Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:154–164
4:154–156Страница 102
وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤
Мы воздвигли над ними гору, согласно завету с ними, и сказали им: «Войдите во врата, поклонившись!». Мы также сказали им: «Не нарушайте субботы!». Мы заключили с ними суровый завет.
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥
За то, что они нарушили свой завет, не уверовали в знамения Аллаха, несправедливо убивали пророков и говорили: «Наши сердца покрыты завесой (или переполнены знаниями)». О нет, это Аллах запечатал их сердца за их неверие, и поэтому их вера ничтожна (или лишь немногие из них являются верующими).
وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦
За то, что они не уверовали, возвели на Марьям (Марию) великий навет
قَوْلُهُ (تَعالى):
﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهُمُ لا تَعْدُوا في السَبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهِ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾
"اَلطُّورُ": اَلْجَبَلُ؛ اسْمُ جِنْسٍ؛ وهَذا قَوْلٌ؛ وقِيلَ: اَلطُّورُ: كُلُّ جَبَلٍ غَيْرِ مُنْبِتٍ، (p-٥٩)وَبِالشامِ جَبَلٌ قَدْ عُرِفَ بِـ "اَلطُّورُ"؛ ولَزِمَهُ الِاسْمُ؛ وهو طُورُ سَيْناءَ؛ ولَيْسَ بِالمَرْفُوعِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي فَحْصَ التِيهِ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ؛ وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَصَصُ رَفْعِ الطُورِ؛ وقَوْلُهُ: "بِمِيثاقِهِمْ"؛ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ أنْ يُعْطُوهُ في أخْذِ الكِتابِ بِقُوَّةٍ؛ والعَمَلِ بِما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ؛ هو بابُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ المَعْرُوفُ بِـ "بابِ حِطَّةٍ"؛ أمَرُوا أنْ يَتَواضَعُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَتْحِ الَّذِي مَنَحَهم في تِلْكَ البِلادِ؛ وأنْ يَدْخُلُوا بابَ المَدِينَةِ سُجَّدًا؛ وهَذا نَوْعٌ مِن سَجْدَةِ الشُكْرِ الَّتِي قَدْ فَعَلَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ؛ ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإنْ كانَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ - لا يَراها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَبْتِ﴾ ؛ أيْ: عَلى الحِيتانِ؛ وفي سائِرِ الأعْمالِ؛ وهَؤُلاءِ كانُوا بِأيْلَةَ؛ مِن ساحِلِ البَحْرِ؛ فَأُمِرُوا بِالسُكُونِ عن كُلِّ شُغْلٍ في يَوْمِ السَبْتِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ بَلِ اصْطادُوا وتَصَرَّفُوا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ ذَلِكَ؛ وأخَذَ اللهُ تَعالى مِنهُمُ المِيثاقَ الغَلِيظَ؛ هو عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ وغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ؛ أيْ: بِأنَّهم يَأْخُذُونَ التَوْراةَ بِقُوَّةٍ؛ ويَعْمَلُونَ بِجَمِيعِ ما فِيها؛ ويُوصِلُونَهُ إلى أبْنائِهِمْ؛ ويُؤَدُّونَ الأمانَةَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن أشْياءَ واقَعُوها؛ هي في الضِدِّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ الطُورُ مِن أجْلِهِ نَقَضُوهُ؛ والإيمانَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ؛ إذْ ذَلِكَ التَواضُعُ إنَّما هو ثَمَرَةُ الإيمانِ؛ والإخْباتِ؛ جَعَلُوا بَدَلَهُ كُفْرَهم بِآياتِ اللهِ؛ وقَوْلَهُمْ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ؛ وحِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا هو اسْتِخْفافٌ بِأمْرِ اللهِ؛ وكُفْرٌ بِهِ؛ وكَذَلِكَ أُمِرُوا ألّا يَعْتَدُوا في السَبْتِ؛ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطاعَةُ؛ وسَماعُ الأمْرِ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ الِانْتِهاءَ إلى انْتِهاكِ أعْظَمِ حُرْمَةٍ؛ وهي قَتْلُ الأنْبِياءِ؛ وكَذَلِكَ أخْذُ المِيثاقِ الغَلِيظِ مِنهم تَضَمَّنَ فَهْمَهم بِقَدْرِ ما التَزَمُوهُ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَجاهُلَهم.
وقَوْلُهُمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ ؛ أيْ: هي في حُجُبٍ؛ وغُلْفٌ؛ فَهي لا تَفْهَمُ؛ وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عن طَبْعٍ مِنهُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وأنَّهم كَذَبَةٌ فِيما يَدَّعُونَهُ مِن قِلَّةِ الفَهْمِ.
(p-٦٠)وَقَرَأ نافِعٌ: "تَعْدُّوا"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ ورَوى عنهُ ورْشٌ: "تَعَدُّوا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لا تَعْدُوا"؛ ساكِنَةَ العَيْنِ؛ خَفِيفَةَ الدالِ؛ مَضْمُومَةً؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والحَسَنُ: "لا تَعْتَدُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبِما": "ما"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ؛ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السامِعِ؛ تَقْدِيرُهُ: "لَعَنّاهم وأذْلَلْناهُمْ؛ وحَتَّمْنا عَلى المُوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ ؛ أيْ: في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ ؛ يَعْنِي رَمْيَهم إيّاها بِالزِنا؛ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى في المَهْدِ؛ وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ و"اَلْبُهْتانُ": مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "بَهَتَهُ"؛ إذا قابَلَهُ بِأمْرٍ مُبْهِتٍ؛ يَحارُ مَعَهُ الذِهْنُ؛ وهو رَمْيٌ بِباطِلٍ.
4:157–159Страница 103
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧
и сказали: «Воистину, мы убили Мессию Ису (Иисуса), сына Марьям (Марии), посланника Аллаха». Однако они не убили его и не распяли, а это только показалось им. Те, которые препираются по этому поводу, пребывают в сомнении и ничего не ведают об этом, а лишь следуют предположениям. Они действительно не убивали его (или не убивали его с уверенностью).
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨
О нет! Это Аллах вознес его к Себе, ведь Аллах - Могущественный, Мудрый.
وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩
Среди людей Писания не останется такого, который не уверует в него (Ису или Мухаммада) до его смерти (до смерти Иисуса или до своей смерти), а в День воскресения он будет свидетелем против них.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ؛ والَّتِي قَبْلَها؛ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها أقْوالَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأفْعالَهُمْ؛ عَلى اخْتِلافِ الأزْمانِ؛ وتَعاقُبِ القُرُونِ؛ فاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ تَوْبِيخُ خَلَفِهِمُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وبَيانُ الحُجَّةِ في أنْ وجَبَتْ لَهُمُ اللَعْنَةُ؛ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ؛ فَهَذِهِ الطائِفَةُ الَّتِي قالَتْ: ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ ؛ غَيْرُ الَّذِينَ نَقَضُوا المِيثاقَ في الطُورِ؛ وغَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إنَّما هو إلى قَوْلِهِ: ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٦١)﴿رَسُولَ اللهِ﴾ ؛ إنَّما هو إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِصِفَةٍ لِعِيسى؛ وهي الرِسالَةُ؛ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ؛ ولَزِمَهُمُ الذَنْبُ؛ وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى؛ وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ؛ وإذا كانُوا قَتَلُوهُ فَلَيْسَ يَرْفَعُ الذَنْبَ عنهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ؛ كَما أنَّ قُرَيْشًا في تَكْذِيبِها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا يَنْفَعُهم فِيهِ اعْتِقادُهم أنَّهُ كَذّابٌ؛ بَلْ جازاهُمُ اللهُ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ في نَفْسِهِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ما قَتَلُوا عِيسى؛ ولا صَلَبُوهُ؛ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛ واخْتَلَفَتِ الرُواةُ في هَذِهِ القِصَّةِ وكَيْفِيَّتِها اخْتِلافًا شَدِيدًا؛ أنا أخْتَصِرُ عُيُونَهُ؛ إذْ لَيْسَ في جَمِيعِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ؛ ولَيْسَ لَنا مُتَعَلَّقٌ في تَرْجِيحِ شَيْءٍ مِنهُ؛ إلّا ألْفاظُ كِتابِ اللهِ؛ فالَّذِي لا نَشُكُّ فِيهِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ؛ ويَدْعُو إلى اللهِ؛ وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَطْلُبُهُ؛ ومَلِكُهم في ذَلِكَ الزَمانِ يَجْعَلُ عَلَيْهِ الجَعائِلَ؛ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدِ انْضَوى إلَيْهِ الحَوارِيُّونَ يَسِيرُونَ مَعَهُ حَيْثُ سارَ؛ فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأوقاتِ شُعِرَ بِأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَرُوِيَ أنَّ أحَدَ الحَوارِيِّينَ أُرْشِيَ عَلَيْهِ فَقَبِلَ الرِشْوَةَ؛ ودَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَأُحِيطَ بِهِ؛ ثُمَّ نَدِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وخَنَقَ نَفْسَهُ؛ ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ جُعِلَ لَهُ جُعْلٌ؛ فَما زالَ يَنْقُرُ عَلَيْهِ حَتّى دَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ وأصْحابُهُ؛ بِتَلاحُقِ الطالِبِينَ بِهِمْ دَخَلُوا بَيْتًا بِمَرْأًى مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَرُوِيَ أنَّهم عَدُّوهم ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ ورُوِيَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وحُصِرُوا لَيْلًا؛ فَرُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - فَرَّقَ الحَوارِيِّينَ عن نَفْسِهِ تِلْكَ اللَيْلَةَ؛ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ؛ وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى؛ وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَجُلِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ؛ ورُوِيَ أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى اليَهُودِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ؛ فَصُلِبَ؛ ورُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُحِيطَ بِهِمْ قالَ لِأصْحابِهِ: "أيُّكم يُلْقى شَبَهِي عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ؛ وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟"؛ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا؛ وأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى؛ ويُرْوى أنَّ شَبَهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أُلْقِيَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها؛ فَلَمّا أخْرَجَهم بَنُو إسْرائِيلَ نَقُصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ؛ فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ؛ حَسَبَ هَذِهِ الرِواياتِ الَّتِي ذَكَرْتُها؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا (p-٦٢)رَأوا أمْرَ نُقْصانِ العَدَدِ؛ واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ وأُبْعِدَ الناسُ عن خَشَبَتِهِ أيّامًا؛ حَتّى تَغَيَّرَ؛ ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا الناسُ مِنهُ؛ ومَضى الحَوارِيُّونَ يُحَدِّثُونَ بِالآفاقِ أنَّ عِيسى صُلِبَ؛ فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَرَّقَهم وهو في البَيْتِ؛ أو عَلى أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى الكُلِّ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كُلَّها لَمْ يَكُنْ فِيها إلْقاءُ شَبَهِ شَخْصِ عِيسى عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما المَعْنى: ﴿ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛﴾ أيْ: شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ "اَلْمُمَخْرِقُ"؛ لِيَسْتَدِيمَ مُلْكُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ الجَماعَةِ؛ وفَقَدَ عِيسى؛ عَمَدَ إلى أحَدِهِمْ؛ وبَطَشَ بِصَلْبِهِ؛ وفَرَّقَ الناسَ عنهُ؛ وقالَ: هَذا عِيسى قَدْ صُلِبَ؛ وانْحَلَّ أمْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ؛ يَعْنِي اخْتِلافَ المُحاوِلِينَ لِأخْذِهِ؛ لِأنَّهم حِينَ فَقَدُوا واحِدًا مِنَ العَدَدِ؛ وتُحُدِّثَ بِرَفْعِ عِيسى اضْطَرَبُوا؛ واخْتَلَفُوا؛ وعَلى رِوايَةِ مَن رَوى أنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهٌ؛ يُوشِكُ أنَّهُ بَقِيَ في ذَلِكَ الشَبَهِ مَواضِعُ لِلِاخْتِلافِ؛ لَكِنْ أجْمَعُوا عَلى صَلْبِ واحِدٍ عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ؛ ولا يَقِينٍ أيُّهم هو.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فاليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عن حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ؛ وأمّا هَلْ هو عِيسى أمْ لا؛ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَواسِّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْ في ذَلِكَ نَقْلُ كافَّةِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ونَفى اللهُ عنهم أنْ يَكُونَ لَهم في أمْرِهِ عِلْمٌ عَلى ما هو بِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى اتِّباعَ الظَنِّ؛ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ إذِ الظَنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما جِنْسٌ واحِدٌ: أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتٍ النَفْسِ؛ وقَدْ يَقُولُ الظانُّ - عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ -: "عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا"؛ وهو يَعْنِي ظَنَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "قَتَلُوهُ"؛ (p-٦٣)فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الظَنِّ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا"؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهُمْ؛ ولا تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وجَماعَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَقْتُلُوهُ يَقِينًا؛ فَيَصِحُّ لَهُمُ الإصْفاقُ؛ ويُثْبِتُ نَقْلُ كافَّتِهِمْ؛ ومُضَمَّنُ الكَلامِ أنَّهم ما قَتَلُوهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةً واحِدَةً؛ لا يَقِينًا؛ ولا شَكًّا؛ لَكِنْ لَمّا حَصَلَتْ في ذَلِكَ الدَعْوى صارَ قَتْلُهُ عِنْدَهم مَشْكُوكًا فِيهِ؛ وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللِسانِ: اَلْكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ و"يَقِينًا": مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلنَّفْيِ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ اَلْمَعْنى: يُخْبِرُكم يَقِينًا؛ أو يَقُصُّ عَلَيْكم يَقِينًا؛ أو أيْقِنُوا بِذَلِكَ يَقِينًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ﴾ ؛ يَعْنِي إلى سَمائِهِ؛ وكَرامَتِهِ؛ وعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حَيٌّ في السَماءِ الثانِيَةِ؛ عَلى ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الإسْراءِ في ذِكْرِ ابْنَيِ الخالَةِ: عِيسى ويَحْيى ؛ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في حَدِيثِ المِعْراجِ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ؛ وهو هُناكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللهُ لِقَتْلِ الدَجّالِ؛ ولِيَمْلَأ الأرْضَ عَدْلًا؛ ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ يَمُوتُ كَما يَمُوتُ البَشَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلضَّمِيرُ في "مَوْتِهِ"؛ راجِعٌ إلى عِيسى؛ والمَعْنى: إنَّهُ لا يَبْقى مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إذا نَزَلَ عِيسى إلى الأرْضِ إلّا يُؤْمِنُ بِعِيسى؛ كَما يُؤْمِنُ سائِرُ البَشَرِ؛ وتَرْجِعُ الأدْيانُ كُلُّها واحِدًا؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وغَيْرُهُما: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِعِيسى؛ وفي "مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَإنْ مِن (p-٦٤)أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ"؛ قالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى؛ رُوحِ اللهِ؛ ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ؛ فَهو إيمانٌ لا يَنْفَعُهُ؛ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أيْضًا؛ وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وفي "قَبْلَ مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ؛ قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ؛ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ؛ ولَوْ غَرِقَ؛ أو سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ"؛ فَفي هَذِهِ القِراءَةِ تَقْوِيَةٌ لِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلى الكِتابِيِّ؛ وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ"؛ بِتَشْدِيدِ "إنْ"؛ والضَمِيرُ المُسْتَتِرُ في "يَكُونُ"؛ هو لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في جُلِّ الأقْوالِ؛ ولِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في قَوْلِ عِكْرِمَةَ.
4:160–162Страница 103
فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠
За то, что иудеи поступали несправедливо и многих сбивали (или часто сбивали людей) с пути Аллаха, Мы запретили им блага, которые были дозволены им.
وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١
А также за то, что они брали лихву, хотя она была запрещена им, и незаконно пожирали имущество людей. Для неверующих из них Мы приготовили мучительные страдания.
لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢
Однако тех из них, которые обладают основательными знаниями и веруют в то, что ниспослано тебе и что ниспослано до тебя, которые совершают намаз, выплачивают закят и веруют в Аллаха и Последний день, Мы одарим великим вознаграждением.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَأخْذِهِمُ الرِبا وقَدْ نُهُوا عنهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الراسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَلاةَ والمُؤْتُونَ الزَكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "فَبِظُلْمٍ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "فَبِما نَقْضِهِمْ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم وأوجَبْنا عَذابَهُمْ؛ فَبِظُلْمٍ مِنهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ المَطاعِمَ"؛ وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ العُقُوبَةَ الدُنْيَوِيَّةَ إزاءَ ظُلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعَنُّتِهِمْ؛ وسائِرِ أخْلاقِهِمُ الدَمِيمَةِ؛ والطَيِّباتُ هُنا هي الشُحُومُ؛ وبَعْضُ الذَبائِحِ؛ والطَيْرُ؛ والحُوتُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "طَيِّباتٍ (كانَتْ) أُحِلَّتْ لَهُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ في ذاتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ غَيْرَهُمْ"؛ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو جَحْدُهم أمْرُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإنَّهم صَدُّوا بِذَلِكَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ الناسِ عن سَبِيلِ اللهِ؛ و"وَأخْذِهِمُ (p-٦٥)الرِبا"؛ هُوَ: اَلدِّرْهَمُ بِالدِرْهَمَيْنِ إلى أجَلٍ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو مَفْسَدَةٌ؛ وقَدْ نُهُوا عنهُ؛ فَشَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ؛ مِن ذَلِكَ؛ ومِن كِراءِ العَيْنِ؛ ونَحْوِهِ.
وأكْلُ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ هو الرِشا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِن بَنِي إسْرائِيلَ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَوْراةِ؛ الَّذِينَ قَدْ تَحَقَّقُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وعَلاماتِهِ؛ وهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ ومُخَيْرِيقٌ؛ ومَن جَرى مُجْراهُما.
و"اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلرّاسِخُونَ"؛ وما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - هو القُرْآنُ؛ والَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هو التَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ وكَيْفَ خالَفَ إعْرابُها إعْرابَ ما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ؛ فَقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "ذَلِكَ مِن خَطَإ كاتِبِ المُصْحَفِ"؛ ورُوِيَ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّها فِيهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ كَما هي في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وكَذَلِكَ رَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وكَذا قَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ والجَحْدَرِيُّ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ وكَذَلِكَ رَوى يُونُسُ؛ وهارُونُ؛ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن خَطَإ الكاتِبِ؛ ولا خَطَأً في المُصْحَفِ؛ وإنَّما هَذا مِن قَطْعِ النُعُوتِ؛ إذا كَثُرَتْ؛ عَلى النَصْبِ بِـ "أعْنِي"؛ والرَفْعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِـ "هُمْ"؛ وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ؛ والبَصْرَةِ؛ وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَطْعٌ عَلى المَدْحِ؛ وخَبَرُ "لَكِنِ": "يُؤْمِنُونَ"؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهَذا كَقَوْلِ خِرْنِقَ بِنْتِ هَفّانَ:
؎ لا يَبْعُدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
(p-٦٦)؎ اَلنّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والطَيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ؛ وفي هَذا نَظَرٌ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "والمُقِيمِينَ"؛ لَيْسَ بِعَطْفٍ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ ولَكِنْ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ والمَعْنى: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ الصَلاةِ؛ وهُمُ المَلائِكَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ قالُوا: ثُمَّ رَجَعَ بِقَوْلِهِ: "والمُؤْتُونَ"؛ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى "وَما أُنْزِلَ"؛ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ؛ أيْ: يُؤْمِنُ الراسِخُونَ بِهِمْ؛ وبِما هم عَلَيْهِ؛ ويَكُونُ قَوْلُهُ: "والمُؤْتُونَ"؛ أيْ: وهُمُ المُؤْتُونَ؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "مِنهُمْ"؛ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِكَ"؛ ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَيُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ.
4:163–164Страница 104
۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣
Воистину, Мы внушили тебе откровение, подобно тому, как внушили его Нуху (Ною) и пророкам после него. Мы внушили откровение Ибрахиму (Аврааму), Исмаилу (Измаилу), Исхаку (Исааку), Йакубу (Иакову) и коленам (двенадцати сыновьям Йакуба), Исе (Иисусу), Айюбу (Иову), Йунусу (Ионе), Харуну (Аарону), Сулейману (Соломону). Давуду (Давиду) же Мы даровали Забур (Псалтирь).
وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤
Мы отправили посланников, о которых Мы уже рассказали тебе прежде, и посланников, о которых Мы тебе не рассказывали. А с Мусой (Моисеем) Аллах вел беседу.
(p-٦٧)قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنّا أوحَيْنا إلَيْكَ كَما أوحَيْنا إلى نُوحٍ والنَبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾
رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُكَيْنًا الحَبْرَ؛ وعَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ قالا: يا مُحَمَّدُ؛ ما نَعْلَمُ أنَّ اللهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا بَعْدَ مُوسى؛ ولا أوحى إلَيْهِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَكْذِيبًا لِقَوْلِهِما.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيٌّ: لَمّا أنْزَلَ اللهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] ؛ إلى آخِرِ الآياتِ؛ فَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ؛ وسَمِعُوا الخَبَرَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ؛ قالُوا: ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ؛ ولا عَلى مُوسى؛ ولا عَلى عِيسى؛ وجَحَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللهُ: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في خَفاءٍ؛ وعَرَّفَهُ في الأنْبِياءِ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: "كَما أوحَيْنا"؛ أيْ: بِمَلَكٍ يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ؛ ونُوحٌ أوَّلُ الرُسُلِ في الأرْضِ إلى أُمَّةٍ كافِرَةٍ؛ وصُرِفَ "نُوحٌ"؛ مَعَ العُجْمَةِ والتَعْرِيفِ؛ لِخِفَّتِهِ؛ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو الخَلِيلُ؛ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُهُ الأكْبَرُ؛ وهو الذَبِيحُ؛ في قَوْلِ المُحَقِّقِينَ؛ وهو أبُو العَرَبِ؛ وإسْحاقَ ابْنُهُ الأصْغَرُ؛ ويَعْقُوبَ هو ولَدُ إسْحاقَ؛ وهو إسْرائِيلُ؛ والأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ؛ يُوسُفُ وإخْوَتُهُ؛ وعِيسى هو المَسِيحُ؛ وأيُّوبُ هو المُبْتَلى الصابِرُ؛ ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى؛ ورَوى ابْنُ جَمّازٍ عن نافِعٍ: "يُونِسُ"؛ بِكَسْرِ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ بِفَتْحِها؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ وهارُونُ هو ابْنُ عِمْرانَ ؛ وسُلَيْمانُ هو النَبِيُّ المَلِكُ؛ وداوُدُ أبُوهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زَبُورًا"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ وهو اسْمُ كِتابِ داوُدَ؛ تَخْصِيصًا؛ وكُلُّ كِتابٍ في اللُغَةِ فَهو "زَبُورٌ"؛ مِن حَيْثُ تَقُولُ: "زَبَرْتُ الكِتابَ"؛ إذا كَتَبْتَهُ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ - وحْدَهُ -: "زُبُورًا"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "زَبْرٌ"؛ أُوقِعَ عَلى المَزْبُورِ اسْمُ الزَبْرِ؛ (p-٦٨)كَما قالُوا: "ضَرْبُ الأمِيرِ"؛ و"نَسْجُ اليَمَنِ"؛ وكَما سُمِّيَ المَكْتُوبَ "كِتابًا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "زَبُورٌ"؛ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ؛ كَما قالُوا: "ظَرِيفٌ"؛ و"ظُرُوفٌ"؛ و"كَرَوانٌ"؛ و"كِرْوانٌ"؛ و"وَرَشانٌ"؛ و"وِرْشانٌ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا جُمِعَ بِحَذْفِ الزِيادَةِ؛ ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّ التَكْسِيرَ مِثْلُ التَصْغِيرِ؛ وقَدِ اطَّرَدَ هَذا المَعْنى في تَصْغِيرِ التَرْخِيمِ؛ نَحْوَ: "أزْهَرُ"؛ و" زُهَيْرٌ "؛ و"حارِثٌ" و"حُرَيْثٌ"؛ و"ثابِتٌ"؛ و"ثُبَيْتٌ"؛ فالجَمْعُ مِثْلُهُ في القِياسِ؛ إنْ كانَ أقَلَّ مِنهُ في الِاسْتِعْمالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نُصِبَ "رُسُلًا"؛ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: "إنّا أرْسَلْناكَ كَما أرْسَلْنا نُوحًا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْصَبَ "رُسُلًا"؛ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: أرْسَلْنا رُسُلًا؛ لِأنَّ الرَدَّ عَلى اليَهُودِ إنَّما هو في إنْكارِهِمْ إرْسالَ الرُسُلِ؛ واطِّرادِ الوَحْيِ؛ وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَرُسُلٌ"؛ في المَوْضِعَيْنِ بِالرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "هم رُسُلٌ"؛ و"قَصَصْناهُمْ"؛ مَعْناهُ: ذَكَرْنا أسْماءَهُمْ؛ وأخْبارَهُمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ ؛ يَقْتَضِي كَثْرَةَ الأنْبِياءِ؛ دُونَ تَحْدِيدٍ بِعَدَدٍ؛ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ؛ وقالَ تَعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] ؛ وما يُذْكَرُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ اللهُ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ.
(p-٦٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا"؛﴾ إخْبارٌ بِخاصَّةِ مُوسى؛ وأنَّ اللهَ تَعالى شَرَّفَهُ بِكَلامِهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ تَعالى الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ؛ وذَلِكَ مُنْبِئٌ في الأغْلَبِ عن تَحْقِيقِ الفِعْلِ؛ ووُقُوعِهِ؛ وأنَّهُ خارِجٌ عن وُجُوهِ المَجازِ؛ والِاسْتِعارَةِ؛ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ العَرَبُ: "اِمْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي قَوْلًا"؛ فَإنَّما تُؤَكَّدُ بِالمَصادِرِ الحَقائِقُ؛ ومِمّا شَذَّ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ:
؎ ............... ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ
وكَلامُ اللهِ لِلنَّبِيِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - دُونَ تَكْيِيفٍ؛ ولا تَحْدِيدٍ؛ ولا تَجْوِيزِ حُدُوثٍ؛ ولا حُرُوفٍ؛ ولا أصْواتٍ؛ والَّذِي عَلَيْهِ الراسِخُونَ في العِلْمِ أنَّ الكَلامَ هو المَعْنى القائِمُ في النَفْسِ؛ ويَخْلُقُ اللهُ لِمُوسى أو جِبْرِيلَ إدْراكًا مِن جِهَةِ السَمْعِ؛ يُتَحَصَّلُ بِهِ الكَلامُ؛ (p-٧٠)وَكَما أنَّ اللهَ تَعالى مَوْجُودٌ لا كالمَوْجُوداتِ؛ مَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ؛ فَكَذَلِكَ كَلامُهُ لا كالكَلامِ؛ وما رُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ ؛ وعن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ ؛ ونَحْوِهِما؛ مِن أنَّ الَّذِي سَمِعَ مُوسى كانَ كَأشَدِّ ما يُسْمَعُ مِنَ الصَواعِقِ؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: كالرَعْدِ الساكِنِ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: ﴿ "وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا"؛﴾ بِالرَفْعِ في اسْمِ اللهِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَكَلَّمَ اللهَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَلى أنَّ مُوسى هو المُكَلِّمُ؛ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِهارِ؛ لَكِنَّها مُخْرِجَةٌ مِن عِدَّةِ تَأْوِيلاتٍ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии