Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:43–46
4:43Страница 85
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣
О те, которые уверовали! Не приближайтесь к намазу, будучи пьяными, пока не станете понимать то, что произносите, и, будучи в состоянии полового осквернения, пока не искупаетесь, если только вы не являетесь путником. Если же вы больны или находитесь в путешествии, если кто-либо из вас пришел из уборной или если вы имели близость с женщинами, и вы не нашли воды, то направьтесь к чистой земле и оботрите ваши лица и руки. Воистину, Аллах - Снисходительный, Прощающий.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أو عَلى سَفَرٍ أو جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمُ النِساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
سَبَبُ النَهْيِ عن قُرْبِ الصَلاةِ في حالِ سُكْرٍ: أنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَرِبَتِ الخَمْرَ عِنْدَ أحَدِهِمْ قَبْلَ التَحْرِيمِ، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَحَضَرَتِ الصَلاةُ فَتَقَدَّمَهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ: ﴿ "قُلْ (p-٥٦٠)يا أيُّها الكافِرُونَ"﴾ [الكافرون: ١] فَخَلَطَ فِيها بِأنْ قالَ: "أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وأنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ المُصَلِّيَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ سُكْرُ الخَمْرِ، إلّا الضَحّاكَ فَإنَّهُ قالَ: إنَّما المُرادُ سُكْرُ النَوْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ.
والخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ الصالِحِينَ، وأمّا السَكْرانُ -إذا عَدِمَ المَيْزَ لِسُكْرِهِ- فَلَيْسَ بِمُخاطَبٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما هو مُخاطَبٌ إذا صَحا بِامْتِثالِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وبِتَكْفِيرِ ما ضاعَ في وقْتِ سُكْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَرَّرَ تَكْلِيفُهُ إيّاها قَبْلَ السُكْرِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الناسِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَكارى" جَمْعَ: سَكْرانٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَكْرى" بِفَتْحِ السِينِ، عَلى مِثالِ: فَعْلى، وقَرَأ الأعْمَشُ: "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ الكافِ عَلى مِثالِ: فُعْلى، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "سَكْرى" بِفَتْحِ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرُ "سَكْرانَ" (p-٥٦١)عَلى "سَكْرى"، كَما قالُوا: رَوْبى نِيامًا، وكَقَوْلِهِمْ: هَلْكى ومَيْدى في جَمْعِ: هالِكٍ ومائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثَةٍ واحِدَةٍ، كَأنَّ المَعْنى: وأنْتُمْ جَماعَةٌ سَكْرى. وأمّا "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ فَصِفَةٌ لِواحِدَةٍ، كَحُبْلى، والسُكْرُ: انْسِدادُ الفَهْمِ، ومِنهُ: سَكِرْتُ الماءَ إذا سَدَدْتَ طَرِيقَهُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: الصَلاةُ هُنا- العِبادَةُ المَعْرُوفَةُ حَسَبَ السَبَبِ في نُزُولِ الآيَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: الصَلاةُ -هُنا- المُرادُ بِها مَوْضِعُ الصَلاةِ والصَلاةُ مَعًا، لِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ لا يَأْتُونَ المَسْجِدَ إلّا لِلصَّلاةِ، ولا يُصَلُّونَ إلّا مُجْتَمِعِينَ، فَكانا مُتَلازِمَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا الخِلافِ بِحَسَبِ ما يَأْتِي فِي: "عابِرِي السَبِيلِ".
ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ: "حَتّى تَعْلَمُوا" أنَّ السَكْرانَ لا يَعْلَمُ ما يَقُولُ، ولِذَلِكَ قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: إنَّ السَكْرانَ لا يَلْزَمُهُ طَلاقُهُ، فَأسْقَطَ عنهُ أحْكامَ القَوْلِ، لِهَذا، ولِقَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِلَّذِي أقَرَّ بِالزِنى: « "أسَكْرانٌ أنْتَ"؟» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ سَكْرانًا لَمْ يَلْزَمْهُ الإقْرارُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبَيْنَ طَلاقِ السَكْرانِ وإقْرارِهِ بِالزِنى فَرْقٌ، وذَلِكَ أنَّ الطَلاقَ والإقْرارَ بِالمالِ والقَذْفَ، وما أشْبَهَ هَذا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الغَيْرِ مِنَ الآدَمِيِّينَ، فَيُتَّهَمُ السَكْرانُ إنِ ادَّعى أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِ حُكْمُ العالِمِ، والإقْرارُ بِالزِنا إنَّما هو حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَإذا (p-٥٦٢)ادَّعى فِيهِ بَعْدَ الصَحْوِ أنَّهُ كانَ غَيْرَ عالِمٍ دِينَ، وأمّا أحْكامُ الجِناياتِ، فَهي كُلُّها لازِمَةٌ لِلسَّكْرانِ.
"وَأنْتُمْ سُكارى" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ فُورَكٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ النَهْيُ عَنِ السُكْرِ، أيْ لا يَكُنْ مِنكم سُكْرٌ فَيَقَعُ قُرْبَ الصَلاةِ، إذِ المَرْءُ مَدْعُوٌّ إلى الصَلاةِ دَأبًا، والظاهِرُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقَدْ رُوِيَ: أنَّ الصَحابَةَ -بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ- كانُوا يَشْرَبُونَ ويُقَلِّلُونَ إثْرَ الصُبْحِ وإثْرَ العَتَمَةِ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ صَلاةٌ إلّا وهم صاحُونَ.
وقَوْلُهُ: "وَلا جُنُبًا" عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَنصُوبَةِ، والجُنُبُ: هو غَيْرُ الطاهِرِ مِن إنْزالٍ أو مُجاوَزَةِ خِتانٍ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الصَحابَةِ: لا غُسْلَ إلّا عَلى مَن أنْزَلَ، وهو مِنَ الجَنابَةِ وهِيَ: البُعْدُ كَأنَّهُ جانَبَ الطُهْرَ، أو مِنَ الجَنْبِ كَأنَّهُ ضاجَعَ ومَسَّ بِجَنْبِهِ جَنْبًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "جَنْبًا" بِإسْكانِ النُونِ.
و"عابِرِي سَبِيلٍ" هو مِنَ العُبُورِ، أيِ: الخُطُورِ والجَوازِ، ومِنهُ: عُبْرُ السَفِينَةِ النَهْرُ، ومِنهُ: ناقَةٌ عُبْرُ السَيْرِ والفَلاةِ والمُهاجَرَةِ، أيْ: تَعْبُرُها بِسُرْعَةِ السَيْرِ، قالَ الشاعِرُ وهي امْرَأةٌ: (p-٥٦٣)
؎ عَيْرانَةٌ سُرُحُ اليَدَيْنِ شِمِلَّةٌ عُبْرُ الهَواجِرِ كالهِزَفِّ الخاضِبِ
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وغَيْرُهُمْ: عابِرُ السَبِيلِ: هو المُسافِرُ، فَلا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يَقْرَبَ الصَلاةَ وهو جُنُبٌ إلّا بَعْدَ الِاغْتِسالِ إلّا المُسافِرَ فَإنَّهُ يَتَيَمَّمُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والنَخْعِيُّ، وغَيْرُهُمْ: عابِرُ السَبِيلِ: الخاطِرُ في المَسْجِدِ، وهو المَقْصُودُ في الآيَةِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الصَلاةَ هي المَسْجِدُ والمُصَلّى، ورَوى بَعْضُهم أنَّ سَبَبَ الآيَةِ "أنَّ قَوْمًا مِنَ الأنْصارِ كانَتْ أبْوابُ دُورِهِمْ شارِعَةً في المَسْجِدِ، فَإذا أصابَتْ أحَدَهُمُ الجَنابَةُ اضْطُرَّ إلى المُرُورِ في المَسْجِدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ"، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ بِسَبَبِ عُدْمِ الصَحابَةِ الماءَ في غَزْوَةِ "المُرَيْسِيعِ" حِينَ أقامَ عَلى التِماسِ العِقْدِ، هَكَذا قالَ الجُمْهُورُ. وقالَ النَخْعِيُّ: «نَزَلَتْ في قَوْمٍ أصابَتْهم جِراحٌ ثُمَّ أجْنَبُوا، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» ذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، والمَرِيضُ المَقْصُودُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الحَضَرِيُّ، والَّذِي يَصِحُّ لَهُ التَيَمُّمُ هو الَّذِي يَخافُ المَوْتَ لِبَرْدِ الماءِ ولِلْعِلَّةِ بِهِ، وهَذا يَتَيَمَّمُ بِإجْماعٍ، إلّا ما رُوِيَ عن عَطاءٍ: أنَّهُ يَتَطَهَّرُ وإنْ ماتَ. والَّذِي يَخافُ حُدُوثَ عِلَّةٍ عَلى عِلَّةٍ، أو زِيادَةَ عِلَّةٍ، والَّذِي يَخافُ بُطْءَ بُرْءٍ، فَهَؤُلاءِ يَتَيَمَّمُونَ بِإجْماعٍ مِنَ المَذْهَبِ فِيما حَفِظْتُ، والأسْبابُ الَّتِي لا يَجِدُ المَرِيضُ بِها الماءَ هِيَ: إمّا عُدْمُ المُناوِلِ، وإمّا خَوْفُ ما ذَكَرْناهُ. وقالَ داوُدُ: كُلُّ مَنِ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَرِيضِ فَجائِزٌ لَهُ التَيَمُّمُ، وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ، وإنَّما هو عِنْدَ عُلَماءِ الأُمَّةِ المَجْدُورُ، والمَحْصُوبُ، والعِلَلُ المَخُوفَةُ عَلَيْها مِنَ الماءِ.
والمُسافِرُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ-: هو الغائِبُ عَنِ الحَضَرِ، كانَ السَفَرُ مِمّا تُقْصَرُ فِيهِ (p-٥٦٤)الصَلاةُ أو لا تُقْصَرُ، هَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ، وقالَ الشافِعِيُّ -فِي كِتابِ الأشْرافِ-: وقالَ قَوْمٌ: لا يَتَيَمَّمُ إلّا في سَفَرٍ يَجُوزُ فِيهِ التَقْصِيرُ، وهَذا ضَعِيفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكَذَلِكَ قالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَتَيَمَّمُ في سَفَرِ مَعْصِيَةٍ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ.
والأسْبابُ الَّتِي لا يَجِدُ بِها المُسافِرُ الماءَ هِيَ: إمّا عُدْمُهُ جُمْلَةً، وإمّا خَوْفُ فَواتِ الرَفِيقِ بِسَبَبِ طَلَبِهِ، وإمّا خَوْفٌ عَلى الرَحْلِ بِسَبَبِ طَلَبِهِ، وإمّا خَوْفُ سِباعٍ أو إذايَةٍ عَلَيْهِ.
واخْتُلِفَ في وقْتِ إيقاعِهِ التَيَمُّمَ، فَقالَ الشافِعِيُّ: في أوَّلِ الوَقْتِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهُ: في آخِرِ الوَقْتِ. وفَرَّقَ مالِكٌ بَيْنَ اليائِسِ والعالِمِ الطامِعِ بِإدْراكِهِ في الوَقْتِ، والجاهِلِ بِأمْرِهِ جُمْلَةً، وقالَ إسْحَقُ بْنُ راهَوَيْهِ: لا يَلْزَمُ المُسافِرَ طَلَبُ الماءِ إلّا بَيْنَ يَدَيْهِ وحَوْلَهُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَخْرُجُ في طَلَبِهِ الغَلْوَتَيْنِ ونَحْوَهُما، وفي مَذْهَبِ مالِكٍ يَمْشِي في طَلَبِهِ ثَلاثَةَ أمْيالٍ، وقالَ الشافِعِيُّ: يَمْشِي في طَلَبِهِ ما لَمْ يَخَفْ فَواتَ رَفِيقٍ، أو فَواتَ الوَقْتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وأصْلُ "الغائِطِ" ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقْصِدُ بِقَضاءِ حاجَتِها ذَلِكَ الصِنْفَ مِنَ المَواضِعِ، حَتّى كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في قَضاءِ الحاجَةِ وصارَ عُرْفَهُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والزُهْرِيُّ: "مِنَ الغَيْطِ" ساكِنَةَ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو مَحْذُوفٌ مِن فَيْعَلْ، عَيْنُ هَذِهِ الكَلِمَةِ واوٌ، وهَذا اللَفْظُ يَجْمَعُ بِالمَعْنى جَمِيعَ الأحْداثِ الناقِضَةِ لِلطَّهارَةِ الصُغْرى، واخْتَلَفَ الناسُ في حَصْرِها، وأنْبَلُ ما اعْتُقِدَ في ذَلِكَ أنَّ أنْواعَ الأحْداثِ ثَلاثَةٌ: ما خَرَجَ مِنَ السَبِيلَيْنِ مُعْتادًا، وما أذْهَبَ العَقْلَ، واللَمْسُ. هَذا عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ، وعَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ: ما خَرَجَ مِنَ النَجاساتِ مِنَ الجَسَدِ، (p-٥٦٥)وَلا يُراعى المَخْرَجُ ولا غَيْرُهُ، ولا يُعَدُّ اللَمْسُ فِيها، وعَلى مَذْهَبِ الشافِعِيِّ: ما خَرَجَ مِنَ السَبِيلَيْنِ، ولا يُراعى الِاعْتِيادُ، والإجْماعُ مِنَ الأحْداثِ عَلى تِسْعَةٍ: أرْبَعَةٌ مِنَ الذَكَرِ وهي البَوْلُ، والمَنِيُّ، والوَدْيُ، والمَذْيُ، وواحِدٌ مِن فَرْجِ المَرْأةِ وهُوَ: دَمُ الحَيْضِ، واثْنانِ مِنَ الدُبُرِ وهُما الرِيحُ والغائِطُ. وذَهابُ العَقْلِ كالجُنُونِ، والإغْماءِ، والنَوْمُ الثَقِيلُ، فَهَذِهِ تَنْقُضُ الطَهارَةَ الصُغْرى إجْماعًا، وغَيْرُ ذَلِكَ كاللَمْسِ، والدُودِ يَخْرُجُ مِنَ الدُبُرِ، وما أشْبَهَهُ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "لامَسْتُمُ"، وهي في اللُغَةِ لَفْظَةٌ قَدْ تَقَعُ لِلَّمْسِ الَّذِي هو الجِماعُ، وفي اللَمْسِ الَّذِي هو جَسُّ اليَدِ، والقُبْلَةُ، ونَحْوُهُ، إذْ في جَمِيعِ ذَلِكَ لَمْسٌ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَوْقِعِها هُنا. فَمالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: اللَفْظَةُ هُنا عَلى أتَمِّ عُمُومِها تَقْتَضِي الوَجْهَيْنِ، فالمُلامِسُ بِالجِماعِ يَتَيَمَّمُ، والمُلامِسُ بِاليَدِ يَتَيَمَّمُ، لِأنَّ اللَمْسَ نَقَضَ وُضُوءَهُ. وقالَتْ طائِفَةٌ: هي هُنا مُخَصَّصَةٌ لِلَمْسِ اليَدِ، والجُنُبُ لا ذِكْرَ لَهُ إلّا مَعَ الماءِ، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى التَيَمُّمِ، وإنَّما يَغْتَسِلُ الجُنُبُ أو يَدَعُ الصَلاةَ حَتّى يَجِدَ الماءَ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هي هُنا مُخَصَّصَةٌ لِلَّمْسِ الَّذِي هو الجِماعُ، فالجُنُبُ يَتَيَمَّمُ، واللامِسُ بِاليَدِ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فَلَيْسَ بِحَدَثٍ، ولا هو ناقِضٌ لِوُضُوءٍ، فَإذا قَبَّلَ الرَجُلُ امْرَأتَهُ لِلَذَّةٍ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ. ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ يَرى أنَّ اللَمْسَ يَنْقُضُ إذا كانَ لِلَذَّةٍ، ولا يَنْقُضُ إذا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ اللَذَّةَ، ولا إذا كانَ لِابْنَةٍ أو لِأُمٍّ، والشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يُعَمِّمُ لَفْظَةَ النِساءِ، فَإذا لَمَسَ الرَجُلُ عِنْدَهُ أُمَّهُ أوِ ابْنَتَهُ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
عَدَمُ وُجُودِ الماءِ يَتَرَتَّبُ لِلْمَرِيضِ ولِلْمُسافِرِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ، ويَتَرَتَّبُ لِلصَّحِيحِ الحاضِرِ بِالغَلاءِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ الأصْنافِ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَشْتَرِي الرَجُلُ الماءَ بِمالِهِ كُلِّهِ ويَبْقى عَدِيمًا، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، «لِأنَّ دِينَ اللهِ يُسْرٌ،» كَما قالَ ﷺ، ويُرِيدُ بِنا اليُسْرَ، ولَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنا في الدِينِ مِن حَرَجٍ. وقالَتْ طائِفَةٌ: يَشْتَرِي ما لَمْ يَزِدْ عَلى القِيمَةِ الثُلُثُ فَصاعِدًا، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَشْتَرِي قِيمَةَ الدِرْهَمِ بِالدِرْهَمَيْنِ والثَلاثَةِ، ونَحْوِ هَذا. وهَذا كُلُّهُ في مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقِيلَ لِأشْهَبَ: أتُشْتَرى القِرْبَةُ بِعَشْرَةِ دَراهِمَ؟ فَقالَ: ما أرى ذَلِكَ عَلى الناسِ.
(p-٥٦٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ إنَّما هو بِحَسَبِ غِنى المُشْتَرِي وحاجَتِهِ، والوَجْهُ عِنْدِي أنْ يَشْتَرِيَ ما لَمْ يُؤْذِ غَلاؤُهُ. ويَتَرَتَّبُ أيْضًا عُدْمُ الماءِ لِلصَّحِيحِ الحاضِرِ بِأنْ يُسْجَنَ أو يُرْبَطَ، وهَذا هو الَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَمْ يَجِدْ ماءً ولا تُرابًا كَما تَرْجَمَ البُخارِيُّ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ، فَقالَ مالِكٌ، وابْنُ نافِعٍ: لا يُصَلِّي ولا يُعِيدُ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: يُصَلِّي ويُعِيدُ، وقالَ أشْهَبُ: يُصَلِّي ولا يُعِيدُ، وقالَ أصْبَغُ: لا يُصَلِّي ويَقْضِي. إذا خافَ الحَضَرِيُّ فَواتَ الوَقْتِ إنْ تَناوَلَ الماءَ فَلِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ قَوْلانِ في "المُدَوَّنَةِ": إنَّهُ يَتَيَمَّمُ ولا يُعِيدُ، وقالَ: إنَّهُ يُعِيدُ، وفي الواضِحَةِ وغَيْرِها عنهُ أنَّهُ يَتَناوَلُ الماءَ ويَغْتَسِلُ وإنْ طَلَعَتِ الشَمْسُ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ يَتَيَمَّمُ ولا يُعِيدُ إذا بَقِيَ مِنَ الوَقْتِ شَيْءٌ بِقَدْرِ ما كانَ يَتَوَضَّأُ ويُصَلِّي رَكْعَةً، فَقِيلَ: يُعِيدُ، وقِيلَ: لا يُعِيدُ.
ومَعْنى قَوْلِهِ "فَتَيَمَّمُوا": اقْصِدُوا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ
؎ تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِلُّ عَرْمَضُها طامِي
ومِنهُ قَوْلُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ ∗∗∗ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ
ثُمَّ غَلَبَ هَذا الِاسْمُ في الشَرْعِ عَلى العِبادَةِ المَعْرُوفَةِ.
والصَعِيدُ في اللُغَةِ: وجْهُ الأرْضِ، قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ كَأنَّهُ بِالضُحى تَرْمِي الصَعِيدَ بِهِ ∗∗∗ دَبّابَةٌ في عِظامِ الرَأْسِ خُرْطُومُ
(p-٥٦٧)واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ مِن أجْلِ تَقْيِيدِ الآيَةِ إيّاهُ بِالطَيِّبِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: يَتَيَمَّمُ بِوَجْهِ الأرْضِ، تُرابًا كانَ أو رَمْلًا أو حِجارَةً أو مَعْدِنًا أو سَبَخَةً، وجَعَلَتِ الطَيِّبَ بِمَعْنى: الطاهِرِ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ. وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ: الطَيِّبُ بِمَعْنى: الحَلالِ، وهَذا في هَذا المَوْضِعِ قَلِقٌ. وقالَ الشافِعِيُّ وطائِفَةٌ: الطَيِّبُ بِمَعْنى: المُنْبِتِ، كَما قالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ [الأعراف: ٥٨]، فَيَجِيءُ "الصَعِيدُ" عَلى هَذا: التُرابُ، وهَذِهِ الطائِفَةُ لا تُجِيزُ التَيَمُّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرْناهُ، فَمَكانُ الإجْماعِ: أنْيَتَيَمَّمَ الرَجُلُ في تُرابٍ مُنْبِتٍ طاهِرٍ غَيْرِ مَنقُولٍ ولا مَغْصُوبٍ، ومَكانُ الإجْماعِ في المَنعِ: أنْ يَتَيَمَّمَ الرَجُلُ عَلى الذَهَبِ الصِرْفِ، أوِ الفِضَّةِ والياقُوتِ والزُمُرُّدِ، أوِ الأطْعِمَةِ، كالخُبْزِ واللَحْمِ وغَيْرِهِما، أو عَلى النَجاساتِ، واخْتُلِفَ في غَيْرِ هَذا كالمَعادِنِ - فَأُجِيزَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، ومُنِعَ، وهو مَذْهَبُ الشافِعِيِّ، وأشارَ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيُّ إلى أنَّ الخِلافَ فِيهِ مَوْجُودٌ في المَذْهَبِ، وأمّا المِلْحُ فَأُجِيزَ في المَذْهَبِ المَعْدِنِيُّ والجامِدُ، ومُنِعا، وأُجِيزَ المَعْدِنِيُّ، ومُنِعَ الجامِدُ. والثَلْجُ في "المُدَوَّنَةِ" جَوازُهُ، ولِمالِكٍ في غَيْرِها مَنعُهُ، وذَكَرَ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَلِيَّةَ وابْنِ كَيْسانَ أنَّهُما أجازا التَيَمُّمَ بِالمِسْكِ والزَعْفَرانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا خَطَأٌ بَحْتٌ مِن جِهاتٍ.
وأمّا التُرابُ المَنقُولُ في طَبَقٍ وغَيْرِهِ، فَجُمْهُورُ المَذْهَبِ جَوازُ التَيَمُّمِ بِهِ، وفي المَذْهَبِ المَنعُ، وهو في غَيْرِ المَذْهَبِ أكْثَرُ، وأمّا ما طُبِخَ كالآجُرِّ والجِصِّ فَفِيهِ في المَذْهَبِ قَوْلانِ: الإجازَةُ والمَنعُ، وفي التَيَمُّمِ عَلى الجِدارِ الخِلافُ، وأمّا التَيَمُّمُ عَلى النَباتِ والعُودِ فاخْتُلِفَ فِيهِ في مَذْهَبِ مالِكٍ، فالجُمْهُورُ عَلى مَنعِ التَيَمُّمِ عَلى العُودِ، وفي مُخْتَصَرِ الوَقارِ: أنَّهُ جائِزٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ في لَفْظَةِ "الصَعِيدِ" اخْتِلافًا أنَّها الأرْضُ المَلْساءُ، وأنَّها الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ، وأنَّ الصَعِيدَ: التُرابُ، وأنَّهُ: وجْهُ الأرْضِ.
(p-٥٦٨)وَتَرْتِيبُ القُرْآنِ الوَجْهَ قَبْلَ اليَدَيْنِ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، ووَقَعَ في حَدِيثِ عَمّارٍ في البُخارِيِّ في بَعْضِ الطُرُقِ تَقْدِيمُ اليَدَيْنِ، وقالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قِياسًا عَلى تَنْكِيسِ الوُضُوءِ، وتُراعى في الوَجْهِ حُدُودُهُ المَعْلُومَةُ في الوُضُوءِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّ اسْتِيعابَهُ بِالمَسْحِ في التَيَمُّمِ واجِبٌ، ويَتَتَبَّعُهُ كَما يَصْنَعُ بِالماءِ، وألّا يَقْصِدَ تَرْكَ شَيْءٍ مِنهُ، وأجازَ بَعْضُهم ألّا يَتَتَبَّعَ كالغُضُونِ في الخُفَّيْنِ، وما بَيْنَ الأصابِعِ في اليَدَيْنِ، وهو في المَذْهَبِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، ومَذْهَبُ مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ" أنَّ التَيَمُّمَ بِضَرْبَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: التَيَمُّمُ واحِدَةٌ، وقالَ مالِكٌ في كِتابِ "مُحَمَّدٍ": إنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَةٍ أجْزَأهُ، وقالَ غَيْرُهُ في المَذْهَبِ: يُعِيدُ في الوَقْتِ، وقالَ ابْنُ نافِعٍ: يُعِيدُ أبَدًا، وقالَ مالِكٌ في "المُدَوَّنَةِ" يَبْدَأُ بِأصابِعِ اليُسْرى عَلى أصابِعِ اليُمْنى، ثُمَّ يَمُرُّ كَذَلِكَ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ يَلْوِي بِالكَفِّ اليُسْرى عَلى باطِنِ الذِراعِ الأيْمَنِ حَتّى يَصِلَ إلى الكُوعِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِاليُمْنى عَلى اليُسْرى كَذَلِكَ. فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ يَسْتَغْنِي عن مَسْحِ الكَفِّ بِالأُخْرى، ووَجْهُهُ أنَّهُما في الإمْرارِ عَلى الذِراعِ ماسِحَةٌ مَمْسُوحَةٌ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَمُرُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى كَفَّيْهِ، فَهَذا مَعَ تَحْكِيمِ ظاهِرِ "المُدَوَّنَةِ" خِلافٌ. قالَ اللَخْمِيُّ: في كَلامِ المُدَوَّنَةِ يُرِيدُ: ثُمَّ يَمْسَحُ كَفَّهُ بِالأُخْرى، فَيَجِيءُ عَلى تَأْوِيلِ أبِي الحَسَنِ كَلامُ ابْنِ حَبِيبٍ تَفْسِيرًا، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَبْدَأُ بِالشِمالِ كَما في "المُدَوَّنَةِ": فَإذا وصَلَ عَلى باطِنِ الذِراعِ إلى الرُسْغِ مَشى عَلى الكَفِّ، ثُمَّ كَذَلِكَ بِاليُمْنى في اليُسْرى. ووَجْهُ هَذا القَوْلِ ألّا يَتْرُكَ مِن عُضْوٍ بَعْدَ التَلَبُّسِ بِهِ مَوْضِعًا، ثُمَّ يَحْتاجُ إلى العَوْدَةِ إلَيْهِ بَعْدَ غَيْرِهِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: يَتَناوَلُ بِالتُرابِ كَما يَتَناوَلُ بِالماءِ في صُورَةِ الإمْرارِ دُونَ رُتْبَةٍ، وقالَ مالِكٌ في "المُدَوَّنَةِ": يَمْسَحُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فَإنْ مَسَحَ إلى الكُوعَيْنِ أعادَ في الوَقْتِ، وقالَ ابْنُ نافِعٍ: يُعِيدُ أبَدًا، قالَ غَيْرُهُما: في المَذْهَبِ: يَمْسَحُ إلى الكُوعَيْنِ، وهَذا قَوْلُ مَكْحُولٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي غَيْرِ المَذْهَبِ يَمْسَحُ الكَفَّيْنِ فَقَطْ، وفي ذَلِكَ (p-٥٦٩)حَدِيثٌ عن عَمّارَ بْنِ ياسِرٍ، وهو قَوْلُ الشَعْبِيِّ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: يَمْسَحُ إلى الآباطِ، "وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ التَيَمُّمِ: إنَّكِ لَمُبارَكَةٌ، نَزَلَتْ فِيكِ رُخْصَةٌ، فَضَرَبْنا ضَرْبَةً لِوُجُوهِنا، وضَرْبَةً بِأيْدِينا إلى المَناكِبِ والآباطِ". وفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ عَنِ الأعْمَشِ: « "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ إلى أنْصافِ ذِراعَيْهِ"،» ولَمْ يَقُلْ بِهَذا الحَدِيثِ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ فِيما حَفِظْتُ، وما حَكى الداوُودِيُّ مِن أنَّ الكُوعَيْنِ فَرْضٌ، والمَرافِقَ سُنَّةٌ والآباطَ فَضِيلَةٌ، فَكَلامٌ لا يُعَضِّدُهُ قِياسٌ ولا دَلِيلٌ، وإنَّما عَمَّمَ قَوْمٌ لَفْظَةَ اليَدِ فَأوجَبُوهُ مِنَ المَنكِبِ، وقاسَ قَوْمٌ عَلى الوُضُوءِ فَأوجَبُوهُ مِنَ المَرافِقِ، وعَمَّمَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ، ووَقَفَ قَوْمٌ مَعَ الحَدِيثِ في الكُوعَيْنِ، وقِيسَ أيْضًا عَلى القَطْعِ، إذْ هو حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وتَطْهِيرٌ، كَما هَذا تَطْهِيرٌ، ووَقَفَ آخَرُونَ مَعَ حَدِيثِ عَمّارٍ في الكَفَّيْنِ، واخْتَلَفَ المَذْهَبُ في تَحْرِيكِ الخاتَمِ، وتَخْلِيلِ الأصابِعِ عَلى قَوْلَيْنِ: يَجِبُ، ولا يَجِبُ.
4:44–46Страница 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Разве ты не видел тех, которым была дана часть Писания, которые приобретают заблуждение и хотят, чтобы вы сбились с пути?
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
Аллаху лучше знать ваших врагов. Довольно того, что Аллах является Покровителем! Довольно того, что Аллах является Помощником!
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦
Среди иудеев есть такие, которые переставляют слова со своих мест и говорят: «Мы слышали и ослушаемся» и «Послушай то, что нельзя слушать» и «Заботься о нас». Они кривят своими языками и поносят религию. А если бы они сказали: «Мы слышали и повинуемся» и «Выслушай» и «Присматривай за нами», то это было бы лучше для них и вернее. Однако Аллах проклял их за неверие, и они не веруют, за исключением немногих.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللهِ ولِيًّا وكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾
(p-٥٧٠)الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ "ألَمْ تَرَ" مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهي عِلْمٌ بِالشَيْءِ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: ألَمْ تَعْلَمْ. وقالَ آخَرُونَ: ألَمْ تُخْبَرْ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ. والرُؤْيَةُ بِالقَلْبِ تَصِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وبِغَيْرِ حَرْفِ الجَرِّ. والمُرادُ بِـ "الَّذِينَ": اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ثُمَّ اللَفْظُ يَتَناوَلُ مَعَهُمُ النَصارى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رِفاعَةِ بْنِ زَيْدِ بْنِ التابُوتِ اليَهُودِيِّ.
و"أُوتُوا" أُعْطُوا، والنَصِيبُ: الحَظُّ، والكِتابُ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وإنَّما جُعِلَ المُعْطى نَصِيبًا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مُنْفَرِدٍ لِأنَّهُ لا يَحْصُرُ عِلْمَ الكِتابِ واحِدٌ بِوَجْهٍ.
و"يَشْتَرُونَ" عِبارَةٌ عن إيثارِهِمُ الكُفْرَ وتَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَكَأنَّهُ أخْذٌ وإعْطاءٌ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ الَّذِينَ كانُوا يُعْطُونَ أمْوالَهم لِلْأحْبارِ عَلى إقامَةِ شَرْعِهِمْ، فَهَذا شِراءٌ عَلى وجْهِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ﴾، مَعْناهُ: أنْ تَكْفُرُوا، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "وَتُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ" بِالتاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ في "تُرِيدُونَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تَقْتَضِي تَوْبِيخًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِنامَةِ قَوْمٍ مِنهم إلى أحْبارِ اليَهُودِ، في سُؤالٍ عن دِينٍ، أو في مُوالاةٍ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذا بَيِّنٌ في ألْفاظِها، فَمِن ذَلِكَ: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾، أيْ: تَدَعُوا الصَوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُوهم غَيْرَ أعْداءٍ، واللهُ أعْلَمُ بِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ التَحْذِيرُ مِنهُمْ، و"بِاللهِ" في قَوْلِهِ: "وَكَفى بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائِدَةُ زِيادَتِهِ تَبْيِينُ مَعْنى الأمْرِ (p-٥٧١)فِي لَفْظِ الخَبَرِ، أيِ: اكْتَفُوا بِاللهِ، فالباءُ تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن ذَلِكَ، "وَلِيًّا" فَعِيلًا، و"نَصِيرًا" كَذَلِكَ، مِنَ الوِلايَةِ والنَصْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "مِنَ" راجِعَةٌ عَلى "الَّذِينَ" الأُولى، فَهي -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "تَرَ". وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "نَصِيرًا" والمَعْنى: يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا، فَعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ لا يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا". وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِابْتِداءِ الكَلامِ، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: يُحَرِّفُونَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كانَتْ مِن جِمالِ أبِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ
وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: تَقْدِيرُهُ: "مَن"، ومِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِاليَدِ
فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا"، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، لِأنَّ إضْمارَ المَوْصُولِ ثَقِيلٌ، وإضْمارَ المَوْصُوفِ أسْهَلُ.
و"هادُوا" مَأْخُوذٌ مِن هادَ إذا تابَ، أو مِن يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ، وغَيَّرَهُ التَعْرِيبُ، أو مِنَ التَهَوُّدِ وهُوَ: الرُوَيْدُ مِنَ المَشْيِ واللِينُ في القَوْلِ. ذَكَرَ هَذِهِ كُلَّها الخَلِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها وبَيانُها في [سُورَةِ البَقَرَةِ].
(p-٥٧٢)و تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا بِتَغْيِيرِ اللَفْظِ، وقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ في الأقَلِّ، وإمّا بِتَغْيِيرِ التَأْوِيلِ، وقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ في الأكْثَرِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وهَذا كُلُّهُ في التَوْراةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو كَلِمُ القُرْآنِ، وقالَ مَكِّيٌّ: كَلامُ النَبِيِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَلا يَكُونُ التَحْرِيفُ عَلى هَذا إلّا في التَأْوِيلِ. وقَرَأ النَخْعِيُّ: "يُحَرِّفُونَ الكَلامَ" بِالألِفِ.
ومَن جَعَلَ "مِن" مُتَعَلِّقَةً بِـ "نَصِيرًا" جَعَلَ "يُحَرِّفُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، ومَن جَعَلَها مُنْقَطِعَةً جَعَلَ "يُحَرِّفُونَ" صِفَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى عنهم "سَمِعْنا وعَصَيْنا" عِبارَةٌ عن عُتُوِّهِمْ في كُفْرِهِمْ وطُغْيانِهِمْ فِيهِ.
و"مُسْمَعٍ" لا يَتَصَرَّفُ إلّا مِنِ "أسْمَعَ"، و"غَيْرَ مُسْمَعٍ"، يَتَخَرَّجُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: غَيْرُ مَأْمُورٍ وغَيْرُ صاغِرٍ، كَأنَّهُ قالَ: غَيْرَ أنْ تَسْمَعَ مَأْمُورًا بِذَلِكَ، والآخَرُ: عَلى وجْهِ الدُعاءِ، أيْ: لا سَمِعْتَ، كَما تَقُولُ: امْضِ غَيْرَ مُصِيبٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكانَتِ اليَهُودُ إذا خاطَبَتِ النَبِيَّ بِـ "غَيْرَ مُسْمَعٍ" أرادَتْ في الباطِنِ الدُعاءَ عَلَيْهِ، وأرَتْ ظاهِرًا أنَّها تُرِيدُ تَعْظِيمَهُ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ "راعِنا" كانُوا يُرِيدُونَ مِنهُ في نُفُوسِهِمْ مَعْنى الرُعُونَةِ، وحَكى مَكِّيٌّ مَعْنى رِعايَةِ الماشِيَةِ، ويُظْهِرُونَ مِنهُ مَعْنى المُراعاةِ، فَهَذا مَعْنى لَيِّ اللِسانِ، فَقالَ الزَجّاجُ: كانُوا يُرِيدُونَ: اجْعَلِ اسْمَكَ لِكَلامِنا مَرْعىً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا جَفاءٌ لا يُخاطَبُ بِهِ نَبِيٌّ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "راعُونا" ومَن قالَ: "غَيْرَ مُسْمَعٍ": غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنكَ فَإنَّهُ لا يُساعِدُهُ التَصْرِيفُ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ. و"لَيًّا" أصْلُهُ لَوْيًا، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ، و"وَطَعْنًا في الدِينِ" أيْ: تَوْهِينًا لَهُ، وإظْهارًا لِلِاسْتِخْفافِ بِهِ.
(p-٥٧٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا اللَيُّ بِاللِسانِ إلى خِلافِ ما في القَلْبِ مَوْجُودٌ حَتّى الآنَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ويُحْفَظُ مِنهُ في عَصْرِنا أمْثِلَةٌ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِهَذا الكِتابِ.
"وَلَوْ أنَّهُمْ" الآيَةُ، المَعْنى: لَوْ أنَّهم آمَنُوا وسَمِعُوا وأطاعُوا، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ، "وانْظُرْنا"، فَقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهُما: مَعْناهُ انْتَظِرْنا، بِمَعْنى: أفْهِمْنا وتَمَهَّلْ عَلَيْنا حَتّى نَفْهَمَ عنكَ، ونَعِيَ قَوْلَكَ، وهَذا كَما قالَ الحُطَيْئَةُ:
وقَدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءَ صادِرَةٍ لِلْخِمْسِ طالَ بِها مَسْحِي وتَنْساسِي
وقالَتْ فِرْقَةٌ: انْظُرْ مَعْناهُ: انْظُرْ إلَيْنا، فَكَأنَّهُ اسْتِدْعاءُ اهْتِبالٍ وتَحَفٍّ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الرُقَيّاتِ:
ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِباءُ
و"وَأقْوَمَ" مَعْناهُ: أعْدَلُ وأصْوَبُ. واللَعْنَةُ: الإبْعادُ، فَمَعْناهُ: أبْعَدَهم مِنَ الهُدى، و"قَلِيلًا" نَعْتٌ، إمّا لِإيمانٍ، وإمّا لِنَفَرٍ أو قَوْمٍ، والمَعْنى مُخْتَلِفٌ، فَمَن عَبَّرَ بِالقِلَّةِ عَنِ الإيمانِ قالَ: إمّا هي عِبارَةٌ عن عَدَمِهِ عَلى ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "أرْضٌ قَلَّما ما تُنْبِتُ كَذا" وهي لا تُنْبِتُهُ جُمْلَةً، وإمّا قَلَّلَ الإيمانَ لَمّا قَلَّتِ الأشْياءُ الَّتِي (p-٥٧٤)آمَنُوا بِها فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالتَوْحِيدِ ويَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ وبِجَمِيعِ أوامِرِ شَرِيعَتِهِ ونَواهِيها. ومَن عَبَّرَ بِالقِلَّةِ عَنِ النَفَرِ قالَ: لا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وغَيْرِهِما، وإذا قَدَّرْتَ الكَلامَ: نَفَرًا قَلِيلًا، فَهو نَصْبٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии