Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:105–109
2:105–106Страница 16
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥
Неверующие из людей Писания и многобожники не хотят, чтобы вам ниспосылалось благо от вашего Господа. Аллах же отмечает Своей милостью, кого пожелает. Аллах обладает великой милостью.
۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦
Когда Мы отменяем или заставляем забыть один аят, то приводим тот, который лучше его, или равный ему. Разве ты не знаешь, что Аллах способен на всякую вещь?
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أو نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أو مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
التَقْدِيرُ: ولا مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ أجْناسَهم مِنَ اليَهُودِ والنَصارى وعَبَدَةِ الأوثانِ، لِيَبِينَ في الألِفِ واللامِ في "الَّذِينَ" أنَّها لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ.
(p-٣٠٨)وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما أمَرْناكم بِهِ مِن أنْ تُعَظِّمُوا نَبِيَّكم خَيْرٌ مِنَ اللهِ مَنحُكم إيّاهُ، وذَلِكَ لا يَوَدُّهُ الكُفّارُ، ثُمَّ يَتَناوَلُ اللَفْظُ كُلَّ خَيْرٍ غَيْرَ هَذا، و"أنْ" مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، و"مِن" زائِدَةٌ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، ولَمّا كانَ وُدُّ نُزُولِ الخَيْرِ مُنْتَفِيًا قامَ ذَلِكَ مَقامَ الجَحْدِ الَّذِي يَلْزَمُ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنَ الزائِدَةُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وأمّا الأخْفَشُ فَيُجِيزُ زِيادَتَها في الواجِبِ.
وقالَ قَوْمٌ: "مِن" لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ ألّا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْرِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، ولَوْ زالَ مَعْنى التَبْعِيضِ لَساغَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُرِيدُ ألّا يُنَزَّلَ خَيْرٌ كامِلٌ، ولا نَكْرَهُ أنْ يَنَزَّلَ بَعْضٌ، فَإذا نُفِيَ وُدُّ نُزُولِ البَعْضِ فَذَلِكَ أحْرى في نُزُولِ خَيْرٍ كامِلٍ.
والرَحْمَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عامَّةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِها الَّتِي قَدْ مَنَحَها اللهُ عِبادَهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقالَ قَوْمٌ: الرَحْمَةُ هي القُرْآنُ، وقالَ قَوْمٌ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذِهِ أجْزاءُ الرَحْمَةِ العامَّةِ الَّتِي في لَفْظِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أو نُنْسِها﴾ الآيَةُ، النَسْخُ -فِي كَلامِ العَرَبِ - عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما النَقْلُ، كَنَقْلِ كِتابٍ مِن آخَرَ، والثانِي الإزالَةُ، فَأمّا الأوَّلُ فَلا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وأمّا الثانِي الَّذِي هو الإزالَةُ فَهو الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، وهو مُنْقَسِمٌ في اللُغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما يُثْبِتُ الناسِخَ بَعْدَ المَنسُوخِ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الشَمْسُ الظِلَّ، والآخَرُ لا يُثْبِتُ كَقَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الرِيحُ الأثَرَ.
(p-٣٠٩)وَوَرَدَ النُسَخُ في الشَرْعِ حَسَبَ هَذَيْنَ الضَرْبَيْنِ. والناسِخُ حَقِيقَةٌ هو اللهُ تَعالى، ويُسَمّى الخِطابُ الشَرْعِيُّ ناسِخًا إذْ بِهِ يَقَعُ النَسْخُ.
وحَدُّ الناسِخِ عِنْدَ حُذّاقِ أهْلِ السُنَّةِ الخِطابُ الدالُّ عَلى ارْتِفاعِ الحُكْمِ الثابِتِ بِالخِطابِ المُتَقَدِّمِ عَلى وجْهٍ لَوْلاهُ لَكانَ ثابِتًا مَعَ تَراخِيهِ عنهُ.
والنَسْخُ جائِزٌ عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا، لِأنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ عنهُ مُحالٌ، ولا تَغْيِيرُ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، ولَيْسَتِ الأوامِرُ مُتَعَلِّقَةً بِالإرادَةِ فَيَلْزَمُ مِنَ النَسْخِ أنَّ الإرادَةَ تَغَيَّرَتْ، ولا النَسْخَ لِطُرُوِّ عِلْمٍ، بَلِ اللهُ تَعالى يَعْلَمُ إلى أيِّ وقْتٍ يَنْتَهِي أمْرُهُ بِالحُكْمِ الأوَّلِ، ويَعْلَمُ نَسْخَهُ بِالثانِي.
والبَداءُ لا يَجُوزُ عَلى اللهِ تَعالى، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا لِطُرُوِّ عِلْمٍ أو لِتَغَيُّرِ إرادَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ في جِهَةِ اللهِ تَعالى. وجَعَلَتِ اليَهُودُ النَسْخَ والبَداءَ واحِدًا، ولِذَلِكَ لَمْ يُجَوِّزُوهُ فَضَلُّوا.
والمَنسُوخُ عِنْدَ أئِمَّتِنا: الحُكْمُ الثابِتُ نَفْسُهُ، لا ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ مِثْلُ الحُكْمِ الثابِتِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، والَّذِي قادَهم إلى ذَلِكَ مَذْهَبُهم في أنَّ الأوامِرَ مُرادَةٌ، وأنَّ الحَسَنَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِلْحُسْنِ، ومُرادُ اللهِ تَعالى حَسَنٌ، وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّ الأوامِرَ لا تَرْتَبِطُ بِالإرادَةِ، وعَلى أنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ في الأحْكامِ إنَّما هو مِن جِهَةِ الشَرْعِ لا بِصِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ.
(p-٣١٠)والتَخْصِيصُ مِنَ العُمُومِ يُوهِمُ أنَّهُ نَسْخٌ ولَيْسَ بِهِ، لِأنَّ المُخَصَّصَ لَمْ يَتَناوَلْهُ العُمُومُ قَطُّ، ولَوْ ثَبَتَ قَطْعًا تَناوُلُ العُمُومِ لِشَيْءٍ ما ثُمَّ أُخْرِجَ ذَلِكَ الشَيْءُ عَنِ العُمُومِ لَكانَ نَسْخًا لا تَخْصِيصًا، والنَسْخُ لا يَجُوزُ في الإخْبارِ، وإنَّما هو مُخْتَصٌّ بِالأوامِرِ والنَواهِي، ورَدَّ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ الأمْرَ خَبَرًا بِأنْ قالَ: ألَيْسَ مَعْناهُ: واجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا كَذا؟ فَهَذا خَبَرٌ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: إنْ في ضِمْنِ المَعْنى إلّا أنْ أنْسَخَهُ عنكم وأرْفَعَهُ، فَكَما تَضَمَّنَ لَفْظُ الأمْرِ ذَلِكَ الإخْبارَ، كَذَلِكَ تَضَمَّنَ هَذا الِاسْتِثْناءَ.
وصُوَرُ النُسَخِ تَخْتَلِفُ:
وقَدْ يُنْسَخُ الأثْقَلُ إلى الأخَفِّ، كَنَسْخِ الثُبُوتِ لِعَشَرَةٍ بِالثُبُوتِ لِاثْنَيْنِ.
وقَدْ يُنْسَخُ الأخَفُّ إلى الأثْقَلِ كَنَسْخِ يَوْمِ عاشُوراءَ والأيّامِ المَعْدُودَةِ بِرَمَضانَ.
وقَدْ يُنْسَخُ المَثَلُ بِمِثْلِهِ ثِقَلًا وخِفَّةً، كالقُبْلَةِ.
وقَدْ يُنْسَخُ الشَيْءُ لا إلى بَدَلٍ، كَصَدَقَةِ النَجْوى.
والنَسْخُ التامُّ أنْ تُنْسَخَ التِلاوَةُ والحُكْمُ، وذَلِكَ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كُنّا نَقْرَأُ "لا تَرْغَبُوا عن آبائِكم فَإنَّهُ كُفْرٌ.
(p-٣١١)وَقَدْ تُنْسَخُ التِلاوَةُ دُونَ الحُكْمِ، كَآيَةِ الرَجْمِ.
وقَدْ يُنْسَخُ الحُكْمُ دُونَ التِلاوَةِ، كَصَدَقَةِ النَجْوى، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]، والتِلاوَةُ والحُكْمُ حُكْمانِ، فَجائِزٌ نَسْخُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، ويُنْسَخُ القُرْآنُ بِالقُرْآنِ، والسُنَّةُ بِالسُنَّةِ، وهَذِهِ العِبارَةُ يُرادُ بِها الخَبَرُ المُتَواتِرُ القَطْعِيُّ، ويُنْسَخُ خَبَرُ الواحِدِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهَذا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وحُذّاقُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يُنْسَخُ بِالسُنَّةِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»، وهو ظاهِرُ مَسائِلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وأبى ذَلِكَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، والحُجَّةُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ إسْقاطُهُ الجَلْدَ في حَدِّ الزِنى عَنِ الثَيِّبِ الَّذِي يُرْجَمُ، فَإنَّهُ لا مَسْقَطَ لِذَلِكَ إلّا السُنَّةُ، فِعْلُ النَبِيِّ ﷺ.
وكَذَلِكَ حُذّاقُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ السُنَّةَ تُنْسَخُ بِالقُرْآنِ. وذَلِكَ مَوْجُودٌ في القِبْلَةِ، فَإنَّ الصَلاةَ إلى الشامِ لَمْ تَكُنْ قَطُّ في كِتابِ اللهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَإنَّ رُجُوعَهُنَّ إنَّما كانَ بِصُلْحِ النَبِيِّ ﷺ لِقُرَيْشٍ.
والحُذّاقُ عَلى تَجْوِيزِ نَسْخِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ عَقْلًا، واخْتَلَفُوا هَلْ وقَعَ شَرْعًا؟ فَذَهَبَ أبُو المَعالِي، وغَيْرُهُ إلى وُقُوعِهِ في نازِلَةِ مَسْجِدِ قِباءٍ، في التَحَوُّلِ إلى القِبْلَةِ، وأبى ذَلِكَ قَوْمٌ.
(p-٣١٢)وَلا يَصِحُّ نَسْخُ نَصٍّ بِقِياسٍ، إذْ مِن شُرُوطِ القِياسِ ألّا يُخالِفَ نَصًّا، وهَذا كُلُّهُ في مُدَّةِ النَبِيِّ ﷺ. وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ واسْتِقْرارِ الشَرْعِ فَأجْمَعَتِ الأُمَّةُ أنَّهُ لا نَسْخَ، ولِهَذا كانَ الإجْماعُ لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخُ، لِأنَّهُ إنَّما يَنْعَقِدُ بَعْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَإذا وجَدْنا إجْماعًا يُخالِفُ نَصًّا فَنَعْلَمُ أنَّ الإجْماعَ اسْتَنَدَ إلى نَصٍّ ناسِخٍ لا نَعْلَمُهُ نَحْنُ.
وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: النَسْخُ الثابِتُ مُتَقَرِّرٌ في جِهَةِ كُلِّ أحَدٍ، عَلِمَ الناسِخَ أو لَمْ يَعْلَمْهُ، والَّذِي عَلَيْهِ الحُذّاقُ أنَّهُ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ الناسِخُ فَهو مُتَعَبِّدٌ بِالحُكْمِ الأوَّلِ، فَإذا بَلَغَهُ الناسِخُ طَرَأ عَلَيْهِ حُكَمُ النَسْخِ. والحُذّاقُ عَلى جَوازِ نَسْخِ الحُكْمِ قَبْلَ فِعْلِهِ، وهو مَوْجُودٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى في قِصَّةِ الذَبِيحِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ما نَنْسَخُ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن نَسَخَ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "نُنْسِخُ"، بِضَمِّ النُونِ مِن أنْسَخَ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَتْ لُغَةً لِأنَّهُ لا يُقالُ: نُسِخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى، ولا هي لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ المَعْنى يَجِيءُ: ما نَكْتُبُ مِن آيَةٍ، أيْ ما نَنْزِلُ فَيَجِيءُ القُرْآنُ كُلُّهُ عَلى هَذا مَنسُوخًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، كَما تَقُولُ: أحَمَدْتَ الرَجُلَ وأبْخَلَتَهُ بِمَعْنى وجَدْتَهُ مَحْمُودًا أو بَخِيلًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ نَجِدُهُ مَنسُوخًا إلّا بِأنْ نَنْسَخْهُ فَتَتَّفِقُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفَتا في اللَفْظِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ خَرَّجَ قِرَأةُ هَذِهِ القِراءَةِ المَعْنى عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَكْتُبُ ونُنْزِلُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، أو ما نُؤَخِّرُ فِيهِ ونَتْرُكُ فَلا نُنْزِلُهُ أيْ ذَلِكَ فِعْلُنا فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المُؤَخَّرِ المَتْرُوكِ أو بِمِثْلِهِ، فَيَجِيءُ الضَمِيرانِ في "مِنها" أو "مِثْلِها" عائِدِينَ عَلى الضَمِيرِ في "نَنْسَأْها".
(p-٣١٣)والمَعْنى الآخَرُ: أنْ يَكُونَ نَنْسَخُ مِنَ النَسْخِ بِمَعْنى الإزالَةِ، ويَكُونَ التَقْدِيرُ: ما نَنْسَخُكَ أيْ نُبِيحُ لَكَ نَسْخَهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَها اللهُ أباحَ لِنَبِيِّهِ تَرْكَها بِذَلِكَ النَسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا. و"ما" شَرْطِيَّةٌ، وهي مُفَعُولَةٌ بـِ "نَنْسَخْ"، و"نَنْسَخْ" جُزِمَ بِالشَرْطِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ: "نُنْسِها" فَقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجُمْهُورُ مِنَ الناسِ "نَنْسَها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى، وسُكُونِ الثانِيَةِ، وكَسْرِ السِينِ، وتَرْكِ الهَمْزَةِ، وهَذِهِ مِن أنْسى المَنقُولِ مِن نَسِيَ، وقَرَأتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ كَما تَقَدَّمَ إلّا أنَّها هَمَزَتْ بَعْدَ السِينِ، فَهَذِهِ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: أنْسَأْتُ الدَيْنَ وغَيْرَهُ أنُسْؤُهُ إنْساءً إذا أخَّرْتُهُ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "أو نَنْسَها" بِفَتْحِ النُونِ الأولى، وسُكُونِ الثانِيَةِ، وفَتْحِ السِينِ، وهَذِهِ بِمَعْنى التَرْكِ، ذَكَرَها مَكِّيٌّ ولَمْ يَنْسِبْها، وذَكَرَها أبُو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في كِتابِ "اللَآلِي" عن سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأراهُ وهم. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ "أو تَنْسَها" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ ﷺ، ونُونٍ بَعْدَها ساكِنَةٍ، وفَتْحِ السِينِ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ، وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ، فَقِيلَ لِسَعْدٍ: إنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبَ يَقْرَؤُها بِنُونٍ أُولى مَضْمُومَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، فَقالَ: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى المُسَيِّبِ ولا عَلى آلِ المُسَيِّبِ، وتَلا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ - فِيما ذَكَرَ عنهُ أيْضًا - "أو تُنْسَها" بِضَمِّ التاءِ أوَّلًا وفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ النُونِ بَيْنَهُما، وهَذِهِ مِنَ النِسْيانِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، وأبُو رَجاءٍ "نُنَسِّها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهَذِهِ أيْضًا مِنَ النِسْيانِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "نَنْسَأْها" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وأُخْرى بَعْدَها ساكِنَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وألِفٍ بَعْدَها مَهْمُوزَةٍ، وهَذِهِ مِنَ التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ أنُسَؤُها نَسْأً، أيْ أخَّرْتُها، وكَذَلِكَ يُقالُ: أنْسَأ الإبِلَ إذا زادَ في ظَمَئِها يَوْمًا أو يَوْمَيْنِ أو أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، بِمَعْنى أخَّرَها عَنِ الوِرْدِ.
(p-٣١٤)وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا أنَّها بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلًا عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ ﷺ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ مِثْلَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التاءَ أوَّلًا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "أو نُنْسِكَ" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وسُكُونِ الثانِيَةِ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ وكافٍ مُخاطَبَةٍ، وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ "أو نُنْسِكَها" مِثْلَ قِراءَةِ أُبَيٍّ إلّا أنَّهُ زادَ ضَمِيرَ الآيَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أو نَنْسَخْها نَجِيءُ بِمِثْلِها"، وهَكَذا ثَبَتَتْ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءاتُ لا تَخْلُو كُلُّ واحِدَةٍ مِنها أنْ تَكُونَ مِنَ النَسْءِ أوِ الإنْساءِ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، أو تَكُونُ مِنَ النِسْيانِ.
والنِسْيانُ في كَلامِ العَرَبِ يَجِيءُ في الأغْلَبِ ضِدَّ الذِكْرِ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى التَرْكِ، فالمَعانِي الثَلاثَةُ مَقُولَةٌ في هَذِهِ القِراءاتِ، فَما كانَ مِنها يَتَرَتَّبُ في لَفْظَةِ النِسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِكْرِ. فَمَعْنى الآيَةِ: ما نَنْسَخُ مِن آيَةٍ أو نُقَدِّرُ نِسْيانَكَ لَها فَتَنْساها حَتّى تَرْتَفِعَ جُمْلَةً وتَذْهَبَ، فَإنّا نَأْتِي بِما هو خَيْرٌ مِنها لَكم أو مِثْلِهِ في المَنفَعَةِ. وما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يُحْمَلُ عَلى مَعْنى التَرْكِ فَإنَّ الآيَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ فِيها أرْبَعَةُ مَعانٍ: أحَدُها: ما نَنْسَخُ -عَلى وُجُوهِ النُسَخِ- أو نَتْرُكُ غَيْرَ مُنَزَّلٍ عَلَيْكَ فَإنّا لا بُدَّ أنْ نَنْزِلَ -رِفْقًا بِكُمْ- خَيْرًا مِن ذَلِكَ أو مِثْلَهُ، حَتّى لا يَنْقُصَ الدِينُ عن حَدِّ كَمالِهِ. والمَعْنى الثانِي: أو نَتْرُكَ (p-٣١٥)تِلاوَتَهُ -وَإنَّ رَفَعْنا حُكْمَهُ- فَيَجِيءُ النَسْخُ عَلى هَذا رَفْعُ التِلاوَةِ والحُكْمِ. والمَعْنى الثالِثُ: أو نَتْرُكُ حُكْمَهُ -وَإنَّ رَفَعْنا تِلاوَتَهُ- فالنُسَخُ أيْضًا عَلى هَذا رَفْعُ التِلاوَةِ والحُكْمِ، والمَعْنى الرابِعُ: أو نَتْرُكُها غَيْرَ مَنسُوخَةِ الحُكْمِ ولا التِلاوَةِ، فالنَسْخُ عَلى هَذا المَعْنى هو عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ. ويَجِيءُ الضَمِيرانِ في "مِنها" أو "مِثْلِها" عائِدَيْنَ عَلى المَنسُوخَةِ فَقَطْ، وكَأنَّ الكَلامَ: إنْ نَسَخْنا أو أبْقَيْنا فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المَنسُوخَةِ أو مِثْلِها، وما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يُحْمَلُ عَلى مَعْنى التَأْخِيرِ فَإنَّ الآيَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ فِيها المَعانِي الأرْبَعَةُ الَّتِي في التَرْكِ أوَّلُها: ما نَنْسَخُ أو نُؤَخِّرُ إنْزالَهُ. والثانِي: ما نَنْسَخُ النَسْخَ الأكْمَلَ أو نُؤَخِّرُ حُكْمَهُ وإنْ أبْقَيْنا تِلاوَتَهُ. والثالِثُ: ما نَنْسَخُ النَسْخَ الأكْمَلَ أو نُؤَخِّرُ تِلاوَتَهُ وإنْ أبْقَيْنا حُكْمَهُ. والرابِعُ: ما نَنْسَخُ أو نُؤَخِّرُهُ مُثْبَتًا لا نَنْسَخُهُ، ويَعُودُ الضَمِيرانِ كَما ذَكَرْنا في التَرْكِ. وبَعْضُ هَذِهِ المَعانِي أقْوى مِن بَعْضٍ، لَكِنْ ذَكَرْنا جَمِيعَها لِأنَّها تُحْتَمَلُ، وقَدْ قالَ جَمِيعَها العُلَماءُ، إمّا نَصًّا، وإمّا إشارَةً فَكَمَّلْناها.
وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ القِراءَةَ "أو نُنْسَها" بِضَمِّ النُونِ وسُكُونِ الثانِيَةِ وكَسْرِ السِينِ لا يَتَوَجَّهُ فِيها مَعْنى التَرْكِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ: أنْسى بِمَعْنى تَرَكَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ، وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مُتَّجَهٌ، لِأنَّهُ بِمَعْنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكُها وكَذَلِكَ ضَعَّفَ الزَجّاجُ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى النِسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِكْرِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولا نَسِيَ قُرْآنًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ، وغَيْرُهُ: ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ وقَعَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُرْفَعَ الآيَةُ بِنَسْخٍ، أو بِتَنْسِئَةٍ، واحْتَجَّ الزَجّاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] أيْ لَمْ نَفْعَلْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى إزالَةِ النِعْمَةِ كَما تَوَعَّدَ، وقَدْ حَكى (p-٣١٦)الطَبَرِيُّ القَوْلَ عن أقْدَمَ مِنَ الزَجّاجِ ورَدَ عَلَيْهِ، والصَحِيحُ في هَذا أنَّ نِسْيانَ النَبِيِّ ﷺ لِما أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَنْساهُ -وَلَمْ يُرِدْ أنْ يُثْبِتَ قُرْآنًا- جائِزٌ.
فَأمّا النِسْيانُ الَّذِي هو آفَةٌ في البَشَرِ فالنَبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنهُ قَبْلَ التَبْلِيغِ وبَعْدَ التَبْلِيغِ ما لَمْ يَحْفَظْهُ أحَدٌ مِنَ الصِحابِهِ، وأمّا بَعْدَ أنْ يَحْفَظَ فَجائِزٌ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلى البَشَرِ، لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ وأدّى الأمانَةَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «حِينَ أسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَلاةِ قالَ: أفِي القَوْمِ أُبَيٌّ ؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟ قالَ: حَسِبْتُ أنَّها رُفِعَتْ. فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: لَمْ تُرْفَعْ، ولَكِنِّي نَسِيتُها» " ولَفْظَةُ خَيْرٍ في الآيَةِ صِفَةٌ تَفْضِيلٍ، والمَعْنى: بِأنْفَعَ لَكم أيُّها الناسُ في عاجِلٍ إنْ كانَتِ الناسِخَةُ أخَفَّ، وفي آجِلٍ إنْ كانَتْ أثْقَلَ، وبِمِثْلِها إنْ كانَتْ مُسْتَوِيَةً، وقالَ قَوْمٌ: "خَيْرٌ" في الآيَةِ مَصْدَرٌ، و"مَن" لِابْتِداءِ الغايَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ هَذا القَوْلُ لِقَوْلُهُ تَعالى: "أو مِثْلِها"، إلّا أنْ يُعْطَفَ المِثْلُ عَلى الضَمِيرِ في مِنها دُونَ إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ.
(p-٣١٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ﴾، ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَقْرِيرُ، والتَقْرِيرُ مُحْتاجٌ إلى مُعادِلٍ كالِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، فالمُعادِلُ هُنا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ ﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾ [البقرة: ١٠٨]، وقالَ قَوْمٌ: "أمْ هُنا" مُنْقَطِعَةٌ، فالمُعادِلُ عَلى قَوْلِهِمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أمْ عَلِمْتُمْ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ القَصْدَ بِمُخاطَبَةِ النَبِيِّ ﷺ مُخاطَبَةَ أُمَّتِهِ، وأمّا إنْ كانَ هو المُخاطَبُ وحْدَهُ فالمُعادِلُ مَحْذُوفٌ لا غَيْرَ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى يَنْسَخُ ما يَشاءُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ في أحْكامِهِ ما يَشاءُ، هو قَدِيرٌ عَلى ذَلِكَ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ. وهَذا لِإنْكارِ اليَهُودِ النُسَخُ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ الخُصُوصُ إذْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الصِفاتُ القَدِيمَةُ بِدَلالَةِ العَقْلِ ولا المُحالاتُ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأشْياءَ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ المَوْجُودِ و"قَدِيرٌ" اسْمُ فاعِلٍ عَلى المُبالَغَةِ مِن "قَدَرَ" بِفَتْحِ العَيْنِ "يَقْدِرُ" بِكَسْرِها، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: قَدِرَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَقْدَرُ بِفَتْحِها.
2:107–109Страница 17
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧
Разве ты не знаешь, что Аллаху принадлежит власть над небесами и землей, и что нет у вас, кроме Аллаха, ни покровителя, ни помощника?
أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨
Или же вы хотите попросить вашего Посланника, как прежде они (сыны Исраила) попросили Мусу (Моисея)? Кто сменил веру на неверие, тот уже сбился с прямого пути.
وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩
После того как прояснилась им истина, многие из людей Писания из зависти своей хотели бы отвратить вас от веры, когда вы уже приняли ее. Простите их и будьте великодушны, пока Аллах не явится со Своим повелением. Воистину, Аллах способен на всякую вещь.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾ ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
المُلْكُ: السُلْطانُ، ونُفُوذُ الأمْرِ، والإرادَةِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "لَكُمْ" دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِخِطابِ النَبِيِّ ﷺ خِطابُ أُمَّتِهِ. والوَلِيُّ: فَعِيلٌ مِن ولِيَ إذا جاوَرَ ولَصِقَ، فالناصِرُ، والمُعِينُ، والقائِمُ بِالأمْرِ، والحافِظُ، كُلُّهم مُجاوِرٌ بِوَجْهٍ ما، و"النَصِيرُ": فَعِيلٌ مِنَ النَصْرِ، وهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِن ناصَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: "أمْ" رَدٌّ عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ فَهي مُعادَلَتُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أمِ" اسْتِفْهامٌ مَقْطُوعٌ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: أتُرِيدُونَ؟ وهَذا (p-٣١٨)مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، قالَ مَكِّيٌّ، وغَيْرُهُ: وهَذا يَضْعُفُ، لِأنَّ "أمْ" لا تَقَعُ بِمَعْنى بَلْ إلّا إذا اعْتَرَضَ المُتَكَلِّمَ شَكٌّ فِيما يُورِدُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَما قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ، لِأنَّ "بَلْ" قَدْ تَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ اللَفْظِ الأوَّلِ لا عن مَعْناهُ، وإنَّما يَلْزَمُ ما قالَ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْ "بَلْ"، وهو الإضْرابُ عَنِ اللَفْظِ والمَعْنى، ونَعَمْ ما قالَ سِيبَوَيْهِ: بَلْ هي لِتَرْكِ كَلامٍ وأخْذٍ في غَيْرِهِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ «قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَيْتَ ذُنُوبَنا جَرَتْ مَجْرى ذُنُوبِ بَنِي إسْرائِيلَ بِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ في الدُنْيا، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: قَدْ أعْطاكُمُ اللهُ خَيْرًا مِمّا أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ" وتَلا: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]»، فَتَجِيءُ إضافَةُ الرَسُولِ ﷺ إلى الأُمَّةِ عَلى هَذا حَسَبَ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وحَسَبَ إقْرارِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّ رافِعَ بْنَ حُرَيْمَلَةَ اليَهُودِيَّ سَألَ النَبِيَّ ﷺ تَفْجِيرَ عُيُونٍ وغَيْرَ ذَلِكَ»، وقِيلَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ سَألُوا النَبِيَّ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِاللهِ جَهْرَةً، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِاللهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وقالَ مُجاهِدٌ: سَألُوهُ أنْ يَرُدَّ الصَفا ذَهَبًا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوا ذَلِكَ كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ونَكَصُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَجِيءُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ إضافَةُ الرَسُولِ إلَيْهِمْ حَسَبَ الأمْرِ في نَفْسِهِ لا عَلى إقْرارِهِمْ.
وما سُئِلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو أنْ يَرى اللهَ جَهْرَةً. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، (p-٣١٩)وَغَيْرُهُ "سِيلَ" بِكَسْرِ السِينِ وياءٍ، وهي لُغَةٌ يُقالُ: سَلْتُ أسالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن هَمْزٍ أبْدَلَ الهَمْزَةَ ياءً عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ثُمَّ كَسَرَ السِينَ مِن أجْلِ الياءِ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ مَعَ ضَمِّ السِينِ. وكُنِّيَ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى الكُفْرِ بِالتَبْدِيلِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكُفْرُ هُنا الشِدَّةُ، والإيمانُ الرَخاءُ، وهَذا ضَعِيفٌ، إلّا أنْ يُرِيدَهُما مُسْتَعارَتَيْنِ أيِ الشِدَّةُ عَلى نَفْسِهِ والرَخاءُ لَها عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ والنَعِيمِ. وأمّا المُتَعارَفُ مِن شِدَّةِ أُمُورِ الدُنْيا ورَخائِها فَلا تُفَسَّرُ الآيَةُ بِهِ. و"ضَلَّ" أخْطَأ الطَرِيقَ، و"السَواءُ" مِن كُلِّ شَيْءٍ الوَسَطُ والمُعْظَمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَتَبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سِوائِي"، وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ في رِثاءِ النَبِيِّ ﷺ عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ:
؎ يا ويْحَ أنْصارَ النَبِيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المَلْحَدِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهو عِنْدِي وهم مِنهُ. و"السَبِيلُ" عِبارَةٌ عَنِ الشَرِيعَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللهُ لِعِبادِهِ، لَمّا كانَتْ كالسَبَبِ إلى نَيْلِ رَحْمَتِهِ كانَتْ كالسَبِيلِ إلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، كَثِيرٌ: مُرْتَفِعٌ بـ "وَدَّ"، وهو نَعْتٌ لِنَكِرَةٍ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ النَكِرَةِ قَلِيلٌ، ولَكِنْ جازَ هُنا لِأنَّها صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ تَرْفَعُ الإشْكالَ، بِمَنزِلَةِ فَرِيقٍ. قالَ الزُهْرِيُّ: عَنى بِـ "كَثِيرٌ" واحِدٌ، وهو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهَذا تَحامُلٌ، وقَوْلُهُ: "يَرُدُّونَكُمْ" يَرُدُّ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ ابْنا أخْطُبَ: حُيَيُّ وأبُو ياسِرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي الضِمْنِ الأتْباعُ فَتَجِيءُ العِبارَةُ مُتَمَكِّنَةً. و"الكِتابُ" هُنا التَوْراةُ. و"لَوَ" هُنا بِمَنزِلَةِ "أنْ" لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، وقِيلَ: يَتَقَدَّرُ جَوابُها في "وَدَّ"، التَقْدِيرُ: لَوْ يَرُدُّونَكم لَوَدُّوا ذَلِكَ، فَـ "وَدَّ" دالَّةٌ عَلى الجَوابِ، لَأنَّ مَن (p-٣٢٠)شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عن "لَوَ"، و"كُفّارًا" مَفْعُولٌ ثانٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا. و"حَسَدًا" مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
واخْتَلَفَ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ فَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بـِ "وَدَّ"، لِأنَّهُ بِمَعْنى ودُّوا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ "حَسَدًا"، فالوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: "كُفّارًا"، والمَعْنى عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ: أنَّهم لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ في كِتابٍ، ولا أمَرُوا بِهِ، فَهو مِن تِلْقائِهِمْ. ولَفْظَةُ الحَسَدِ تُعْطِي هَذا، فَجاءَ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ تَأْكِيدًا وإلْزامًا كَما قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، و﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقِيلَ: فَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: "يَرُدُّونَكُمْ"، فالمَعْنى: أنَّهم ودُّوا الرَدَّ بِزِيادَةِ أنْ يَكُونَ مِن تِلْقائِهِمْ، أيْ بِإغْوائِهِمْ وتَزْيِينِهِمْ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ أتَيا بَيْتَ المَدارِسِ، فَأرادَ اليَهُودُ صَرْفَهم عن دِينِهِمْ فَثَبَتا عَلَيْهِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّما هَذِهِ الآيَةُ تابِعَةٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ مِن نَهْيِ اللهِ عن مُتابَعَةِ أقْوالِ اليَهُودِ في "راعِنا" وغَيْرِهِ، وأنَّهم لا يَوَدُّونَ أنْ يَنْزِلَ خَيْرٌ، ويَوَدُّونَ أنْ يَرُدُّوا المُؤْمِنِينَ كُفّارًا.
و"الحَقُّ" المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وصِحَّةُ ما المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الظَواهِرِ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا، واخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في جَوازِ ذَلِكَ، (p-٣٢١)والصَحِيحُ عِنْدِي جَوازُهُ عَقْلًا وبَعْدَهُ وُقُوعًا، ويَتَرَتَّبُ في كُلِّ آيَةٍ تَقْتَضِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ تُسْلَبُ في ثانِي حالٍ مِنَ العِنادِ. والعَفْوُ: تَرْكُ العُقُوبَةِ وهو مِن عِفَّتِ الآثارِ، والصَفْحُ: الإعْراضُ عَنِ المُذْنِبِ كَأنَّهُ يُوَلِّي صَفْحَةَ العُنُقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: "صاغِرُونَ". وقِيلَ بِقَوْلِهِ: ( اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ) وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ هَذا حَدُّ المَنسُوخِ لِأنَّ هَذا في نَفْسِ الأمْرِ كانَ التَوْقِيفُ عَلى مُدَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عَلى مَن يَجْعَلُ الأمْرَ المُنْتَظَرَ أوامِرَ الشَرْعِ، أو قَتْلَ قُرَيْظَةَ وإجْلاءَ النَضِيرِ، وأمْرَ مَن يَجْعَلُهُ آجالَ بَنِي آدَمَ فَيَتَرَتَّبُ النَسْخُ في هَذِهِ الآيَةِ بِعَيْنِها لِأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ أنَّ آياتِ المُوادَعَةِ المُطْلَقَةِ قَدْ نُسِخَتْ كُلُّها، والنَسْخُ هو مَجِيءُ الأمْرِ في هَذِهِ المُقَيَّدَةِ، وقِيلَ: مَجِيءُ الأمْرِ هو فَرْضُ القِتالِ، وقِيلَ: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَضِيرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، لِأنَّ كُلَّ آيَةٍ فِيها تَرْكُ القِتالِ فَهي مَكِّيَّةٌ مَنسُوخَةٌ، وحُكْمُهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ مُعانَداتِ اليَهُودِ إنَّما كانَتْ بِالمَدِينَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مُقْتَضاهُ في هَذا المَوْضُوعِ وعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии