Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Аль-Хиджр 15:87–99
15:87–93Страница 266
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧
Мы даровали тебе семь часто повторяемых сур или аятов и великий Коран.
لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
Не заглядывайся на блага, которыми Мы наделили некоторых из них, и не печалься о них. Склони свои крылья перед верующими (будь добр и милосерден к ним)
وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩
и говори: «Воистину, я - всего лишь предостерегающий и разъясняющий увещеватель».
كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠
Мы также ниспослали его (наказание) разделяющим,
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١
которые поделили Коран на части (уверовали в одну часть Корана и отвергли другую).
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
Клянусь твоим Господом! Мы непременно всех их спросим
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣
о том, что они совершали.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، (p-٣١٦)والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها. و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟ فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ". و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ (p-٣١٧)بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ. و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ (p-٣١٨)وَوَطِئَ أكْنافَكَ. و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ". مَن هُمْ؟ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
(p-٣١٩)وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، (p-٣٢٠)وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ. وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟ لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
15:94–99Страница 267
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Провозгласи же то, что тебе велено, и отвернись от многобожников.
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Воистину, Мы избавили тебя от тех, кто насмехается,
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
кто признает других богов помимо Аллаха, и скоро они узнают.
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
Мы знаем, что твоя грудь сжимается от того, что они говорят.
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
Так восславь же Господа твоего хвалой и будь в числе тех, кто падает ниц.
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
Поклоняйся Господу твоему, пока убежденность (смерть) не явится к тебе.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾
"اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، (p-٣٢١)والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ. ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ (p-٣٢٢)يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الساجِدِينَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، (p-٣٢٣)وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии