Ибн АтыйяТа Ха · 20:19–49

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

Та Ха 20:19–49

20:19–35Страница 313

قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ ١٩

Аллах сказал: «О Муса (Моисей)! Брось его».

فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠

Он бросил посох, и тот превратился в змею, которая быстро двигалась.

قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١

Аллах сказал: «Возьми ее и не бойся. Мы вернем ее в прежнее состояние.

وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢

Прижми свою руку к боку, и она выйдет белой (цвета молока, светящейся), без следов болезни. Вот тебе еще одно знамение!

لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣

Мы покажем тебе некоторые из Наших величайших знамений.

ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤

Ступай к Фараону, ибо он преступил границы дозволенного».

قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥

Муса (Моисей) сказал: «Господи! Раскрой для меня мою грудь!

وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦

Облегчи мою миссию!

وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧

Развяжи узел на моем языке,

يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨

чтобы они могли понять мою речь.

وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩

Назначь мне помощника из моей семьи -

هَٰرُونَ أَخِي ٣٠

брата моего Харуна (Аарона).

ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١

Умножь благодаря ему силу мою

وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢

и позволь ему разделить со мной мою миссию,

كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣

чтобы мы славили Тебя многократно

وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤

и поминали Тебя многократно.

إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥

Воистину, Ты видишь нас».

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾

لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى.

ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠)

؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ

وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ.

وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ.

(p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ.

و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢)

؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ

أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

20:36–39Страница 313

قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦

Аллах сказал: «О Муса (Моисей)! Ты уже получил то, что попросил.

وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧

Мы и прежде оказывали тебе милость,

إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨

когда внушили твоей матери откровение:

أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩

«Положи его в сундук и пусти его по реке, и река выбросит его на берег. Его подберет Мой враг и его враг». Я одарил тебя Своей любовью, и тебя взрастили у Меня на Глазах.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمِّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾

المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: قَدْ أُعْطَيْتَ يا مُوسى طَلِبَتَكَ في شَرْحِ الصَدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، إمّا بِالكُلِّ وإمّا عَلى قَدْرِ الحاجَةِ في الأفْعالِ، وإيتاءُ هَذا السُؤالِ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَرَنَ إلَيْها قَدِيمَ مِنَّتَهُ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ عَلَيْها لِيَعْظُمُ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ.

وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - أنَّ فِرْعَوْنَ ذُكِرَ لَهُ أنَّ خَرابَ مُلْكُهُ يَكُونُ عَلى يَدَيْ غُلامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ ولَدٍ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمْ إنَّهُ رَأى مَعَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ أنَّ فَناءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعُودُ عَلى القِبْطِ بِالضَرَرِ؛ إذْ هم كانُوا عَمَلَةَ الأرْضِ والصُنّاعِ ونَحْوَ هَذا، فَعَزَمَ عَلى أنْ يَقْتُلَ الوَلْدانَ سَنَةً ويَسْتَحْيِيهِمْ سَنَةً، فَوُلِدَ (p-٩٣)هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَنَةِ الِاسْتِحْياءِ فَكانَتْ أُمُّهُ آمِنَةً، ثُمْ وُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في العامِ الرابِعِ سَنَةِ القَتْلِ، فَخافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الذَبْحَ فَبَقِيَتْ مُهْتَمَّةً، فَأوحى اللهُ إلَيْها، قِيلَ: بِمَلَكٍ جاءَ لَها فَأخْبَرَها وأمَرَها، قالَ بَعْضُ مَن رَوى هَذا: ولَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لَأنّا نَجْدُ في الشَرْعِ ورِواياتِهِ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمَتْ مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَتْ أمُّ مُوسى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبِيَّةً بِهَذا الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَ هَذا الوَحْيُ رُؤْيًا رَأتْها في النَوْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وحْيُ إلْهامٍ وتَسْدِيدٍ كَوَحْيِ اللهِ إلى النَحْلِ وغَيْرِها، فَألْهَمَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى أنِ اتَّخَذَتْ تابُوتًا فَقَذَفَتْ فِيهِ مُوسى راقِدًا في فِراشٍ، ثُمْ قَذَفَتْهُ في يَمِّ النِيلِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِيلِ إذْ رَأى التابُوتَ، فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَآهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ التابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ فِيها الماءُ، فَأخَذْنَ التابُوتَ وحَمَلْنَهُ إلَيْها، فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتَهُ مِنهُ، ثُمْ إنَّها عَرَضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ يُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ، فَكُلَّما عُرِضَتْ عَلَيْهِ امْرَأةٌ أباها، وكانَتْ أُمُّهُ حِينَ ذَهَبَ عنها في النَيْلِ بَقِيَتْ مَغْمُومَةً فُؤادُها فارِغٌ إلّا مِن هَمِّهِ، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: اطْلُبِي أثَرَهُ في المَدِينَةِ عَسى يَقَعُ إلَيْنا مِنهُ خَبَرٌ، فَبَيْنَما الأُخْتُ تَطُوفُ إذْ بَصُرَتْ بِهِ وفَهِمَتْ أمْرَهُ، فَقالَتْ لَهُمْ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَتَعَلَّقُوا بِها وقالُوا لَها: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَبِيَّ، فَقالَتْ: لا، غَيْرَ أنِّي أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها وإرْضائِها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَلالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمْ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها، فَسُرَّتْ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فَقالَتْ لَها: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي، ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ، واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرِضاعِ، والسَبَبِ مِنَ المَلِكَةِ، وأقامَ مُوسى حَتّى كَمَّلَ رَضاعَهُ، فَأرْسَلَتْ إلَيْها آسِيَةُ أنْ جِيئِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومِن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُحَفِ والهَدايا واللِباسِ، فَوَصْلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرٍ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ويُحِبَّهُ، فَرَآهُ وأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وجَبَذَها، فاسْتَشاطَ فِرْعَوْنُ وقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي، وأمَرَ بِقَتْلِهِ، (p-٩٤)فَناشَدَتْهُ فِيهِ امْرَأتُهُ وقالَتْ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: بَلْ يَعْقِلُ، فاتَّفَقا عَلى تَجْرِبَةٍ بِالجَمْرَةِ والياقُوتِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَلِّ العُقْدَةِ، فَنَجّاهُ اللهُ مِن فِرْعَوْنَ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَشَبَّ عِنْدَها إلى أنْ تَرَعْرَعَ، وكانَ فَتًى جَلْدًا فاضِلًا، فاعْتَزَّتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ بِظاهِرِ ذَلِكَ الرِضاعِ، وكانَ يَحْمِيهِمْ ويَكُونُ ضِلْعُهُ مَعَهم وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم ومِن صِمِيمِهِمْ، فَكانَتْ بَصِيرَتُهُ في حِمايَتِهِمْ، وكانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ أعْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ.

ثُمْ إنَّ قِصَّةَ القِبْطِيِّ المُتَقاتِلِ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ نَزَلَتْ، وذِكْرُها في مَوْضِعِها مُسْتَوْعَبٌ، فَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مِصْرَ حَتّى وصَلَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَ مَن أمْرِهِ مَعَ شُعَيْبٍ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ ما هو في مَوْضِعِهِ مُسْتَوْعِبٌ في مَوْضِعِهِ، مِن أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ الصُغْرى عَلى رَعِيَّةِ الغَنَمِ عَشْرِ سِينَ، ثُمْ إنَّهُ اعْتَزَمَ الرَحِيلَ بِزَوْجَتِهِ إلى بِلادِ مِصْرَ، فَجاءَ في طَرِيقِهِ فَضَلَّ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَرَأى النارَ حَسْبَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَدَّدَ اللهُ تُبارِكُ تَعالى عَلى مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ مِن لُطْفِ اللهِ بِهِ في كُلِّ فَضْلٍ، وتَخْلِيصِهِ لَهُ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى، وهَذِهِ الفِتُونِ الَّتِي فَتَنَهُ بِها، أيِ اخْتَبَرَهُ وخَلَّصَهُ حَتّى صَلَحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلَّمَ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُوحى﴾ إيهامٌ يَتَضَمَّنُ عِظْمَ الأمْرِ وجَلالَتَهُ في النِعَمِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦]، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، و﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"، والضَمِيرُ الأوَّلُ في "اقْذِفِيهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، وفي الثانِي عَلى التابُوتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ خَبَرٌ خَرَجَ في صِغِيةِ الأمْرِ مُبالَغَةً، إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأُوجِبُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم»، فَأخْبَرَ الخَبَرُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، وهَذا كَثِيرٌ، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مُخْرِجَ الأمْرِ حَسَنَ جَوابُهِ كَذَلِكَ. و"العَدُوُّ" الَّذِي كانَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّ أُمْ مُوسى أُخْبَرَتْ بِهِ عَلى الإيهامِ،

(p-٩٥)وَلِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، وهي لا تَدْرِي أيْنَ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنهُ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: أرادَ مَحَبَّةَ آسِيَةَ، لَأنَّها كانَتْ مِنَ اللهِ وكانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ القَبُولَ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ في الأرْضِ لِخِيارِ عِبادِهِ، وكانَ حَظُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُ غايَةَ الوَفْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ إجْلالًا يُحِبُّهُ بِهِ كُلٌّ مَن رَآهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ مَلاحَةَ العَيْنَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ، وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" بِكَسْرِ اللامِ وضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: ولِتُغَذّى وتُطْعَمَ وتُرَبّى، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "وَلِتَصْنَعَ" بِفَتْحِ التاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ: لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلِيَصْنَعَ" بِالياءِ وكَسْرِ اللامِ عَلى الأمْرِ لِلْغائِبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى عَيْنِي﴾ مَعْناهُ: بِمَرْأًى مِنِّي وأمْرٍ مُدْرَكٍ مُبْصَرٍ مُراعًى.

20:40–41Страница 314

إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠

Твоя сестра пришла к семье Фараона и сказала: «Не указать ли вам на ту, которая будет заботиться о нем?». Мы вернули тебя к твоей матери, чтобы порадовался ее взор и чтобы она не горевала. Ты убил человека, и Мы спасли тебя от скорби и подвергли тебя тяжелому испытанию. О Муса (Моисей)! Ты пробыл многие годы среди жителей Мадьяна, а теперь вернулся в срок.

وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١

Я избрал тебя для Себя.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مَن الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

العامِلُ في "إذْ" فَعَلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: ومَنَنّا إذْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في القَصَصِ المَذْكُورِ آنِفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقَرَّ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقِرَّ" بِكَسْرِ القافِ، والنَفْسُ الَّتِي قَتَلَها هي نَفْسُ القِبْطِيِّ الَّذِي كانَ يُقاتِلُ الإسْرائِيلِيَّ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، و"الغَمُّ": هَمُّ النَفْسِ، وكانَ هَمُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأمْرِ مِن طَلَبِهِ لِيَثْأرَ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ مَعْناهُ: خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: اخْتَبَرْناكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا يُرادُ إلّا ما اخْتُبِرَ بِهِ (p-٩٦)مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وتَكْلِيفِهِ، وما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يَدْخُلُ في اخْتِبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وعِدَّةُ سِنِيِّهِ في أهْلِ مَدْيَنَ عَشَرَةُ أعْوامٍ؛ لَأنَّهُ إنَّما قَضى أوفى الأجَلَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾ أيْ: بِمِيقاتٍ مَحْدُودٍ لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي قَدْ أرادَها اللهُ بِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ نالَ الخِلافَةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ مَعْناهُ: جَعَلَتْكَ مَوْضِعَ الصَنِيعَةِ ومَقَرَّ الإجْمالِ والإحْسانِ، وقَوْلُهُ: "لِنَفْسِي" إضافَةَ تَشْرِيفٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَيْتُ اللهِ" ونَحْوَهُ. «والصِيامُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»، وعَبَّرَ بِالنَفْسِ عن شِدَّةِ القُرْبِ وقُوَّةِ الِاخْتِصاصِ.

20:42–46Страница 314

ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي ٤٢

Ступайте же вместе с твоим братом с Моими знамениями и не уставайте поминать Меня.

ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣

Ступайте к Фараону вдвоем, ибо он преступил границы дозволенного.

فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤

Говорите с ним мягко, быть может, он прислушается к назиданию или устрашится».

قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥

Они сказали: «Господь наш! Мы боимся, что он поспешит наказать нас или преступит границы дозволенного».

قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦

Аллах сказал: «Не бойтесь, ибо Я - с вами. Я слышу и вижу.

قوله عزّ وجلّ:

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾

أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٩٧)

؎ ............................. فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ

والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ.

و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ:

؎ فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ

(p-٩٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ. "أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

20:47–49Страница 314

فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧

Ступайте к нему вдвоем и скажите: «Мы - посланники твоего Господа. Отпусти с нами сынов Исраила (Израиля) и не причиняй им мучения. Мы явились к тебе со знамением от нашего Господа. Мир тому, кто последовал верному руководству!

إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨

Мы получили откровение о том, что мучениям подвергнется всякий, кто счел истину ложью и отвернулся».

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩

Фараон сказал: «Кто же ваш Господь, о Муса (Моисей)?».

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَلامُ عَلى مِن اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾

المَعْنى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَأعْلَماهُ أنَّكُما رَسُولانِ إلَيْهِ، وعَبَّرَ لِفِرْعَوْنَ بِـ "رَبِّكَ" تَحْقِيرًا لَهُ؛ إذْ كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ، ثُمْ أمَرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ، وهَذِهِ جُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ "الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ"، والظاهِرُ أنَّ رِسالَتَهُ إلَيْهِ لَيْسَتْ عَلى حَدِّ إرْسالِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَعْذِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ ذَبْحُ أولادِهِمْ وإذْلالِهِمْ. و"الآيَةُ" الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ. وقالَ: "جِئْناكَ" -والجائِي بِها مُوسى - تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ هُما مُشْرَكانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ كَلامٍ وفَصْلَهِ، فَيَقْوى أنْ يَكُونَ "السَلامُ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، كَأنَّهُما رَغِبا بِها عنهُ، وجَرْيًا عَلى العُرْفِ في التَسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ القَوْلِ فَسَلَّما عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، وفي هَذا تَوْبِيخٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِعْمالُ الناسِ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَبَتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في دَرَجِ القَوْلِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِأنَّ السَلامَةَ لِلْمُهْتَدِينَ، وهَذانَ المَعْنَيانِ قالَتْ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما فِرْقَةٌ لَكِنْ دُونَ هَذا التَلْخِيصِ، وقالُوا: "السَلامُ" بِمَعْنى: السَلامَةُ، و"عَلى" بِمَعْنى "اللامِ"، أيِ: السَلامُ لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى.

(p-٩٩)وَلِما فَرَغا مِنَ المَقالَةِ الَّتِي أمَرَ بِها عن قَوْلِهِ: "وَتَوَلّى" خاطَبَهُما فِرْعَوْنُ، وفي سَرْدِ هَذِهِ الآيَةِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَلَمّا قالا جَمِيعَ ما أُمِرا بِهِ قالَ لَهُما فِرْعَوْنُ: فَمَن رَبُّكُما؟ وقَوْلُهُ: "يا مُوسى" بَعْدَ جَمْعِهِ مَعَ "هارُونَ" في الضَمِيرِ نِداءٌ بِمَعْنى التَخْصِيصِ والتَوْقِيفِ؛ إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِسالَةِ ولِزَيْمِ الآياتِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English