Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Марьям 19:16–28
19:16–20Страница 306
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦
Помяни в Писании Марьям (Марию). Вот она ушла от своей семьи на восток
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧
и укрылась от них за завесой. Мы же послали к ней Нашего Духа (Джибрила), и он предстал перед ней в облике прекрасно сложенного человека.
قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨
Она сказала: «Я прибегаю к Милостивому, чтобы Он защитил меня от тебя, если только ты богобоязнен».
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩
Он сказал: «Воистину, я послан твоим Господом, чтобы даровать тебе чистого мальчика».
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠
Она сказала: «Как у меня может быть мальчик, если меня не касался мужчина, и я не была блудницей?».
قوله عزّ وجلّ:
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾
هَذِهِ ابْتِداءُ قِصَّةٍ لَيْسَتْ مِنَ الأُولى، والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ. و"الكِتابُ": القُرْآنُ، و"مَرْيَمُ" ابْنَةُ عِمْرانَ أُمْ عِيسى أُخْتُ أُمْ يَحْيى. واخْتَلَفَ الناسُ، لِمُ انْتَبَذَتْ، والِانْتِباذُ: التَنَحِّي. فَقالَ السُدِّيُّ: انْتَبَذَتْ لِتَطْهُرَ مِن حَيْضٍ، وقالَ غَيْرُهُ: لِتَعْبُدَ اللهَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أحْسَنُ؛ وذَلِكَ أنَّ مَرْيَمَ كانَتْ وقْفًا عَلى سَدانَةِ المُتَعَبَّدِ وخِدْمَتِهِ والعِبادَةِ فِيهِ، فَتَنَحَّتْ مِنَ الناسِ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ يُرِيدُ في جِهَةِ الشَرْقِ مِن مَساكِنِ أهْلِها، وسَبَبُ كَوْنِهِ في الشَرْقِ أنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ المَشْرِقِ ومِن حَيْثُ تُطْلَقُ الأنْوارُ، وكانَتِ الجِهاتُ الشَرْقِيَّةُ مَن كُلِّ شَيْءٍ أفْضَلَ مِن سِواها، حَكاهُ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي لَأعْلَمُ الناسُ لِمُ اتَّخَذَ النَصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾، فاتَّخَذُوا مِيلادَ عِيسى قِبْلَةً. وقالَ بَعْضُ الناسِ: الحِجابُ هي اتَّخَذَتْهُ لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الناسِ لِعِبادَتِها، فَقالَ السُدِّيُّ: كانَ مِن جُدُراتٍ، وقِيلَ: مِن ثِيابٍ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اتَّخَذَتِ المَكانَ بِشَرْقِيِّ المِحْرابِ.
و"الرُوحُ": جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: عِيسى، حَكى الزَجّاجُ القَوْلَيْنِ، فَمَن قالَ (p-١٧)إنَّهُ جِبْرِيلُ قَدَّرَ الكَلامَ: فَتَمَثَّلَ هو لَها، ومَن قالَ إنَّهُ عِيسى قَدَّرَ الكَلامَ: فَتَمَثَّلَ المَلَكُ لَها. قالَ النَقّاشُ: ومَن قَرَأ: "رُوحَنّا" بِتَشْدِيدِ النُونِ جَعَلَهُ اسْمَ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَمْ أرَ هَذِهِ القِراءَةَ لِغَيْرِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ فَقِيلَ: كانَتْ نَبِيَّةً بِهَذا الإرْسالِ وبِالمُحاوَرَةِ لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، وإنَّما كَلَّمَها مِثالُ بَشَرٍ، ورُؤْيَتُها لِمَلَكٍ كَما رُئِيَ جِبْرِيلُ في صِفَةِ دِحْيَةَ، وفي سُؤالِهِ عَنِ الإسْلامِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، المَعْنى: قالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلَكِ الَّذِي تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا لَمّا رَأتْهُ قَدْ خَرَقَ الحِجابَ الَّذِي اتَّخَذَتْهُ فَأساءَتْ بِهِ الظَنَّ، قالَتْ: إنِّي أعُوذُ بِالرَحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ ذا تُقًى، قالَ أبُو وائِلٍ: عَلِمَتْ أنَّ التَقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: تَعْنِي اسْمَ رَجُلٍ فاجِرٍ كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ في قَوْمِها، فَلَمّا رَأتْهُ مُتَسَوِّرًا عَلَيْها ظَنَّتْهُ إيّاهُ فاسْتَعاذَتْ بِالرَحْمَنِ مِنهُ، حَكى هَذا مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ. وهو ضَعِيفٌ ذاهِبٌ مَعَ التَخَرُّصِ. فَقالَ لَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ﴾، جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لَمّا كانَ الإعْلامُ بِها مِن قِبَلِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِأهَبَ لَكِ" كَما تَقَدَّمَ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "لِيَهَبَ لَكِ" بِالياءِ، أيْ: لِيَهَبَ لَكِ اللهُ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ رَحِمَهُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِيَهَبَ اللهُ لَكِ".
فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ ذَلِكَ واسْتَشْعَرَتْ ما طَرَأ عَلَيْها، اسْتَفْهَمَتْ عن طَرِيقِهِ، وهي لَمْ يَمَسَّها بَشَرٌ بِنِكاحٍ ولَمْ تَكُنْ زانِيَةً. و"البَغِيُّ": المُجاهِرَةُ المُشْتَهِرَةُ في الزِنى، فَهي طالِبَةٌ لَهُ، بَغُوىٌ عَلى وزْنِ فَعُولٍ كَبَتُولٍ، ولَوْ كانَتْ فَعِيلًا لَقَوِيَ أنْ يَلْحَقَها هاءُ التَأْنِيثِ فَيُقالُ: بَغِيَّةٌ.
(p-١٨)
19:21–23Страница 306
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١
Он сказал: «Вот так! Господь твой сказал: «Это для Меня легко. Мы сделаем его знамением для людей и милостью от Нас. Это дело уже предрешено!»»
۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢
Она понесла его (забеременела) и отправилась с ним в отдаленное место.
فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣
Родовые схватки привели ее к стволу финиковой пальмы, и она сказала: «Лучше бы я умерла до этого и была навсегда забытой!».
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾
قالَ لَها المَلَكُ: كَذَلِكِ هو كَما وصَفْتُ، ولَكِنْ قالَ رَبُّكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ رَبُّكِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، و"الآيَةُ": العِبْرَةُ المُعَرَضَةُ لِلنَّظَرِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِنَجْعَلَهُ" لِلْغُلامِ، ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾، أيْ: طَرِيقَ هُدًى لِعالَمٍ كَثِيرٍ، فَيَنالُونَ الرَحْمَةَ بِذَلِكَ. ثُمْ أعْلَمَها بِأنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ وانْتُجِزَ، و"الأمْرُ" هُنا واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ بِمَصْدَرِ: أمَرَ يَأْمُرُ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ -حِينَ قاوَلَها هَذِهِ المُقاوَلَةَ- نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فَسَرَتِ النَفْخَةُ بِإذْنِ اللهِ حَتّى حَمَلَتْ مِنها، قالَهُوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها وكَفِّها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: دَخَلَ الرُوحُ المَنفُوخُ مِن فَمِها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أيْ: حَمَلَتِ الغُلامَ.
ويُذْكَرُ أنَّها كانَتْ بِنْتَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمّا أحَسَّتْ بِذَلِكَ وخافَتْ تَعْنِيفَ الناسِ وأنْ يُظَنَّ بِها الشَرُّ انْتَبَذَتْ بِهِ، أيْ: تَنَحَّتْ مَكانًا بَعِيدًا حَياءً وفِرارًا عَلى وجْهِها، ورُوِيَ في هَذا أنَّها فَرَّتْ إلى بِلادِ مِصْرَ أو نَحْوِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّها خَرَجَتْ إلى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِبَيْتِ لَحْمٍ، بَيْنَهُ وبَيْنَ إيلِياءَ أرْبَعَةُ أمْيالٍ.
و"أجاءَها" مَعْناهُ: فاضْطَرَّها، و"أجاءَ" هو تَعْدِيَةُ "جاءَ" بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَزْرَةَ -وَرُوِيَتْ عن عاصِمٍ -: "فاجَأها"، مِنَ المُفاجَأةِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَلَمّا أجاءَها المَخاضُ"، وقالَ زُهَيْرٌ:(p-١٩)
؎ وجارٌ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكم أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَجاءُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَخاضَ" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ - بِكَسْرِها، وهو الطَلْقُ وشِدَّةُ الوِلادَةِ وأوجاعِها، رُوِيَ أنَّها بَلَغَتْ إلى مَوْضِعٍ كانَ فِيهِ جِذْعُ نَخْلَةٍ بالٍ يابِسٌ في أصْلِهِ مِذْوَدُ بَقَرَةٍ عَلى جَرْيَةِ ماءٍ، فاشْتَدَّ بِها الأمْرُ هُنالِكَ، واحْتَضَنَتِ الجِذْعَ لِشِدَّةِ الوَجَعِ، ووَلَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَتْ عِنْدَ وِلادَتِها - لِما رَأتْهُ مِنَ الآلامِ والتَغَرُّبِ وإنْكارِ قَوْمِها وصُعُوبَةِ الحالِ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ-: يا لَيْتَنِي مِتُّ ولَمْ يَجْرِ عَلَيَّ هَذا القَدَرُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ: "مُتُّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ بِكَسْرِها، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ. وتَمَنَّتْ مَرْيَمُ المَوْتَ مِن جِهَةِ الدِينِ؛ إذْ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها الشَرُّ في دِينِها، وتُعَيَّرَ فَيَفْتِنَها ذَلِكَ، وعَلى هَذا الحَدِّ تَمَنّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ الصالِحِينَ، ونَهْيُ النَبِيِّ ﷺ عن تَمَنِّي المَوْتِ إنَّما هو لِضُرٍّ نَزَلَ بِالبَدَنِ، وقَدْ أباحَهُ ﷺ في قَوْلِهِ:
(p-٢٠)«يَأْتِي عَلى الناسِ زَمانٌ يَمُرُّ الرَجُلُ بِقَبْرِ الرَجُلِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي مَكانَهُ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لِأنَّهُ زَمَنُ فِتَنٍ بِالدِينِ.
وقالَتْ: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾، أيْ: شَيْئًا مَتْرُوكًا مُحْتَقَرًا، والنَسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُنْسى فَلا يُتَألَّمُ لِفَقْدِهِ كالوَتَدِ والحَبْلِ لِلْمُسافِرِ ونَحْوِهُ، يُقالُ: نَسْيٌ ونِسْيٌ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالكَسْرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِالفَتْحِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ، وكَقِراءَةِ حَمْزَةَ قَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ويَحْيى، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "نِسْئًا" بِالهَمْزِ وكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ نَوْفٌ البِكالِيُّ: "نَسْئًا" بِفَتْحِ النُونِ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ، وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ: "نَسًّا" بِشَدِّ السِينِ وفَتْحِ النُونِ دُونَ هَمْزٍ، وقالَ الشَنْفَرى:
؎ كَأنَّ لَها في الأرْضِ نَسًّا تَقُصُّهُ ∗∗∗ إذا ما غَذَّتْ وإنْ تُحَدِّثْكَ تَبَّلَتْ
وحَكى الطَبَرِيُّ في قَصَصِها أنَّها لَمّا حَمَلَتْ بِعِيسى حَمَلَتْ أيْضًا أُخْتُها بِيَحْيى، فَجاءَتْها أُخْتُها زائِرَةً فَقالَتْ: يا مَرْيَمُ، أشْعَرْتِ أنِّي حَمَلْتُ؟ قالَتْ لَها مَرْيَمُ: أشْعَرْتِ أنْتِ أنِّي حَمَلْتُ؟ قالَتْ لَها: وإنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّها أحَسَّتْ جَنِينَها يَخِرُّ بِرَأْسِهِ إلى ناحِيَةِ بَطْنِ مَرْيَمَ، قالَ السُدِّيُّ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣٩].
(p-٢١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ، فَتَأمَّلْهُ. وكَذَلِكَ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ مِن قَصَصِها أنَّها خَرَجَتْ فارَّةً مَعَ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ يُوسُفُ النَجّارُ كانَ يَخْدِمْ مَعَها المَسْجِدَ، وطَوَّلَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ فاخْتَصَرْتُهُ لِضَعْفِهِ، وهَذِهِ القِصَّةُ تَقْتَضِي أنَّها حَمَلَتْ واسْتَمَرَّتْ حامِلًا عَلى عُرْفِ البَشَرِ، واسْتَحْيَتْ مِن ذَلِكَ وفَرَّتْ بِسَبَبِهِ وهي حامِلٌ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَأوِّلِينَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ إلّا أنْ حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ عَلى عُرْفِ النِساءِ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّها ولَدَتْهُ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ؛ ولِذَلِكَ لا يَعِيشُ ابْنُ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ حِفْظًا لِخاصِّيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: ولَدَتْهُ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، وقِيلَ: لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.
19:24–26Страница 306
فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤
Тогда он (Иса или Джибрил) воззвал к ней из-под нее: «Не печалься! Господь твой создал под тобой ручей.
وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥
Потряси на себя ствол пальмы, и на тебя попадают свежие финики.
فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦
Ешь, пей и радуйся! Если же увидишь кого-либо из людей, то скажи: «Я дала Милостивому обет хранить молчание и не стану сегодня разговаривать с людьми»».
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَناداها مِن تَحْتِها ألا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ حُبَيْشٍ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وجَماعَةٌ: "فَناداها مَن تَحْتَها" عَلى أنَّ "مَن" فاعِلٌ بِـ "يُنادِي"، والمُرادُ بِـ "مَن" عِيسى، أيْ: ناداها المَوْلُودُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها، وقالَ عَلْقَمَةُ والضَحّاكُ، وقَتادَةُ: فَفي هَذا آيَةٌ لَها وأمارَةٌ أنَّ هَذا مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ الَّتِي لِلَّهِ فِيها مُرادٌ عَظِيمٌ، لا سِيَّما والمُنادِي عِيسى، فَإنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ عُذْرَ مَرْيَمَ، ولا تَبْقى بِها اسْتِرابَةٌ، فَلِذَلِكَ كانَ النِداءُ ألّا يَقَعَ حُزْنٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، والضَحّاكُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ (p-٢٢)رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا، والحَسَنُ: "مِن تَحْتِها" بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ، واخْتَلَفُوا - فَقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ جِبْرِيلُ المُجاوِرُ لَها قَبْلُ، قالُوا: وكانَ في سِعَةٍ مِنَ الأرْضِ أخْفَضَ مِنَ البُقْعَةِ الَّتِي كانَتْ هي عَلَيْها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ وأظْهَرُ، وعَلَيْهِ كانَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ يُقْسِمْ.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "فَخاطَبَها مِن تَحْتِها"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "فَناداها مَلَكٌ مِن تَحْتِها".
وقَوْلُهُ، ﴿ألا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرُ النِداءِ، فَـ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنى: أيْ، و"السَرِيُّ" مِنَ الرِجالِ، العَظِيمُ الخِصالِ السَيِّدُ، و"السَرِيُّ" أيْضًا: الجَدْوَلُ مِنَ الماءِ، وبِحَسْبَ هَذا اخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ - فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أرادَ: جَعَلَ تَحْتَكِ عَظِيمًا مِنَ الرِجالِ لَهُ شَأْنٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: أشارَ لَها إلى الجَدْوَلِ الَّذِي كانَ قُرْبَ جِذْعِ النَخْلَةِ، ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ فَسَّرَ الآيَةَ فَقالَ: أجَلْ، لَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ سَرِيًّا كَرِيمًا، فَقالَ حَمِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ الحَمِيرِيُّ: يا أبا سَعِيدٍ، إنَّما نَعْنِي بِالسَرِيِّ الجَدْوَلَ، فَقالَ: لِهَذِهِ وأشْباهِها أحَبُّ قُرْبَكَ، ولَكِنْ غَلَبَتْنا عَلَيْكَ الأُمَراءُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِنَ الشاهِدِ في السَرِيِّ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎ فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَرِّيِّ وصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِرًا قُلّامُها
ثُمْ أمَرَ بِهَزِّ الجِذْعِ اليابِسِ لِتَرى آيَةً أُخْرى في إحْياءِ مَواتِ الجِذْعِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: (p-٢٣)كانَتِ النَخْلَةُ مُطَعَّمَةً رُطَبًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ الجِذْعُ مَقْطُوعًا، وأجْرى النَهْرَ تَحْتَها لِحِينِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عِيسى هو المُكَلِّمْ لَها، وأنَّ الجِذْعَ كانَ يابِسًا، وعَلى هَذا تَكُونُ آياتٍ تُسَلِّيها وتَسْكُنُ إلَيْها، والباءُ في قَوْلِهِ: "بِجِذْعِ" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما يُقالُ: ألْقى بِيَدِهِ، أيْ: ألْقى يَدَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا المِثالِ نَظَرٌ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
؎ بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ السِدْرَ صَدْرُهُ ∗∗∗ وأسْفَلُهُ بِالمَزْجِ والشَبَهانِ
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "تَسّاقَطْ" بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ السِينِ، يُرِيدُ النَخْلَةَ، وقَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والأعْمَشُ رَحِمَهُ اللهُ: "يَسّاقَطْ" يُرِيدُ الجِذْعَ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "تَساقَطْ" بِفَتْحِ التاءِ وتَخْفِيفِ السِينِ، وهي قِراءَةُ مَسْرُوقٍ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ- وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَسّاقَطْ" بِالياءِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن إرادَةِ النَخْلَةِ أوِ الجِذْعِ. وقَرَأ عاصِمْ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "تُساقِطْ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ السِينِ وتَخْفِيفِها، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُسْقِطْ" بِضَمٍّ بِالياءِ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ أنَّهُ قُرِئَ: "يَتَساقَطْ" بِياءٍ وتاءٍ، ورُوِيُ عن مَسْرُوقٍ: "تُسْقِطْ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ القافِ، وكَذَلِكَ عن أبِي حَيْوَةَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ أيْضًا: "يَسْقُطْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ القافِ، "رُطَبٌ جَنِيٌّ". ونَصْبُ "رُطَبًا" يَخْتَلِفُ بِحَسْبَ مَعانِي القِراءاتِ المَذْكُورَةِ، فَمَرَّةً يُسْنَدُ الفِعْلَ إلى الجِذْعِ، ومَرَّةً إلى الهَزِّ، ومَرَّةً إلى النَخْلَةِ، و"جَنِيًّا" مَعْناهُ: قَدْ طابَ وصَلَحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو مِن جَنَيْتُ الثَمَرَةَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "جِنِيًّا" بِكَسْرِ الجِيمِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ما مِن شَيْءٍ خَيْرٌ لِلنُّفَساءِ مِنَ التَمْرِ والرُطَبِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "رُطَبًا" عَجْوَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الرِزْقَ وإنْ كانَ مَحْتُومًا فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ وكَلَ ابْنَ آدَمَ إلى سَعْيِ ما فِيهِ؛ لِأنَّهُ أُمِرَتْ مَرْيَمُ بِهَزِّ الجِذْعِ لِتَرى آيَةً، وكانَتِ الآيَةُ تَكُونُ بِألّا تَهُزَّ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ لَها عِيسى: "لا تَحْزَنِي"، فَقالَتْ: وكَيْفَ لا أحْزَنُ وأنْتَ مَعِي، لا ذاتُ زَوْجٍ "فَأقُولُ مِن زَوْجٍ، ولا مَمْلُوكَةٌ فَأقُولُ مِن سَيِّدِي، أيُّ شَيْءٍ عُذْرِي عِنْدَ الناسِ؟ ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، فَقالَ لَها عِيسى: "أنا أكْفِيكِ الكَلامَ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾ الآيَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقَرِّي" بِفَتْحِ القافِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قِراءَةَ "وَقِرِّي" بِكَسْرِ القافِ، وقُرَّةُ العَيْنِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يُحْكى أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ، وضَعَّفَتْ فِرْقَةٌ هَذا وقالَتِ: الدَمْعُ كُلُّهُ سُخْنٌ، وإنَّما مَعْنى قُرَّةِ العَيْنِ أنَّ البُكاءَ الَّذِي يُسْخِنُ العَيْنَ ارْتَفَعَ، أيْ: لا حُزْنَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ العَيْنُ، وقالَ الشَيْبانِيُّ: "وَقَرِّي عَيْنًا" مَعْناهُ: نامِي، حَضَّها عَلى الأكْلِ والشُرْبِ والنَوْمِ، وقَوْلُهُ: "عَيْنًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والفِعْلُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو لِلْعَيْنِ، فَيُنْقَلُ ذَلِكَ إلى ذِي العَيْنِ، ويُنْصَبُ الَّذِي كانَ فاعِلًا في الحَقِيقَةِ عَلى التَفْسِيرِ، ومِثْلُهُ: طِبْتَ نَفْسًا، وتَفَقَّأْتَ شَحْمًا، وتَصَبَّبْتُ عَرَقًا، وهَذا كَثِيرٌ.
(p-٢٥)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرَيِنَّ"، وأصِلُهُ: "تَرْأيِينَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْجَزْمِ، ثُمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الراءِ، ثُمْ قُلِبَتِ الياءُ الأُولى ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، فاجْتَمَعَ ساكِنانِ، الألْفُ [المُنْقَلِبَةُ عَنِ الياءِ]، والياءُ، فَحُذِفَتِ الألِفُ فَصارَ "تَرى"، وعَلى هَذا النَحْوِ قَوْلُ الأفْوَهِ:
؎ إمّا تَرى رَأْسِي أزْرى بِهِ ∗∗∗ البَيْتُ..............
ثُمْ دَخَلَتِ النُونُ الثَقِيلَةُ، وكُسِرَتِ الياءُ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ مِنها ومِنَ النُونِ، وإنَّما دَخَلَتِ النُونُ هُنا تَوْطِئَةً، كَما تُوَطِّئُ لِدُخُولِها أيْضًا لامُ القَسَمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - فِيما رُوِيَ عنهُ -: "تَرَئِنَّ" بِالهَمْزَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "تَرَيْنَ" بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُونِ خَفِيفَةً، قالَ أبُو الفَتْحِ: "وَهِيَ شاذَّةٌ".
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَها - عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ أوِ ابْنِها عَلَيْهِما السَلامُ، (p-٢٦)عَلى الخِلافِ المُتَقَدِّمْ - بِأنَّ تُمْسِكُ عن مُخاطَبَةِ البَشَرِ، وتُحِيلُ عَلى ابْنِها في ذَلِكَ، لِيَرْتَفِعَ عنها خَجَلُها، وتَبِينَ الآيَةُ فَيَقُومَ عُذْرُها، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها أُبِيحَ لَها أنَّ تَقُولَ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي في الآيَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى "فَقُولِي" بِالإشارَةِ لا بِالكَلامِ، وإلّا فَكَأنَّ التَناقُضَ بَيِّنٌ في أمْرِها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ: "إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ وصُمْتُ". وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: صَوْمًا عَنِ الكَلامِ؛ إذْ أصْلُ الصَوْمِ الإمْساكُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ خَيْلٌ صِيامٌ....... ∗∗∗......................
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسُدِّيُّ: كانَتْ سُنَّةُ الصِيامِ عِنْدَهُمُ الإمْساكُ عَنِ الأكْلِ والكَلامِ، وقَرَأتْ فَرِقْةٌ، "إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَمْتًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا يَجُوزُ في شَرْعِنا أنْ يُنْذِرَ أحَدٌ صَوْمًا، ولَقَدْ أمَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِالنُطْقِ والكَلامِ، وقالَ فِرْقَةٌ: أُمِرَتْ مَرْيَمُ بِهَذا لِيَكْفِيَها عِيسى الِاحْتِجاجَ.
19:27–28Страница 307
فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧
Она пришла к своим родным, неся его. Они сказали: «О Марьям (Мария)! Ты совершила тяжкий (или небывалый, или удивительный) проступок.
يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨
О сестра Харуна (Аарона)! Твой отец не был скверным человеком, и мать твоя не была блудницей».
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾
رُوِيَ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَلامُ لَمّا اطْمَأنَّتْ بِما رَأتْ مِنَ الآيَةِ، وعَلِمَتْ أنَّ اللهَ تَعالى سَيُبَيِّنُ عُذْرَها، أتَتْ بِهِ تَحْمِلُهُ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، رُوِيَ أنَّ قَوَّمَها (p-٢٧)خَرَجُوا في طَلَبِها فَلَقُوها وهي مُقْبِلَةٌ. و"الفَرِيُّ": العَظِيمُ الشَنِيعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، وافْتَراهُ: اخْتَلَقَهُ، وهو مِنَ الفِرْيَةِ، وفَراهُ يَفْرِيهِ: شَقَّهُ وأفْسَدَهُ، وأفْراهُ: أصْلَحَهُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَيْتُ الأدِيمَ: قَطَعْتُهُ عَلى جِهَةِ الإصْلاحِ، وأمّا قَوْلُهم في المَثَلِ: "فُلانٌ يَفْرِي الفَرِيَّ" فَمَعْناهُ: جاءَ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ، في قَوْلٍ أو فِعْلٍ مِمّا قُصِدَ ضَرْبُ المَثَلِ لَهُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ فِيما يُخْتَلَقُ ويُفْعَلُ، والفَرِيُّ مِنَ الأسْقِيَةِ الجَدِيدُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "شَيْئًا فَرِيًّا" بِسُكُونِ الراءِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ لَها أخٌ اسْمُهُ هارُونُ ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ كانَ كَثِيرًا في بَنِي إسْرائِيلَ تَبَرُّكًا باسِمْ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، ورَوى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أرْسَلَهُ إلى نَجْرانَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَقالُوا: إنَّ صاحِبَكَ يَزْعُمْ أنَّ مَرْيَمَ هي أُخْتُ هارُونَ، وبَيْنَهُما في المُدَّةِ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، قالَ المُغِيرَةُ: فَلَمْ أدْرِ ما أقُولُ فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: "ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ والصالِحِينَ"؟».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالمَعْنى أنَّهُ اسْمٌ وافَقَ اسْمًا، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: بَلْ نَسَبُوها إلى هارُونَ أخِي مُوسى لِأنَّها كانَتْ مَن نَسْلِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ مِن قَبِيلَةِ: يا أخا فُلانَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «إنْ أخا صُداءٍ أذَّنَ، ومَن أذَّنَ فَهو يُقِيمُ»، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ بِحَضْرَةِ عائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها: لَيْسَتْ بِأُخْتِ هارُونَ أخِي مُوسى "، فَقالَتْ عائِشَةُ: كَذَبْتَ، فَقالَ لَها: يا أُمُ المُؤْمِنِينَ، إنْ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَهُ فَهو أصْدَقُ وأخْبَرُ، وإلّا (p-٢٨)فَإنِّي أجِدُ بَيْنَهُما مِنَ المُدَّةِ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، قالَ: فَسَكَتَتْ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ عابِدٌ مُنْقَطِعٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ يُسَمّى هارُونَ، فَنَسَبُوها إلى أُخُوَّتِهِ مِن حَيْثُ كانَتْ عَلى طَرِيقَتِهِ، قِيلَ: إذْ كانَتْ مَوْقُوفَةً عَلى خِدْمَةِ البِيَعِ، أيْ: يا هَذِهِ المَرْأةُ الصالِحَةُ ما كُنْتِ أهْلًا لِما أتَيْتِ بِهِ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَعْيِيرِ والتَوْبِيخِ، ذِكْرَهُ الطَبَرِيُّ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ، والمَعْنى: ما كانَ أبُوكِ ولا أُمُّكِ أهْلًا لِهَذِهِ الفِعْلَةِ: فَكَيْفَ جِئْتِ أنْتِ بِها؟ و"البَغِيُّ": الَّتِي تَبْغِي الزِنى، أيْ تَطْلُبُهُ، أصْلُها: بَغُويٌ، فَعُولٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии