Ибн АтыйяАль‑Бакара · 2:119–126

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:119–126

2:119–121Страница 18

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩

Мы отправили тебя с истиной добрым вестником и предостерегающим увещевателем, и ты не будешь спрошен об обитателях Ада.

وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠

Иудеи и христиане не будут довольны тобой, пока ты не станешь придерживаться их религии. Скажи: «Путь Аллаха - это прямой путь». Если же ты станешь потакать их желаниям после того, как к тебе явилось знание, то Аллах не будет тебе ни Покровителем, ни Помощником.

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١

Те, кому Мы даровали Писание и кто читает его надлежащим образом, действительно веруют в него. А те, которые не уверуют в него, непременно окажутся в убытке.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عن أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَلَنْ تَرْضى عنكَ اليَهُودُ ولا النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنَ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

المَعْنى: "بَشِيرًا" لِمَن آمَنَ، و"نَذِيرًا" لِمَن كَفَرَ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "وَلا تَسْألْ" بِالجَزْمِ عَلى النَهْيِ، وفي ذَلِكَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما لا تَسْألُ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لِحالِهِمْ مِنَ العَذابِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا تَسْألُ عنهُ، تَعْنِي أنَّهُ في نِهايَةٍ تُشْهِرُهُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.

والمَعْنى الثانِي رُوِيَ فِيهِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟" فَنَزَلَتْ: "وَلا تُسْألُ"»، وحَكى المَهْدَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْتَ شِعْرِي أيُّ أبَوَيَّ أحْدَثَ مَوْتًا؟" فَنَزَلَتْ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ مِمَّنْ رَواهُ أو ظَنَّهُ، لِأنَّ أباهُ ماتَ وهو (p-٣٣٦)فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وقِيلَ: وهو ابْنُ شَهْرٍ، وقِيلَ: ابْنُ شَهْرَيْنِ، وماتَتْ أُمُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْسِ سِنِينَ مُنْصَرِفَةً بِهِ مِنَ المَدِينَةِ مِن زِيارَةِ أخْوالِهِ، فَهَذا مِمّا لا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ ﷺ.

وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ "وَلا تَسْألُ" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، وقَرَأ قَوْمٌ "وَلا تَسْألُ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ، ويَتَّجِهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما الخَبَرُ، أنَّهُ لا يَسْألُ عنهُمْ، أو لا يَسْألُ هو عنهُمْ، والآخَرُ أنْ يُرادَ مَعْنى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وغَيْرُ مَسْؤُولٍ أو غَيْرُ سائِلٍ عنهُمْ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَما تَسْألُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وَلَنْ تَسْألَ" وهاتانِ القِراءَتانِ تُؤَيِّدانِ مَعْنى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ في غَيْرِهِما.

والجَحِيمُ إحْدى طَبَقاتِ النارِ.

ويُقالُ: رَضِيَ يَرْضى رِضى ورِضا ورِضْوانًا، وحُكِيَ رِضاءً مَمْدُودًا، وقالَ: "مِلَّتَهُمْ" وهُما مِلَّتانِ مُخْتَلِفَتانِ بِمَعْنى لَنْ تَرْضى اليَهُودُ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، ولَنْ تَرْضى النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم فَجَمَعَهم إيجازًا لِأنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ.

والمِلَّةُ: الطَرِيقَةُ، وقَدِ اخْتَصَّتِ اللَفْظَةُ بِالشَرائِعِ والدِينِ، وطَرِيقٌ مُمِلٌّ أيْ قَدْ أثَّرَ المَشْيُ فِيهِ.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ الهُدْنَةَ، ووَعَدُوهُ أنْ يَتَّبِعُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ خِداعًا مِنهُمْ، فَأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّ إعْطاءَ الهُدْنَةِ لا يَنْفَعُ عِنْدَهُمْ، وأطْلَعُهُ عَلى سِرِّ خِداعِهِمْ.

(p-٣٣٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى﴾ أيْ ما أنْتَ عَلَيْهِ يا مُحَمَّدُ مِن هُدى اللهُ الَّذِي يَضَعُهُ في قَلْبِ مَن يَشاءُ هو الهُدى الحَقِيقِيُّ لا ما يَدَّعِيهِ هَؤُلاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الآيَةُ، فَهَذا شَرْطٌ خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ ﷺ، وأُمَّتُهُ مَعَهُ داخِلَةٌ فِيهِ.

و"أهْواءُ": جَمْعُ هَوًى، ولَمّا كانَتْ مُخْتَلِفَةً جُمِعَتْ، ولَوْ حُمِلَ عَلى إفْرادِ المِلَّةِ لَقِيلَ: هَواهُمْ، والوَلِيُّ الَّذِي يَتَوَلّى الإصْلاحَ والحِياطَةَ والنَصْرَ والمَعُونَةَ، و"نَصِيرٌ" بِناءُ مُبالِغَةٍ في اسْمِ الفاعِلِ مِن نَصَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ الآيَةُ، "الَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ صِلَتُهُ، وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِـ "الَّذِينَ" في هَذا المَوْضِعِ مَن أسْلَمَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. و"الكِتابَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ التَوْراةُ، و"آتَيْناهُمُ": مَعْناهُ أعْطَيْناهُمْ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا مَخْصُوصٌ في الأرْبَعِينَ الَّذِينَ ورَدُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في السَفِينَةِ فَأثْنى اللهُ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "الَّذِينَ" العُمُومُ في مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ، ويَكُونُ "الكِتابُ" اسْمَ الجِنْسِ، و"يَتْلُونَهُ" مَعْناهُ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ بِامْتِثالِ الأمْرِ والنَهْيِ، وقِيلَ: "يَتْلُونَهُ": يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الِاتِّباعَ والِامْتِثالَ، و"يَتْلُونَهُ" -إذا أُرِيدَ بِـ "الَّذِينَ" الخُصُوصُ فِيمَنِ اهْتَدى- يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "يَتْلُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ، والخَبَرُ "أُولَئِكَ". وإذا أُرِيدَ بِـ "الَّذِينَ" العُمُومُ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ إلّا "أُولَئِكَ"، و"يَتْلُونَهُ" حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها، وفِيها الفائِدَةُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الخَبَرُ في "يَتْلُونَهُ" لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَتْلُو الكِتابَ ﴿حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾.

و"حَقَّ" مَصْدَرٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ وهو بِمَعْنى أفْعَلَ، ولا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى (p-٣٣٨)واحِدٍ مُعَرَّفٍ، وإنَّما جازَتْ هُنا لِأنْ تُعَرَّفَ التِلاوَةُ بِإضافَتِها إلى الضَمِيرِ لَيْسَ بِتَعَرُّفٍ مَحْضٍ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ واحِدٌ أُمَّةٌ، ونَسِيجٌ وحْدَهُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "الكِتابَ"، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّ مُتَّبِعِي التَوْراةِ يَجِدُونَهُ فِيها فَيُؤْمِنُونَ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الهُدى الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهُ ذِكْرُ كَفّارِ اليَهُودِ والنَصارى في أوَّلِ الآيَةِ وحَذَّرَ رَسُولَهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وأعْلَمَهُ ( بِأنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ) الَّذِي أعْطاهُ وبَعَثَهُ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ التالِينَ لِكِتابِ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِذاكَ الهُدى المُقْتَدُونَ بِأنْوارِهِ، والضَمِيرُ في "يَكْفُرْ بِهِ" يُحْتَمَلُ مِنَ العَوْدِ ما ذُكِرَ في الأوَّلِ. و﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ابْتِداءٌ وعِمادٌ وخَبَرٌ، أوِ ابْتِداءٌ وابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والثانِي وخَبَرُهُ خَبَرُ الأوَّلِ. والخُسْرانُ: نُقْصانُ الحَظِّ.

2:122–124Страница 19

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢

О сыны Исраила (Израиля)! Помните о милости, которую Я оказал вам, а также о том, что Я возвысил вас над мирами.

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣

Страшитесь дня, когда ни один человек не принесет пользы другому и когда нельзя будет откупиться, когда ничем не поможет заступничество и когда им не будет оказана поддержка.

۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤

Вот испытал Господь Ибрахима (Авраама) повелениями, и тот выполнил их. Он сказал: «Я сделаю тебя предводителем людей». Ибрахим (Авраам) сказал: «И из моего потомства». Аллах сказал: «Мой завет не коснется беззаконников».

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾

قَرَأ الحَسَنُ، وغَيْرُهُ "نِعْمَتِي" بِتَسْكِينِ الياءِ تَخْفِيفًا؛ لِأنَّ أصْلَها التَحْرِيكُ كَتَحْرِيكِ الضَمائِرِ: لَكَ وبِكَ، ثُمَّ حَذَفَها الحَسَنُ لِلِالتِقاءِ، وفي السَبْعَةِ مَن يُحَرِّكُ الياءَ، ومِنهم مَن يُسَكِّنُها.

وإنَّ قَدَّرْنا فَضِيلَةَ بَنِي إسْرائِيلَ مَخْصُوصَةً بِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالعالَمُونَ عُمُومٌ مُطْلَقٌ، وإنَّ قَدَّرْنا تَفْضِيلَهم عَلى الإطْلاقِ فالعالِمُونَ عالِمُو زَمانِهِمْ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلُ مِنهم بِالنَصِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "يُنْصَرُونَ" (p-٣٣٩)وَمَعْنى ( لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ) أيْ لَيْسَتْ ثُمَّ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يُشَفَّعُ فِيهِمْ أحَدٌ فَيُرِدُ، وإنَّما نَفى أنْ تَكُونَ ثَمَّ شَفاعَةٌ عَلى حَدِّ ما هي في الدُنْيا، وأمّا الشَفاعَةُ الَّتِي هي في تَعْجِيلِ الحِسابِ فَلَيْسَتْ بِنافِعَةٍ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في خاصَّتِهِمْ، وأمّا الأخِيرَةُ الَّتِي هي بِإذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى في أهْلِ المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهي بَعْدَ أنْ أخَذَ العِقابُ حَقَّهُ، ولَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُتَوَعِّدِينَ مِنَ الكُفّارِ مِنها شَيْءٌ.

والعامِلُ في "إذِ" فِعْلٌ، تَقْدِيرُهُ واذَّكَّرَ إذْ، و"ابْتَلى" مَعْناهُ اخْتَبَرَ، و"إبْراهِيمَ" يُقالُ: إنَّ تَفْسِيرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في جَمِيعِ سُورَةِ البَقَرَةِ "أبْراهامُ". وقُدِّمَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ إذْ كَوْنُ الرَبِّ مُبْتَلِيًا مَعْلُومٌ، فَإنَّما يَهْتَمُّ السامِعُ بِمَنِ ابْتَلى، وكَوْنُ ضَمِيرِ المَفْعُولِ مُتَّصِلًا بِالفاعِلِ مُوجِبٌ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ، فَإنَّما بُنِيَ الكَلامُ عَلى هَذا الِاهْتِمامِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في الكَلِماتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي ثَلاثُونَ سَهْمًا هي الإسْلامُ كُلُّهُ لَمْ يُتِمَّهُ أحَدٌ كامِلًا إلّا إبْراهِيمُ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، عَشْرَةٌ مِنها في بَراءَةَ: ﴿التائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] الآيَةُ، وعَشْرَةٌ في الأحْزابِ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وعَشْرَةٌ فِي: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ [المعارج: ١].

(p-٣٤٠)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقَتادَةُ: الكَلِماتُ عَشْرُ خِصالٍ، خُمْسٌ مِنها في الرَأْسِ: المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشارِبِ، والسِواكُ، وفَرْقُ الرَأْسِ، وقِيلَ بَدَلُ فَرْقِ الرَأْسِ: إعْفاءُ اللِحْيَةِ. وخَمْسٌ في الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الظُفْرِ وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، والِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ، والِاخْتِتانُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي عَشَرَةُ خِصالٍ، سِتٌّ في البَدَنِ، وأرْبَعٌ في الحَجِّ: الخِتانُ، وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشارِبِ، والغُسْلُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، والطَوافُ بِالبَيْتِ، والسَعْيُ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هي الخِلالُ السِتُّ الَّتِي امْتُحِنَ بِها: الكَوْكَبُ، والقَمَرُ، والشَمْسُ والنارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ، وقِيلَ بَدَلُ الهِجْرَةِ: الذَبْحُ. وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مَناسِكُ الحَجِّ خاصَّةً. ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلَيْهِ أنْ تَطَهَّرَ فَتَمَضْمَضْ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فاسْتَنْشِقْ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فاسْتاكَ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فَأخَذَ مِن شارِبِهِ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَفَرَقَ شَعْرَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فاسْتَنْجى، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَحَلَقَ عانَتَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَنَتَفَ إبِطَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ فَقَلَّمَ أظَفارَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَأقْبَلَ عَلى جَسَدِهِ يَنْظُرُ ما يَصْنَعُ فاخْتُتِنَ بَعْدَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ اخْتُتِنَ وهو ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً بِالقُدُومِ».

(p-٣٤١)وَقالَ الراوِي فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ يَأْتَمُّونَ بِكَ في هَذِهِ الخِصالِ، ويَقْتَدِي بِكَ الصالِحُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أقْوى الأقْوالِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ هو الَّذِي أتَمَّ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: إنَّ الكَلِماتِ هي أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِإبْراهِيمَ: إنِّي مُبْتَلِيكَ بِأمْرٍ فَما هُوَ؟ قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُنِي إمامًا لِلنّاسِ، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وآمِنّا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وتُرِينا مَناسِكَنا وتَتُوبُ عَلَيْنا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُ هَذا البَلَدَ آمِنًا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وتُرْزَقُ أهْلَهُ مِنَ الثَمَراتِ، قالَ اللهُ: نَعَمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ فاللهُ تَعالى هو الَّذِي أتَمَّ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في هَذا، وذَكَرُوا أشْياءَ فِيها بَعْدُ فاخْتَصَرْتُها.

وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ الخِصالُ كَلِماتٍ لِأنَّها اقْتُرِنَتْ بِها أوامِرُ هي كَلِماتٌ. ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ ﷺ لَمّا أتَمَّ هَذِهِ الكَلِماتِ، أو أتَمَّها اللهُ عَلَيْهِ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ البَراءَةَ مِنَ النارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧].

والإمامُ: القُدْوَةُ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِناءِ إمامٌ، وهو هُنا اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقِيلَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: هو جَمْعٌ آمٌّ، وزْنُهُ فاعِلٌ أصْلُهُ آمَمَ، فَيَجِيءُ مِثْلَ قائِمٍ وقِيامٍ، وجائِعٍ وجِياعٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ. وجَعَلَ اللهُ تَعالى إبْراهِيمَ إمامًا لِأهْلِ طاعَتِهِ فَلِذَلِكَ اجْتَمَعَتِ الأُمَمُ عَلى الدَعْوى فِيهِ، وأعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ كانَ حَنِيفًا، وقَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَمِن (p-٣٤٢)ذُرِّيَّتِي﴾ هو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ والرَغْبى إلى اللهِ، أيْ: ومِن ذُرِّيَّتِي يا رَبِّ فاجْعَلْ. وقِيلَ: هَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ عنهُمْ، أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي يا رَبِّ ماذا يَكُونُ؟

والذُرِّيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَرا يَذْرُو، أو مِن ذَرى يَذْرِي، أو مِن ذَرْ يَذَرُ، أو مِن ذَرَأ يَذْرَأُ، وهي أفْعالٌ تَتَقارَبُ مَعانِيها، وقَدْ طَوَّلَ في تَعْلِيلِها أبُو الفَتْحِ وشَفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي﴾ أيْ: قالَ اللهُ. والعَهْدُ فِيما قالَ مُجاهِدٌ: الإمامَةُ، وقالَ السُدِّيُّ: النُبُوءَةُ، وقالَ قَتادَةُ: الأمانُ مِن عَذابِ اللهِ، وقالَ الرَبِيعُ، والضَحّاكُ: العَهْدُ الدِينُ، دِينُ اللهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنْ تُطِيعَهُ، ونَصْبُ "الظالِمِينَ" لِأنَّ العَهْدَ يَنالُ كَما يُنالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: "الظالِمُونَ" بِالرَفْعِ. وإذا أوَّلْنا العَهْدَ الدِينَ أوِ الأمانَ أو ألّا طاعَةَ لِظالِمٍ، فالظُلْمُ في الآيَةِ ظُلْمُ الكَفْرِ، لِأنَّ العاصِي المُؤْمِنَ يَنالُ الدِينَ والأُمّانَ مِن عَذابِ اللهِ، وتَلْزَمُ طاعَتَهُ إذا كانَ ذا أمْرٍ. وإذا أوَّلْنا العَهْدَ النُبُوءَةَ أوِ الإمامَةَ في الدِينِ، فالظُلْمُ ظُلْمُ المَعاصِي فَما زادَ.

2:125–126Страница 19

وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥

Вот Мы сделали Дом (Каабу) пристанищем для людей и безопасным местом. Сделайте же место Ибрахима (Авраама) местом моления. Мы повелели Ибрахиму (Аврааму) и Исмаилу (Измаилу) очистить Мой Дом (Каабу) для совершающих обход, пребывающих, кланяющихся и падающих ниц.

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦

Вот сказал Ибрахим (Авраам): «Господи! Сделай этот город безопасным и надели плодами его жителей, которые уверовали в Аллаха и в Последний день». Он сказал: «А неверующим Я позволю пользоваться благами недолгое время, а затем заставлю их страдать в Огне. Как же скверно это место прибытия!».

(p-٣٤٣)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُكَّعِ السُجُودِ﴾ ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَمَراتِ مِنَ آمَنَ مِنهم بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

"وَإذْ" عَطْفٌ عَلى "إذِ" المُتَقَدِّمَةِ، و"البَيْتَ" الكَعْبَةُ، و"مَثابَةً" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ثابَ إذا رَجَعَ لِأنَّ الناسَ يَثُوبُونَ إلَيْها أيْ يَنْصَرِفُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَوابِ أيْ يُثابُونَ هُناكَ. قالَ الأخْفَشُ: دَخَلَتِ الهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ، لِأنَّهُ قَلَّ ما يُفارِقُ أحَدٌ البَيْتَ إلّا وهو يَرى أنَّهُ لَمْ يَقْضِ مِنهُ وطَرًا، فَهي كَنَسّابَةٌ وعَلّامَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ، هي هاءُ تَأْنِيثِ المَصْدَرِ فَهي مَفْعَلَةٌ أصْلُها مَثُوبَةٌ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الثاءِ فانْقَلَبَتِ الواوُ ألْفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: هو عَلى تَأْنِيثِ البُقْعَةِ كَما يُقالُ: مَقامٌ ومَقامَةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "مَثاباتٌ" عَلى الجَمْعِ، وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ في الكَعْبَةِ:

؎ مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الطَلائِحُ

و"أمْنًا" مَعْناهُ: أنَّ الناسَ يَغِيرُونَ ويَقْتُلُونَ حَوْلَ مَكَّةَ وهي آمِنَةٌ مِن ذَلِكَ، يَلْقى الرَجُلُ بِها قاتِلَ أبِيهِ فَلا يُهَيِّجُهُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ لَها في النُفُوسِ حُرْمَةً، وجَعَلَها أمْنًا لِلنّاسِ والطَيْرِ والوُحُوشِ. وخَصَّصَ الشَرْعُ مِن ذَلِكَ الخَمْسَ الفَواسِقَ عَلى لِسانِ النَبِيِّ ﷺ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّخِذُوا" بِكَسْرِ الخاءِ (p-٣٤٤)عَلى جِهَةِ الأمْرِ، فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ: مَعْنى ذَلِكَ ما رُوِيَ «عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: في الحِجابِ، وفي ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَهَذا أمْرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ»، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "اذْكُرُوا" فَهَذا أمْرٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ذَلِكَ أمْرٌ لِإبْراهِيمَ ومُتَّبِعِيهِ فَهي مِنَ الكَلِماتِ كَأنَّهُ قالَ: ( إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا واتَّخِذُوا ) وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً﴾، لِأنَّ المَعْنى ثُوبُوا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "واتَّخَذُوا" بِفَتْحِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ عَمَّنِ اتَّخَذَهُ مِن مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَإذْ جَعَلْنا"، كَأنَّهُ قالَ: وإذِ اتَّخَذُوا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "جَعَلْنا" دُونَ تَقْدِيرِ إذْ، فَهي جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ إذْ فَهي جُمْلَتانِ.

واخْتُلِفَ في ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وخَرَّجَهُ البُخارِيُّ: إنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ حِينَ ضَعُفَ عن رَفْعِ الحِجارَةِ الَّتِي كانَ إسْماعِيلُ يُناوِلُهُ إيّاها في بِناءِ البَيْتِ وغَرِقَتْ قَدَماهُ فِيهِ. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو حَجْرٌ ناوَلَتْهُ إيّاهُ امْرَأتُهُ فاغْتَسَلَ عَلَيْهِ وهو راكِبٌ، جاءَتْهُ بِهِ مَن شَقٍّ ثُمَّ مِن شَقٍّ فَغَرِقَتْ رَجُلاهُ فِيهِ حِينَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ.

(p-٣٤٥)وَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ: المَقامُ: المَسْجِدُ الحَرامُ. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: المَقامُ: عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَقامُهُ: مَواقِفُ الحَجِّ كُلُّها. وقالَ مُجاهِدٌ: مَقامُهُ: الحَرَمُ كُلُّهُ، و"مُصَلًّى" مَوْضِعُ صَلاةٍ، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: المَقامُ الحَجَرُ، ومَن قالَ بِغَيْرِهِ قالَ: "مُصَلًّى" مُدَّعًى، عَلى أصْلِ الصَلاةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعَهِدْنا"، العَهْدُ في اللُغَةِ عَلى أقْسامٍ هَذا مِنها الوَصِيَّةُ بِمَعْنى الأمْرِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ بِأنْ وحُذِفَ الخافِضُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها بِمَعْنى أيْ مُفَسَّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

و"طَهِّرا" قِيلَ: مَعْناهُ ابْنِياهُ وأسِّساهُ عَلى طَهارَةٍ ونِيَّةِ طَهارَةٍ فَيَجِيءُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُسِّسَ عَلى التَقْوى﴾ [التوبة: ١٠٨]. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أمْرٌ بِالتَطْهِيرِ مِن عِبادَةِ الأوثانِ، وقِيلَ: مِنَ الفَرْثِ والدَمِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا تُعَضِّدُهُ الأخْبارُ، وقِيلَ: مِنَ الشِرْكِ.

وأضافَ اللهُ البَيْتَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْبَيْتِ، وهي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ ومَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ، و"لِلطّائِفِينَ" ظاهِرُهُ أهْلُ الطَوافِ، وقالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ لِلْغُرَباءِ الطارِئِينَ عَلى مَكَّةَ.

و"العاكِفِينَ" قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هم أهْلُ البَلَدِ المُقِيمُونَ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ المُجاوِرُونَ بِمَكَّةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُصَلُّونَ. وقالَ غَيْرُهُ: المُعْتَكِفُونَ.

والعُكُوفُ في اللُغَةِ، اللُزُومُ لِلشَّيْءِ والإقامَةُ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ ...................................... ∗∗∗ عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا

(p-٣٤٦)فَمَعْناهُ لِمُلازِمِي البَيْتِ إرادَةُ وجْهِ اللهِ العَظِيمِ.

﴿والرُكَّعِ السُجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخُصَّ الرُكُوعُ والسُجُودُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُما أقْرَبُ أحْوالِ المُصَلِّي إلى اللهِ تَعالى. وكُلُّ مُقِيمٍ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ إرادَةُ ذاتِ اللهِ، فَلا يَخْلُو مِن إحْدى هَذِهِ الرُتَبِ الثَلاثِ: إمّا أنْ يَكُونَ في صَلاةٍ، أو في طَوافٍ، فَإنْ كانَ في شُغْلٍ مِن دُنْياهُ فَحالُ العُكُوفِ عَلى مُجاوَرَةِ البَيْتِ لا يُفارِقُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ الآيَةُ، دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ بِمَكَّةَ بِالأمْنِ ورَغَدِ العَيْشِ، و"اجْعَلْ" لَفْظُهُ الأمْرُ وهو في حَقِّ اللهِ تَعالى رَغْبَةٌ ودُعاءٌ، و"آمِنًا" مَعْناهُ مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ والعَدُوِّ المُسْتَأْصِلِ والمُثُلاتِ الَّتِي تَحِلُّ بِالبِلادِ، وكانَتْ مَكَّةُ وما يَلِيها حِينَ ذَلِكَ قَفْرًا لا ماءَ فِيهِ ولا نَباتَ، فَبارَكَ اللهُ فِيما حَوْلَها كالطائِفِ وغَيْرِهِ ونَبَتَتْ فِيها أنْواعُ الثَمَراتِ.

ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا دَعاهُ إبْراهِيمُ أمَرَ جِبْرِيلَ -صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ- فاقْتَلَعَ فِلَسْطِينَ وقِيلَ قِطْعَةً مِنَ الأُرْدُنِ، فَطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا وأنْزَلَها بِوَجٍّ، فَسُمِّيَتِ الطائِفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَوافِ.

واخْتَلَفَ في تَحْرِيمِ مَكَّةَ مَتى كانَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: جَعَلَها اللهُ حَرامًا يَوْمَ خَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَرَّمَها إبْراهِيمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ قالَهُ النَبِيُّ ﷺ في خُطْبَتِهِ ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ، والثانِي قالَهُ أيْضًا النَبِيُّ ﷺ، فَفي الصَحِيحِ عنهُ: «اللهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ (p-٣٤٧)مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَرامٌ».

ولا تَعارُضَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِسابِقِ عِلْمِ اللهِ فِيها وقَضائِهِ، وكَوْنُ الحُرْمَةِ مُدَّةَ آدَمَ، وأوقاتُ عِمارَةِ القُطْرِ بِإيمانٍ، والثانِي إخْبارٌ بِتَجْدِيدِ إبْراهِيمَ لِحُرْمَتِها، وإظْهارُهُ ذَلِكَ بَعْدَ الدُثُورِ.

وكُلُّ مُقالٍ مِن هَذَيْنَ الإخْبارَيْنِ حَسَنٌ في مَقامِهِ، عَظَّمَ الحُرْمَةَ ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى المُؤْمِنِينَ، بِإسْنادِ التَحْرِيمِ إلى اللهِ تَعالى، وذَكَرَ إبْراهِيمُ عِنْدَ تَحْرِيمِهِ المَدِينَةَ مِثالًا لِنَفْسِهِ، ولا مَحالَةَ أنَّ تَحْرِيمَ المَدِينَةِ هو أيْضًا مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى، ومِن نافِذِ قَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ.

و"مَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "أهْلَهُ"، وخَصَّ إبْراهِيمُ المُؤْمِنِينَ بِدُعائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ الآيَةُ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُما: هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِإبْراهِيمَ. وقَرَؤُوا "فَأُمَتِّعُهُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ التاءِ "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وضَمِّ الراءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ السَبْعَةُ حاشا ابْنُ عامِرٍ فَإنَّهُ قَرَأ "فَأُمَتِّعُهُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ التاءِ "ثُمَّ أضْطَرَّهُ" بِقَطْعِ الألِفِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ "فَأُمَتِّعُهُ" كَما قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: لا إخالُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "فَنُمَتِّعُهُ" "ثُمَّ نَضْطَرُّهُ" ومِنَ شَرْطٌ، والجَوابُ في "فَأُمَتِّعُهُ".

(p-٣٤٨)وَمَوْضِعُ "مَن" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها نَصْبًا عَلى تَقْدِيرِ: وأرْزَقُ مَن كَفَرَ، فَلا تَكُونُ شَرْطًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هَذا القَوْلُ هو مِن إبْراهِيمَ ﷺ، وقَرَؤُوا: "فَأُمَتِّعُهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ المِيمِ، "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ الراءِ. وقُرِئَتْ بِالكَسْرِ، ويَجُوزُ فِيها الضَمُّ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثُمَّ اطَّرُّهُ" بِإدْغامِ الضادِ في الطاءِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِضَمِّ الطاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ دَعا لِلْمُؤْمِنِينَ وعَلى الكافِرِينَ.

وقَلِيلًا مَعْناهُ مُدَّةُ العُمْرِ، لِأنَّ مَتاعَ الدُنْيا قَلِيلٌ، وهو نَعْتٌ إمّا لِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: مَتاعًا قَلِيلًا، وإمّا لِزَمانٍ كَأنَّهُ قالَ: وقْتًا قَلِيلًا، أو زَمَنًا قَلِيلًا.

و"المَصِيرُ" مُفْعِلٌ كَمَوْضِعٌ مِن صارَ يَصِيرُ، وبِيسَ أصْلُها بِئْسَ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ في بِيسَما، وأُمَتِّعُهُ مَعْناهُ: أُخَوِّلُهُ الدُنْيا وأُبْقِيهِ فِيها بَقاءً قَلِيلًا، لِأنَّهُ فانٍ مُنْقَضٍ.

وأصْلُ المَتاعِ الزادُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَكُونُ آخِرَ أمْرِ الإنْسانِ أو عَطائِهِ أو أفْعالِهِ، قالَ الشاعِرُ:

؎ وقَفْتُ عَلى قَبْرٍ غَرِيبٍ بِقَفْرَةٍ ∗∗∗ مَتاعُ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ

(p-٣٤٩)وَمِنهُ تَمْتِيعُ الزَوْجاتِ ويَضْطَرُّ اللهُ الكافِرَ إلى النارِ جَزاءً عَلى كُفْرِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English