فَرَدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَمْنَعَهُمُ العَدَمُ مِنَ الِانْصِرافِ إلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَها تَوْطِئَةً لَجَعَلِ السِقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِنَ القِصَّةِ أنَّهُ إنَّما أرادَ الِاسْتِئْلافَ وصِلَةَ الرَحِمِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وابْنُ عامِرٍ: "نَكْتَلْ" بِالنُونِ عَلى مُراعاةِ: ﴿مُنِعَ مِنّا﴾، ويُقَوِّيهِ: ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا﴾ [يوسف: ٦٥] "وَنَزْدادُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَكْتَلْ" بِالياءِ، أيْ: يَكْتَلْ يامِينُ كَما اكْتَلْنا، وأصْلُ "نَكْتَلْ": نَكْتَيِلْ، وزْنُهُ نَفْتَعِلُ. وقَوْلُهُمْ: ﴿مُنِعَ مِنّا﴾ ظاهِرُهُ أنَّهم أشارُوا إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ [يوسف: ٦٠] فَهو مَنعٌ في المُسْتَأْنَفِ، وقِيلَ: أشارُوا إلى بَعِيرِ يامِينَ الَّذِي لَمَّ يَمْتَرْ، والأوَّلُ أرْجَحُ، ثُمَّ تَضَمَّنُوا لَهُ حِفْظَهُ وحِيطَتَهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии