Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Аль-Муминун 23:52–75
23:52–56Страница 345
وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢
Воистину, ваша религия - религия единая, а Я - ваш Господь. Бойтесь же Меня!
فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣
Но они разорвали свою религию на части, и каждая секта радуется тому, что имеет.
فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤
Оставь же их в их невежестве (или слепоте и растерянности) до определенного времени.
أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥
Неужели они думают, что Мы поддерживаем их богатством и сыновьями,
نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦
потому что спешим одарить их благами? О нет! Однако они не ощущают этого!
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾
قَرَأ عاصِمْ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَإنَّ هَذِهِ" بِكَسْرِ الألِفِ وشَدِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَخْفِيفِ "أنْ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَشْدِيدِ "أنَّ". فالقِراءَةُ الأُولى بَيِّنَةٌ عَلى القَطْعِ، وأمّا فَتْحُ الألِفِ وتَشْدِيدُ النُونِ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ آخِرًا بِـ "فاتَّقُونِ" عَلى تَقْدِيرِ: "لِأنَّ"، أيْ: فاتَّقَوْنِ لِأنَّ أُمَّتَكم أُمَّةً واحِدَةً وأنِّي رَبُّكُمْ، وهَذا عِنْدَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ -عَزَّ وجَلَّ-: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨].و"أنَّ" عِنْدَهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وهي عِنْدَ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لَمّا زالَ الخافِضُ، وقَدْ عَكَسَ هَذا الَّذِي نُسِبَتْ إلَيْهِما بَعْضُ الناسِ، وقالَ الفِراءُ: "أنَّ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أوِ احْفَظُوا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُمَّةٌ واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمْ وأبُو عَمْرٍو: "أُمَّةً واحِدَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن "هَذِهِ"، وفي هَذا نَظَرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] إنَّما هو مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِهِمْ، وأنَّهُ (p-٣٠١)بِتَقْرِيرِ حُضُورِهِمْ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ: وقُلْنا لِلنّاسِ، وإذا قُدِّرَتْ ﴿يا أيُّها الرُسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- قَلِقَ اتِّصالُ هَذِهِ واتِّصالُ قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ﴾، أمّا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ وإنْ كانَ قِيلٌ لِلْأنْبِياءِ فَأُمَمُهم داخِلُونَ بِالمَعْنى فَيَحْسُنُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّصالُ "فَتَقَطَّعُوا"، ومَعْنى "الأُمَّةُ" هُنا المِلَّةُ والشَرِيعَةُ، والإشارَةُ بِـ"هَذِهِ" إلى الحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو دِينُ الإسْلامِ. وقَوْلُهُ: "فَتَقَطَّعُوا" يُرِيدُ الأُمَمَ، أيِ: افْتَرَقُوا، ولَيْسَ بِفِعْلٍ مُطاوِعٍ كَما تَقُولُ "تَقْطَعَ الثَوْبُ"، بَلْ هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى "قَطَعُوا"، ومِثْلُهُ تُجَهِّمَنِي اللَيْلَ، وتُخَوِّفَنِي السَيْرَ، وتُعَرِّفَنِي الزَمَنَ.
وقَرَأ نافِعٌ: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ والباءِ، جَمْعَ زَبُورٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافِ-: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ وفَتْحِ الباءِ، فَأمّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:أحَدُهُما: أنَّ الأُمَمَ تَنازَعَتْ أمْرَها كُتُبًا مُنَزَّلَةً، فاتَّبَعَتْ فِرْقَةٌ الصُحُفَ وفِرْقَةٌ التَوْراةَ وفِرْقَةٌ الإنْجِيلَ، ثُمْ حَرَّفَ الكُلُّ وبَدَّلَ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. والثانِي أنَّهم تَنازَعُوا أمْرَهم كُتُبًا وضَعُوها وضَلالاتٍ ألَّفُوها، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ، وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَمَعْناها: فُرُقًا كَزُبُرَ الحَدِيدِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وضَلالَتِهِ، وهَذِهِ غايَةُ الضَلالِ؛ لِأنَّ المُرْتابَ بِما عِنْدَهُ يَنْظُرُ في طَلَبِ الحَقِّ، ومِن حَيْثُ كانَ ذِكْرُ الأُمَمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِثالًا لِقُرَيْشٍ خاطَبَ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- في شَأْنِهِمْ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: "فَذَرْهُمْ"، أيْ: فَذَرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ مَن تَقَدَّمَ.و"الغَمْرَةُ": ما عَمَّهم مِن ضَلالِهِمْ وفَعَلَ بِهِ فِعْلَ الماءِ الغَمْرِ لِما حَصُلَ فِيهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فَذَرْهم في غَمَراتِهِمْ". و"حَتّى حِينٍ" أيْ: إلى وقْتِ فَتْحٍ فِيهِمْ غَيْرُ مَحْدُودٍ. وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
ثُمْ وقَّفَهم عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللهِ عِنْدَهم بِالمالِ ونَحْوِهُ إنَّما هي لِرِضاهُ عن حالِهِمْ، وبَيَّنَ -تَعالى- أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وخَبَرُ "أنَّ" في قَوْلِهِ: "نُسارِعُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُسارِعُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الكَلامِ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- ضَمِيرٌ (p-٣٠٢)عائِدٌ تَقْدِيرُهُ: "لَهم بِهِ". وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: "يُسارِعُ" بِالياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ إمْدادَنا يُسارِعُ، ولا ضَمِيرَ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا ما يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ، ورُوِيَ عن أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورِ "يُسارَعُ" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "نُسْرِعُ" بِالنُونِ وسُقُوطِ الألِفِ، و"الخَيْراتُ" هُنا تَعُمُ الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، و"الشُعُورُ" مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ وهو ما بَلِيَ الإنْسانُ مِن ثِيابِهِ.
23:57–61Страница 345
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧
Воистину, те, которые трепещут от страха перед своим Господом,
وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨
которые веруют в знамения своего Господа,
وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩
которые не приобщают к своему Господу сотоварищей,
وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠
которые раздают милостыню, тогда как их сердца страшатся того, что им суждено вернуться к своему Господу, -
أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١
все они спешат вершить добрые дела и опережают в этом других.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾
لَمّا فَرَغَ ذِكْرُ الكَفَرَةِ وتَوَعُّدِهِمْ عَقَّبَ ذَلِكَ ذِكْرَ المُؤْمِنِينَ ووَعَدَهُمْ، وذَكَرَ ذَلِكَ بِأبْلَغِ صِفاتِهِمْ. و"الإشْفاقُ" أبْلَغُ التَوَقُّعِ والخَوْفِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن خَشْيَةِ﴾ لِبَيانِ جِنْسِ الإشْفاقِ، والإشْفاقُ إنَّما هو مِن عَذابِ اللهِ -تَعالى- و"مِن" في قَوْلِنا: "مِن عَذابِ اللهِ" هي لِابْتِداءِ غايَةٍ.
و"الآيَةُ" تَعُمُ القُرْآنَ وتَعُمُ العِبَرُ والمَصْنُوعاتُ الَّتِي لِلَّهِ تَعالى وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ نَظَرٌ واعْتِبارٌ.
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ
(p-٣٠٣)ثُمْ ذَكَّرَهم -تَعالى- مِنَ الطَرَفِ الآخَرِ وهو نَفْيُ الإشْراكِ؛ لِأنَّ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا: ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِآياتِ رَبِّنا، ونُرِيدُ أنْ نُصَدِّقَ بِأنَّهُ المُخْتَرِعُ الخالِقُ، فَذَكَرَ تَعالى نَفْيَ الإشْراكِ الَّذِي لا حَظَّ لَهم فِيهِ بِسَبَبِ أصْنامِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعْناهُ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، وقالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ وسائِرَ الصَدَقَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- ومُجاهِدٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما ضَمَّهم إلى هَذا التَخْصِيصِ أنَّ العَطاءَ مُسْتَعْمَلٌ في المالِ عَلى الأغْلَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عامٌّ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ، وهَذا أحْسَنُ، كَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ يُعْطُونَ مِن أنْفُسِهِمْ في طاعَةِ اللهِ ما بَلَغَهُ جُهْدُهم.
وقَرَأتْ عائِشَةُ أُمُ المُؤْمِنِينَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "يَأْتُونَ ما أتَوْا"، ومَعْناهُ: يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ النَبِيِّ -ﷺ- وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ مَعْناهُ: مِنَ (p-٣٠٤)المَعاصِي، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ في جَمِيعِ الأعْمالِ طاعَتِها ومَعْصِيَتِها، وهَذا أمْدَحُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «عن عائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها- أنَّها قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ الَّذِي يَزْنِي ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، بَلْ هي في الرَجُلِ يَصُومُ ويَتَصَدَّقُ وقَلْبُهُ وجِلٌ يَخافُ ألّا يُتَقَبَّلَ مِنهُ».
(p-٣٠٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ.
و"الوَجَلُ" نَحْوَ الإشْفاقِ والخَوْفِ، وصُورَةُ هَذا الوَجَلِ. أمّا المُخْلِطُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أبَدًا تَحْتَ خَوْفٍ مِن أنْ يَكُونَ يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِتَخْلِيطِهِ، وأمّا التَقِيُّ والتائِبُ فَخَوْفُهُ مِنَ الخاتِمَةِ وما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الخاتِمَةِ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ البَرِّ ويَخافُونَ ألّا يُنْجِيَهم ذَلِكَ مِن عَذابِ رَبِّهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِبارَةٌ حَسَنَةٌ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُؤْمِنُ يَجْمَعُ إحْسانًا وشَفَقَةً، والمُنافِقُ يَجْمَعُ إساءَةً وأمْنًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، والتَقْدِيرُ: بِأنَّهم أو لِأنَّهم أو مِن أجْلِ أنَّهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَجِلَةٌ" عامِلَةٌ في "أنَّ" مِن حَيْثُ إنَّها بِمَعْنى: خائِفَةٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّهُمْ" بِالكَسْرِ عَلى إخْبارٍ مَقْطُوعٍ في ضِمْنِهِ تَخْوِيفٌ.
ثُمْ أخْبَرَ -تَعالى- عنهم أنَّهم يُبادِرُونَ إلى فِعْلِ الخَيِّراتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُسارِعُونَ"، وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ" و"أنَّهم إلَيْها سابِقُونَ"، وهَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن أجْلِها سابِقُونَ، فالسابِقُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو إلى رِضْوانِ اللهِ، وعَلى الأوَّلِ هو إلى الخَيْراتِ، وقالَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-: المَعْنى: سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّ اللامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى.
(p-٣٠٦)
23:62–64Страница 346
وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢
Мы не возлагаем на человека сверх его возможностей. У Нас есть Писание, которое глаголет истину, и с ними не поступят несправедливо.
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣
Однако их сердца слепы к этому (Корану). А наряду с этим они совершают менее тяжкие злодеяния.
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤
А когда Мы подвергнем наказанию изнеженных роскошью среди них, они завопят громким голосом.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ نَسَخٌ لِجَمِيعِ ما ورَدَ في الشَرْعِ مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ عَلى الحَقِيقَةِ، وتَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: ثَلاثَةٌ حَقِيقَةٌ ورابِعٌ مُجازِيٌّ، وهو الَّذِي لا يُطاقُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِهِ مِثْلَ الإيمانِ لِلْكافِرِ والطاعَةِ لِلْعاصِي، وهَذا التَكْلِيفُ باقٍ وهو تَكْلِيفُ أكْثَرِ الشَرِيعَةِ، وأمّا الثَلاثَةُ فَوَرْدَ الِاثْنانِ مِنها، وفِيها وقْعَ النَسْخُ المُحالُ عَقْلًا في نازِلَةِ أبِي لَهَبٍ والمُحالُ عادَةً في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآيَةُ. والثالِثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ، وهو النَوْعُ المُهْلِكُ لِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُكَلِّفْهُ عِبادَهُ، فَأمّا قَتْلُ القاتِلِ ورَجْمُ الزانِي فَعُقُوبَتُهُ بِما فَعَلَ، وقَدْ مَضى القَوْلُ مُسْتَوْعَبًا في مَسْألَةِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِنا "ناسِخٌ" نَظَرٌ مِن جِهَةِ التَوارِيخِ وما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ وما نَزَلَ بِمَكَّةَ، واللهُ المُعِينُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ أظْهَرُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ أرادَ كِتابَ إحْصاءِ الأعْمالِ الَّذِي تَرْفَعُهُ المَلائِكَةُ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَهْدِيدٌ وتَأْنِيسٌ مِنَ الحَيْفِ والظُلْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ﴾ إلى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يُحْتَمَلُ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ يُرِيدُ: في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَفْعَلُ الماءُ الغَمْرُ بِما حَصُلَ فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن هَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ [أنْ يُشِيرَ] إلى كِتابِ الإحْصاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ، أيْ: هم في غَمْرَةٍ مِنَ اطِّراحِها وتَرْكِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى الدِينِ بِجُمْلَتِهِ، أو إلى مُحَمَّدٍ -ﷺ- وكُلُّ تَأْوِيلٍ مِن هَذِهِ قالَتْهُ فَرِقَّةٌ،
(p-٣٠٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾، الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى الغَمْرَةِ والضَلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فَمَعْنى الآيَةِ: بَلْ هم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم -مَعَ ذَلِكَ- لَهم سِعاياتٌ فَسادٌ، فَوَسَمَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فالإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِن هَذا" فَكَأنَّهُ قالَ: لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ أوِ القُرْآنِ ونَحْوِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: "وَلَهم أعْمالٌ" عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ يَسْتَعْمِلُونَها.
و"حَتّى" حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرَ، و"إذا" الأُولى و"إذا" الثانِيَةُ -الَّتِي هي جَوابٌ- تَمْنَعاهُ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِـ "عامِلُونَ".
و"المُتْرَفُ" هو المُنْعَمُ في الدُنْيا الَّذِي هو مِنها في سَرَفٍ، وهَذِهِ حالٌ شائِعَةٌ في رُؤَساءِ الكَفَرَةِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.
و"يَجْأرُونَ" مَعْناهُ: يَسْتَغِيثُونَ بِصِياحٍ كَصِياحِ البَقَرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الجَأْرِ في البَشَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤُورًا
وذَهَبَ مُجاهِدُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا العَذابَ المَذْكُورَ هو الوَعِيدُ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وفِيهِ نَقْدٌ عَلى مُتْرَفِيهِمْ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إذا هُمْ" يَعُودُ عَلى "المُتْرَفِينَ" فَقَطْ لِأنَّهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ الهَزْمُ والقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ، وقَدْ حَكى (p-٣٠٨)ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: المُعَذَّبُونَ: قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ يَجْأرُونَ: أهْلُ مَكَّةَ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
23:65–68Страница 346
لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥
Не вопите сегодня! Воистину, Мы не окажем вам помощи.
قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦
Вам читали Мои аяты, но вы пятились от них,
مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧
возгордившись ею (Каабой) и произнося скверные речи по ночам.
أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
Неужели они не задумываются над Словом? Или же к ним явилось то, что не приходило к их праотцам?
قوله عزّ وجلّ:
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾
المَعْنى: يُقالُ لَهم يَوْمَ العَذابِ عِنْدَ حُلُولِهِ: ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾، وهَذا القَوْلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، أيْ: تَقُولُ ذَلِكَ لَهُمُ المَلائِكَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا، أيْ: لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ، وهَذا عَلى أنَّ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وأمّا عَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَلا يُحْتَمَلُ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ المَلائِكَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةُ يُرِيدُ بِها القُرْآنُ. و"تَنْكِصُونَ" مَعْناهُ: تَرْجِعُونَ وراءَكُمْ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ والإدْبارِ عَنِ الحَقِّ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "عَلى أدْبارِكم تَنْكِصُونَ" بِضَمِّ الكافِ وبِذِكْرِ الأدْبارِ بَدَلًا مِنَ الأعْقابِ. و"مُسْتَكْبِرِينَ" حالٌ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ الجُمْهُورُ: هو عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِشُهْرَتِهِ في الأمْرِ، والمَعْنى: أنَّكم تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم أنَّ لَكم بِالمَسْجِدِوالحَرَمِ أعْظَمَ الحُقُوقِ عَلى الناسِ والمَنازِلِ عِنْدَ اللهِ، فَأنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ لِذَلِكَ، ولَيْسَ الِاسْتِكْبارُ مِنَ الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ مِن حَيْثُ ذَكَرَتِ الآياتُ، والمَعْنى: يُحْدِثُ لَكم سَماعُ الآياتِ كُفْرًا وطُغْيانًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.
وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَمِيرَ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، كَأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "مُسْتَكْبِرِينَ"، ثُمْ قالَ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.
(p-٣٠٩)وَقَوْلُهُ: "سامِرًا" حالٌ، وهو مُفْرِدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، يُقالُ: قَوَّمَ سَمُرَ وسَمِرَ وسامِرٌ، ومَعْناهُ سَهَرَ اللَيْلَ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَمَرِ وهو ما يَقَعُ عَلى الأشْخاصِ مِن ضَوْءِ القَمَرِ، فَكانَتِ العَرَبُ تَجْلِسُ لِلسَّمَرِ تَتَحَدَّثُ، وهَذا أوجَبَ مَعْرِفَتَها بِالنُجُومِ؛ لِأنَّها تَجْلِسُ في الصَحْراءِ فَتَرى الطَوالِعَ مِنَ الغَوارِبَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سامِرًا"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "سُمّارًا"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سَمَرًا"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مِن دُونِهِمْ إنْ جِئْتَهم سَمَرًا عَزَفُ القِيانِ ومَجْلِسٌ غُمْرٌ
وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسْمِرُ حَوْلَ الكَعْبَةِ مَجالِسَ في أباطِيلِها وكَفْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَهْجُرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الجِيمِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناها -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناها: تَهْجُرُونَ الحَقَّ وذِكْرَ اللهِ تَعالى، مِنَ الهَجْرِ المَعْرُوفِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَن هَجْرِ المَرِيضِ إذا هَذِي، أيْ: تَقُولُونَ اللَغْوَ مِنَ القَوْلِ، وقالَهُ أبُو حاتِمْ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "تَهْجُرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسَرِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ (p-٣١٠)المَدِينَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومَعْناهُ: يَقُولُونَ الفُحْشَ والهَجْرَ مِنَ القَوْلِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى سَبِّهِمْ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ- وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا وغَيْرُهُ، وفي الحَدِيثِ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عن زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها ولا تَقُولُوا هَجْرًا»، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي نَهِيكٍ "تُهَجِّرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الجِيمِ مَكْسُورَةً، وهو تَضْعِيفُ هَجْرَ وتَكْثِيرُ الهَجْرِ والهَجْرُ عَلى المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ: لَوْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّكم تُبالِغُونَ في المُهاجَرَةِ حَتّى أنَّكم وإنْ كُنْتُمْ سُمْرًا بِاللَيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى غايَةِ الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا تَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ تَكْثِيرُ "تُهَجِّرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ لِأنَّ أفْعَلَ لا يَتَعَدّى ولا يَكْثُرُ بِتَضْعِيفٍ؛ إذِ التَضْعِيفُ والهَمْزَةُ مُتَعاقِبانِ.
ثُمْ وبَّخَهم عَلى إعْراضِهِمْ بَعْدَ تَدَبُّرِ القَوْلِ لِأنَّهم -بَعْدَ التَدَبُّرِ والنَظَرِ الفاسِدِ- قالَ بَعْضُهُمْ: شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وسائِرُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ جاءَهُمْ"﴾ كَذَلِكَ تَوْبِيخٌ أيْضًا، والمَعْنى: أأبْدَعَ لَهم أمْرًا لَمْ يَكُنْ في الناسِ قَبْلَهُمْ؟ بَلْ قَدْ جاءَ الرُسُلُ قَبْلُ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ -عَلَيْهِمُ السَلامُ- وفي هَذا التَأْوِيلِ مِنَ التَجَوُّزِ أنْ جَعَلَ سالِفَ الأُمَمِ آباءٌ؛ إذِ الناسُ في الجُمْلَةِ آخِرُهم مِن أوَّلِهِمْ. (p-٣١١)وَيَحْتَمِلُ اللَفْظُ مَعْنًى آخَرَ عَلى أنْ يُرادَ بِآباءِهِمُ الأوَّلِينَ مِن فَرْطِ مَن سَلَّفَهم في العَرَبِ، كَأنَّهُ قالَ: أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم أمْرٌ غَرِيبٌ مِن عِنْدِ اللهِ لَمْ يَأْتِ آباءُهم فَبَهَرَ عُقُولَهُمْ، ونَبَتْ عنهُ أذْهانُهُمْ، فَكَأنَّ التَوْبِيخَ يَتَّسِقُ بِأنْ يُقَدَّرَ الكَلامُ: أفَلَمَّ يَدَبَّرُوا أمْ بُهِرَتْ عُقُولُهم ونَبَتْ أذْهانُهم عن أمْرٍ مِن أُمُورِ اللهِ غَرِيبٌ في سَلَفِهِمْ؟ والمَعْنى الأوَّلُ أبْيَنُ.
23:69–71Страница 346
أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩
Или же они не узнали своего Посланника и принялись отвергать его?
أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠
Или же они говорят, что он - бесноватый? Напротив, он принес им истину, но большинство из них не любят ее.
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١
А если бы истина зависела от их желаний, то сгинули бы небеса, земля и те, кто на них. Мы даровали им их Напоминание (Коран), однако они отвернулись от своего Напоминания.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عن ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾
هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ، والمَعْنى: ألَمْ يَعْرِفُوهُ صادِقًا مُدَّةَ عُمْرِهِ ولَمْ يَقَعْ مِنهم قَطُّ إنْكارٌ لِمَعْرِفَةِ وجْهِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وإنَّما أنْكَرُوا صِدْقَهُ.
وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ تَوْبِيخٌ أيْضًا لِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ ذِي الجَنَّةِ لا يَخْفى عَلى ذِي فِطْرَةٍ، ثُمْ بَيَّنَ تَعالى حالَهُ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- في مَجِيئِهِ بِالحَقِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو صالِحٍ: "الحَقُّ" اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لَيْسَ مِن نَمَطِ الآيَةِ، وقالَ غَيْرُهُما: الحَقُّ هُنا: الصَوابُ والمُسْتَقِيمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا هو الأحْرى، عَلى أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ قَبْلَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فَسادُ السَماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ لَوْ كانَ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ، وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وأولادًا، ولَوْ كانَ هَذا حَقًّا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ -تَبارَكَ وتَعالى- الصِفاتُ العَلِيَّةُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تِلْكَ الصَنْعَةُ ولا القُدْرَةُ، وكانَ ذَلِكَ فُسّادُ السَماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ومَن قالَ: إنَّ "الحَقَّ" في الآيَةِ اللهُ تَعالى تَشَعَّبَتْ لَهُ (p-٣١٢)لَفْظَةُ "اتَّبَعَ" وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعَ -عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ- إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ تَكُونَ أهْواؤُهم يَصُونُها الحَقُّ ويُقَرِّرُها، فَنَحْنُ نَجِدُ اللهَ -تَعالى- قَدْ قَدَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهُمْ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَمَواتٍ، وأمّا الحَقُّ نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَوابُ فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَأمَّلَهُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "وَلَوِ اتَّبَعَ" بِضَمِّ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: الضَمُّ في هَذِهِ الواوِ قَلِيلٌ، والوَجْهُ تَشْبِيهَها بِواوِ الجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦].
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذِكْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وقَرَأ قَتادَةُ: "نُذَكِّرُهُمْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وذالٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ الكافِ مُشَدَّدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِشَرَفِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أتَيْتُهم بِذِكْرِهِمْ" بِضَمِّ تاءِ المُتَكَلِّمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: "بَلْ أتَيْتَهُمْ" خِطابًا لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بَلْ أتَيْنَهم بِذِكْرِهِمْ" أيْ جِئْناهُمْ، ورَوِيَ عن أبِي عَمْرٍو "آتَيْناهُمْ" بِالمَدِّ، بِمَعْنى أعْطَيْناهم.
23:72–75Страница 346
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢
Разве ты просишь у них вознаграждения? Воздаяние твоего Господа лучше, и Он - Наилучший из дарующих удел.
وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣
Воистину, ты призываешь их на прямой путь.
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤
А те, которые не веруют в Последнюю жизнь, непременно сбиваются с пути.
۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥
Если бы Мы смилостивились над ними и избавили их от беды, они все равно продолжали бы слепо скитаться, настаивая на своем беззаконии.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرازِقِينَ﴾ ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
هَذا تَوْبِيخٌ لَهم كَأنَّهُ قالَ: أمْ سَألْناهم مالًا فَقَلِقُوا بِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؟
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خَراجًا فَخَراجُ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ: "خَرَجًا فَخَراجُ". وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما-: "خُرْجًا فَخَرَجَ"، وهو المالُ الَّذِي يُجْبى ويُؤْتى بِهِ لِأوقاتٍ مَحْدُودَةٍ، قالَ الأصْمَعِيُّ: الخَرْجُ الجُعْلُ مَرَّةً واحِدَةً، والخَراجُ ما تَرَدَّدَ لِأوقاتٍ ما.
(p-٣١٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا فَرْقٌ اسْتِعْمالِيٌّ، وإلّا فَهُما في اللُغَةِ بِمَعْنى، وقَدْ قُرِئَ "خَراجًا" في قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يُرِيدُ ثَوابُهُ، سَمّاهُ خَراجًا مِن حَيْثُ كانَ مُعادِلًا لِلْخَراجِ في هَذا الكَلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَخَراجُ رَبِّكَ رِزْقُ رَبِّكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾. و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ": دِينُ الإسْلامِ. و"ناكِبُونَ" مَعْناهُ: عادِلُونَ ومُعْرِضُونَ.
ثُمْ أخْبَرَ اللهُ -تَعالى- عنهم أنَّهم لَوْ زالَ عنهُمُ القَحْطُ ومَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالخِصْبِ ورَحِمَهم بِذَلِكَ لَبَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُدَّةِ الَّتِي أصابَتْ فِيها قُرَيْشًا السُنُونُ الجَدْبَةُ والجُوعُ الَّذِي دَعا بِهِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- في قَوْلِهِ: «اللهم سَبْعًا كَسِنِيِّ يُوسُفَ...» الحَدِيثُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии