Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:87–92
4:87–88Страница 92
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧
Аллах - нет божества, кроме Него! Он непременно соберет вас ко Дню воскресения, в котором нет сомнения. Чья речь правдивее речи Аллаха?
۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨
Почему вы разошлись во мнениях относительно лицемеров на две группы? Аллах отбросил их назад за то, что они приобрели. Неужели вы хотите наставить на прямой путь того, кого ввел в заблуждение Аллах? Для того, кого Аллах ввел в заблуждение, ты никогда не найдешь дороги.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللهُ حَدِيثًا﴾ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللهُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾
لَمّا تَقَدَّمَ الإنْذارُ والتَحْذِيرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] تَلاهُ مُقَوِّيًا لَهُ الإعْلامُ بِصِفَةِ الرُبُوبِيَّةِ وحالِ الوَحْدانِيَّةِ، والإعْلامُ بِالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلثَّوابِ والعِقابِ، إعْلامًا بِقَسَمٍ، والمُقْسَمُ بِهِ تَقْدِيرُهُ: وهُوَ، أو: وحَقِّهِ، أو: وعَظَمَتِهِ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ". والجَمْعُ هُنا: الحَشْرُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ بَعْدَهُ "إلى"، أيْ: إلَيْهِ السَوْقُ والحَشْرُ، و"القِيامَةِ" أصْلُها: القِيامُ، ولَمّا كانَ قِيامُ الحَشْرِ مِن أذَلِّ الحالِ وأضْعَفِها إلى أشَدِّ الأهْوالِ وأعْظَمِها لَحِقَتْهُ هاءُ المُبالَغَةِ.
و"لا رَيْبَ فِيهِ" تَبْرِئَةٌ هي وما بَعْدَها بِمَثابَةِ الِابْتِداءِ تَطْلُبُ الخَبَرَ، ومَعْناهُ: لا رَيْبَ فِيهِ في نَفْسِهِ وحَقِيقَةِ أمْرِهِ، وإنِ ارْتابَ فِيهِ الكَفَرَةُ فَغَيْرُ ضائِرٍ.
﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ، ومَعْناهُ: تَقْرِيرُ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِأنَّ دُخُولَ الكَذِبِ في حَدِيثِ البَشَرِ إنَّما عِلَّتُهُ الخَوْفُ والرَجاءُ، أو سُوءُ السَجِيَّةِ، وهَذِهِ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، والصِدْقُ في حَقِيقَتِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ المُخْبِرِ مُوافِقًا لِما في قَلْبِهِ ولِلْأمْرِ المُخْبَرِ عنهُ في وُجُودِهِ، و"حَدِيثًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ الآيَةُ. الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا ظاهِرُهُ (p-٦٢٠)اسْتِفْهامٌ، والمَقْصِدُ مِنهُ التَوْبِيخُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: مَنِ المُرادُ بِالمُنافِقِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ كانُوا بِمَكَّةَ فَكَتَبُوا إلى أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، أنَّهم قَدْ آمَنُوا وتَرَكُوا الهِجْرَةَ، وأقامُوا بَيْنَ أظْهُرِ الكُفّارِ، ثُمَّ سافَرَ قَوْمٌ مِنهم إلى الشامِ فَأعْطَتْهم قُرَيْشٌ بِضاعاتٍ، وقالُوا لَهُمْ: إنَّكم لا تَخافُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، لِأنَّكم تَخْدَعُونَهم بِإظْهارِ الإيمانِ لَهُمْ، فاتَّصَلَ خَبَرُهم بِالمَدِينَةِ، فاخْتَلَفَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: نَخْرُجُ إلى أعْداءِ اللهِ المُنافِقِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هم مُؤْمِنُونَ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ جاؤُوا إلى المَدِينَةِ مِن مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ قالُوا: لَنا بِضاعاتٌ بِمَكَّةَ فانْصَرَفُوا إلَيْها، وأبْطَنُوا الكُفْرَ، فاخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ النَبِيِّ ﷺ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذانِ القَوْلانِ يُعَضِّدُهُما ما في آخِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [النساء: ٨٩]. قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا عن رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، لِأنَّ أصْحابَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ.
وقالَ السُدِّيُّ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُنافِقِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ فَطَلَبُوا الخُرُوجَ عنها نِفاقًا وكُفْرًا، وقالُوا: إنّا اجْتَوَيْناها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في حَدِيثِ الإفْكِ، لِأنَّ الصَحابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الِاخْتِلافُ في هَذِهِ النازِلَةِ كانَ بَيْنَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ حَسْبَما وقَعَ في البُخارِيِّ، وكانَ لِكُلِّ واحِدٍ أتْباعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى قَوْلِهِ، وكُلُّ مَن قالَ في هَذِهِ (p-٦٢١)الآيَةِ إنَّها فِيمَن كانَ بِالمَدِينَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "حَتّى يُهاجِرُوا" لَكِنَّهم يُخْرِجُونَ المُهاجَرَةَ إلى هَجْرِ ما نَهى اللهُ عنهُ، وتَرْكِ الخِلافِ والنِفاقِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنهُ".»
و"فِئَتَيْنِ" مَعْناهُ: فِرْقَتَيْنِ، ونَصْبُهُما عَلى الحالِ، كَما تَقُولُ: ما لَكَ قائِمًا، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: نَصْبُهُ بِما يَتَضَمَّنُهُ "فَما لَكُمْ" مِنَ الفِعْلِ، والتَقْدِيرُ: ما لَكم كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، أو صِرْتُمْ، وهَذا الفِعْلُ المُقَدَّرُ يَنْصِبُ عِنْدَهُمُ النَكِرَةَ والمَعْرِفَةَ، كَما تَقُولُ: مالِكٌ الشاتِمَ لِزَيْدٍ، وخَطَّأ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَكُونُ حالًا.
و"أرْكَسَهُمْ" مَعْناهُ: رَجَعَهم في كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، والرِكْسُ: الرَجِيعُ، ومِنهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الِاسْتِنْجاءِ: « "فَأخَذَ الحَجَرَيْنِ، وألْقى الرَوْثَةَ وقالَ إنَّها رِكْسٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النارِ إنَّهُمُ كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُورا
وحَكى النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والكِسائِيُّ: رَكَسَ وأرْكَسَ بِمَعْنىً واحِدٍ، أيْ: رَجَعَهُمْ، ومَن قالَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أهْلَكَهُمْ، أو أضَلَّهم فَإنَّما هي بِالمَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَضَمَّنُهُ رَدُّهم إلى الكُفْرِ.
و"بِماكَسَبُوا" مَعْناهُ: بِما اجْتَرَحُوا مِنَ الكُفْرِ والنِفاقِ، أيْ إنَّ كُفْرَهم بِخَلْقٍ مِنَ اللهِ واخْتِراعٍ، وبِتَكَسُّبٍ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ: "أتُرِيدُونَ" اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإبْعادُ واليَأْسُ مِمّا أرادُوهُ، والمَعْنى: أتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ القائِلُونَ بِأنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ أنْ (p-٦٢٢)تَسِمُوا بِالهُدى مَن قَدْ يَسَّرَهُ اللهُ لِضَلالَةٍ وحَتَّمَها عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ "وَمَن يُضْلِلِ" فَلا سَبِيلَ إلى إصْلاحِهِ ولا إلى إرْشادِهِ.
4:89Страница 92
وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩
Они хотят, чтобы вы стали неверующими, подобно им, и чтобы вы оказались равны. Посему не берите их себе в помощники и друзья, пока они не переселятся на пути Аллаха. Если же они отвернутся, то хватайте их и убивайте, где бы вы их ни обнаружили. Не берите себе из них ни покровителей, ни помощников.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أولِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾
الضَمِيرُ في "وَدُّوا" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وهَذا كَشْفٌ مِنَ اللهِ لِخُبْثِ مُعْتَقَدِهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، والمَعْنى: تَمَنَّوْا كُفْرَكُمْ، وهي غايَةُ المَصائِبِ بِكُمْ، هَذا الوَدُّ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عن حَسَدٍ مِنهم لَهم عَلى ما يَرَوْنَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن ظُهُورٍ في الدُنْيا فَتَجْرِي الآيَةُ: مَعَ ودِّ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أمْرُ المُنافِقِينَ أنْ يَكُونَ أنَّهم رَأوُا المُؤْمِنِينَ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ فَوَدُّوا رُجُوعَهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ: "فَلا تَتَّخِذُوا" الآيَةُ، هَذا نَهْيٌ عن مُوالاتِهِمْ حَتّى يُهاجِرُوا، لِأنَّ الهِجْرَةَ في سَبِيلِ اللهِ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ، و"فِي سَبِيلِ اللهِ" مَعْناهُ: في طَرِيقِ مَرْضاةِ اللهِ، لِأنَّ سُبُلَ اللهِ كَثِيرَةٌ، وهي طاعاتُهُ كُلُّها، المَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ وتَوَلَّوْا عَنِ الإيمانِ فَخُذُوهُمْ، وهَذا أمْرٌ بِالحَمْلِ عَلَيْهِمْ، ومُجاهَرَتِهِمْ بِالقِتالِ.
4:90Страница 92
إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠
Исключением являются те, которые присоединились к народу, с которым у вас есть договор, или которые пришли к вам с грудью, стесненной от нежелания сражаться против вас или против своего народа. Если бы Аллах пожелал, то позволил бы им одержать верх над вами, и тогда они непременно сразились бы с вами. Если же они отступили от вас, не стали сражаться с вами и предложили вам мир, то Аллах не открывает вам пути против них.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أو جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أو يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾
كانَ هَذا الحُكْمُ في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الطاعَةِ مِنَ الناسِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ هادَنَ مِنَ العَرَبِ قَبائِلَ، كَرَهْطِ هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، فَقَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّهُ مَن وصَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا عَهْدَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَبِيِّ ﷺ إلى هَؤُلاءِ أهْلِ العَهْدِ، فَدَخَلَ في عِدادِهِمْ وفَعَلَ مِنَ المُوادَعَةِ، فَلا سَبِيلَ عَلَيْهِ. قالَ عِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: ثُمَّ لَمّا تَقَوّى الإسْلامُ وكَثُرَ ناصِرُوهُ نُسِخَتْ هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها بِما في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، (p-٦٢٣)وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ: "يَصِلُونَ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: يَنْتَسِبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ إذا اتَّصَلَتْ قالَتْ لِبَكْرِ بْنِ وائِلٍ وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَواغِمُ
يُرِيدُ إذا انْتَسَبَتْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِتالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا وهم قَرابَةُ السابِقِينَ إلى الإسْلامِ يَقْضِي بِأنَّ قَرابَةَ مَن لَهُ مِيثاقٌ أجْدَرُ بِأنْ تُقاتَلَ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُقاتِلْ قُرَيْشًا إلّا بَعْدَ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ، قِيلَ: التَوارِيخُ تَقْضِي بِخِلافِ ذَلِكَ، لِأنَّ الناسِخَ لِهَذِهِ الآيَةِ هي سُورَةُ [بَراءَةٍ]، ونَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وإسْلامِ جَمِيعِ قُرَيْشٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أو جاءُوكُمْ" عُطِفَ عَلى: "يَصِلُونَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾، والمَعْنى في العَطْفَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وهَذا أيْضًا حُكْمٌ كانَ قَبْلَ أنْ يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ، فَكانَ المُشْرِكُ إذا اعْتَزَلَ القِتالَ، وجاءَ إلى دارِ الإسْلامِ مُسالِمًا كارِهًا لِقِتالِ قَوْمِهِ، مَعَ المُسْلِمِينَ، ولِقِتالِ المُسْلِمِينَ مَعَ قَوْمِهِ، لا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وهَذِهِ نُسِخَتْ أيْضًا بِما في [بَراءَةٍ].
و"حَصِرَتْ": ضاقَتْ وحَرِجَتْ، ومِنهُ الحَصَرُ في القَوْلِ، وهُوَ: ضِيقُ الكَلامِ عَلى المُتَكَلِّمِ.
(p-٦٢٤)وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "حَصِرَةٌ"، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ، وحَكى ذَلِكَ المَهْدَوِيُّ عن عاصِمٍ مِن رِوايَةِ حَفْصٍ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "حَصِراتٌ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ سَقَطَ: "أو جاءُوكُمْ"، و"حَصِرَتْ" عِنْدَ جُمْهُورِ النَحْوِيِّينَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ: قَدْ حَصِرَتْ..
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يَصْحَبُ الفِعْلَ الماضِيَ إذا كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، والداعِي إلَيْهِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ تَقْدِيرِ الحالِ وبَيْنَ خَبَرٍ مُسْتَأْنِفٍ، كَقَوْلِكَ: "جاءَ زَيْدٌ رَكِبَ الفَرَسَ"، فَإنْ أرَدْتَ بِقَوْلِكَ: "رَكِبَ الفَرَسَ" خَبَرًا آخَرَ عن زَيْدٍ لَمْ تَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ "قَدْ"، وإنْ أرَدْتَ بِهِ الحالَ مِن زَيْدٍ قَدَّرْتَهُ بِـ "قَدْ"، قالَ الزَجّاجُ: "حَصِرَتْ": خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: "حَصِرَتْ": دُعاءٌ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لا يَصِحُّ هُنا الدُعاءُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ، ذَلِكَ فاسِدٌ.
قالَ المُؤَلِّفُ:
وقَوْلُ المُبَرِّدِ يُخَرَّجُ عَلى أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ تَعْجِيزٌ لَهُمْ، والدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا قَوْمَهم تَحْقِيرٌ لَهُمْ، أيْ: هم أقَلُّ وأحْقَرُ، ويُسْتَغْنى عنهُمْ، كَما تَقُولُ إذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى: لا جَعَلَ اللهُ فُلانًا عَلَيَّ ولا مَعِيَ أيْضًا، بِمَعْنى: أسْتَغْنِي عنهُ وأسْتَقِلُّ دُونَهُ.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لَسَلَّطَهُمْ" جَوابُ "وَلَوْ"، وفي قَوْلِهِ: "فَلَقاتَلُوكُمْ" لامُ المُحاذاةِ والِازْدِواجِ، لِأنَّها بِمَثابَةِ الأُولى، لَوْ لَمْ تَكُنِ الأُولى كُنْتَ تَقُولُ: لَوْ شاءَ اللهُ لَقاتَلُوكُمْ، والمَعْنى تَقْرِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى مِقْدارِ النِقْمَةِ وصَرْفِها، أيْ: لَوْ شاءَ اللهُ لَقَوّاهم وجَرَّأهم عَلَيْكُمْ، فَإذْ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْكم بِالهُدْنَةِ فاقْبَلُوها وأطِيعُوا فِيها.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ "فَلَقَتَلُوكُمْ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ: "فَلَقَتَّلُوكُمْ" بِتَشْدِيدِ التاءِ، والمَعْنى: "فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ" أيْ: هادَنُوكم وتارَكُوكم في القَتْلِ. و"السَلَمَ" هُنا: الصُلْحُ، قالَهُ الرَبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ:
(p-٦٢٥)وَذاكَ أنَّ تَمِيمًا غادَرَتْ سَلَمًا لِلْأسْدِ كُلَّ حَصانٍ رَعْثَةِ الكَبِدِ
وقالَ الرَبِيعُ: السَلَمُ هاهُنا الصُلْحُ، وكَذا قَرَأتْهُ عامَّةُ القُرّاءِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "السَلْمَ" بِسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "السِلْمَ" بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، فَمَعْنى جُمْلَةِ هَذِهِ الآيَةِ: خُذُوا المُنافِقِينَ الكافِرِينَ واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ، إلّا مَن دَخَلَ مِنهم في عِدادِ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ والتَزَمَ مُهادَنَتَكُمْ، أو مَن جاءَكم وقَدْ كَرِهَ قِتالَكم وقِتالَ قَوْمِهِ، وهَذا بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْكم ودِفاعِهِ عنكُمْ، لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَسَلَّطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ المُتارَكَةِ عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ، فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ، أيْ: إذا وقَعَ هَذا فَلَمْ يُقاتِلُوكم فَلا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِمْ، وهَذا والَّذِي في سُورَةِ [المُمْتَحِنَةِ] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، مَنسُوخٌ بِما في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُما.
4:91Страница 92
سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١
Вы обнаружите, что другие хотят получить гарантии безопасности от вас и от своего народа. Всякий раз, когда их возвращают в смуту, они опрокидываются в ней. Если они не отступят от вас, не предложат вам мира и не уберут свои руки, то хватайте их и убивайте, где бы вы их ни обнаружили. Мы предоставили вам очевидный довод против них.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾
لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ صِفَةَ المُحِقِّينَ في المُتارَكَةِ، المُجِدِّينَ في إلْقاءِ السَلَمِ، نَبَّهَ عَلى طائِفَةٍ مُخادِعَةٍ مُبْطِلَةٍ مُبَطَّنَةٍ كانُوا يُرِيدُونَ الإقامَةَ في مَواضِعِهِمْ مَعَ أهْلِيهِمْ، يَقُولُونَ لَهُمْ: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكُمْ، ويَقُولُونَ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ إذا وفَدُوا وأُرْسِلُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكم خُبْثَةً مِنهم وخَدِيعَةً، قِيلَ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ، كانَ يَنْقُلُ بَيْنَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والكُفّارِ الأخْبارَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَجِيئُونَ مِن مَكَّةَ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رِياءً، يُظْهِرُونَ الإسْلامَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَكْفُرُونَ، فَفَضَحَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ، وأعْلَمَ أنَّهم عَلى غَيْرِ صِفَةِ مَن تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: "إلى الفِتْنَةِ" مَعْناهُ: إلى الِاخْتِبارِ، حُكِيَ أنَّهم كانُوا يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: رَبِّيَ الخُنْفُساءُ، ورَبِّيَ العُودُ، ورَبِّيَ العَقْرَبُ، ونَحْوُهُ، فَيَقُولُها، (p-٦٢٦)وَمَعْنى "أُرْكِسُوا" رَجَعُوا رَجْعَ ضَلالَةٍ، أيْ: أُهْلِكُوا في الِاخْتِيارِ بِما واقَعُوهُ مِنَ الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، "رُكِسُوا" بِضَمِّ الراءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وحَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ بِشَدِّ الكافِ عَلى التَضْعِيفِ، والخِلافُ في "السَلَمَ" حَسْبَما تَقَدَّمَ. هَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ عَلى قَتْلِ هَؤُلاءِ المُخادِعِينَ إذا لَمْ يَرْجِعُوا عن حالِهِمْ إلى حالِ الآخَرِينَ المُعْتَزِلِينَ المُلْقِينَ لِلسَّلَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَأمَّلْ فَصاحَةَ الكَلامِ في أنَّ سِياقَهُ في الصِيغَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ هَذِهِ سِياقُ إيجابِ الِاعْتِزالِ، وإيجابِ إلْقاءِ السَلَمِ، ونَفْيِ المُقاتَلَةِ إذْ كانُوا مُحِقِّينَ في ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَهُ، وسِياقَهُ في هَذِهِ الصِيغَةِ المُتَأخِّرَةِ سِياقُ نَفْيِ الِاعْتِزالِ، ونَفْيِ إلْقاءِ السَلَمِ إذْ كانُوا مُبْطِلِينَ فِيهِ مُخادِعِينَ، والحُكْمُ سَواءٌ عَلى السِياقَيْنِ، لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا لَوْ لَمْ يَعْتَزِلُوا لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جُعِلَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ، وكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ السُلْطانُ إذْ لَمْ يَعْتَزِلُوا، لَوِ اعْتَزَلُوا لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ الَّذِينَ لا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم بِهَذِهِ العِبارَةِ تَحْتَ القَتْلِ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا.
و"ثَقِفْتُمُوهُمْ" مَأْخُوذٌ مِنَ الثِقافِ، أيْ: ظَفِرْتُمْ بِهِمْ مَغْلُوبِينَ مُتَمَكَّنًا مِنهُمْ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ. قالَ عِكْرِمَةُ: حَيْثُما وقَعَ السُلْطانُ في كِتابِ اللهِ تَعالى فَهو الحُجَّةُ.
4:92Страница 93
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢
Верующему не подобает убивать верующего, разве что по ошибке. Кто бы ни убил верующего по ошибке, он должен освободить верующего раба и вручить семье убитого выкуп, если только они не пожертвуют им. Если верующий был из враждебного вам племени, то надлежит освободить верующего раба. Если убитый принадлежал к народу, с которым у вас есть договор, то надлежит вручить его семье выкуп и освободить верующего раба. Кто не сможет совершить этого, тому надлежит поститься в течение двух месяцев непрерывно в качестве покаяния перед Аллахом. Аллах - Знающий, Мудрый.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِن اللهِ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وما كانَ في إذْنِ اللهِ، وفي أمْرِهِ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِوَجْهٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وهو الَّذِي تَكُونُ فِيهِ "إلّا" بِمَعْنى "لَكِنَّ"، والتَقْدِيرُ: لَكِنَّ الخَطَأ قَدْ يَقَعُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أمْسى سُقامُ خَلاءً لا أنِيسَ بِهِ إلّا السِباعَ ومَرَّ الرِيحِ بِالغَرَفِ
(p-٦٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
سُقامُ: اسْمُ وادٍ، والغَرَفُ شَجَرٌ يُدْبَغُ بِلُحائِهِ. وكَما قالَ جَرِيرٌ:
؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تَظْعن بَعِيدًا ولَمْ تَطَأْ ∗∗∗ عَلى الأرْضِ إلّا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
وفِي هَذا الشاهِدِ نَظَرٌ.
ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ تُقَدَّرَ "كانَ" بِمَعْنى: اسْتَقَرَّ ووُجِدَ، كَأنَّهُ قالَ: وما وُجِدَ ولا تَقَرَّرَ ولا ساغَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً، إذْ هو مَغْلُوبٌ فِيهِ أحْيانًا، فَيَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- إعْظامَ العَمْدِ وبَشاعَةَ شَأْنِهِ، كَما تَقُولُ: ما كانَ لَكَ يا فُلانُ أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا إلّا ناسِيًا، إعْظامًا لِلْعَمْدِ والقَصْدِ مَعَ خَطَرِ الكَلامِ بِهِ البَتَّةَ.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ "خَطًا" مَقْصُورًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ مَهْمُوزًا مَمْدُودًا. وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ حِينَ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ يَزِيدِ بْنِ نَبِيشَةَ، وذَلِكَ، أنَّهُ كانَ يُعَذِّبُهُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أسْلَمَ الحارِثُ وجاءَ مُهاجِرًا فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِالحَرَّةِ، فَظَنَّهُ عَلى كُفْرِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ جاءَ فَأخْبَرَ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٦٢٨)والسَلامُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "قُمْ فَحَرِّرْ".»
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ:
نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَرْداءِ، كانَ يَرْعى غَنَمًا وهو يَتَشَهَّدُ فَقَتَلَهُ وساقَ غَنَمَهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: ونَزَلَتِ الآيَةُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ اليَمانِيِّ حِينَ قُتِلَ خَطَأً يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةُ. بَيَّنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ المُؤْمِنِ إذا قَتَلَ المُؤْمِنَ خَطَأً، وحَقِيقَةُ الخَطَإ ألّا يَقْصِدَهُ بِالقَتْلِ، ووُجُوهُ الخَطَإ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، يَرْبُطُها عَدَمُ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: الرَقَبَةُ المُؤْمِنَةُ هي الكَبِيرَةُ الَّتِي قَدْ صَلَّتْ وعَلِقَتِ الإيمانَ، ولا يُجْزِئُ في ذَلِكَ الصَغِيرُ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يُجْزِئُ كُلُّ مَن يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الإسْلامِ في الصَلاةِ عَلَيْهِ إنْ ماتَ ودَفْنِهِ، قالَ مالِكٌ: ومَن صَلّى وصامَ أحَبُّ إلَيَّ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الناقِصَ النُقْصانَ الكَثِيرَ كَقَطْعِ اليَدَيْنِ، أوِ الرِجْلَيْنِ، أوِ الأعْمى لا يُجْزِئُ فِيما حَفِظْتُ، فَإنْ كانَ النُقْصانُ يَسِيرًا تَتَّفِقُ لَهُ مَعَهُ المَعِيشَةُ والتَحَرُّفُ كالعَرَجِ ونَحْوِهِ فَفِيهِ قَوْلانِ.
و"مُسَلَّمَةٌ" مَعْناهُ: مُؤَدّاةٌ مَدْفُوعَةٌ، وهي عَلى العاقِلَةِ فِيما جازَ ثُلُثَ الدِيَةِ، و"إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا" يُرِيدُ أولِياءَ القَتِيلِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يَتَصَدَّقُوا"، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبْدُ الوارِثِ عن أبِي عَمْرٍو: "تَصَّدَّقُوا" بِالتاءِ عَلى (p-٦٢٩)المُخاطَبَةِ لِلْحاضِرِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ العنزِيُّ "تَصَدَّقُوا" بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ. والدِيَةُ: مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ عَلى أهْلِ الإبِلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ: عَلى الناسِ كُلِّهِمْ، إلّا ألّا يَجِدَ الإبِلَ أهْلُ الذَهَبِ والفِضَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُونَ إلى الذَهَبِ والفِضَّةِ، يُعْطُونَ مِنها قِيمَةَ الإبِلِ في وقْتِ النازِلَةِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ، واخْتُلِفَ في المِائَةِ مِنَ الإبِلِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي مُرَبَّعَةٌ، ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مُخَمَّسَةٌ، عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا. ولِبَعْضِ الفُقَهاءِ غَيْرُ هَذا التَرْتِيبِ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "وَغَيْرُهُ" يَرى الدِيَةَ مِنَ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، ومِنَ الغَنَمِ ألْفَيْ شاةٍ، ومِنَ الحُلَلِ مِائَةَ حُلَّةٍ، ووَرَدَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ. والحُلَّةُ: ثَوْبانِ مِن نَوْعٍ واحِدٍ في كَلامِ العَرَبِ، وكانَتْ في ذَلِكَ الزَمَنِ صِفَةً تُقاوِمُ المِائَةَ مِنَ الإبِلِ فَمَضى القَوْلُ عَلى ذَلِكَ، وأمّا الذَهَبُ فَهي ألْفُ دِينارٍ، قَرَّرَهاعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَشى الناسُ عَلَيْها، وأمّا الفِضَّةُ فَقَرَّرَها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وجَماعَةٌ تَقُولُ: عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ الآيَةُ، المَعْنى عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ، وإبْراهِيمَ، وعِكْرِمَةَ، وغَيْرِهِمْ: فَإنْ كانَ هَذا المَقْتُولُ خَطَأً رَجُلًا مُؤْمِنًا قَدْ آمَنَ وبَقِيَ في قَوْمِهِ وهم كَفَرَةٌ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَلا دِيَةَ فِيهِ، وإنَّما كَفّارَتُهُ تَحْرِيرُ (p-٦٣٠)الرَقَبَةِ، والسَبَبُ عِنْدَهم في نُزُولِها أنَّ جُيُوشَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ تَمُرُّ بِقَبائِلِ الكُفّارِ فَرُبَّما قُتِلَ مَن قَدْ آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، أو مَن قَدْ هاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَيُقْتَلُ في حَمَلاتِ الحَرْبِ عَلى أنَّهُ مِنَ الكُفّارِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وتَسْقُطُ الدِيَةُ عِنْدَ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ لِوَجْهَيْنِ: أوَّلُهُما أنَّ أولِياءَ القَتِيلِ كُفّارٌ فَلا يَصِحُّ أنْ تُدْفَعَ الدِيَةُ إلَيْهِمْ يَتَقَوَّوْنَ بِها، والآخَرُ أنَّ حُرْمَةَ هَذا الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ قَلِيلَةٌ، فَلا دِيَةَ فِيهِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ الوَجْهُ في سُقُوطِ الدِيَةِ أنَّ الأولِياءَ كُفّارٌ فَقَطْ، فَسَواءٌ كانَ القَتِيلُ خَطَأً بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ أو بَيْنَ قَوْمِهِ لَمْ يُهاجِرْ، أو هاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ، كَفّارَتُهُ التَحْرِيرُ، ولا دِيَةَ فِيهِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ دَفْعُها إلى الكُفّارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقائِلُ المَقالَةِ الأُولى يَقُولُ: إنْ قُتِلَ المُؤْمِنُ في بَلَدِ المُسْلِمِينَ وقَوْمُهُ في حَرْبٍ فَفِيهِ الدِيَةُ لِبَيْتِ المالِ والكَفّارَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ المَعْنى عِنْدَ الحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وإبْراهِيمَ، وغَيْرِهِمْ: وإنْ كانَ هَذا المَقْتُولُ خَطَأً مُؤْمِنًا مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ لَكُمْ، فَعَهْدُهم يُوجِبُ أنَّهم أحَقُّ بِدِيَةِ صاحِبِهِمْ، فَكَفّارَتُهُ التَحْرِيرُ وأداءُ الدِيَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ -وَهُوَ مُؤْمِنٌ-" وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ أيْضًا: المَقْتُولُ مِن أهْلِ العَهْدِ خَطَأً لا يُبالى كانَ مُؤْمِنًا أو كافِرًا عَلى عَهْدِ قَوْمِهِ، فِيهِ الدِيَةُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، والتَحْرِيرُ. واخْتُلِفَ عَلى هَذا في دِيَةِ المُعاهِدِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهُ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: دِيَتُهُ عَلى نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: دِيَتُهُ عَلى ثُلُثِ دِيَةِ المُسْلِمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ عِنْدَ الجُمْهُورِ: فَمَن لَمْ يَجِدِ العِتْقَ، ولا اتَّسَعَ مالُهُ لَهُ فَيَجْزِيهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ في الأيّامِ لا يَتَخَلَّلُها فِطْرٌ، وقالَ مَكِّيٌّ (p-٦٣١)عَنِ الشَعْبِيِّ: صِيامُ الشَهْرَيْنِ يُجْزِئُ عَنِ الدِيَةِ والعِتْقِ لِمَن لَمْ يَجِدْهُما، وهَذا القَوْلُ وهْمٌ، لِأنَّ الدِيَةَ إنَّما هي عَلى العاقِلَةِ ولَيْسَتْ عَلى القاتِلِ، والطَبَرِيُّ حَكى القَوْلَ عن مَسْرُوقٍ. و"تَوْبَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ومَعْناهُ: رُجُوعًا بِكم إلى التَيْسِيرِ والتَسْهِيلِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии