Ибн АтыйяАль‑Ахкаф · 46:30–35

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

Аль-Ахкаф 46:30–35

46:30–33Страница 506

قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠

Они сказали: «О народ наш! Воистину, мы услышали Писание, ниспосланное после Мусы (Моисея), подтверждающее то, что было до него. Оно направляет к истине и прямому пути.

يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١

О народ наш! Ответьте проповеднику Аллаха и уверуйте в него, и тогда Он простит вам некоторые из ваших грехов и спасет вас от мучительных страданий».

وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢

А тот, кто не ответит проповеднику Аллаха, не спасется на земле, и не будет у него покровителей и помощников вместо Него. Такие находятся в очевидном заблуждении.

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٣٣

Разве они не видят, что Аллах, Который сотворил небеса и землю и не утомился от их сотворения, способен оживить мертвых? О да! Он способен на всякую вещь.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنَّ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

المَعْنى: قالَ هَؤُلاءِ المُنْذِرُونَ لَمّا بَلَغُوا قَوْمَهُمْ: ﴿يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وخَصَّصُوا مُوسى ﷺ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِأنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ كانَتْ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِ، وإمّا لِأنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فَأشارُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مَذْكُورًا في تَوْراتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وقَوْلُهُمْ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا. و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" هي التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و﴿ "الحَقِّ"﴾ و"الصِراطِ المُسْتَقِيمِ" هُنا بِمَعْنًى مُتَقارِبٍ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظُ -وَرُبَّما كانَ الحَقُّ أعَمَّ- وكَأنَّ أحَدَهُما قَدْ يَقَعُ في مَواضِعَ لا يَقَعُ فِيها الآخَرُ، حَسَنُ التَكْرارِ.

و"داعِيَ اللهِ" هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكم.

، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيُجِرْكُمْ"﴾ مَعْناهُ: يَمْنَعُكم ويَجْعَلُ دُونَكم جَوارٍ حِفْظِهِ حَتّى لا يَنالَكم عَذابٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُنْذِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ (p-٦٣٤)بِها إسْماعُ الكُفّارِ، وتَعَلُّقُ اللَفْظِ إلى هَذا المَعْنى مِن قَوْلِ الجِنِّ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾، فَلَمّا حَكى ذَلِكَ قِيلَ: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ فَهو بِحالِ كَذا، والمُعْجِزُ: الذاهِبُ في الأرْضِ الَّذِي يُبْدِي عَجْزَ طالِبِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ" بِزِيادَةِ مِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ آيَةُ مَثَلٍ واحْتِجاجٍ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ الأجْسادَ لا يُمْكِنُ أنْ تُبْعَثَ ولا تُعادَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِن أقْوالِهِمْ. والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلَمْ يَعْيَ"﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَعِيَ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقادِرٍ"﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ نَفْيٌ في صَدْرِ الكَلامِ حَسَنُ التَأْكِيدِ بِالباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَنفِيُّ ما دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، كَما هي في قَوْلِكَ: "ما زَيْدٌ بِقائِمٍ"، كانَ بَدَلَ "أوَلَمْ يَرَوْا" "أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ- وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "يَقْدِرُ" بِالياءِ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وغَلِطَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لِقَلَقِ الباءِ عِنْدَهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِمَ يَعِي بِخَلْقِهِنَّ قادِرٌ" بِغَيْرِ باءٍ، و﴿ "بَلى"﴾ جَوابٌ بَعْدَ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ، فَهي إيجابٌ لِما نُفِيَ، والمَعْنى: بَلى رَأوا ذَلِكَ، أيْ: لَوْ نَفَعَهم ووَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ اللَفْظَ الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

46:34–35Страница 506

وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٤

В тот день, когда неверующих представят Огню, им скажут: «Разве это не есть истина?». Они скажут: «Да! Клянемся нашим Господом!». Он скажет: «Вкусите же мучения за то, что вы не верили».

فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٣٥

Терпи же, как терпели твердые духом посланники, и не торопи Меня с наказанием для них. В тот день, когда они увидят то, что им обещано, им покажется, что они пробыли на земле всего лишь час дня. Таково послание! Разве будет погублен кто-либо, кроме нечестивых людей?

(p-٦٣٥)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾

المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ وسِواهُمْ، و"العَرْضُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَرْضُ مُباشَرَةٍ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ألَيْسَ هَذا العَذابُ حَقًّا وقَدْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؟ فَيُجِيبُونَ: بَلى ورَبِّنا، فَذَلِكَ تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّهم لِيَعُذَّبُونِ في النارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، فَيَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المَحاوِرُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فاصْبِرْ"﴾ الفاءُ عاطِفَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الوُصاةِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإخْبارِ عن حالِ الكَفَرَةِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ، أيْ: هَذِهِ حالُهم مَعَ اللهِ تَعالى، فَلا تَسْتَعْجِلُ أنْتَ فِيما حَمَلَتْهُ، واصْبِرْ لَهُ، ولا تَخَفْ في اللهِ أحَدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرُسُلِ﴾ تَبْعِيضٌ، والمُرادُ مَن حُفِظَتْ لَهُ مَعَ قَوْمِهِ شِدَّةٌ ومُجاهَدَةٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وغَيْرِهِمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، هَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ وغَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ: والرُسُلُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ كُلُّهم أُولُو العَزْمِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ﴾ يَتَضَمَّنُ رُسُلًا وغَيْرَهُمْ، فَبَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ جِنْسَ الرُسُلِ خاصَّةً تَعْظِيمًا لَهُمْ، ولِتَكُونَ القُدْوَةُ المَضْرُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أشْرَفَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ هَذا القَوْلَ عن عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الطَبَرِيِّ، وحُكِيَ عن أبِي القاسِمِ الحَكِيمِ أنَّهُ قالَ: الرُسُلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ كُلُّهم أُولُو عَزْمٍ إلّا يُونُسُ ﷺ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ بِعَقِبِ (p-٦٣٦)ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ ﷺ صَبَرَ عَلى النارِ، وإسْحاقُ ﷺ صَبَرَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ ﷺ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى بَصَرُهُ، وقالَ "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ" ويُوسُفُ ﷺ صَبَرَ عَلى السَجْنِ، وأيُّوبُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، أُوذِيَ بِأكْثَرِ مِن هَذا فَصَبَرَ"»، ولا مَحالَةَ أنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ورَسُولٍ عَزْمًا وصَبْرًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ مَعْناهُ: لا تَسْتَعْجِلُ لَهم عَذابًا، فَإنَّهم إلَيْهِ صائِرُونَ، ولا تَسْتَطِلْ تَعْمِيرَهم في هَذِهِ النِعْمَةِ، فَإنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ العَذابَ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدُنْيا إلّا ساعَةً، لِاحْتِقارِهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّ المُنْقَضِي مِنَ الزَمانِ إنَّما يَصِيرُ عَدَمًا، فَكَثِيرُهُ الَّذِي ساءَتْ عاقِبَتُهُ كالقَلِيلِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ساعَةً مِنَ النَهارِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلاغٌ" وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، المَعْنى: هَذا بَلاغٌ، وتَكُونُ الإشارَةُ بِـ"هَذا" إمّا إلى القُرْآنِ والشَرْعِ، أيْ: هَذا إنْذارٌ وتَبْلِيغٌ، وإمّا إلى المُدَّةِ الَّتِي تَكُونُ كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً كانَتْ بَلاغَهُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "مَتاعٌ قَلِيلٌ" ونَحْوُهُ مِنَ المَعْنى. والثانِي: أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ. والثالِثُ: ما قالَهُ أبُو مَجْلَزٍ، فَإنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا تَسْتَعْجِلْ"، ويَقُولُ: "بَلاغٌ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ"، وقَدَحَ الناسُ في هَذا القَوْلِ بِكَثِيرَةِ الحائِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي (p-٦٣٧)الحَسَنِ، وعِيسى: "بَلاغًا"، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ في قِراءَةِ الرَفْعِ، ولَيْسَ يَدْخُلُها قَوْلُ أبِي مِجْلَزٍ، ونَصَبَها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سِراجٍ الهُذَلِيُّ: "بَلِّغْ" عَلى الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَلاغٍ" بِالخَفْضِ نَعْتًا للنَّهارِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَهَلْ يُهْلَكُ"﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ. وقَرَأ بَعْضُهم -فِيما حَكى هارُونُ-: "فَهَلْ يَهْلَكُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ وكَسْرِ اللامِ، وحَكاها أبُو عَمْرٍو عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ أبُو مُحَيْصِنٍ أيْضًا بِفَتْحِ الياءِ واللامِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي مَرْغُوبٌ عنها. ورَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "فَهَلْ يَهْلَكُ"» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ "إلّا القَوْمَ الفاسِقِينَ" بِالنَصْبِ.

وفِي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ مَحْضٌ وإنْذارٌ بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها والسَيِّئَةَ بِمِثْلِها، وأمَرَ بِالطاعَةِ ووَعَدَ عَلَيْها بِالجَنَّةِ، ونَهى عَنِ الكُفْرِ وأوعَدَ عَلَيْهِ بِالنارِ، « "فَلَنْ يَهْلَكَ عَلى اللهِ إلّا هالِكٌ"» كَما قالَ ﷺ. قالَ الثَعْلَبِيًّ: يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ أرْجى آيَةً في كِتابِ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English