Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
العنكبوت
Аль-Анкабут
Паук · Мекканская · 69 аятов
29:1–3Страница 396
الٓمٓ ١
Алиф. Лам. Мим.
أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢
Неужели люди полагают, что их оставят и не подвергнут искушению только за то, что они скажут: «Мы уверовали»?
وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣
Мы уже подвергли искушению тех, кто был до них. Аллах непременно узнает тех, которые говорят правду, и непременно узнает лжецов.
(p-٦٢٢)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ العنكَبُوتِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا الصَدْرَ مِنها، العَشْرَ الآياتِ، فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ في شَأْنِ مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وفي هَذا اخْتِلافٌ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، وقَرَأ ورْشٌ: "الم احْسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ بَعْدَها، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى المِيمِ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا بِمَكَّةَ، وكانَ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ يُؤْذُونَهم ويُعَذِّبُونَهم عَلى الإسْلامِ، فَكانَتْ صُدُورُهم تَضِيقُ لِذَلِكَ، ورُبَّما اسْتُنْكِرَ أنْ يُمَكِّنَ اللهُ الكَفَرَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُسَلِّيَةً ومُعْلِمَةً أنَّ هَذِهِ السِيرَةَ (p-٦٢٣)هِيَ سِيرَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ اخْتِبارًا لِلْمُؤْمِنِينَ وقْتَئِذٍ؛ لِيَعْلَمَ الصادِقَ ويَرى ثَوابَ اللهِ تَعالى لَهُ، ويَعْلَمَ الكاذِبَ ويَرى عِقابَهُ إيّاهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ -وَإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بِهَذا السَبَبِ، وفي هَذِهِ الجَماعَةِ- فَهي بِمَعْناها باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللهِ تَعالى باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإذا اعْتُبِرَ أيْضًا كُلُّ مَوْضِعٍ فَفِيهِ ذَلِكَ بِالأمْراضِ وأنْواعِ المِحَنِ، ولَكِنَّ الَّتِي تُشْبِهُ نازِلَةَ المُؤْمِنِينَ مَعَ قُرَيْشٍ هي ما ذَكَرْناهُ مَعَ أمْرِ العَدُوِّ في كُلِّ ثَغْرٍ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ ؛ -إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللهِ- ونُظَرائِهِ. وقالَ الشَعْبِيُّ: سَبَبُ الآيَةِ ما كُلِّفَهُ المُؤْمِنُونَ، أمّا الفِتْنَةُ فَهي الهِجْرَةُ الَّتِي لَمْ يُتْرَكُوا دُونَها؛ لا سِيَّما وقَدْ لَحِقَهم بِسَبَبِها أنِ اتَّبَعَهُمُ الكُفّارُ ورَدُّوهم وقاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ ونَجا مَن نَجا. وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في مُسْلِمِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وكَرِهُوا الجِهادَ والقِتالَ حِينَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ ﷺ.
و"حَسِبَ" مَعْناهُ: ظَنَّ، و"أنْ" نُصِبَ بِـ "حَسِبَ"، وهي والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، و"أنْ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ إسْقاطِ حَرْفِ الخَفْضِ، وتَقْدِيرُهُ: "بِأنْ يَقُولُوا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ: "لِأنْ يَقُولُوا"، والمَعْنى في الباءِ واللامِ مُخْتَلِفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ في الباءِ كَما تَقُولُ: "تَرَكْتُ زَيْدًا بِحالِهِ"، وهي في اللامِ بِمَعْنى: "مِن أجْلِ"، أيْ: حَسِبُوا أنَّ إيمانَهم عِلَّةٌ لِلتُّرْكِ.
و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ مَعَ الأنْبِياءِ في سالِفِ الدَهْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَيَعْلَمْنَّ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ الثانِيَةِ، ومَعْنى ذَلِكَ: لَيُظْهِرَنَّ عِلْمَهُ ويُوجِدُ ما عَلِمَهُ أزَلًا، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِهَذا أزَلًا قَدِيمٌ، وإنَّما هو عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ بِالحالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها العِلْمُ القَدِيمُ، والصِدْقُ والكَذِبُ عَلى بابِهِما، أيْ: مَن صَدَقَ فِعْلُهُ (p-٦٢٤)وَقَوْلُهُ ومَن كَذَبَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما أرادَ بِهِما الصَلابَةَ في الدِينِ، أوِ الِاضْطِرابِ فِيهِ وفي جِهادِ العَدُوِّ، ونَحْوِ هَذا، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ الرِجالَ إذا ما كَذَّبَ اللَيْثُ عن أقْرانِهِ صَدَقا
قالَ النَقّاشُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "صَدَقُوا" إلى مِهْجَعِ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَيُعْلِمَنَّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ الثانِيَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحُدُّها أنْ يُعْلِمْ في الآخِرَةِ هَؤُلاءِ الصادِقِينَ والكاذِبِينَ بِمَنازِلِهِمْ مِن ثَوابِهِ وعِقابِهِ، وبِأعْمالِهِمْ في الدُنْيا، بِمَعْنى يُوقِفُهم عَلى ما كانَ مِنهُمْ، والثانِي أنْ يُعْلِمُ الناسَ والعالَمَ هَؤُلاءِ الصادِقِينَ والكاذِبِينَ، أيْ: يَفْضَحُهم ويُشْهِرُهُمْ، هَؤُلاءِ في الخَيْرِ، وهَؤُلاءِ في الشَرِّ، وذَلِكَ في الدُنْيا والآخِرَةِ، والثالِثُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ العَلامَةِ، أيْ: يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلَمًا تُشْهَرُ بِهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «مَن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها». وعَلى كُلِّ مَعْنًى مِنها فَفِيها وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الصادِقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ الأُولى كَقِراءَةِ الجَماعَةِ، والثانِيَةَ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
(p-٦٢٥)
29:4–7Страница 396
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤
Неужели те, которые совершают злые деяния, полагают, что они опередят Нас (спасутся от наказания)? Скверно же они судят!
مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥
Если кто надеется на встречу с Аллахом, то ведь срок Аллаха непременно наступит. Он - Слышащий, Видящий.
وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
Тот, кто сражается, сражается во благо себе. Воистину, Аллах не нуждается в мирах!
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧
Тем, которые уверовали и совершали праведные деяния, Мы простим их злодеяния и воздадим за наилучшее из того, что они совершали (или лучшим, чем то, что они совершали; или наилучшим образом за то, что они совершали).
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لآتٍ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
"أمْ" مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ في قَوْلِهِ: "أحَسِبَ"، وكَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَرَّرَ الفَرِيقَيْنِ، قَرَّرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُفْتَنُونَ، وقَرَّرَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ بِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم يَسْبِقُونَ عِقابَ اللهِ تَعالى ويُعْجِزُونَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ﴾ -وَإنْ كانَ الكَفّارُ المُرادَ الأوَّلَ بِحَسْبِ النازِلَةِ الَّتِي الكَلامُ فِيها- فَإنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَعُمْ كُلَّ عاصٍ وعامِلِ سَيِّئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: ساءَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ. وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَأْنِيسٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَظْهَرُ في وعْدِهِ بِالنَصْرِ في القِيامَةِ، وبِأنَّهُ آتٍ؛ إذْ قَدْ أجَّلَهُ اللهُ تَعالى وأخْبَرَ بِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ﴾ تَثْبِيتٌ، أيْ: مَن كانَ عَلى هَذا الحَقِّ فَلْيُوقِنْ بِأنَّهُ آتٍ ولْيَزْدَدْ بَصِيرَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "يَرْجُو" هُنا بِمَعْنى: يَخافُ، والصَحِيحُ أنَّ الرَجاءَ هُنا عَلى بابِهِ، وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لِقاءَ ثَوابِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ مَعْناهُ: لِأقْوالِ كُلِّ فُرْقَةٍ، العَلِيمُ بِالمُعْتَقَداتِ الَّتِي لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُجازى بِفِعْلِهِ الحَسَنِ، فَهو حَظُّهُ الَّذِي يَنْبَغِي ألّا يُفَرِّطَ فِيهِ، فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن جِهادِهِ وعَنِ العالَمِينَ بِأسْرِهِمْ.
وهاتانِ الآيَتانِ كَأنَّهُما [.....] عَلى سَواءٍ إلى الطائِفَةِ المُرْتابَةِ المُتَرَدِّدَةِ في فِتْنَةِ (p-٦٢٦)الكَفّارِ، الَّتِي كانَتْ تُنْكِرُ أنْ يَنالَ الكُفّارُ المُؤْمِنِينَ بِمَكْرُوهٍ، وتَرْتابُ مِن أجْلِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: مَن كانَ يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ فَإنَّ الأمْرَ حُقٌّ في نَفْسِهِ، واللهُ تَعالى بِالمِرْصادِ، أيْ: هَذِهِ بَصِيرَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَها لِوَجْهِ أحَدٍ. وكَذَلِكَ مَن جاهَدَ فَثَمَرَةُ جِهادِهِ لَهُ، فَلا يَمُنُّ بِذَلِكَ عَلى أحَدٍ، وهَذا كَما يَقُولُ المُناظِرُ عِنْدَ سَوْقِ حُجَّتِهِ: مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الحَقِّ فَإنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا، ونَحْوُ هَذا فَتَأمَّلْهُ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن جاهَدَ عَدُّوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ وجْهَ اللهِ، فَإنَّما جِهادُهُ لِنَفْسِهِ لا لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ لِلَّهِ بِجِهادِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ هم في أعْلى رُتْبَةٍ مِنَ البِدارِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أشادَ بِهِمْ عَزَّ وجَلَّ وبِحالِهِمْ لِيُقِيمَ بِهِمْ نُفُوسَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ إلى الحُصُولِ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، و"السَيِّئَةُ": الكُفْرُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الأعْمالِ الصالِحَةِ واجْتِنابِ الكَبائِرِ، وفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ.
29:8–11Страница 397
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
Мы заповедали человеку быть добрым к родителям. А если они станут сражаться с тобой, чтобы ты приобщал ко мне сотоварищей, о которых ты ничего не знаешь, то не повинуйся им. Ко Мне предстоит ваше возвращение, и тогда Я поведаю вам о том, что вы совершали.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩
А тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, Мы введем в Рай вместе с праведниками.
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
Среди людей есть такие, которые говорят: «Мы уверовали в Аллаха». Но стоит им пострадать ради Аллаха, как они сравнивают искушения (наказание) людей с мучениями от Аллаха. Если же явится победа от твоего Господа, то они непременно скажут: «Мы были вместе с вами». Но разве Аллаху не лучше знать, что таится в груди миров?
وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١
Аллах непременно узнает тех, кто уверовал, и непременно узнает лицемеров.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ﴾ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مَن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللهِ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَصَّيْنا" الآيَةُ. رُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، (p-٦٢٧)وَذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَسْتَظِلَّ بِظِلٍّ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْها ويَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَجَّ هو في هِجْرَتِهِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ. وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ اعْتَراهُ في دِينِهِ نَحْوٌ مِن هَذا؛ إذْ خَدَعَهُ أبُو جَهْلٍ لَعَنَةُ اللهِ عَلَيْهِ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ.... الحَدِيثُ في كِتابِ السِيرَةِ. ولا مِرْيَةَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ يَشْقى بِجِهادِ أبَوَيْهِ في شَأْنِ الإسْلامِ والهِجْرَةِ، فَكَأنَّ القَصْدَ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عن طاعَةِ الأبَوَيْنِ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ولَمّا كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ وطاعَتُهُما مِنَ الأمْرِ الَّتِي قَرَّرَتْها الشَرِيعَةُ وأكَّدَتْها، وكانَ مِنَ الأمْرِ القَوِيِّ المُلْزِمْ عِنْدَهُمْ، قَدَّمَ تَعالى عَلى النَهْيِ عن طاعَتِهِما في الشِرْكِ بِاللهِ قَوْلَهُ: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، عَلى مَعْنى: إنّا لا نُحِلُّ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ، لَكِنّا لا نُسَلِّطُ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، لا سِيَّما في مَعْنى الإيمانِ والكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: "حُسْنًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ، وفي ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، ويُسَهِّلُهُ كَوْنُهُ عامًّا لَمَعانٍ، كَما تَقُولُ: وصَّيْتُكَ خَيْرًا، أو وصَّيْتُكَ شَرًّا، عَبَّرَ بِذَلِكَ عن جُمْلَةِ ما قُلْتَ لَهُ، ويُحَصِّنُ ذَلِكَ دُونَ حَرْفِ الجَرِّ كَوْنُ حَرْفِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"؛ لِأنَّ المَعْنى: ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِالحُسْنِ في فِعْلِهِ مَعَ والِدَيْهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها فَكَأنَّنا جافَوْنا
(p-٦٢٨)وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"، ويَنْتَصِبُ "حُسْنًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: يُحْسِنُ حَسَنًا، ويَنْتَصِبُ انْتِصابَ المُصَدِّرِ، وقَرَأ عِيسى والجَحْدَرِيُّ: "حَسَنًا" بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ الجَحْدَرِيُّ: في الإمامِ مَكْتُوبٌ: "بِوالِدَيْهِ إحْسانًا"، قالَ أبُو حاتِمْ: يَعْنِي كالأحْقافِ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إحْسانًا" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعِيدٌ في طاعَةِ الوالِدَيْنِ في مَعْنى الكُفْرِ.
ثُمْ كَرَّرَ تَعالى التَمْثِيلَ بِحالَةِ المُؤْمِنِينَ لِيُحَرِّكَ النُفُوسَ إلى نَيْلِ مَراتِبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ﴾ مُبالَغَةٌ، عَلى مَعْنى: الَّذِينَ هم في نِهايَةِ الصَلاحِ وأبْعَدِ غاياتِهِ، وإذا تَحَصَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذا الحُكْمُ تَحَصَّلَ ثَمَرُهُ، وجَزاؤُهُ هو الجَنَّةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الناسِ﴾ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾، نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا بِمَكَّةَ مُخْتَفِينَ بِإسْلامِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَلَمّا خَرَجَ كُفّارُ قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ أخْرَجُوا مَعَ أنْفُسِهِمْ طائِفَةً مِن هَؤُلاءِ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانُوا أصْحابَنا وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةُ، قالَ: فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ لِمَن بَقِيَ بِمَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ ورَدُّوهم إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾ الآيَةُ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمْ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فَخَرَجُوا، فَلِحَقَهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٦٢٩)فَقاتَلُوهُمْ، فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ﴾ في مُنافِقِينَ كَفَرُوا لَمّا أُوذُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ أيْ: صَعُبَ عَلَيْهِ أذى الناسِ حِينَ صَدُّوهُ، وكانَ حَقُّهُ ألّا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ، وأنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ في جَنْبِ نَجاتِهِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى. ثُمْ أزالَ تَعالى مَوْضِعَ تَعَلُّقِهِمْ ومُغالَطَتِهِمْ إنَّ جاءَ نَصْرٌ، ثُمْ قَرَّرَهم عَلى عِلْمِ اللهِ تَعالى بِما في صُدُورِهِمْ، أيْ: لَوْ كانَ يَقِينًا تامًّا وإسْلامًا خالِصًا لَما تَوَقَّفُوا ساعَةً، ولَرَكِبُوا كُلَّ هَوْلٍ إلى هِجْرَتِهِمْ ودارِ نَبِيِّهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾، تَفْسِيرُهُ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ.
وهُنا انْتَهى المَدَنِيُّ في هَذِهِ السُورَةِ.
29:12–15Страница 397
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢
Неверующие говорят тем, которые уверовали: «Следуйте нашим путем, и мы возьмем на себя ваши грехи». Они не возьмут на себя даже части их грехов. Воистину, они - лжецы.
وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣
Они непременно понесут свое бремя и другое бремя вместе со своим бременем. В День воскресения их непременно спросят о том, что они измышляли.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤
Мы послали Нуха (Ноя) к его народу, и он пробыл среди них тысячу лет без пятидесяти годов. Они были беззаконниками, и их погубил потоп.
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥
Мы спасли его вместе с теми, кто был в ковчеге, и сделали его (ковчег или чудесное спасение) знамением для миров.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهم ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾
رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ شائِعَةً مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالُوا لِأتْباعِ النَبِيِّ ﷺ: ادْخُلُوا في أمْرِنا، وأقِرُّوا بِآلِهَتِنا واعْبُدُوها، ونَحْنُ لِيَقِينِنا أنَّهُ لا بَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ ولا رُجُوعَ نَضْمَنُ لَكم حَمْلَ خَطاياكُمْ، ونَحْمِلُها عنكم فِيما دَعَوْناكم إلَيْهِ إنْ كانَ في ذَلِكَ دَرْكٌ كَما تَزْعُمُونَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُمْ: "وَلْنَحْمِلْ" إخْبارٌ أنَّهم يَحْمِلُونَ خَطاياهم عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالنَقْلِ، ولَكِنَّهم أخْرَجُوهُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّها أوجَبُ وأشَدُّ تَأْكِيدًا في نَفْسِ السامِعِ مِنَ المَجازاتِ، وهَذا نَحْوُ قالَ الشاعِرُ:
؎ فَقُلْتُ ادْعِي وأدْعُ فَإنَّ أنْدى لِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ داعِيانِ
(p-٦٣٠)وَلِكَوْنِهِ خَبَرًا حَسُنَ تَكْذِيبُهم فِيهِ، فَأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ باطِلٌ، وأنَّهم لَوْ فَعَلُوهُ لَمْ يُتَحَمَّلْ عن أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن خَطاياهُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلْنَحْمِلْ" بِجَزْمِ اللامِ، وقَرَأ عِيسى ونُوحٌ القارِي: "وَلِنَحْمِلْ" بِكَسْرِ اللامِ. وقَرَأ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: "مِن خَطَيِهِمْ" بِكَسْرِ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "مِن خَطِيئاتِهِمْ" بِكَسْرِ الطاءِ وهَمْزَةٍ وتاءٍ بَعْدَ الألِفِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحَمْلُ هو مِنَ الحَمالَةِ لا مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ أنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ، أيْ: أثْقالًا مِن كُفْرِهِمُ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ ويَتَلَبَّسُونَ بِهِ، ﴿وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ يُرِيدُ: ما يَلْحَقُهم مِن أعْوانِهِمْ وأتْباعِهِمْ، فَإنَّهُ يَلْحَقُ بِكُلِّ داعٍ إلى ضَلالَةٍ كِفْلٌ مِنها حَسَبَ الحَدِيثِ المَشْهُورِ، «أيُّما داعٍ إلى هُدًى فاتُّبِعَ عَلَيْهِ فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أجْرِهِمْ شَيْئًا، وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ»..... الحَدِيثُ.
(p-٦٣١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما كانَتْ مَعَ أثْقالِهِمْ لِكَوْنِها بِسَبَبِ غَيْرِهِمْ وعن غَيْرِ كُفْرٍ تَلْبَّسُوهُ، فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ أثْقالِهِمْ، ولَمْ يَنْسِبْها إلى غَيْرِهِمْ، بَلْ جَعَلَها في رُتْبَةٍ أُخْرى فَقَطْ، فَهم فِيها إنَّما يَزِرُونَ بِوِزْرِ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ يَتَرَتَّبُ حَمْلُ أثْقالِ الغَيْرِ بِما ورَدَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: «فَإنْ لَمْ يَبْقَ لِلظّالِمْ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فاطَّرَحَ فَطُرِحَ عَلَيْهِ». وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَيُسْئَلُنَّ" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، لا عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِعْلامِ، و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكُفْرِ ودَعْوى الصاحِبَةِ والوَلَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ الآيَةُ. قِصَّةٌ فِيها تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ قَبْلَها مِن تَعَنُّتِ قَوْمِهِ، وفِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفِيها وعِيدٌ لَهم بِتَمْثِيلِ أمْرِهِمْ بِأمْرِ قَوْمِ نُوحٍ، والواوُ في قَوْلِهِ "وَلَقَدْ" عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، والقَسَمُ فِيها بِعِيدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أرْسَلْنا"، "فَلَبِثَ"، هَذا العَطْفُ بِالفاءِ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُ لَبِثَ هَذِهِ المُدَّةَ رَسُولًا يَدْعُو، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ المَذْكُورَةُ مُدَّةَ إقامَتِهِ، مِن لَدُنْ مَوْلِدِهِ إلى غَرَقِ قَوْمِهِ، وأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فاخْتُلِفَ في سِنِّهِ الَّتِي بُعِثَ عِنْدَها، فَقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقالَ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسُونَ، ولِذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وفاتُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ غَرَقِ قَوْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ، (p-٦٣٢)وَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا، وأنَّهُ عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةٍ. وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أخَذَ قَوْمَهُ فَقَطْ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَرِقَ في الطُوفانِ طائِفَةٌ مِنَ الأرْضِ وهي المُخْتَصَّةُ بِقَوْمِ نُوحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -هِيَ الجُمْهُورُ-: إنَّما غَرِقَتِ المَعْمُورَةُ كُلُّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا هو ظاهِرُ الأمْرِ؛ لِاتِّخاذِهِ السَفِينَةَ، ولِبَعْثِهِ الطَيْرَ تَرْتادُ زَوالَ الماءِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَلائِلِ، وبَقِيَ أنْ يُعْتَرَضَ هَذا بِأنْ يُقالَ: كَيْفَ غَرِقَ الجَمِيعُ والرِسالَةُ إلى البَعْضِ؟ فالوَجْهُ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اخْتِصاصَ نَبِيٍّ بِأُمَّةٍ لَيْسَ هو بِألّا يَهْدِيَ غَيْرَها، ولا يَدْعُوَها إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى، وإنَّما هو بِألّا يَأْخُذَ بِقَتْلِ غَيْرِها، ولا يَبُثَّ العِباداتِ فِيهِمْ، ولَمْ يَكُنِ الناسُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرِينَ بِحُكْمِ القُرْبِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلا مَحالَةَ أنَّ دُعاءَهُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى قَدْ كانَ بَلَغَ الكُلَّ، فَنالَهُمُ الغَرَقُ لِإعْراضِهِمْ وتَمادِيهِمْ.
و"الطُوفانُ": العَظِيمُ الطامِّي، ويُقالُ ذَلِكَ لِكُلِّ طامٍّ خَرَجَ عَنِ العادَةِ مِن ماءٍ أو نارٍ أو مَوْتٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أفْناهم طُوفانُ مَوْتٍ جارِفٌ
و"طُوفانٌ" وزْنُهُ فُعْلانٌ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: طافَ يَطُوفُ إذا عَمَّ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الماءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ يُرِيدُ: بِالشِرْكِ.
(p-٦٣٣)وَ " أصْحابَ السَفِينَةِ " تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ الخِلافُ في عَدَدِهِمْ، وهم بَنُوهُ وقَوْمٌ آمَنُوا، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى السَفِينَةِ، و"الآيَةُ" هُنا العِبْرَةُ والعَلامَةُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في شِدَّةِ بَطْشِهِ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها آيَةً عَلى الجُودِيِّ.
29:16–17Страница 398
وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦
А вот Ибрахим (Авраам) сказал своему народу: «Поклоняйтесь Аллаху и бойтесь Его! Так будет лучше для вас, если бы вы только знали.
إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧
Вы поклоняетесь вместо Аллаха идолам и измышляете ложь. Воистину, те, кому вы поклоняетесь вместо Аллаха, не способны даровать вам пропитание. Ищите же пропитание у Аллаха, поклоняйтесь Ему и благодарите Его. К Нему вы будете возвращены».
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أوثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " إبْراهِيمَ " مَعْطُوفًا عَلى " نُوحٍ "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في "أنْجَيْناهُ"، ويَجُوزُ أنْ يَنْصِبَهُ فِعْلٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إبْراهِيمَ. وهَذِهِ القِصَّةُ أيْضًا تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، وكانَ نَمْرُوذُ وأهْلُ مَدِينَتِهِ عَبَدَةُ أصْنامٍ، فَدَعاهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، ثُمْ قَرَّرَ لَهم ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَلالِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَخْلُقُونَ إفْكًا"، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْر ، وفُضَيْلٌ: "أفَكا" عَلى وزْنِ (فَعَلَ)، وهو مَصْدَرٌ كالكَذِبِ والضَحِكِ ونَحْوِهِ، واخْتَلَفَ في مَعْنى "تَخْلُقُونَ"، فَقِيلَ: هو نَحْتُ الأصْنامِ وخَلْقُها. سَمّاها إفْكًا تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ يَفْتَرُونَ بِها الإفْكَ في أنَّها آلِهَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو اخْتِلاقُ الكَذِبِ في أمْرِ الأوثانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ، وعَوْنُ العُقَيْلِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: "وَتَخَلَّقُونَ إفْكًا" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ اللامِ وفَتْحِها، و"الإفْكُ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- الكَذِبُ.
ثُمْ وقَّفَهم عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِأمْرٍ يَفْهَمُهُ عامَّتُهم وخاصَّتُهُمْ، وهو أمْرُ الرِزْقِ، فَقَرَّرَ أنَّ الأصْنامَ لا تُرْزَقُ، وأمْرُ الخَيْرِ عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وخَصَّصَ الرِزْقَ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ، فَهو خَيْرٌ يَدُلُّ عَلى جِنْسِهِ كُلِّهِ. ويُقالُ: شَكَرْتُ لَكَ، وشَكَرْتُكَ، بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمْ أخْبَرَهم بِالمَعادِ والحَشْرِ إلَيْهِ.
(p-٦٣٤)
29:18–20Страница 398
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨
Если вы сочтете это ложью, то ведь до вас целые народы считали это ложью, но на Посланника возложена только ясная передача откровения.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩
Неужели они не видят, как Аллах создает творение в первый раз, а затем воссоздает его. Воистину, это для Аллаха легко.
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
Скажи: «Постранствуйте по земле и посмотрите, как Он создал творение в первый раз. Затем Аллах создаст конечное творение (воскресит мертвых). Воистину, Аллах способен на всякую вещь.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهُ يَسِيرٌ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُكَذِّبُوا﴾ الآيَةُ..... وعِيدٌ، أيْ: قَدْ كَذَّبَ غَيْرُكم وعَذَّبَ، وإنَّما عَلى الرَسُولِ البَلاغُ، وكُلُّ أحَدٍ -بَعْدَ ذَلِكَ- مَأْخُوذٌ بِعَمَلِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمْ -بِخِلافٍ عنهُ-: "أو لَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "أو لَمْ يَرَوْا" بِالياءِ، الأُولى عَلى المُخاطَبَةِ، والثانِيَةُ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُبْدِئُ"، وقَرَأ الزُبَيْرُ، عِيسى، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يَبْدَأُ".
وهَذِهِ الإحالاتُ عَلى ما يَظْهَرُ مَعَ الإخْبارِ مِن إحْياءِ الأرْضِ والنَباتِ وإعادَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو دَلِيلٌ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أوَلَمْ يَرَوْا بِالدَلائِلِ والنَظَرِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعِيدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ. وقالَ الرَبِيعُ ابْنُ أنَسٍ: المَعْنى: كَيْفَ يَبْدَأُ خَلْقَ الإنْسانِ ثُمْ يُعِيدُهُ إلى أحْوالٍ أُخَرَ حَتّى إلى التُرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الخَلْقُ في هَذِهِ الآيَةِ اللَيْلُ والنَهارُ.
ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ -وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدًا إنْ كانَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَلاةُ السَلامُ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ- بِأنْ يَأْمُرَهم -عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ- بِالسَيْرِ في الأرْضِ، والنَظَرِ في كُلِّ قُطْرٍ، وفي كُلِّ أُمَّةٍ قَدِيمًا وحَدِيثًا، فَإنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ ألّا خالِقَ إلّا اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ولا مُبْتَدِئًا بِالخَلْقِ سِواهُ، ثُمْ ساقَ -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ- أنَّ اللهَ تَعالى هو المُبْتَدِئُ لِنَشْأةِ القِيامِ مِنَ القُبُورِ.
(p-٦٣٥)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "النَشاءَةُ" عَلى وزْنِ (الفَعالَةُ)، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وهَذا كَما تَقُولُ: رَأْفَةٌ ورَآفَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ: "النَشْأةَ" عَلى وزْنِ (الفَعْلَةَ)، وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "النَشَّةَ" بِشِينٍ مُشَدَّدَةٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ. والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ يَقُومُ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى جَوازِهِ، وأخْبَرَتِ الشَرائِعُ وُقُوعَهُ ووُجُودَهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии