Ибн АтыйяАль‑Худжурат · 49:1–10

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

الحجرات

Аль-Худжурат

Комнаты · Мединская · 18 аятов

49:1–3Страница 515

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١

О те, которые уверовали! Не опережайте Аллаха и Его Посланника и бойтесь Аллаха, ибо Аллах - Слышащий, Знающий.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢

О те, которые уверовали! Не поднимайте ваши голоса над голосом Пророка и не обращайтесь к нему так же громко, как вы обращаетесь друг к другу, а не то ваши деяния окажутся тщетными, и вы даже не почувствуете этого.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣

Воистину, сердца тех, которые при Посланнике Аллаха понижают свои голоса, Аллах очистил (или раскрыл) для богобоязненности. Им уготованы прощение и великая награда.

(p-٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الحُجُراتِ

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهِ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾

كانَتْ عادَةُ العَرَبِ -وَهِيَ إلى الآنِ- الِاشْتِراكُ في الآراءِ، وأنْ يَتَكَلَّمَ كُلٌّ بِما شاءَ ويَفْعَلَ ما أحَبَّ، فَمَشى بَعْضُ الناسِ مِمَّنْ لَمْ تَتَمَرَّنْ نَفْسُهُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: فَرُبَّما قالَ قَوْمٌ: لَوْ نَزَلَ كَذا وكَذا في مَعْنى كَذا، ولَوْ فَعَلَ اللهُ كَذا، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا، وأيْضًا فَإنَّ قَوْمًا ذَبَحُوا ضَحاياهم قَبْلَ النَبِيِّ ﷺ، حَكاهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَوْمًا فَعَلُوا في بَعْضِ حُرُوبِهِ وغَزَواتِهِ شَيْئًا بِآرائِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ناهِيَةً عن جَمِيعِ ذَلِكَ.

وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في يَوْمِ الشَكِّ، فَقالَتْ لِلْجارِيَةِ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَقُلْتُ: إنِّي صائِمٌ، فَقالَتْ: نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن صِيامِ هَذا اليَوْمِ،» وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ﴾، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "لا تُقَدِّمُوا": لا تَمْشُوا بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللهِ، وكَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيِ العُلَماءِ، فَإنَّهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: تَقَدَّمْتُ في كَذا وكَذا وتَقَدَّمْتُ فِيهِ إذا قُلْتَ فِيهِ.

(p-٦)وَقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "تُقَدِّمُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، ويَعْقُوبُ، بِفَتْحِ التاءِ والدالِ عَلى مَعْنى: لا تَتَقَدَّمُوا، وعَلى هَذا يَجِيءُ تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ في المَشْيِ، والمَعْنى عَلى ضَمِّ التاءِ: بَيْنَ يَدَيِ قَوْلِ اللهِ ورَسُولِهِ.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو «أنْ وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ لَمّا قَدِمَ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أمَّرْتَ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلْ أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، ويُرْوى: إلى خِلافِي، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أرَدْتَ خِلافَكَ، وارْتَفَعَتْ أصْواتُها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وذَهَبَ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "لا تُقَدِّمُوا" مَعْناهُ: لا تُقَدِّمُوا وُلاةً، فَهو مِن تَقَدُّمِ الأُمَراءِ، وعُمُومُ اللَفْظِ أحْسَنُ، أيْ: اجْعَلُوهُ مَبْدَأً في الأقْوالِ والأفْعالِ. و"سَمِيعٌ" مَعْناهُ: لِأقْوالِكُمْ، و"عَلِيمٌ" مَعْناهُ: بِأفْعالِكم ومُقْتَضى أقْوالِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ﴾ الآيَةُ هي أيضًا في ذَلِكَ الفَنِّ المُتَقَدِّمِ، ورَوى أنَّ سَبَبَها كَلامُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما المُتَقَدِّمُ في أمْرِ الأقْرَعِ والقَعْقاعِ، والصَحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ عادَةِ الأعْرابِ في الجَفاءِ وعُلُوِّ الصَوْتِ والعنجَهِيَّةِ، «وَكانَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في صَوْتِهِ جَهارَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اهْتَمَّ وخافَ عَلى نَفْسِهِ وجَلَسَ في بَيْتِهِ لَمْ يَخْرُجْ وهو كَئِيبٌ حَزِينٌ، حَتّى عَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَهُ، فَبَعَثَ فِيهِ فَآنَسَهُ وقالَ لَهُ: "امْشِ في الأرْضِ بَسْطًا فَإنَّكَ مِن (p-٧)أهْلِ الجَنَّةِ"،» وقالَ لَهُ مَرَّةً: « "أما تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وتَمُوتَ شَهِيدًا"»، فَعاشَ كَذَلِكَ ثُمَّ قُتِلَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِاليَمامَةِ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لا تَرْفَعُوا بِأصْواتِكُمْ" بِزِيادَةِ الباءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ: كَحالِ جَهْرِكم في جَفائِهِ وكَوْنِهِ مُخاطَبَةً بِالأسْماءِ والألْقابِ، وكانُوا يَدْعُونَ النَبِيَّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِالنَبْوِهِ والرِسالَةِ والكَلامِ اللَيِّنِ، فَتِلْكَ حالَةُ المُوَقَّرِ، وكَرِهَ العُلَماءُ رَفْعَ الصَوْتِ عِنْدَ قَبْرِ النَبِيِّ ﷺ وبِحَضْرَةِ العالَمِ وفي المَساجِدِ، وفي هَذِهِ كُلِّها آثارٌ.

(p-٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَحْبَطَ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ، والحَبْطُ: إفْسادُ العَمَلِ بَعْدَ تُقَرُّرِهِ، يُقالُ حَبِطَ بِكَسْرِ الباءِ، وأحْبَطَهُ اللهُ، وهَذا الحَبْطُ إنْ كانَتِ الآيَةُ مُعَرِّضَةٌ بِمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِخْفافًا واحْتِقارًا وجُرْأةً فَذَلِكَ كُفْرٌ والحَبْطُ: مَعَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ كانَ التَعْرِيضُ لِلْمُؤْمِنِ الفاضِلِ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ غَفْلَةً وجَرْيًا عَلى طَبْعِهِ فَإنَّما يُحْبِطُ عَمَلُهُ البِرَّ في تَوْقِيرِ النَبِيِّ ﷺ وغَضِّ الصَوْتِ عِنْدَهُ أنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْ تُحْبَطَ الأعْمالُ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَعْمَلُوها فَتُؤْجَرُوا عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ تَأْثَمُوا ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلى الوَحْشَةِ في نُفُوسِكُمْ، فَلا تَزالُ مُعْتَقَداتُكم تَتَدَرَّجُ القَهْقَرى حَتّى يُؤَوَّلَ ذَلِكَ إلى الكُفْرِ فَتُحْبَطُ الأعْمالُ حَقِيقَةً، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِفُضَلاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ احْتِقارًا، وذَلِكَ أنَّهُ لا يُقالُ لِمُنافِقٍ يَعْمَلُ ذَلِكَ جُرْأةً: "وَأنْتَ لا تَشْعُرُ" لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ يَعْتَقِدُهُ هو عَمَلًا، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَتَحْبَطَ أعْمالُكُمْ".

ثُمَّ مَدَحَ تَعالى الصِنْفَ المُخالِفَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهُمُ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، وغَضُّ الصَوْتِ: خَفْضُهُ وكَسْرُهُ، وكَذَلِكَ البَصَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎ فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ...................

ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما كانا بَعْدَ ذَلِكَ لا يُكَلِّمانِ رَسُولَ اللهِ ﷺ إلّا كَأخِي السِرارِ، وأنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يَحْتاجُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى اسْتِعادَةِ (p-٩)اللَفْظِ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَسْمَعُهُ مِن إخْفائِهِ إيّاهُ. و"امْتَحَنَ" مَعْناهُ: اخْتَبَرَ وطَهَّرَ كَما يُمْتَحَنُ الذَهَبُ بِالنارِ، فَيَسَّرَها وهَيَّأها لِلتَّقْوى، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: امْتُحِنَ لِلتَّقْوى: أذْهَبَ عنها الشَهَواتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

مَن غَلَبَ شَهْوَتَهُ وغَضَبَهُ فَذَلِكَ الَّذِي امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلتَّقْوى، وبِذَلِكَ تَكُونُ الِاسْتِقامَةُ.

49:4–8Страница 515

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤

Воистину, большинство из тех, которые зовут тебя из-за пределов комнат, не разумеют.

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

Если бы они потерпели, пока ты выйдешь к ним, это было бы лучше для них. Аллах - Прощающий, Милосердный.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦

О те, которые уверовали! Если нечестивец принесет вам весть, то разузнайте, чтобы не поразить по незнанию невинных людей, а не то вы будете сожалеть о содеянном.

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧

Знайте, что среди вас находится Посланник Аллаха. Если бы он подчинялся вам во многих делах, то вы непременно попали бы в затруднительное положение. Но Аллах привил вам любовь к вере, и представил ее прекрасной вашим сердцам, и сделал ненавистными вам неверие, нечестие и неповиновение. Таковы идущие правым путем

فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨

по милосердию и милости Аллаха. Аллах - Знающий, Мудрый.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللهِ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ﴾ ﴿فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَفُورٌ رَحِيمٌ"﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ كانَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، والزَبْرَقانُ بْنُ بَدْرٍ، وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، وغَيْرُهُمْ، وذَلِكَ «أنَّهم وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَخَلُوا المَسْجِدَ ودَنَوْا مِن حُجَرِ أزْواجِ النَبِيِّ ﷺ وهي تِسْعُ، فَجَعَلُوا ونادَوْا ولَمْ يَنْتَظِرُوا، فَنادَوْا بِجُمْلَتِهِمْ: يا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلَيْنا، يا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلَيْنا، فَكانَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ جَفاءٌ وبَداوَةٌ وقِلَّةُ تَوْقِيرٍ، فَتَرَبَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ مَدْحِي زَيْنٌ، وذَمِّي شَيْنٌ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "وَيْلَكَ ذَلِكَ اللهُ تَعالى"، واجْتَمَعَ الناسُ في المَسْجِدِ، فَقامَ خَطِيبُهم فَخَطَبَ وفَخَرَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَخَطَبَ وذَكَرَ اللهَ تَعالى والإسْلامَ وأرْبى عَلى خَطِيبِهِمْ، ثُمَّ قامَ شاعِرُهم فَأنْشَدَ مُفْتَخِرًا، فَقامَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَفَخَرَ بِاللهِ تَعالى وبِالرَسُولِ ﷺ وبِالبَسالَةِ فَكانَ أشْعَرَ مِن شاعِرِهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: واللهِ إنَّ هَذا الرَجُلَ لَمُؤْتى لَهُ، (p-١٠)لَخَطِيبُهُ أخْطُبُ مِن خَطِيبِنا، ولَشاعِرُهُ أشْعَرُ مِن شاعِرِنا، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.»

هَذا تَلْخِيصُ ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عن أبِي سَلَمَةَ عَنِ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أكْثَرُهم بَنُو تَمِيمٍ لا يَعْقِلُونَ".

و"الحُجُراتِ" جَمْعُ حُجْرَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "الحُجُراتُ" بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ وحْدَهُ: "الحُجَراتُ" بِفَتْحِ الجِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يَعْنِي في الثَوابِ عِنْدَ اللهِ تَعالى، وفي انْبِساطِ نَفْسِ النَبِيِّ ﷺ وقَضائِهِ لِحَوائِجِهِمْ ووِدِّهِ لَهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ خَيْرٌ، لا مَحالَةَ أنَّ بَعْضَهُ انْزَوى بِسَبَبِ جَفائِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَرْجِيَةٌ لَهم وإعْلامٌ بِقَبُولِهِ تَوْبَةَ التائِبِ، وغُفْرانَهُ ورَحْمَتَهُ لِمَن أنابَ ورَجَعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآيَةُ. سَبَبُها «أنَّ النَبِيَّ ﷺ بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقًا،» فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ مُعادِيًا لَهم فَأرادَ إذايَتَهُمْ، فَرَجَعَ مِن بَعْضِ طَرِيقِهِ وكَذَبَ عَلَيْهِمْ -قالَهُ الضَحْاكُ - وقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهم مَنَعُونِي الصَدَقَةَ وطَرَدُونِي وارْتَدُّوا، فَغَضِبَ النَبِيُّ ﷺ وهم بِغَزْوِهِمْ، ونَظَرَ في ذَلِكَ، وبَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلَيْهِمْ، فَوَرَدَهُ وفْدَهم مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ (p-١١)وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، لَمّا قَرُبَ مِنهم خَرَجُوا إلَيْهِ مُتَلَقِّينَ لَهُ، فَرَآهم عَلى بُعْدٍ، فَفَزِعَ مِنهُمْ، وظَنَّ بِهِمُ الشَرَّ وانْصَرَفَ، فَقالَ ما ذَكَرْناهُ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِنهم بَلَغَهُ عنهم أنَّهم قالُوا: لا نُعْطِيهِ الصَدَقَةَ ولا نُعْطِيهِ، فَعَمِلَ عَلى صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ وانْصَرَفَ فَقالَ ما ذَكَرْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِهَذا السَبَبِ، والوَلِيدُ -عَلى ما ذَكَرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ - هو المُشارُ إلَيْهِ بِالفاسِقِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: هو الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ. ثُمَّ هي باقِيَةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ غابِرَ الدَهْرِ. "والفِسْقُ": الخُرُوجُ عن نَهْجِ الحَقِّ، وهو مَراتِبُ مُتَبايِنَةٌ، كُلُّها مَظِنَّةٌ لِلْكَذِبِ ومَوْضِعُ تَثَبُّتٍ وتَبَيُّنٍ، وتَأنَّسَ القائِلُونَ بِقَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ بِما يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ خِطابِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَ الفاسِقِ إذا جاءَ بِنَبَأٍ أنْ يَعْمَلَ بِحَسَبِهِ، وهَذا لَيْسَ بِاسْتِدْلالٍ قَوِيٍّ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الكَلامِ عَلى مَسْألَةِ خَبَرِ الواحِدِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "فَتَبَيَّنُوا" مِنَ التَبَيُّنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: "فَتُثْبِتُوا". و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْ تُصِيبُوا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَخافَةَ أنْ تُصِيبُوا، قالَ قَتادَةُ: «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "التَثَبُّتُ مِنَ اللهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَيْطانِ"،» قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى مَن قالَ إنَّ المُسْلِمِينَ كُلَّهم عُدُولٌ حَتّى تَثْبُتَ الجُرْحَةُ لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِالتَبَيُّنِ قَبْلَ القَبُولِ.

(p-١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَوْلُهُ يَقْتَضِي أنَّ المَجْهُولَ الحالِ يُخْشى أنْ يَكُونَ فاسِقًا، والِاحْتِياطُ لازِمٌ. قالَ النَقّاشُ: وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتُبَيِّنُوا" أبْلَغُ مِن تَثَبَّتُوا؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتَثَبَّتُ مَن لا يَتَبَيَّنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْكِذْبَةِ ووَعِيدٌ لِلْفَضِيحَةِ، أيْ: فَلْيُفَكِّرِ الكاذِبُ في أنَّ اللهَ يَفْضَحُهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، أيْ لَشَقِيتُمْ وهَلَكْتُمْ، والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أيْ: لَوْ يُطِيعُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ في كَثِيرٍ مِمّا تَرَوْنَهُ بِاجْتِهادِكم وتَقَدُّمِكم بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ الآيَةُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَكِنَّ اللهَ أنْعَمَ بِكَذا وكَذا، وفي ذَلِكَ كِفايَةٌ وأمْرٌ لا تَقُومُونَ بِشُكْرِهِ، فَلا تَتَقَدَّمُوا في الأُمُورِ واقْنَعُوا بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكُمْ، وحَبَّبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإيمانَ وزَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ حُبَّهُ وحَسَّنَهُ، وكَذَلِكَ تَكْرِيهُ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، وحَكى الرُمانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ حَبَّبَ الإيمانَ بِما وصَفَ مِنَ الثَوابِ عَلَيْهِ، وكَرِهَ الثَلاثَةَ المُقابِلَةَ لِلْإيمانِ بِما وصَفَ مِنَ العِقابِ عَلَيْها.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ﴾ رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى ذِكْرِ الغَيْبَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَن فَعَلَ هَذا وقَبِلَهُ وشَكَرَ عَلَيْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِنَفْسِهِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ هو بِمَعْناهُ؛ إذِ التَحْبِيبُ والتَزْيِينُ هو نَفْسُ الفَضْلِ، وقَدْ يَجِيءُ المَصْدَرُ مُؤَكِّدًا لِما قَبْلَهُ إذا لَمْ يَكُنْ هو نَفْسُ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ حَقًّا ونَحْوُهُ، وكانَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: قَدْ قالَ تَعالى لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، وأنْتُمْ واللهِ أسْخَفُ رَأْيًا وأطْيَشُ أحْلامًا، فَلْيَتَّهِمْ رَجُلٌ نَفْسَهُ ولِيَنْتَصِحْ كِتابَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

49:9–10Страница 516

وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩

Если две группы верующих сражаются между собой, то примирите их. Если же одна из них притесняет на другую, то сражайтесь против той, которая притесняет, пока она не вернется к повелению Аллаха. Когда же она вернется, то примирите их по справедливости и будьте беспристрастны. Воистину, Аллах любит беспристрастных.

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠

Воистину, верующие - братья. Посему примиряйте братьев и бойтесь Аллаха, - быть может, вы будете помилованы.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

"طائِفَتانِ" مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والطائِفَةُ: الجَماعَةُ، وقَدْ تَقَعُ عَلى الواحِدِ، واحْتَجَّ (p-١٣)لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ورَأى بَعْضُ الناسِ أنَّهُ يُجْزى أنْ يَشْهَدَ حَدّا الزُناةِ رَجُلٌ واحِدٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ الحُكْمُ فِيها في الأفْرادِ وفي الجَماعاتِ واحِدٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ والجُمْهُورُ: سَبَبُها ما وقَعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُتَحَزِّبِينَ مِنهم أيْضًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ حِينَ «مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وهو مُتَّجِهٌ لِزِيارَةِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مَرَضِهِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِيٍّ لَمّا غَشِيَهُ حِمارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، ولَقَدْ آذانا نَتَنُ حِمارِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ الحَدِيثَ بِطُولِهِ فَتَلاحى الناسُ حَتّى وقَعَ بَيْنَهم ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ، ويُرْوى بِالحَدِيدِ.»

وقالَ أبُو مالِكٍ، والحُسْنُ: سَبَبُها: أنَّ فِرْقَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ وقَعَ بَيْنَهُما قِتالٌ، فَأصْلَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ جُهْدٍ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقالَ السَدِّيُّ: كانَتْ بِالمَدِينَةِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَها أُمُّ بَدْرٍ، ولَها زَوْجٌ مِن غَيْرِهِمْ، فَوَقَعَ بَيْنَهُما شَيْءٌ أوجَبَ أنْ يَأْنَفَ لَها قَوْمُها ولَهُ قَوْمُهُ، فَوَقَعَ قِتالٌ نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ.

(p-١٤)وَ"بَغَتْ" مَعْناهُ: طَلَبَتِ العُلُوَّ بِغَيْرِ الحَقِّ، ومُدافِعَةَ الفِئَةِ الباغِيَةِ تَتَوَجَّهُ في كُلِّ حالٍ، وأمّا التَهَيُّؤُ لِقِتالِها فَمَعَ الوُلاةِ، وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمُشْرِكُونَ أهْلُ صِفِّينَ والجَمَلِ؟ قالَ: لا، مِنَ الشِرْكِ فَرُّوا، قِيلَ: أفَمُنافِقُونَ؟ قالَ: لا، لِأنَّ المُنافِقِينَ لا يَذْكُرُونَ اللهَ إلّا قَلِيلًا، قِيلَ: فَما حالُهُمْ؟ قالَ: إخْوانُنا بَغَوْا عَلَيْنا، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "حُكْمُ اللهِ تَعالى في الفِئَةِ الباغِيَةِ ألّا يَجْهَزَ عَلى جَرِيحٍ، ولا يُطْلَبُ هارِبٌ، ولا يُقْتَلُ أسِيرٌ".» و"تَفِيءَ" مَعْناهُ: تَرْجِعُ، و"الإقْساطُ": الحُكْمُ بِالعَدْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾، يُرِيدُ إخْوَةَ الدِينِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بَيْنَ أخَوَيْكُمْ" وذَلِكَ رِعايَةً لِحالِ أقَلِّ عَدَدٍ يَقَعُ فِيهِ القِتالُ والتَشاجُرُ، والجَماعَةُ مَتى قَصَدُوا الإصْلاحَ فَإنَّما هو بَيْنَ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحُسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْنَ إخْوَتِكُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وثابِتٌ البَنّانِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: "بَيْنَ إخْوانِكُمْ"، وهي حَسَنَةٌ لِأنَّ الأكْثَرَ مِن جَمْعِ الأخَ في الدِينِ ونَحْوِهِ مِن غَيْرِ النَسَبِ إخْوانٌ، والأكْثَرُ مِنَ النَسَبِ إخْوَةٌ وإخاءٌ، قالَ الشاعِرُ:

؎ وجَدْتُمْ أخاكم بَيْنَنا إذْ نَسِيتُمُ وأيُّ بَنِي الإخاءِ تَنْبُو مُناسَبُهْ؟

وقَدْ تَتَداخَلُ هَذِهِ الجُمُوعُ، وكُلُّها في كِتابِ اللهِ تَعالى، فَمِنهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾، (p-١٥)وَمِنهُ "أو بُيُوتُ إخْوانِكُمْ"، فَهَذا جاءَ عَلى الأقَلِّ مِنَ الِاسْتِعْمالِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English