Ибн АтыйяАль Имран · 3:48–54

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:48–54

3:48–49Страница 56

وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨

Он научит его Писанию и мудрости, Таурату (Торе) и Инджилу (Евангелию).

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩

Он сделает его посланником к сынам Исраила (Израиля). Он скажет: «Я принес вам знамение от вашего Господа. Я сотворю вам из глины подобие птицы, подую на него, и оно станет птицей с позволения Аллаха. Я исцелю слепого (или лишенного зрения от рождения; или обладающего слабым зрением) и прокаженного и оживлю мертвых с позволения Аллаха. Я поведаю вам о том, что вы едите и что припасаете в своих домах. Воистину, в этом есть знамение для вас, если только вы являетесь верующими.

(p-٢٢٥)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِن الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللهِ﴾

قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ "وَيُعَلِّمُهُ" بِالياءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى: "يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ"، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى: "وَيُكَلِّمُ". وقَرَأ الباقُونَ: و"نُعَلِّمُهُ" بِالنُونِ وهي مِثْلُ قِراءَةِ الياءِ في المَعْنى لَكِنْ جاءَتْ بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ"، وقِراءَةُ النُونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "نُوحِيهِ إلَيْكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا الَّذِي قالَهُ خَطَأٌ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى. و"الكِتابَ" هو الخَطُّ بِاليَدِ، فَهو مَصْدَرُ كَتَبَ يَكْتُبُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وجَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي إشارَةٌ إلى كِتابٍ مُنَزَّلٍ لَمْ يُعَيَّنْ، وهَذِهِ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها. وأمّا "الحِكْمَةَ" فَهي السُنَّةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها الأنْبِياءُ في الشَرْعِيّاتِ والمَواعِظِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ ولا بِمَلَكٍ، لَكِنَّهم يُلْهَمُونَ إلَيْهِ وتَقْوى غَرائِزُهم عَلَيْهِ. وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ الحِكْمَةَ، والتَعْلِيمُ مُتَمَكِّنٌ فِيما كانَ مِنَ الحِكْمَةِ بِوَحْيٍ أو مَأْثُورًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ عِيسى مِن نَبِيٍّ وعالِمٍ. وأمّا ما كانَ مِن حِكْمَةِ عِيسى الخاصَّةِ بِهِ فَإنَّما يُقالُ فِيها نُعَلِّمُهُ عَلى مَعْنى نُهَيِّئُ غَرِيزَتَهُ لَها ونُقَدِّرُهُ ونَجْعَلُهُ يَتَمَرَّنُ في اسْتِخْراجِها ويَجْرِي ذِهْنُهُ إلى ذَلِكَ.

و"التَوْراةَ" هي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْتَظْهِرُ التَوْراةَ، وكانَ أعْلَمَ الناسِ وأعْمَلَ بِما فِيها، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْها عن ظَهْرِ (p-٢٢٦)قَلْبٍ إلّا أرْبَعَةٌ: مُوسى ويُوشَعُ بْنُ نُونَ وعُزَيْزٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ. وذَكَرَ: "الإنْجِيلَ" لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنْزَلْ- بَعْدُ- لِأنَّهُ كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ وأنَّهُ سَيَنْزِلُ.

وقَوْلُهُ: "وَرَسُولًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "وَيُعَلِّمُهُ" إذِ التَقْدِيرُ: ومُعَلَّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا.

وكانَتْ رِسالَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، مُبَيِّنًا حُكْمَ التَوْراةِ، ونادِبًا إلى العَمَلِ بِها، ومُحَلِّلًا أشْياءَ مِمّا حُرِّمَ فِيها، كالشُحُومِ ولُحُومِ الإبِلِ وأشْياءَ مِنَ الحِيتانِ والطَيْرِ.

ومِن أوَّلِ القَوْلِ لِمَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ "إسْرائِيلَ" خِطابٌ لِمَرْيَمَ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: "مُسْتَقِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَرْيَمَ عَلى مَعْنى: يَكُونُ مِن قَوْلِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: كَيْتَ وكَيْتَ، ويَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى بَنِي إسْرائِيلَ رَسُولًا فَقالَ لَهم ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: "فَلَمّا أحَسَّ". ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَتْرُوكُ مُقَدَّرًا في صَدْرِ الكَلامِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ لَيْسَ بِخِطابٍ لِمَرْيَمَ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: بِأنِّي، وقُرِئَ في الشاذِّ: "إنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ"، وجُمْهُورُ الناسِ قَرَؤُوا "بِآيَةٍ" عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِآياتٍ"، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ". واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الألِفِ وكَسْرِها مِن قَوْلِهِ: "أنِّي أخْلُقُ"، فَقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: (p-٢٢٧)"إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ. فَوَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ: إمّا القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وإمّا أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: "إنِّي" كَما فَسَّرَ المَثَلَ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ آدَمَ" بِقَوْلِهِ: "خَلَقَهُ مِن تُرابٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ البَدَلُ مِن "آيَةٍ"، كَأنَّهُ قالَ: وجِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن "أنِّي" الأُولى، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ في المَعْنى.

و"أخْلُقُ" مَعْناهُ: أقْدِرُ وأُهَيِّئُ بِيَدِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

وقَوْلُهُ "لَكُمْ" تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: "أخْلُقُ" لِأنَّهُ يَدُلُّ دَلالَةً ما عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإيجادَ مِنَ العَدَمِ. ويُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ"، وحَقِيقَةُ الخَلْقِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعْمَلُ في المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقُو ∗∗∗ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةْ

وجُمْهُورُ الناسِ قَرَأ "كَهَيْئَةِ" عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ - بِفَتْحِ الفاءِ- وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: هاءَ الشَيْءُ يَهاءُ هَيْئًا وهَيْئَةً، إذا تَرَتَّبَ واسْتَقَرَّ عَلى حالٍ ما، وهو الَّذِي تُعَدِّيهِ فَتَقُولُ: هَيَّأْتُ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "كَهِيَّئَةِ الطَيْرِ"، بِكَسْرِ الهاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "كَهَيْئَةِ الطائِرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" عَلى الإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، فالأوَّلُ اسْمُ الجِنْسِ والثانِي مُفْرَدٌ، أيْ يَكُونُ طائِرًا مِنَ الطُيُورِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" بِالإفْرادِ في الأخِيرِ، وهَكَذا قَرَأ في المائِدَةِ. وقَرَأ الباقُونَ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا" بِالجَمْعِ فِيهِما، وكَذَلِكَ في (p-٢٢٨)سُورَةِ المائِدَةِ، ومَعانِي هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ. والطَيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ ولَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، وإنَّما البِناءُ في جَمْعِ طائِرٍ أطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ طُيُورٌ، وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ عن أبِي الحَسَنِ.

وقَوْلُهُ "فَأنْفُخُ فِيهِ" ذَكَّرَ الضَمِيرَ هُنا لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطِينِ المُهَيَّإ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَأنْفُخُ في المَذْكُورِ. وأنَّثَ الضَمِيرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ: "فَتَنْفُخُ فِيها" لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الهَيْئَةِ أو عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: "الطَيْرِ". وكَوْنُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ خالِقًا بِيَدِهِ ونافِخًا بِفِيهِ إنَّما هو لِيَبِينَ تَلَبُّسُهُ بِالمُعْجِزَةِ، وأنَّها جاءَتْ مِن قِبَلِهِ، وأمّا الإيجادُ مِنَ العَدَمِ وخَلْقُ الحَياةِ في ذَلِكَ الطِينِ فَمِنَ اللهِ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

وقَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِعِلْمٍ مِنهُ تَعالى أنِّي أفْعَلُ ذَلِكَ وتَمْكِينٍ مِنهُ لِي. وحَقِيقَةُ الإذْنِ في الشَيْءِ، هي العِلْمُ بِأنَّهُ يُفْعَلُ والتَمْكِينُ مِن ذَلِكَ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ قَوْلٌ فَذَلِكَ أمْكَنُ في الإذْنِ وأبْلَغُ، ويَخْرُجُ مِن حَدِّ الإذْنِ إلى حَدِّ الأمْرِ، ولَكِنْ تَجِدُهُ أبَدًا في قِسْمِ الإباحَةِ. وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٥١] وقَوْلَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "وَإذْنُها صُماتُها".»

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أيُّ الطَيْرِ أشَدُّ خِلْقَةً وأصْعَبُ أنْ يُحْكى؟ فَيَقُولُونَ: الخُفّاشُ، لِأنَّهُ طائِرٌ لا رِيشَ لَهُ، فَكانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِينِ خَفافِيشَ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيها فَتَطِيرُ، وكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الناسِ ومُعايَنَتِهِمْ، فَكانُوا يَقُولُونَ: هَذا ساحِرٌ.

**

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنَّ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

و"أُبْرِئُ" مَعْناهُ: أُزِيلُ المَرَضَ، يُقالُ: بَرَأ المَرِيضُ وأبْرَأهُ غَيْرُهُ، ويُقالُ: بَرِئَ (p-٢٢٩)المَرِيضُ أيْضًا كَما يُقالُ في الذَنْبِ والدَيْنِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي: "الأكْمَهَ" فَقالَ مُجاهِدٌ: الأكْمَهُ: هو الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَيْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُدِّيُّ: الأكْمَهُ: الأعْمى عَلى الإطْلاقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الأكْمَهُ الأعْمَشُ، وحَكى النَقّاشُ قَوْلًا: أنَّ الأكْمَهَ هو الأبْكَمُ الَّذِي لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ، المَيِّتُ الفُؤادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ: الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى مَضْمُومَ العَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُبْرِئُ بِدُعائِهِ ومَسْحِ يَدِهِ كُلَّ عِلَّةٍ فَتُشْفى، ولَكِنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في مَعْنى النُبُوَّةِ لا يَقُومُ إلّا بِالإبْراءِ مِنَ العِلَلِ الَّتِي لا يُبْرِئُ مِنها طَبِيبٌ بِوَجْهٍ، فَلَيْسَ يَتَخَلَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في الأكْمَهِ إلّا القَوْلُ الأخِيرُ، إذِ الأكْمَهُ في اللُغَةِ هو الأعْمى، وكَمِهَتِ العَيْنُ عَمِيَتْ، ولَوْلا ضَبْطُ اللُغَةِ لَكانَ القَوْلُ الَّذِي حَكى النَقّاشُ حَسَنًا في مَعْنى قِيامِ الحُجَّةِ بِهِ، "والأبْرَصَ" مَعْرُوفٌ، وهو داءٌ لا يُبْرَأُ مِنهُ إذا تَمَكَّنَ.

ورُوِيَ في إحْيائِهِ المَوْتى، أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِعَصاهُ المَيِّتَ أوِ القَبْرَ أوِ الجُمْجُمَةَ، فَيُحْيِي الإنْسانَ ويُكَلِّمُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ أحْيا سامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِي كانَ يُحْيِيهِ كانَتْ تَدُومُ حَياتُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعُودُ لِمَوْتِهِ سَرِيعًا، وفي قِصَصِ الإحْياءِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا يُوقَفُ عَلى صِحَّتِها. وإحْياءُ المَوْتى هي آيَتُهُ المُعْجِزَةُ المُعَرَّضَةُ لِلتَّحَدِّي، وهي بِالمَعْنى مُتَحَدّىً بِها وإنْ كانَ لَمْ يُنَصَّ عَلى التَحَدِّي بِها. وآياتُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَجْرِي فِيما يُعارِضُ الطِبَّ لِأنَّ عِلْمَ الطِبِّ كانَ شَرَفَ الناسِ في ذَلِكَ الزَمانِ وشُغْلَهُمْ، وحِينَئِذٍ أُثِيرَتْ فِيهِ العَجائِبُ، فَلَمّا جاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِغَرائِبَ لا تَقْتَضِيها الأمْزِجَةُ وأُصُولُ الطِبِّ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطِبّاءُ أنَّ هَذِهِ (p-٢٣٠)القُوَّةَ مِن عِنْدِ اللهِ، وهَذا كَأمْرِ السَحَرَةِ مَعَ مُوسى والفُصَحاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ، ووَقَعَ في التَوارِيخِ المُتَرْجَمَةِ عَنِ الأطِبّاءِ أنَّ جالِينُوسَ كانَ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ رَحَلَ إلَيْهِ مِن رُومِيَّةَ إلى الشامِ لِيَلْقاهُ فَماتَ في طَرِيقِهِ ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَأُنَبِّئُكُمْ"... الآيَةِ فَقالَ السُدِّيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: كانَ عِيسى مِن لَدُنِ طُفُولَتِهِ وهو في الكُتّابِ يُخْبِرُ الصِبْيانَ بِما يَفْعَلُ آباؤُهم في مَنازِلِهِمْ، وبِما يُؤْكَلُ مِنَ الطَعامِ ويُدَّخَرُ حَتّى قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِأبْنائِهِمْ: لا تُخالِطُوا هَذا الساحِرَ، وكَذَلِكَ إلى أنْ نُبِّئَ، فَكانَ يَقُولُ لِكُلِّ مَن سَألَهُ عن هَذا المَعْنى: أكَلْتَ البارِحَةَ كَذا وادَّخَرْتَ كَذا. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مُعَلِّمُهُ يُرِيدُ أنْ يُعَلِّمَهُ الشَيْءَ فَيَسْبِقُهُ إلَيْهِ عِيسى، فَيَتَعَجَّبُ مُعَلِّمُهُ مِن ذَلِكَ ويَذْكُرُهُ لِلنّاسِ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ إنَّما هو في نُزُولِ المائِدَةِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّها لَمّا أُنْزِلَتْ أخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدًا أنْ يَأْكُلُوا ولا يُخَبِّئَ أحَدٌ شَيْئًا ولا يَدَّخِرَهُ ويَحْمِلَهُ إلى بَيْتِهِ، فَخانُوا وجَعَلُوا يُخَبِّئُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ وطَعامِها الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلى المائِدَةِ، فَكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ كُلَّ أحَدٍ عَمّا أكَلَ وعَمّا ادَّخَرَ في بَيْتِهِ مِن ذَلِكَ، وعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ.

و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿بِما تَأْكُلُونَ﴾ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" وتَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ، وكَذَلِكَ "وَما تَدَّخِرُونَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدَّخِرُونَ" بِدالٍ مُشَدَّدَةٍ وخاءٍ مَكْسُورَةٍ، وهو تَفْتَعِلُونَ مِن ذَخَرْتَ، أصْلُهُ، "تَذْتَخِرُونَ" اسْتُثْقِلَ النُطْقُ بِالذالِ والتاءِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ فَأُبْدِلَتِ التاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذالُ في الدالِ، كَما صُنِعَ في مُدَّكِرٍ ومُطَّلِعٍ، بِمَعْنى مُضْطَلِعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ إنَّ الكَرِيمَ الَّذِي يُعْطِيكَ نائِلَهُ ∗∗∗ عَفْوًا ويُظْلَمُ أحْيانًا فَيَطَّلِمُ

بِالطاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ ومُجاهِدٌ وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ وأبُو السَمّالِ: "تَدْخَرُونَ" بِدالٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ مَفْتُوحَةٍ.

(p-٢٣١)وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الإحْياءِ والإبْراءِ والإنْباءِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَآياتٍ" عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَوْقِيفٌ، والمَعْنى: لَآياتٍ نافِعَةً هادِيَةً إنْ آمَنتُمْ وأبْصَرْتُمْ، وإلّا فَلَيْسَتْ بِنافِعَةٍ ولا هادِيَةٍ، فَأمّا كَوْنُها آياتٍ فَعَلى كُلِّ حالٍ آمَنُوا أو كَفَرُوا، هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن- بَعْدُ- وهو ظاهِرُ حالِهِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَ خِطابُهُ لِمُؤْمِنِينَ، أو لِمَن كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى، فَمَعْنى الآيَةِ: التَثْبِيتُ وهَزُّ النَفْسِ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تُقِيمُ نَفْسَهُ إلى شَيْءٍ: أمّا أنْتَ يا فُلانُ يَلْزَمُكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ.

3:50–51Страница 56

وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠

Я пришел, чтобы подтвердить истинность того, что было в Таурате (Торе) до меня, и чтобы разрешить вам часть того, что было вам запрещено. Я принес вам знамение от вашего Господа. Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١

Воистину, Аллах - мой Господь и ваш Господь. Поклоняйтесь же Ему, ибо таков прямой путь!»».

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِنَ رَبِّكم فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

قَوْلُهُ: "مُصَدِّقًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩]. لِأنَّ قَوْلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ مُتَّبِعًا عامِلًا بِما فِيها. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ.

وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألْيَنَ مِنَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ والشُحُومَ، قالَ الرَبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَمَكِ، وما لا صِئْصِئَةَ لَهُ مِنَ الطَيْرِ. وكانَ في التَوْراةِ مُحَرَّماتٌ تَرَكَها شَرْعُ عِيسى عَلى حالِها، فَلَفْظَةُ البَعْضِ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَعْضُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الكُلِّ، وخَطَّأهُ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ شاهِدًا عَلى قَوْلِهِ بَيْتَ لَبِيدٍ:

؎ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ يَرْضَها أو يَخْتَرِمْ بَعْضَ النُفُوسِ حِمامُها

(p-٢٣٢)وَلَيْسَتْ في البَيْتِ لَهُ حُجَّةٌ، لِأنَّ لَبِيدًا أرادَ نَفْسَهُ فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى وشَرَعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ المُشَدَّدَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى أو إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجِئْتُكم بِآيَةٍ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ تَحْذِيرٌ ودُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ الخَبَرِ، وقَرَأهُ قَوْمٌ "أنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ. قالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّ" بَدَلٌ مِن "آيَةٍ"، في قَوْلِهِ: ﴿جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وفي هَذا ضَعْفٌ، وإنَّما التَقْدِيرُ: أطِيعُونِي، لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى: لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾، لِأنَّ ألْفاظَهُ جَمَعَتِ الإيمانَ والطاعاتِ. والصِراطُ: الطَرِيقُ، والمُسْتَقِيمُ: الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ.

3:52–54Страница 56

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢

Когда Иса (Иисус) почувствовал их неверие, он сказал: «Кто будет моим помощником на пути к Аллаху?». Апостолы сказали: «Мы - помощники Аллаха. Мы уверовали в Аллаха. Будь же свидетелем того, что мы являемся мусульманами!

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣

Господь наш! Мы уверовали в то, что Ты ниспослал, и последовали за посланником. Запиши же нас в число свидетельствующих».

وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤

Они (неверующие) хитрили, и Аллах хитрил, а ведь Аллах - Наилучший из хитрецов.

(p-٢٣٣)قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ، بِهِ يَتِمُّ اتِّساقُ الآياتِ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كَما بَشَّرَ اللهُ بِهِ، فَقالَ جَمِيعَ ما ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ ومَعْنى "أحَسَّ": عَلِمَ مِن جِهَةِ الحَواسِّ بِما سَمِعَ مِن أقْوالِهِمْ في تَكْذِيبِهِ، ورَأى مِن قَرائِنِ الأحْوالِ وشِدَّةِ العَداوَةِ والإعْراضِ؛ يُقالُ: أحْسَسْتُ بِالشَيْءِ وحَسَيْتُ بِهِ، أصْلُهُ: حَسَسْتُ فَأُبْدِلَتْ إحْدى السِينَيْنِ ياءً. و"الكُفْرَ" هو التَكْذِيبُ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَأى مِنهم إرادَةَ قَتْلِهِ، فَحِينَئِذٍ طَلَبَ النَصْرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾ عِبارَةٌ عن حالِ عِيسى في طَلَبِهِ مَن يَقُومُ بِالدِينِ ويُؤْمِنُ بِالشَرْعِ ويَحْمِيهِ، كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ ويَتَعَرَّضُ لِلْأحْياءِ في المَواسِمِ. وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها وما فِيها مِن أقْوالٍ يُعَبَّرُ عنها. بِـ ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾. ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ كانَتْ في جُمْلَةِ أقْوالِهِ لِلنّاسِ. والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: جَمْعُ ناصِرٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقَوْلُهُ: "إلى اللهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: مَن يَنْصُرُنِي في السَبِيلِ إلى اللهِ؟ فَتَكُونُ "إلى" دالَّةً عَلى الغايَةِ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى بابِها، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللهِ لِي؟ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] فَإذا تَأمَّلْتَها وجَدْتَ فِيها مَعْنى الغايَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ إضافَةَ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.

(p-٢٣٤)وَقَدْ عَبَّرَ عنها ابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ بِأنَّها بِمَعْنى- "مَعَ"، ونَعَمْ إنَّ "مَعَ" تَسُدُّ في هَذِهِ المَعانِي مَسَدَّ "إلى" لَكِنْ لَيْسَ يُباحُ مِن هَذا أنْ يُقالَ إنَّ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، حَتّى غَلِطَ في ذَلِكَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. فَقالَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وهَذِهِ عُجْمَةٌ، بَلْ "إلى" في هَذِهِ الآيَةِ غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُنْظَرُ هَلْ يَدْخُلُ ما بَعْدَ "إلى" فِيما قَبْلَها مِن طَرِيقٍ آخَرٍ؟

و"الحَوارِيُّونَ" قَوْمٌ مَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ فَدَعاهم إلى نَصْرِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَأجابُوهُ وقامُوا بِذَلِكَ خَيْرَ قِيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللهِ. ورُوِيَ أنَّهُ مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَمَكَ. واخْتَلَفَ الناسُ؛ لِمَ قِيلَ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ ونَقائِها، وقالَ أبُو أرْطَأةَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وقالَ قَتادَةُ، الحَوارِيُّونَ: أصْفِياءُ الأنْبِياءِ، الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ، وقالَ الضَحّاكُ نَحْوَهُ، وهَذا تَقْرِيرُ حالِ القَوْمِ ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَفْظَةِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ شَبَّهَ النَبِيُّ ﷺ ابْنَ عَمَّتِهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: « "وَحَوارِيِّ الزُبَيْرُ"» والأقْوالُ الأُولى هي تَفْسِيرُ اللَفْظِ، إذْ هي مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ، حَوَّرْتُ الثَوْبَ: بَيَّضْتُهُ، ومِنهُ الحَوارِيُّ. وقَدْ تُسَمِّي العَرَبُ النِساءَ الساكِناتِ في الأمْصارِ: الحَوارِيّاتِ، لِغَلَبَةِ البَياضِ عَلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جِلْدَةٍ اليَشْكُرِيِّ:(p-٢٣٥)

؎ فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تَبْكِنا إلّا الكِلابُ النَوابِحُ

وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ مَرْيَمَ دَفَعَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في صِغَرِهِ في أعْمالٍ شَتّى، وكانَ آخِرَ ما دَفَعَتْهُ إلى الحَوارِيِّينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُقَصِّرُونَ الثِيابَ ثُمَّ يَصْبِغُونَها، فَأراهم آياتٍ وصَبَغَ لَهم ألْوانًا شَتّى مِن ماءٍ واحِدٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَوارِيُّونَ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، واحِدُهم "حَوارِيٌّ" ولَيْسَتْ بِياءِ نَسَبٍ وإنَّما هي كَياءِ كُرْسِيٍّ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وأبُو بَكْرٍ الثَقَفِيُّ: "الحَوارِيُونَ" مُخَفَّفَةَ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: العَرَبُ تَعافُ ضَمَّةَ الياءِ الخَفِيفَةَ المَكْسُورِ ما قَبْلَها وتَمْتَنِعُ مِنها، ومَتى جاءَتْ في نَحْوِ قَوْلِهِمُ: العادِيُونَ والقاضِيُونَ والساعِيُونَ أعْلَتْ بِأنْ تَسْتَثْقِلَ الضَمَّةَ فَتُسَكِّنَ الياءَ وتَنْقُلَ حَرَكَتَها ثُمَّ تُحْذَفَ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، فَيَجِيءُ العادُونَ ونَحْوُهُ، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: الحَوارُونَ، لَكِنَّ وجْهَ القِراءَةِ عَلى ضَعْفِها أنَّ الياءَ خُفِّفَتِ اسْتِثْقالًا لِتَضْعِيفِها، وحَمَلَتِ الضَمَّةَ دَلالَةً عَلى أنَّ التَشْدِيدَ مُرادٌ، إذِ التَشْدِيدُ مُحْتَمِلٌ لِلضَّمَّةِ، وهَذا كَما ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ في تَخْفِيفِ يَسْتَهْزِيُونَ، إلى أنْ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً البَتَّةَ، وحَمَّلَها الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المُرادَةِ فِيها.

وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: "واشْهَدْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيِ: اشْهَدْ لَنا عِنْدَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلَّهِ تَعالى كَما تَقُولُ: أنا أُشْهِدُ اللهَ عَلى كَذا، إذا عَزَمْتَ وبالَغْتَ في الِالتِزامِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ: « "اللهُمَّ اشْهَدْ".» قالَ الطَبَرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: هَذِهِ مَقالَةُ الأسْلافِ المُؤْمِنِينَ بِعِيسى، لا ما تَقُولُونَهُ أنْتُمْ، يا مَن يَدَّعِي لَهُ الأُلُوهِيَّةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ يُرِيدُونَ الإنْجِيلَ وآياتِ عِيسى. و"الرَسُولَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُمْ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَغْبَةِ في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ مَن (p-٢٣٦)شَهِدَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، ولَمّا كانَ البَشَرُ يُقَيِّدُ ما يَحْتاجُ إلى عِلْمِهِ وتَحْقِيقِهِ في ثانِي حالٍ بِالكِتابِ، عَبَّرُوا عن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم "مَعَ الشاهِدِينَ" مَعْناهُ: اجْعَلْنا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلى الناسِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ الكافِرِينَ بِعِيسى، فَقالَ: "وَمَكَرُوا" يُرِيدُ تَحَيُّلَهم في أخْذِ عِيسى لِلْقَتْلِ بِزَعْمِهِمْ، ويُرْوى أنَّهم تَحَيَّلُوا لَهُ، وأذْكَوْا عَلَيْهِ العُيُونَ حَتّى دَخَلَ هو والحَوارِيُّونَ بَيْتًا فَأخَذُوهم فِيهِ، فَهَذا مَكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ طَرَحَ شَبَهَ عِيسى عَلى أحَدِ الحَوارِيِّينَ ورَفَعَ عِيسى، وأعْقَبَ بَنِي إسْرائِيلَ مَذَلَّةً وهَوانًا في الدُنْيا والآخِرَةِ. فَهَذِهِ العُقُوبَةُ هي الَّتِي سَمّاها اللهُ مَكْرًا في قَوْلِهِ ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ وذَلِكَ مَهْيَعٌ أنْ تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَنْبِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ؛ وعَلى هَذا فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ، وعَلى أنَّ عِيسى قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَن يَصْبِرُ فَيُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ؟ فَقالَ أحَدُهُمْ: أنا، فَكانَ ذَلِكَ. ورَوى قَوْمٌ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ دَسَّتْ يَهُودِيًّا جاسُوسًا عَلى عِيسى حَتّى صَحِبَهُ ودَلَّهم عَلَيْهِ ودَخَلَ مَعَهُ البَيْتَ، فَلَمّا أُحِيطَ بِهِمْ ألْقى اللهُ شَبَهَ عِيسى عَلى ذَلِكَ الرَجُلِ اليَهُودِيِّ فَأُخِذَ وصُلِبَ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ وهَذِهِ أيْضًا تَسْمِيَةُ عُقُوبَةٍ بِاسْمِ الذَنْبِ. والمَكْرُ في اللُغَةِ: السَعْيُ عَلى الإنْسانِ دُونَ أنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أنْ يُبْطِنَ الماكِرُ ضِدَّ ما يُبْدِي.

وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ مَعْناهُ: في أنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، لِأنَّهُ في الأباطِيلِ يُحْتاجُ إلى التَحَيُّلِ، واللهُ سُبْحانَهُ أشَدُّ بَطْشًا وأنْفَذُ إرادَةً، فَهو خَيْرٌ مِن جِهاتٍ لا تُحْصى، لا إلَهَ إلّا هو. وذِكْرُ حَصْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعِدَةِ أصْحابِهِ بِهِ وأمْرِ الشَبَهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ سَيَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English