Ибн АтыйяАль‑Кахф · 18:40–50

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

Аль-Кахф 18:40–50

18:40–44Страница 298

فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠

а ведь мой Господь может даровать мне то, что лучше твоего сада, и наслать на него наказание с неба, и тогда он превратится в скользкую землю.

أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١

Или же воды его уйдут под землю, и ты не сможешь достать их».

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢

Его плоды погибли, и он стал ударять себя по рукам, сожалея о том, что он потратил на виноградник, ветви которого упали на трельяжи. Он сказал: «Лучше бы я никого не приобщал в сотоварищи к моему Господу!».

وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣

Не было у него людей, которые бы помогли ему вместо Аллаха, и он не мог помочь самому себе.

هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤

В таких случаях оказать поддержку может только Истинный Аллах. У Него - лучшее вознаграждение и лучший исход.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِن السَماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾

هَذا التَرَجِّي بِـ "عَسى" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الآخِرَةِ، وتَمَنِّي ذَلِكَ في الآخِرَةِ أشْرَفُ مَقْطَعًا، وأذْهَبُ مَعَ الخَيْرِ والصَلاحِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الدُنْيا أذْهَبُ في نِكايَةِ هَذا المُخاطَبِ، وأشَدُّ إيلامًا لِنَفْسِهِ.

و"الحُسْبانُ": العَذابُ كالبَرْدِ والصَرِّ ونَحْوَهُ، واحِدُ الحُسْبانِ: حُسْبانَةٌ، وهي المَرامِي مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وهي سِهامٌ تُرْمى دَفْعَةً بِآلَةٍ لِذَلِكَ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، و"الزَلَقُ": الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، يَعْنِي أنَّهُ تَذْهَبُ أشْجارُهُ ونَباتُهُ، ويَبْقى أرْضًا قَدْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ، فَهي وحْلٌ لا تُنْبِتُ ولا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ.

(p-٦١١)وَ "الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الماءُ المُفْرَدُ والمِياهُ الكَثِيرَةُ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وامْرَأةُ عَدْلٌ ونَحْوَهُ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا في الأرْضِ لا يُسْتَطاعُ تَناوُلُهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُورًا" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُؤُرًا" بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزِ الواوِ، و"غَوْرٌ" مِثْلُ "نَوْحٍ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَظَلُّ جِيادُها نَوْحًا عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا

وهَذا كَثِيرٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآيَةُ. هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن إحاطَةِ العَذابِ بِحالِ هَذا المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الثَمَرِ، غَيْرَ أنَّ الإحاطَةَ كِنايَةٌ عن عُمُومِ العَذابِ والفَسادِ. و﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يُرِيدُ: يَضَعُ بَطْنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى، وذَلِكَ فِعْلُ المُتَلَهِّفِ المُتَأسِّفِ عَلى فائِتٍ أو خَسارَةٍ أو نَحْوَها، ومَن عَبَّرَ بِـ "يُصَفِّقُ" فَلَمْ يُتْقِنْ. وقَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ يُرِيدُ أنَّ السُقُوفَ وقَعَتْ، وهي العُرُوشُ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الحَيِّطانُ عَلَيْها، فَهي خاوِيَةٌ والحَيِّطانُ عَلى العُرُوشِ. ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي حِكايَةٌ عن قَوْلِ الكافِرِ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ قالَها في الدُنْيا عَلى جِهَةِ التَوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ، ويَكُونُ فِيها زَجْرٌ لِلْكَفَرَةِ مِن قُرَيْشٍ أو غَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا تَجِيءَ لَهم حالٌ يُؤْمِنُونَ فِيها بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَلَمْ تَكُنْ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ الفِئَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلَمْ يَكُنْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى. و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إلى نَصْرِها، قالَ مُجاهِدٌ: هي العَشِيرَةُ.

(p-٦١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهِيَ عِنْدِي مِن: فاءَ يَفِيءُ، وزْنُها فِعْلَةٌ "فِيئَةٌ" حُذِفَتِ العَيْنَ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هي مِن فَأوتُ ولَيْسَتْ مِن فاءَ، وهَذا الَّذِي قالُوهُ أدْخَلَ في التَصْرِيفِ، والأوَّلُ أحْكَمٌ في المَعْنى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةٌ تَنْصُرُهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "هُنالِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: "مُنْتَصِرًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الوَلايَةُ" مُبْتَدَأً و"هُنالِكَ" خَبُرُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي بِمَعْنى الرِياسَةِ والزَعامَةِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ: "الوَلايَةُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي بِمَعْنى المُوالاةِ والصِلَةِ ونَحْوَهُ، ويُحْكى عن أبِي عَمْرُو، والأصْمَعِيُّ أنَّ كَسْرَ الواوِ هُنا لَحْنٌ؛ لِأنَّ (فِعالَةَ) إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً أو مَعْنًى مُتَقَلَّدًا، ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والكِسائِيُّ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى جِهَةِ النَعْتِ لِ "الوَلايَةُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "الحَقِّ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لِلَّهِ الحَقَّ" بِالنَصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُقُبًا" بِضَمِّ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ: "عُقْبًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ وتَنْوِينِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا: "عُقْبى" بِياءِ التَأْنِيثِ. والعُقْبُ والعُقُبُ بِمَعْنى المُعاقَبَةِ.

18:45–48Страница 298

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥

Приведи им притчу о мирской жизни. Она подобна воде, которую Мы ниспосылаем с неба. Земные растения смешиваются с ней (или благодаря ней), а потом превращаются в сухие былинки, рассеиваемые ветром. Воистину, Аллах способен на всякую вещь.

ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦

Богатство и сыновья - украшение мирской жизни, однако нетленные благодеяния лучше по вознаграждению перед твоим Господом, и на них лучше возлагать надежды.

وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧

В тот день Мы заставим двигаться горы, и ты увидишь, что земля станет плоской. Мы соберем их всех и никого не упустим.

وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨

Они предстанут перед твоим Господом рядами: «Вы пришли к Нам такими, какими Мы создали вас в первый раз. Но вы предполагали, что Мы не назначили встречи с вами».

قوله عزّ وجلّ:

﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ حَياةَ الإنْسانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نِعَمٍ وثَرْوَةٍ، وقَوْلُهُ: (p-٦١٣)﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ﴾ يُرِيدُ: هي كَماءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، فالباءُ في "بِهِ" باءُ السَبَبِ؛ فَـ "أصْبَحَ" عِبارَةٌ عن صَيْرُورَتِهِ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ أرادَ اخْتِصاصًا بِوَقْتِ الصَباحِ، وهَذا كَقَوْلِ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ:

؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلَ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا

و"الهَشِيمُ": المُتَفَتِّتُ مِن يابِسِ العُشْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، ومِنهُ: هَشَّمَ الثَرِيدَ، و"تَذْرُوهُ" بِمَعْنى: تُفَرِّقُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تُذْرِيهِ"، والمَعْنى: تَقْلَعُهُ وتُرْمِي بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْرُوهُ الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والنَخْعِيِّ، والأعْمَشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ﴾ عِبارَةٌ لِلْإنْسانِ عن أنَّ الأمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الإنْسانِ هَكَذا كانَ إذْ كانَ، إذْ نَفْسُهُ حاكِمَةٌ بِذَلِكَ في حالِ غَفْلَةٍ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى صَحِيحٌ. وقالَ الحَسَنُ: "كانَ" إخْبارٌ عَنِ الحالِ قَبْلَ إيجادِ المَوْجُوداتِ، أيْ إنَّ القُدْرَةَ كانَتْ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لا المُحالاتُ وغَيْرُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا بالعَجْزِ عنها، وهَذا عَلى تَسْمِيَةِ المُحالِ شَيْئًا، مِن حَيْثُ هو مَعْقُولٌ لا واقِعٌ، وقَدْ جاءَ أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ.

(p-٦١٤)فَمَعْنى هَذا المِثال تَشْبِيهُ حالِ المَرْءِ في حَيّاتِهِ ومالِهِ وعِزَّتِهِ وزَهْوِهِ وبَطَرِهِ بِالنَباتِ الَّذِي لَهُ خُضْرَةٌ ونَضْرَةٌ عَنِ المَطَرِ النازِلِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَشِيمًا، ويَصِيرُ إلى عَدَمٍ، فَمَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يَبْقى في الآخِرَةِ فَهو الفائِزُ، فَكَأنَّ الحَياةَ بِمَثابَةِ الماءِ، والخُضْرَةَ، والنَضارَةَ بِمَنزِلَةِ النَعِيمِ والعِزَّةِ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، لَكِنْ مَعَهُ قَرِينَةُ الضَعَةِ لِلْمالِ والبَنِينِ؛ لِأنَّهُ في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّرَ أمْرَ الدُنْيا وبَيَّنَهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ في هَذِهِ: إنَّما المالُ والبَنُونُ زِينَةُ هَذِهِ الحَياةِ المُحَقَّرَةِ، فَلا تُتْبِعُوها أنْفُسَكم. وقَوْلُهُ: "زِينَةُ" مَصْدَرٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ عن أشْخاصٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَرُّ زِينَةِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَضَعَ المالَ والبَنِينَ بِمَنزِلَةِ الغِنى والكَثْرَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الباقِياتِ الصالِحاتِ" -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلِ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.

وقالَ الجُمْهُورُ: هي الكَلِماتُ المَأْثُورُ فَضْلُها: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ اللهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهَ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ: « "أكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصالِحاتِ"،» وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي الباقِياتُ الصالِحاتُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الباقِياتُ الصالِحاتُ: كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مِن (p-٦١٥)قَوْلٍ أو فِعْلٍ يَبْقى لِلْآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِكُلِّ الأقْوامِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ بِالعُمُومِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾، أيْ: صاحِبُها يَنْتَظِرُ الثَوابَ ويَنْبَسِطُ أمَلُهُ عَلى خَيْرٍ مِن حالِ ذِي المالِ والبَنِينَ دُونَ عَمَلٍ صالِحٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ الآيَةُ. التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا أفْصَحُ ما يَتَأوَّلُ في هَذا هُنا. وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَصْرِفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نُسَيِّرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وشِبْلُ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "تُسَيِّرُ" بِالتاءِ، وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ "الجِبالُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُسَيِّرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ "الجِبالُ" رَفَعًا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَسِيرُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى "الجِبالِ"، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الجِبالُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "بارِزَةً"، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ الأرْضَ لِذَهابِ الجِبالِ والظِرابِ والشَجَرِ، بَرَزَتْ وانْكَشَفَتْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بُرُوزَ أهْلِها، والمَحْشُورِينَ مِن سُكّانِ بَطْنِها. "وَحَشَرْناهُمْ" أيْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ وجَمَعْناهم لِعُرْضَةِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُغادِرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُغادِرُ" عَلى الإسْنادِ إلى القُدْرَةِ أو إلى الأرْضِ. ورَوى أبانُ بْنُ زَيْدٍ عن عاصِمٍ: "يُغادِرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الدالِّ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ.

وقَرَأ الضَحاكُ: "فَلَمْ نُغْدِرْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الدالِّ وسُكُونِ الغَيْنِ.

والمُغادَرَةُ: التُرْكُ، ومِنهُ: غَدِيرُ الماءِ، وهو ما تَرَكَهُ السَيْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "صَفًّا" إفْرادٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، أيْ: صُفُوفًا، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الداعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ"» الحَدِيثُ. وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ (p-٦١٦)صَفًّا، أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ صَفًّا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، مُقاوَلَةٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ومُضَمَّنُها التَقْرِيعُ والتَوْبِيخُ، والمُؤْمِنُونَ المُعْتَقِدُونَ في الدُنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَكُونُ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لَهم بِوَجْهٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لِلْكَفَرَةِ مِنهم. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"،»﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].

18:49–50Страница 299

وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩

Будет положена книга, и ты увидишь, как грешники будут трепещать от того, что в ней. Они скажут: «Горе нам! Что это за книга! В ней не упущен ни малый, ни великий грех - все подсчитано». Они обнаружат перед собой все, что совершили, и твой Господь ни с кем не поступит несправедливо.

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠

Вот сказали Мы ангелам: «Падите ниц перед Адамом!». Все они поклонились, кроме Иблиса. Он был одним из джиннов и ослушался воли своего Господа. Неужели вы признаете его и его потомков своими покровителями и помощниками вместо Меня, тогда как они являются вашими врагами? Плохая это замена для беззаконников!

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابُ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عن أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أولِياءَ مِنَ دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾

"الكِتابُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ كُتُبُ الناسِ الَّتِي أحْصَتْها الحَفَظَةُ لِواحِدٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ كِتابًا واحِدًا حاضِرًا، و"إشْفاقُ المُجْرِمِينَ": فَزَعُهم مَن كَشْفِهِ لَهم وفَضْحِهِ، فَشِكايَةُ المُجْرِمِينَ إنَّما هي مِنَ الإحْصاءِ، لا مَن ظُلْمٍ ولا حِيفٍ. (p-٦١٧)وَقَدَّمَ "الصَغِيرَةَ" اهْتِمامًا بِها لِيُنَبِّهُ مِنها ويَدُلُّ أنَّ الصَغِيرَةَ إذا أُحْصِيَتْ فالكَبِيرَةُ أحْرى بِذَلِكَ، والعَرَبُ أبَدًا تُقَدِّمُ في الذِكْرِ الأقَلَّ مِن كُلِّ مُقْتَرَنَيْنِ، ونَحْوَ هَذا قَوْلُهُمُ: القَمَرانِ والعُمْرانِ، سَمُّوا بِاسْمِ الأقَلِّ تَنْبِيهًا مِنهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما:

"الصَغِيرَةُ": الضَحِكُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا مِثالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُضَمَّنُها تَقْرِيعُ الكَفَرَةِ وتَوْقِيفُهم عَلى خِطابِهِمْ في وِلايَتِهِمُ العَدُوَّ دُونَ الَّذِي أُنْعِمَ بِكُلِّ نِعَمِهِ عَلى العُمُومِ، صَغِيرُها وكَبِيرُها، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: واذَّكَّرْ إذْ قُلْنا وتَكَرَّرَتْ هَذِهِ العِبارَةُ حَيْثُ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ إذْ هي تَوْطِئَةُ النازِلَةِ، فَأمّا ذِكْرُ النازِلَةِ هُنا فَمُقَدَّمَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، وذَكَرَها في البَقَرَةِ إعْلامٌ بِمَبادِئِ الأُمُورِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السُجُودِ لِآدَمَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السُجُودُ المَعْرُوفُ ووَضْعُ الوَجْهِ بِالأرْضِ، جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عِبادَةً لَهُ وتَكْرِمَةً لِآدَمَ، فَهَذا كالصَلاةِ لِلْكَعْبَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إيماءٌ مِنهم نَحْوَ الأرْضِ، وذَلِكَ يُسَمّى سُجُودًا؛ لِأنَّ السُجُودَ في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عن غايَةِ التَواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا جائِزٌ أنْ يُكَلِّفَهُ الخالِقُ لِلْفاضِلِ، وجائِزٌ أنْ يَتَكَلَّفَهُ الفاضِلُ لِلْفاضِلِ، ومِنهُ قَوْلُ (p-٦١٨)النَبِيِّ ﷺ: « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"،» ومِنهُ تَقْبِيلُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَد عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَلَقّاهُ في سَفَرٍ إلى الشامِ، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في مُصَنَّفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ هو مِنَ الجِنِّ وهُمُ الشَياطِينُ المَخْلُوقُونَ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وجَمِيعُ المَلائِكَةِ إنَّما خُلِقُوا مِن نُورٍ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ -فَقالَ بَعْضُها: إبْلِيسُ مِنَ الجِنِّ، وهو أوَّلُهم وبَدَأتُهُمْ، كَآدَمَ مِنَ الإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إبْلِيسُ وقَبِيلُهُ جِنًّا، لَكِنَّ جَمِيعَ الشَياطِينِ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَهو كَنُوحٍ في الإنْسِ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَعْنِيفُ إبْلِيسَ عَلى عِصْيانِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ أُمِرَ مَعَ المَلائِكَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وإبْلِيسُ مِن قَبِيلِ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارٍ، فَإبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنِّ مِن حَيْثُ هم مُسْتَتِرُونَ، فَهي صِفَةٌ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والشَياطِينَ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: كانَ في المَلائِكَةِ صِنْفٌ يُسَمّى الجِنُّ، وكانُوا في السَماءِ الدُنْيا وفي الأرْضِ، وكانَ إبْلِيسُ مُدَبِّرَ أمْرَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا خِلافَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ في المَعْنى؛ إذْ كانَ مُتَصَرِّفًا بِالأمْرِ والنَهْيِ مُرْسَلًا، والمَلَكُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَأْلُكَةِ وهي الرِسالَةُ، فَهو في عِدادِ المَلائِكَةِ يَتَناوَلُهُ قَوْلُهُ: "اسْجُدُوا"، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ اسْتِيعابُ هَذِهِ الأُمُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَفَسَقَ" مَعْناهُ: فَخَرَجَ وانْتَزَحَ، وقالَ رُؤْبَةُ:

؎ يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا ∗∗∗ ∗∗∗ فَواسِقًا عن قَصْدِها جَوائِرا

(p-٦١٩)وَمِنهُ يُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطْبَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرَتِها، و"فَسَقَتِ الفَأْرَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن جُحْرِها، وجَمِيعُ هَذا الخُرُوجِ المُسْتَعْمَلِ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ إنَّما هو في فَسادٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "خَمْسُ فَواسَقَ يَقْتُلْنَ في الحَلِّ والحُرُمِ"» إنَّما هُنَّ مُفْسِداتٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عن أمْرِ رَبِّهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَرَجَ عن أمْرِ رَبِّهِ إيّاهُ، أيْ فارَقَهُ، كَما يَفْعَلُ الخارِجُ عن طَرِيقٍ واحِدٍ، أيْ: مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ عَنِ الطاعَةِ بَعْدَ أمْرِ رَبِّهِ بِها، و"عن" قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعُدَ" في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِكَ: "أطْعَمْتُهُ عن جُوعٍ"، ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَسَقَ بِسَبَبِ أمْرِ رَبِّهِ بِأنْ يُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ بِأمْرِ رَبِّهِ، أيْ بِمَشِيئَتِهِ ذَلِكَ لَهُ، ويُعَبِّرُ عَنِ المَشِيئَةِ بِالأمْرِ؛ إذْ هي أحَدُ الأُمُورِ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عن أمْرِكَ، أيْ بِجَدِّكَ وبِحَسَبِ مُرادِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: كانَ إبْلِيسُ مِن أشْرَفِ صِنْفٍ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَماءِ وسُلْطانُ الأرْضِ، فَلَمّا عَصى صارَتْ حالُهُ إلى ما تَسْمَعُونَ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ المَرْءِ مِنَ الخَطَإ فَلْتَرْجُهُ كَآدَمَ، وإذا كانَتْ مِنَ الكُفْرِ فَلا تَرْجُهُ كَإبْلِيسَ.

ثُمَّ وقَّفَ عَزَّ وجَلَّ الكَفَرَةَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - بِقَوْلِهِ: "أفَتَتَّخِذُونَهُ"، يُرِيدُ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "وَذُرِّيَّتَهُ" ظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي المُوَسْوَسِينَ مِنَ الشَياطِينِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ ويَحْمِلُونَ عَلى الباطِلِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُجاهِدًا قالَ: ذُرِّيَّةُ إبْلِيسٍ الشَياطِينُ، وكانَ يَعُدُّهُمْ: "زَلَنْبُورُ" صاحِبَ الأسْواقِ، يَضَعُ رايَتَهُ في كُلِّ سُوقٍ، (p-٦٢٠)وَ"تُبُنُ" صاحِبُ المَصائِبِ، و"الأعْوَرُ" صاحِبُ الرِياءِ، و"مِسْوَطٌ" صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيُلْقِيها في أفْواهِ الناسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، و"داسِمٌ" الَّذِي إذا دَخَلَ الرَجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ بَصَّرَهُ مِنَ المَتاعِ ما لَمْ يَرْفَعْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا وما جانَسَهُ مِمّا لَمْ يَأْتِ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ طَوَّلَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وجَلَبَ حِكاياتٍ تَبْعُدُ مِنَ الصِحَّةِ، فَتَرَكْتُها إيجازًا، ولَمْ يَمُرُّ بِي في هَذا صَحِيحٌ إلّا ما في كِتابِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ لِلْوُضُوءِ والوَسْوَسَةِ شَيْطانًا يُسَمّى "خِنْزَبُ"، وذَكَرَ التِرْمِذِيُّ أنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطانًا يُسَمّى "الوَلْهانُ"، واللهُ أعْلَمُ بِتَفاصِيلِ هَذِهِ الأُمُورِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: أعْداءٌ، فَهو اسْمُ الجِنْسِ.

وقَوُلُهُ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾، أيْ: بَدَّلَ وِلايَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِوِلايَةِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وذَلِكَ هو التَعَوُّضُ مِنَ الجِنِّ بِالباطِلِ، وهَذا هو نَفْسُ الظُلْمِ لِأنَّهُ وضَعَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English