Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
المؤمنون
Аль-Муминун
Верующие · Мекканская · 118 аятов
23:1–7Страница 342
قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١
Воистину, преуспели верующие,
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢
которые смиренны во время своих намазов,
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣
которые отворачиваются от всего праздного,
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤
которые выплачивают закят,
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥
которые оберегают свои половые органы от всех,
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦
кроме своих жен или невольниц, которыми овладели их десницы, за что они не заслуживают порицания,
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧
тогда как желающие сверх этого являются преступниками;
(p-٢٧٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾
أخْبَرَ اللهُ -تَبارَكَ وتَعالى- عن فَلاحِ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم نالُوا البُغْيَةَ وأحْرَزُوا البَقاءَ الدائِمْ، ورُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ اللهَ -تَعالى- لَمّا خَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي، فَقالَتْ: "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ". ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ اللهَ -تَعالى- لَمّا خَلَقَ الجَنَّةَ وأتْقَنَ حُسْنَها قالَ: "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ". وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ: "قَدْ أفْلَحُ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الحاءِ، يُرِيدُ: قَدْ أفْلَحُوا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، ورُوِيَ عنهُ "قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللامِ.
ثُمْ وصَفَ -تَعالى- هَؤُلاءِ المُفْلِحِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ والخُشُوعُ: (p-٢٧٩)التَطامُنُ وتَساكُنُ الأعْضاءِ والوَقارُ، وهَذا إنَّما يَظْهَرُ في الأعْضاءِ لِمَن في قَلْبِهِ خَوْفٌ واسْتِكانَةٌ، ورُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ رَأى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ في الصَلاةِ فَقالَ: لَوْ خَشَعَ هَذا خَشَعَتْ جَوارِحُهُ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَلْتَفِتُونَ في صَلاتِهِمْ يُمْنَةً ويُسْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُمِرُوا أنْ يَكُونَ بَصَرُ المُصَلِّي حِذاءَ قِبْلَتِهِ أو بَيْنَ يَدَيْهِ، وفي الحَرَمِ إلى الكَعْبَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ وغَيْرِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كانَ يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ إلى السَماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».
و"اللَغْوِ": سَقْطُ القَوْلِ، وهَذا يَعُمْ جَمِيعَ ما لا خَيْرَ فِيهِ، ويَجْمَعُ آدابَ الشَرْعِ، وكَذَلِكَ كانَ النَبِيُّ -ﷺ- وأصْحابُهُ، وكَأنَّ الآيَةَ فِيها مُوادَعَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ في الأمْوالِ، وهَذا بَيِّنٌ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرِيدَ بِالزَكاةِ الفَضائِلَ، كَأنَّهُ أرادَ الأزْكى مِن كُلِّ فِعْلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ صِفَةُ العِفَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزِنا والِاسْتِمْناءِ ومُواقَعَةَ البَهائِمْ، وكُلَّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَراءَ ذَلِكَ﴾، ويُرِيدُ: وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حَدَّ، ومَعْنى " ما مَلَكَتْ أيْمانُهم " مِنَ النِساءِ، ولَمّا كانَ "حافِظُونَ" بِمَعْنى (مَحْجُوزُونَ) حَسُنَ اسْتِعْمالُ "عَلى"، و"العادِي": الظالِمْ.
23:8–11Страница 342
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨
которые оберегают вверенное им на хранение и соблюдают договоры,
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩
которые регулярно совершают намаз.
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠
Именно они являются наследниками,
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١
которые унаследуют Фирдаус, в котором они пребудут вечно.
(p-٢٨٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾
قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِأماناتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "لِأمانَتِهِمْ" بِالإفْرادِ. والأمانَةُ والعَهْدُ تَجْمَعُ كُلَّ ما تَحَمَّلَهُ الإنْسانُ مِن أمْرِ دِينِهِ ودُنْياهُ قَوْلًا وفِعْلًا، وهَذا يَعُمْ مُعاشَرَةَ الناسِ والمَواعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ورِعايَةُ ذَلِكَ: حِفْظُهُ والقِيامُ بِهِ، والأمانَةُ أعَمُّ مِنَ العَهْدِ؛ إذْ كَلُّ عَهْدٍ فَهو أمانَةٌ فِيما تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أو فِعْلٌ أو مُعْتَقَدٌ، وقَدْ تُعِنُّ أمانَةً فِيما لَمْ يَعْهَدْ فِيهِ تَقَدُّمْ، وهَذا إذا أخَذْناهُما بِنِسْبَتِهِما إلى العَبْدِ، فَإنْ أخَذْناهُما مِن حَيْثُ هُما -عَهْدُ اللهِ إلى عِبادِهِ وأمانَتِهِ الَّتِي حَمَّلَهم - كانا في رُتْبَةٍ واحِدَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "صَلاتِهِمْ" بِالإفْرادِ، وهَذا الإفْرادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهو في مَعْنى الجَمْعُ، والمُحافَظَةُ عَلى الصَلاةِ تَرَقُّبُ أوقاتِها والمُبادَرَةُ إلى وقْتِ الفَضْلِ فِيها. و"الوارِثُونَ" يُرِيدُ: الجَنَّةَ، ورُوِيَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- عَنِ النَبِيِّ -ﷺ-: «أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ مَسْكَنًا في الجَنَّةِ ومَسْكَنًا في النارِ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنازِلَهم ويَرِثُونَ مَنازِلَ الكُفّارِ، ويَحْصُلُ الكُفّارُ في مَساكِنِهِمْ في النارِ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-:
ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَمِّي اللهُ -تَعالى- الحُصُولَ عَلى الجَنَّةِ وِراثَةً مِن حَيْثُ حَصَّلُوها دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهو اسْمٌ مُسْتَعارٌ عَلى الوَجْهَيْنِ. و"الفِرْدَوْسُ": مَدِينَةُ الجَنَّةِ، وهي جَنَّةُ الأعْنابَ، واللَفْظَةُ -فِيما قالَ مُجاهِدٌ - رُومِيَّةٌ عَرِّبَتْ، وقِيلَ: هي فارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ: فَرادِيسُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِأُمْ حارِثَةَ: «إنَّها جِنانٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّ ابْنَكِ قَدْ أصابَ الفِرْدَوْسَ».
23:12–14Страница 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢
Воистину, Мы сотворили человека из эссенции глины.
ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣
Потом Мы поместили его каплей в надежном месте.
ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤
Потом Мы создали из капли сгусток крови, потом создали из сгустка крови разжеванный кусочек, потом создали из этого кусочка кости, и потом облекли кости мясом. Потом Мы вырастили его в другом творении. Благословен же Аллах, Наилучший из творцов!
(p-٢٨١)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾
هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوِ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: "الإنْسانَ" فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: أرادَ آدَمُ -عَلَيْهِ السَلامُ- لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِنَ الطِينِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجِيءُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمْ جَعَلْناهُ" عائِدًا عَلى ابْنِ آدَمَ -وَإنْ كانَ لَمْ يَذْكُرْهُ- لِشُهْرَةِ الأمْرِ، وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ، نَظِيرَ ذَلِكَ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] وغَيْرُهُ. -وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- المُرادُ بِقَوْلِهِ: "الإنْسانَ" ابْنُ آدَمَ. و ﴿سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ صَفْوَةُ الماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-:
وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، ويَتَرَتَّبُ فِيهِ أنَّهُ سُلالَةٌ مِن حَيْثُ كانَ الكُلُّ عن آدَمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- أو عَنِ الأبَوَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِينِ، وذَلِكَ السَبْعُ الَّذِي جَعَلَ اللهُ تَعالى رِزْقَ ابْنِ آدَمَ فِيها، وسَيَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- فِيها إنْ شاءَ اللهُ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-: إنَّ السُلالَةَ هي صَفْوَةُ الماءِ، يَعْنِي المَنِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾: مِنِّي آدَمِ.
(p-٢٨٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-:
وهَذا بَيِّنٌ؛ إذْ آدَمُ مِن طِينٍ وذُرِّيَّتَهُ مِن سُلالَةٍ، وما يَكُونُ عَنِ الشَيْءِ فَهو سُلالَتُهُ، وتَخْتَلِفُ وُجُوهُ ذَلِكَ الكَوْنِ، فَمِنهُ قَوْلُهم لِلْخَمْرِ: سُلالَةٌ؛ لِأنَّها سُلالَةُ العِنَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا أنْتَجَتْ مِنها المَهارى تَشابَهَتْ عَلى العُودِ إلّا بِالأُنُوفِ سَلائِلُهُ
ومِنَ اللَفْظِ قَوْلُ هِنْدٍ بِنْتُ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ:
؎ ........ ∗∗∗ سَلِيلَةُ أفْراسٍ تَحَلَّلَها بَغْلٌ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةُ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ
وهَذِهِ الفِرْقَةُ يَتَرَتَّبُ مَعَ قَوْلِها عَوْدُ الضَمِيرِ في "جَعَلْناهُ" و"أنْشَأْناهُ".
(p-٢٨٣)و"النُطْفَةُ" تَقَعُ في اللُغَةِ عَلى قَلِيلِ الماءِ وكَثِيرِهِ، وهي هُنا لِمَنِّي ابْنِ آدَمَ، و"القَرارُ المَكِينُ" مِنَ المَرْأةِ هو مَوْضِعُ الوَلَدِ، و"المَكِينُ": المُتَمَكِّنُ، فَكَأنَّ "القَرارَ" هو المُتَمَكِّنُ في الرَحِمْ. و"العَلَقَةُ": الدَمُ الغَرِيضُ، و"المُضْغَةُ": بُضْعَةُ اللَحْمِ قَدْرَ ما يُمْضَغُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عِظامًا" في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرِ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "عَظْمًا" بِالإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ سَلَمَةُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ بِالإفْرادِ أوَّلًا وبِالجَمْعِ في الثانِي، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ثُمْ جَعَلْنا المُضْغَةَ عِظامًا وعَصَبًا فَكَسَوْناهُ لَحْمًا".
واخْتَلَفَ الناسُ في الخَلْقِ الآخَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدِ: هو نَفْخُ الرُوحِ فِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُنْيا، وقالَ قَتادَةُ -عن فِرْقَةٍ-: نَباتُ شَعْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُنْيا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ، وإنَّما هو عامٌّ في هَذا، وغَيْرِهِ مِن وُجُوهٍ مِنَ النُطْقِ والإدْراكِ وحَسُنِ المُحاوَلَةِ هو بِها آخِرُ، وأوَّلُ رُتْبَةٍ مِن كَوْنِهِ آخِرُ هي نَفْخُ الرُوحِ فِيهِ، والطَرَفُ الآخَرُ مِن كَوْنِهِ آخِرُ تَحْصِيلِهِ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ.
و"تَبارَكَ" هو مُطاوِعٌ "بارَكَ"، فَكَأنَّها بِمَنزِلَةِ "تَعالى وتَقَدَّسَ"، مِن مَعْنى البَرَكَةِ، وهَذِهِ الآيَةِ يُرْوى «أنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- لَمّا سَمِعَ صَدْرَ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "آخَرُ" قالَ: "فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ" فَقالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "هَكَذا أُنْزِلَتْ"». (p-٢٨٤)وَيُرْوى أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- ويُرْوى أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وبِهَذا السَبَبِ ارْتَدَّ وقالَ: أنا آتِي بِمِثْلِ ما يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ مَعْناهُ: أحْسَنُ الصانِعِينَ، يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا: خَلَقَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَأنْتَ تُفْرِي ما خَلَقَتُ وبَعْـ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمْ لا يُفْرِي
وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى نَفْيِ هَذِهِ اللَفْظَةِ عَنِ الناسِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما قالَ: (p-٢٨٥)"الخالِقِينَ" لِأنَّهُ -تَبارَكَ وتَعالى- قَدْ أذِنَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في أنْ يَخْلُقَ، واضْطَرَبَ بَعْضُهم في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا تُنْفى اللَفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُنْعِ، وإنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ والإيجادِ مِنَ العَدَمِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِعُمَرَ بْنَ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- حِينَ سَألَهُ مَشْيَخَةُ الصَحابَةِ عن لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالُوا: اللهُ أعْلَمُ، فَقالَ عُمْرُ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: ما تَقُولُ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ سَبْعًا والأرْضِينَ سَبْعًا، وخَلَقَ ابْنَ آدَمَ مِن سَبْعٍ، وجَعَلَ رِزْقَهُ في سَبْعٍ، فَأراها في لَيْلَةِ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فَقالَ عُمَرُ: أعْجَزَكم أنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ هَذا الغُلامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ". وهَذا الحَدِيثُ بِطُولِهِ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ، فَأرادَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- بِقَوْلِهِ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن سَبْعٍ. هَذِهِ الآيَةَ، وبُقُولِهِ: جُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] الآيَةُ، السَبْعُ مِنها لِابْنِ آدَمَ، والأبُّ لِلْأنْعامِ، والقَضْبِ يَأْكُلُهُ ابْنُ آدَمَ وتَسْمَنُ بِهِ النِساءُ، هَذا قَوْلٌ، وقِيلَ: القَضْبُ: البُقُولُ لِأنَّها تُقْضَبُ، فَهي رِزْقُ ابْنِ آدَمَ، وقِيلَ: القَضْبُ والأبُّ لِلْأنْعامِ والسِتَّةُ الباقِيَةُ لِابْنِ آدَمَ، والسابِعَةُ هي الأنْعامُ إذْ هي مِن أعْظَمِ رِزْقِ ابْنِ آدَمَ.
23:15–20Страница 342
ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥
После этого вы непременно умрете.
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦
А потом, в День воскресения, вы непременно будете воскрешены.
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧
Воистину, Мы создали над вами семь небес одно над другим. Мы никогда не находились в неведении о творениях.
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨
Мы низвели с неба воду в меру и разместили ее на земле. Воистину, Мы способны увести ее.
فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩
Посредством нее Мы вырастили для вас пальмовые сады и виноградники, где растет для вас много плодов, которые вы едите.
وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠
Мы вырастили дерево, которое растет на горе Синай и дает масло и приправу для вкушающих.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُهْنِ وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾
"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَمائِتُونَ". (p-٢٨٦)بِالألْفِ، و"تُبْعَثُونَ" مَعْناهُ: مِن قُبُورِكم أحْياءٌ، وهَذا خَبَرٌ بِالبَعْثِ والنُشُورِ، و"الطَرائِقُ" كُلُّ ما كانَ طَبَقاتٍ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ: طارَقْتُ نَعْلِي، ويُرِيدُ بِـ"السَبْعُ الطَرائِقُ" السَماواتُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "الطَرائِقُ" بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ، مِن: طَرَقْتُ الشَيْءَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ نَفْيٌ عامٌّ، أيْ: في إتْقانِ خَلْقِهِمْ وعن مَصالِحِهِمْ وعن أعْمالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ماءً بِقَدَرٍ﴾، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَ المَطَرَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما أرادَ الأنْهارَ الأرْبَعَةَ: سَيْحانَ وجَيْحانَ والفُراتُ والنِيلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ أنَّ هَذا كُلَّهُ داخِلٌ تَحْتَ الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى.
وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ:
ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذْبِ، وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ، والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللهَ -تَعالى- قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِقَدَرٍ" أيْ: عَلى مِقْدارٍ مُصْلِحٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كَثُرَ أهْلَكَ.
و "فَأنْشَأْنا" مَعْناهُ: فَأوجَدْنا وخَلَقْنا، وذَكَرَ تَعالى "النَخِيلَ والأعْنابَ" لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، قالَهُ الطَبَرَيُّ، ولِأنَّهُما أيْضًا أشْرَفُ الثِمارِ، فَذَكَرَهُ مِثالًا لا تَشْرِيفًا لَها وتَنْبِيهًا عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لَكم فِيها" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ الضَمِيرُ عَلى "الجَنّاتِ" فَيُرِيدُ حِينَئِذٍ جَمِيعَ أنْواعِ الفاكِهَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "النَخِيلِ والأعْنابِ". خاصَّةً إذْ فِيها مَراتِبُ وأنْواعٌ، والأوَّلُ أعَمُّ لِسائِرِ الثَمَراتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَجَرَةً" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "جَنّاتٍ"، ويُرِيدُ بِها الزَيْتُونَةَ، وهي كَثِيرَةٌ في طُورِ سَيْناءَ مِن أرْضِ الشامِ، وهو الَّذِي كَلَّمَ اللهُ -تَعالى- فِيهِ مُوسى -عَلَيْهِ السَلامُ- قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ. و " الطَوْرُ ": الجَبَلُ في كَلامِ العَرَبِ، وقِيلَ: هو مِمّا عُرِّبَ مِن كَلامِ العَجَمِ، واخْتُلِفَ في " سِيناءَ " فَقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: الحَسَنُ، ويَلْزَمُ (p-٢٨٧)عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنْ يُنَوَّنَ " الطَوْرُ "، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: مُبارَكٌ، وقالَ مُعْمَرٌ عن فِرْقَةٍ: مَعْناهُ: ذُو شَجَرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَلْزَمُهم أنْ يُنَوَّنَ " الطَوْرُ ". وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ، و " سَيْناءُ " اسْمٌ مُضافٌ إلَيْهِ الجَبَلُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: " سِيناءَ " بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ الباقُونَ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: " سَيْناءَ " بِفَتْحِ السِينِ، وكُلُّهم بِالمَدِّ، فَعَلى فَتْحِ السِينِ لا يَنْصَرِفُ الِاسْمُ بِوَجْهٍ، وعَلى كَسْرِ السِينِ فالهَمْزَةُ كَهَمْزَةِ حِرْباءَ، ولَمْ يُصْرَفْ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمُ بُقْعَةٍ أو أرْضٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَنْبُتُ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الباءِ، فالتَقْدِيرُ: تَنْبُتُ ومَعَها الدُهْنُ، كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْبُتُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الباءِ، واخْتُلِفَ في التَقْدِيرِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الباءُ زائِدَةٌ، وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وهَذا المِثالُ عِنْدِي مُعْتَرَضٌ وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَدْ ذَكَرَهُ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبابَ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالبَيْضِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ
ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: تَنْبُتُ جَناها ومَعَهُ الدُهْنُ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْضًا، وقَدْ قِيلَ: نَبَتَ وأنْبَتَ بِمَعْنى، فَيَكُونُ الفِعْلُ كَما مَضى في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، والأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ أنْبَتَ ويَتَّهِمْ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها: (p-٢٨٨)
؎ .............. ∗∗∗...... أنْبَتَ البَقْلُ
وقَرَأ الزُهْرِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "تَنْبُتُ" بِرَفْعِ التاءِ ونَصْبِ الباءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي باءُ الحالِ، أيْ: تَنْبُتُ ومَعَها دُهْنُها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "تَخْرُجُ بِالدُهْنِ"، وهي أيْضًا باءُ الحالِ، وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "تَنْبُتُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الباءِ "الدُهْنَ" بِحَذْفِ الباءِ ونَصْبِهِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، والأشْهَبُ: "بِالدِهانِ"، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الزَيْتِ عَلى الإنْسانِ، وهي مِن أرْكانِ النِعَمِ الَّتِي لا غِنى بِالصِحَّةِ عنها، ويَدْخُلُ في مَعْنى الزَيْتُونَةِ شَجَرُ الزَيْتِ كُلِّهِ عَلى اخْتِلافِهِ بِحَسَبِ الأمْصارِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَصِبْغٍ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأصْباغٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: "وَمَتاعًا لِلْآكِلِينَ".
23:21–22Страница 343
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١
Воистину, домашняя скотина служит назиданием для вас. Мы поим вас тем, что находится у них в животах. Они приносят вам многочисленную пользу, и вы питаетесь ими.
وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢
На них и на кораблях вы передвигаетесь.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
"الأنْعامُ" هي الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعْزُ، و"العِبْرَةُ" في خَلْقِها وسائِرِ أخْبارِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُسْقِيكُمْ" بِضَمِّ النُونِ مِن "أسْقى"، ورُوِيَتْ عن عاصِمْ. وقَرَأ (p-٢٨٩)نافِعٌ، وعاصِمْ وابْنُ عامِرٍ: "نَسْقِيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ مِن "سَقى"، فَمِنَ الناسِ مَن قالَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى، ومِنهم مَن قالَ: سَقَيْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ لِلشَّفَةِ، وأسْقَيْتُهُ إذا جَعَلْتُ لَهُ سُقْيًا لِأرْضٍ أو ثَمَرَةٍ أو نَحْوِهِ، فَكَأنَّ اللهَ جَعَلَ الأنْعامَ لِعِبادِهِ سُقْيًا يَشْرَبُونَ ويَنْتَجِعُونَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "تَسْقِيكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ: تَسْقِيكُمُ الأنْعامُ.
و"المَنافِعُ": الحَمْلُ عَلَيْها، وجُلُودُها، وأصْوافُها، وأوبارُها، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ عَدُّهُ.
و"الفُلْكُ": السُفُنُ، واحِدُها فَلَكٌ، الحَرَكاتُ في الواحِدِ كَحَرَكاتِ قَفَلْ وبَرَدْ، والحَرَكاتُ في الجَمْعِ كَحَرَكاتِ أُسْدٌ وكُتْبٌ.
23:23–26Страница 343
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣
Воистину, Мы направили Нуха (Ноя) к его народу, и он сказал: «О мой народ! Поклоняйтесь Аллаху, ибо нет у вас другого божества, кроме Него. Неужели вы не устрашитесь?».
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
Но знатные люди из его народа, которые не уверовали, сказали: «Он - такой же человек, как и вы. Он лишь хочет возвыситься над вами. Если бы Аллах пожелал, то Он ниспослал бы ангелов. Мы не слышали о подобном от наших праотцев.
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
Он - не кто иной, как бесноватый муж, так что обождите с ним до поры до времени».
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦
Он сказал: «Господи! Помоги мне, ведь они сочли меня лжецом».
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾
هَذا ابْتِداءُ تَمْثِيلٍ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِأُمَمٍ كَفَرَتْ بِأنْبِيائِها فَأُهْلِكُوا، فَفي ضِمْنِ ذَلِكَ الوَعِيدِ بِأنْ يَحِلَّ لَهم بَلاءٌ نَحْوَ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
ونُوحٌ -عَلَيْهِ السَلامُ- أوَّلُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ إلى الناسِ، وإدْرِيسُ -عَلَيْهِ السَلامُ- أوَّلُ مَن نُبِّئَ ولَمْ يُرْسَلْ.
و"المَلَأُ": الأشْرافُ لِأنَّهم عنهم يَصْدُرُ المَلَأُ، وهو جَمْعُ القَوْمِ، وفي قَوْلِ "هَؤُلاءِ" اسْتِبْعادُ بِعْثَةِ البَشَرِ، وهم قَوْمٌ مُقِرُّونَ بِالمَلائِكَةِ، وذَلِكَ لا شَكَّ مُتَقَرِّرٌ عِنْدَهم مِن بَقايا نُبُوَّةِ آدَمَ وإدْرِيسَ -عَلَيْهِما السَلامُ- وغَيْرِهِما، ولَمْ يَكُنْ عن عِلْمٍ صَحِيحٍ ولا مُعْرِفَةٍ بِأخْبارِ نُبُوَّةٍ.
و"الجِنَّةُ": الجُنُونُ، و"تَرَبَّصُوا" مَعْناهُ: اصْبِرُوا وانْتَظِرُوا هَلاكَهُ، و"حَتّى حِينٍ". (p-٢٩٠)مَعْناهُ: إلى وقْتٍ، ولَمْ يُعِينُوهُ، وإنَّما أرادُوا: إلى وقْتٍ يُرِيحُكُمُ القَدْرُ مِنهُ.
ثُمْ إنَّ نُوحًا -عَلَيْهِ السَلامُ- دَعا عَلى قَوْمِهِ حِينَ يَئِسَ مِنهم وإنْ كانَ دُعاؤُهُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِنَصٍّ، وإنَّما هو ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ: "بِما كَذَّبُونِ"، فَهو يَقْتَضِي طَلَبَ العُقُوبَةِ، وأمّا النُصْرَةُ بِمَجْرَّدِها فَكانَتْ تَكُونُ بِرَدِّهِمْ إلى الإيمانِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رَبِّ انْصُرْنِي". بِرَفْعِ الباءِ، وكَذَلِكَ "رَبِّ احْكُمْ" وشِبْهَهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии