Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Ан-Наджм 53:19–38
53:19–26Страница 526
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ١٩
Не видели ли вы аль-Лат и аль-Уззу,
وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ٢٠
и еще третью - Манат?
أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ ٢١
Неужели у вас - потомки мужского пола, а у Него - женского?
تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ ٢٢
Это было бы несправедливым распределением.
إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣
Они - всего лишь имена, которыми нарекли их вы и ваши отцы, относительно которых Аллах не ниспослал никакого доказательства. Они следуют лишь предположениям и тому, чего желают души, хотя верное руководство от их Господа уже явилось к ним.
أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ ٢٤
Или же для человека уготовано то, чего он желает?
فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥
Аллаху принадлежит Последняя жизнь и жизнь первая.
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
Сколько же на небесах ангелов, заступничество которых не принесет никакой пользы, пока Аллах не позволит заступиться за тех, за кого Он пожелает и кем Он доволен!
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى﴾ ﴿ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ ﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "أفَرَأيْتُمُ" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، وهي مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ لِأنَّهُ أحالَ عَلى أجْرامٍ مَرْئِيَّةٍ، ولَوْ كانَتْ "رَأى" الَّتِي هي اسْتِفْتاءٌ لَمْ تَتَعَدَّ.
ولَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَظَمَةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ قالَ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ-: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأوثانَ وحَقارَتَها وبُعْدَها عن هَذِهِ القُدْرَةِ والصِفاتِ العَلِيَّةِ؟
و"اللاتَ" اسْمُ صَنَمٍ كانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَ في الكَعْبَةِ، وقالَ (p-١١٦)قَتادَةُ: كانَ بِالطائِفِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وقَوْلُ قَتادَةَ أرْجَحُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها بِمُنْقَلَبِ الخائِبِ الخاسِرِ
والتاءُ في "اللاتَ" لامُ فِعْلٍ كالباءِ مِن "بابٍ، وقالَ قَوْمٌ هي تاءُ التَأْنِيثِ، والتَصْرِيفُ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ: "اللاتُ" بِشَدِّ التاءِ، وقالُوا: كانَ هَذا الصَنَمُ حَجَرًا وكانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِن بِهْزٍ يَلُتُّ سَوِيقَ الحاجِّ عَلى ذَلِكَ الحَجَرِ ويَخْدِمُ الأصْنامَ، فَلَمّا ماتَ عَبَدُوا الحَجَرَ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ إجْلالًا لِذَلِكَ الرَجُلِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ.
و"العُزّى" صَخْرَة بَيْضاءُ كانَتِ العَرَبُ أيْضًا تَعْبُدُها وتُعَظِّمُها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ شُجَيْراتٍ تُعْبَدُ ثُمَّ لَمّا بَلِيَتِ انْتَقَلَ أمْرُها إلى صَخْرَةٍ، و"عُزّى" مُؤَنَّثَةُ "عَزِيزٍ" كَكُبْرى وعُظْمى، وكانَتْ هَذِهِ الأوثانُ تُعَظَّمُ وتُعْبَدُ، الوَثَنُ مِنها قَبِيلَةٌ وتُعَظِّمُهُ، ويَجِيءُ كُلٌّ مِن عَزَّ العَرَبَ فَيُعَظِّمُها بِتَعْظِيمِ حاضِرِها، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: كانَتِ العُزّى ومَناةُ في الكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وكانَتِ العُزّى في الطائِفِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ بِنَخْلَةَ، وأمّا مَناةُ فَكانَتْ بِالمُشَلَّلِ مِن قَدِيدٍ، وذَلِكَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وكانَتْ أعْظَمَ هَذِهِ الأوثانِ قَدْرًا، وأكْثَرَها عابِدًا، وكانَتِ الأوسُ والخَزْرَجُ تُهِلُّ لَها، ولِذَلِكَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى﴾ فَأكَّدَها بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ فُلانًا وفُلانًا، ثُمَّ تَذْكُرُ ثالِثًا أجَلَّ مِنهُما فَتَقُولُ: وفُلانًا الآخَرَ الَّذِي مِن أمْرِهِ وشَأْنِهِ، ولَفْظَةُ "آخَرَ" و"أُخْرى" يُوصَفُ بِهِما الثالِثُ مِنَ المَعْدُوداتِ، وذَلِكَ نَصٌّ في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنَ مُكْدَمٍ:
؎ ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخِرَ ثالِثٍ
(p-١١٧)وَهُوَ التَأْوِيلُ الصَحِيحُ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ جَعَلْتُ لَها عُودَيْنِ مِن ∗∗∗ نَشَمٍ وآخَرَ مَن ثُمامَهْ
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وحْدَهُ: "وَمُناءَةَ" بِالهَمْزِ والمَدِّ، وهي لُغَةٌ فِيها، والأوَّلُ أشْهَرُ وهي قِراءَةُ الناسِ، ومِنها قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ أزْيَدَ مَناةَ تُوعِدُ بِابْنِ تَيْمٍ ∗∗∗ تَأْمَّلْ أيْنَ تاهَ بِكَ الوَعِيدُ
وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى هَذِهِ الأوثانِ وعَلى قَوْلِهِمْ فِيها؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هي بَناتُ اللهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأوثانَ وقَوْلُكم هي بَناتُ اللهِ؟ ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى؟ أيْ: النَوْعُ المُسْتَحْسَنُ المَحْبُوبُ هو لَكم مَوْجُودٌ فِيكم والمَذْمُومُ المُسْتَثْقَلُ عِنْدَكم هو لَهُ بِزَعْمِكُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الإنْكارِ-: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾، أيْ: عَوْجاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ "ضِيزى" مَعْناهُ: جائِرَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ سُفْيانُ: مَعْناهُ: مَنقُوصَةٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُخالِفَةٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: "ضِزْتُهُ حَقَّهُ أضِيزُهُ" بِمَعْنى: مَنَعْتُهُ مِنهُ وظَلَمْتُهُ فِيهِ، و"ضِيزى" مِن هَذا التَصْرِيفِ، وأصْلُها فُعْلى بِضَمِّ الفاءِ "ضُوزى" لِأنَّهُ القِياسُ؛ إذْ لا يُوجَدُ في الصِفاتِ فُعْلى بِكَسْرِ الفاءِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، فَإذا كانَ هَذا فَهي "ضُوزى" كَسَرُوا أوَّلَها كَما كُسِرَ أوَّلُ "عَيْنٍ وبَيْضٍ" طَلَبًا (p-١١٨)لِلتَّخْفِيفِ؛ إذِ الكَسْرَةُ والياءُ أخَفُّ مِنَ الضَمَّةِ والواوِ، كَما قالُوا: "بُيُوتٌ وعِصِيٌّ" وهي في الأصْلِ فَعُولٌ بِضَمِّ الفاءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "ضِزْتُهُ أضُوزُهُ"، فَكانَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَصْرِيفِ أنْ تَكُونَ "ضُوزى" فُعْلى، وفي جَمِيعِ هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "ضِئْزى" بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَذِكْرى، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ﴾، يَعْنِي: تَعالى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ - مِن أنَّها إناثٌ، وأنَّها تَعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً ونَحْوَ هَذا- ما هي إلّا أسْماءٌ، أيْ: تَسْمِياتٌ اخْتَرَعْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم لا حَقِيقَةَ لَها، ولا أنْزَلَ اللهُ تَعالى بِها بُرْهًانًا ولا حُجَّةً، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "سُلُطانٌ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "إنْ يَتَّبِعُونَ" بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.
و"الظَنَّ": مَيْلُ النَفْسِ إلى أحَدِ مُعْتَقَدَيْنِ مُتَخالِفَيْنِ دُونَ أنْ يَكُونَ مَيْلُها بِحُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، و"هَوى الأنْفُسِ" هو إرادَتُها المَلَذَّةَ لَها، وإنَّما تَجِدُ هَوى النَفْسِ دائِمًا في تَرْكِ الأفْضَلِ لِأنَّها مَجْبُولَةٌ بِطَبْعِها عَلى حُبِّ المُلِذِّ، وإنَّما يَرْدَعُها ويَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقِبَةِ العَقْلُ والشَرْعُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ لِأنَّ سَرْدَ القَوْلِ إنَّما هُوَ:"إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الباطِلَ وما تَهْوى الأنْفُسُ أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى"، ثُمَّ اعْتَرَضَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾، أيْ: يَفْعَلُونَ هَذِهِ القَبائِحَ والهُدى حاضِرٌ والحالُ هَذِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. و"الهُدى" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ وشَرْعُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَلَقَدْ جاءَكم مِن رَبِّكُمْ" بِالكافِ فِيهِما، وقالَ الضَحّاكُ عنهُما: إنَّهُما قَرَآ: "وَلَقَدْ جاءَكَ مِن رَبِّكَ".
و"الإنْسانُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ اسْمُ الجِنْسِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَتِ الأشْياءُ بِالتَمَنِّي والشَهَواتِ، إنَّما الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى، والأعْمالُ جارِيَةٌ عَلى قانُونِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَلَيْسَ لَكُمْ، أيُّها الكَفَرَةُ مُرادُكم في قَوْلِكُمْ: "هَذِهِ آلِهَتُنا وهي تَشْفَعُ لَنا وتُقَرِّبُنا زُلْفى" ونَحْوُ هَذا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والطَبَرِيُّ: الإنْسانُ هُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَنَلْ كَرامَتَنا بِتَأْمِيلٍ بَلْ بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِمَعْنى: بَلْ إنَّهُ تَمَنّى كَرامَتَنا فَنالَها؛ إذْ (p-١١٩)الكُلُّ لِلَّهِ يَهَبُ ما شاءَ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ.
و"الآخِرَةُ والأُولى" الدارانِ، أيْ: لَهُ كُلُّ أمْرِهِما مَلَكًا ومَقْدُورًا وتَحْتَ سُلْطانِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ﴾ الآيَةُ... رَدٌّ عَلى قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: "الأوثانُ شُفَعاؤُنا"، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذِهِ حالُ المَلائِكَةِ الكِرامِ فَكَيْفَ بِأوثانِكُمْ؟ و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "لا تُغْنِي"، والغِنى:، جَلْبُ النَفْعِ ودَفْعُ الضُرِّ بِحَسَبِ الأمْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الغِنى، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "شَفاعَتِهِمْ" عَلى مَعْنى "كَمْ" ومَعْنى الآيَةِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ تَعالى في أنْ يَشْفَعَ لِشَخْصٍ ما يَرْضى عنهُ كَما أذِنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧].
53:27–31Страница 527
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Воистину, те, которые не веруют в Последнюю жизнь, называют ангелов женщинами.
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
У них нет об этом никакого знания. Они следуют лишь предположениям, хотя предположения не могут заменить истину.
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
Отвернись же от того, кто отвернулся от Нашего Напоминания и не пожелал ничего, кроме мирской жизни.
ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠
Таков предел их познаний. Воистину, твоему Господу лучше знать тех, кто сбился с Его пути, и лучше знать тех, кто последовал прямым путем.
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١
Аллаху принадлежит то, что на небесах, и то, что на земле, дабы Он воздал злодеям за то, что они совершили, и воздал творившим добро Наилучшим (Раем).
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ ﴿وَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِن الحَقِّ شَيْئًا﴾ ﴿فَأعْرِضْ عن مَن تَوَلّى عن ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُنْيا﴾ ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَن اهْتَدى﴾ ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾
﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ هم كُفّارُ العَرَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ مَعْناهُ: لَيَصِفُونَ المَلائِكَةَ بِأوصافِ الأُنُوثَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ، وإنَّما هي ظُنُونٌ مِنهم لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَنِّ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ يَعْنِي: في المُعْتَقَداتِ والمَواضِعِ الَّتِي يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُحَرِّرَ ما يَفْعَلُ ويَعْتَقِدُ، فَإنَّها مَواضِعُ حَقائِقَ لا تَنْفَعُ الظُنُونُ فِيها، وأمّا في الأحْكامِ وظَواهِرِها فَيُجْتَزَأُ فِيها بِالمَظْنُوناتِ. ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ وأمَرَهُ بِالإعْراضِ عن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، وما في الآيَةِ مِن مُوادَعَتِهِمْ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُنْيا﴾ مَعْناهُ لا يَصْدُقُ بِغَيْرِها، وسَعْيُهُ وعَمَلُهُ إنَّما هو لِدُنْياهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ مَعْناهُ: هُنا انْتَهى تَحْصِيلُهم مِنَ المَعْلُوماتِ، وذَلِكَ أنَّ المَعْلُوماتِ مِنها ما هي مَعْقُولاتٌ نافِعَةٌ في الآخِرَةِ، ومِنها ما هي أُمُورٌ فانِيَةٌ (p-١٢٠)وَأشْخاصٌ بائِدَةٌ كالفَلّاحَةِ وكَثِيرٌ مِنَ الصَنائِعِ وطَلَبُ الرِياسَةِ عَلى الناسِ بِالمُخْرِقَةِ، وكُلُّها مَعْلُوماتٌ ولَها عِلْمٌ، ومَبْلَغُ عِلْمِ الكَفَرَةِ إنَّما هو في هَذِهِ الدُنْياوِيّاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ الآيَةُ... مُتَّصِلٌ في مَعْنى التَسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عن مَن تَوَلّى عن ذِكْرِنا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ الآيَةُ... وعِيدٌ لِلْكُفّارِ ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الضَلالَةَ والهُدى إلَيْهِمْ بِكَسْبِهِمْ وإنْ كانَ الجَمِيعُ خَلْقًا لَهُ واخْتِراعًا، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "ضَلَّ"، وبِقَوْلِهِ تَعالى: "اهْتَدى"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَصِيرَ أمْرُهم جَمِيعًا إلى أنْ يُجْزِيَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما في المَعْنى مِنَ التَقْدِيرِ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ولِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ لِيَجْزِيَ. والنَظَرُ الأوَّلُ أقَلُّ تَكَلُّفًا مِن هَذا الإضْمارِ، وقالَ قَوْمٌ: اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُورَةِ: ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] وهَذا بَعِيدٌ. و: "الحُسْنى" هي الجَنَّةُ، ولا حُسْنى دُونَها.
53:32–38Страница 527
ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢
Они избегают великих грехов и мерзостей, кроме мелких и немногочисленных проступков. Воистину, твой Господь обладает необъятным прощением. Ему было лучше знать о вас, когда Он сотворил вас из земли и когда вы были зародышами в утробах ваших матерей. Не восхваляйте самих себя, ибо Ему лучше знать тех, кто богобоязнен.
أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ ٣٣
Видел ли ты того, кто отвернулся,
وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ ٣٤
дал мало и прекратил давать вовсе?
أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥
Разве он обладает таким знанием о сокровенном, что он видит его?
أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦
Разве ему не поведали о том, что было в свитках Мусы (Моисея)
وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧
и Ибрахима (Авраама), который выполнил повеления Аллаха полностью?
أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨
Ни одна душа не понесет чужого бремени.
قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ ﴿وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِينَ" نَعْتٌ لـ "الَّذِينَ" المُتَقَدِّمُ قَبْلَهُ، و"يَجْتَنِبُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَ جانِبًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "كَبائِرَ الإثْمِ"، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرُ الإثْمِ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
واخْتَلَفَ الناسُ في الكَبائِرِ، ما هِيَ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها السَبْعُ المُوبِقاتُ الَّتِي (p-١٢١)وَرَدَتْ في الأحادِيثِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في ذِكْرِها واخْتِلافُ الأحادِيثِ فِيها في سُورَةِ [النِساءِ]، وتَحْرِيرُ القَوْلِ في الكَبائِرِ أنَّها كُلُّ مَعْصِيَةٍ يُوجَدُ فِيها حَدٌّ في الدُنْيا وتُوعَدُ بِنارٍ في الآخِرَةِ، أو لَعْنَةٍ ونَحْوُ هَذا خاصٌّ بِها، فَهي كَثِيرَةُ العَدَدِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -حِينَ قِيلَ لَهُ: أسَبْعٌ هِيَ؟- فَقالَ: هي إلى السَبْعِينَ أقْرَبُ مِنها إلى السَبْعِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كَبِيرُ الإثْمِ هُنا يُرادُ بِهِ الكُفْرُ. و"الفَواحِشَ" هي المَعاصِي المَذْكُورَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللَمَمَ" هو اسْتِثْناءٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وإنْ قَدَّرْتَهُ مُنْقَطِعًا ساغَ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "اللَمَمَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وزَيْدِ بْن أسْلَمَ، وأبِيهِ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ كُنْتُمْ بِالأمْسِ تَعْمَلُونَ أعْمالَنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: إلّا ما ألَمُّوا مِنَ المَعاصِي، الفَلْتَةُ والسَقْطَةُ دُونَ دَوامٍ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنهُ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: في اللَمَّةِ مِنَ الزِنا والسَرِقَةِ وشُرْبِ الخَمْرِ ثُمَّ لا يَعُودُ، وهَذا كالَّذِي قَبْلَهُ، فَكَأنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي الرِفْقَ بِالناسِ في إدْخالِهِمْ في الوَعْدِ بِالحُسْنى؛ إذِ الغالِبُ في المُؤْمِنِينَ مُواقَعَةُ المَعاصِي، وعَلى هَذا أنْشَدُوا -وَقَدْ تَمَثَّلَ بِهِ النَبِيُّ ﷺ-:
؎ إنْ تَغْفِرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا
(p-١٢٢)وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وغَيْرُهُمْ: اللَمَمُ: صِغارُ الذُنُوبِ الَّتِي بَيْنَ الحَدَّيْنِ الدُنْيا والآخِرَةِ، وهي ما لا حَدَّ فِيهِ ولا وعِيدَ مُخْتَصًّا بِها مَذْكُورًا لَها، وإنَّما يُقالُ صِغارٌ بِالإضافَةِ إلى غَيْرِها، وإلّا فَهي بِالإضافَةِ إلى الناهِي عنها كَبائِرُ كُلُّها، ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِنى لا مَحالَةَ، فَزِنى العَيْنِ النَظَرُ، وزِنى اللِسانِ النُطْقُ، والفَرَجُ يُكَذِّبُ ذَلِكَ أو يُصَدِّقُهُ، فَإنْ تَقَدَّمَ فَرَّجُهُ فَهو زانٍ، وإلّا فَهو اللَمَمُ"»، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في نَبْهانَ التَمّارِ، فالناسُ لا يَتَخَلَّصُونَ مِن مُواقَعَةِ هَذِهِ الصَغائِرِ، ولَهم -مَعَ ذَلِكَ- الحُسْنى إذا اجْتَنَبُوا الَّتِي هي في نَفْسِها كَبائِرُ، وتَظاهَرَ العُلَماءُ في هَذا القَوْلِ وكَثُرَ المائِلُ إلَيْهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: اللَمَمَ ما دُونُ الشِرْكِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ: اللَمَمُ ما دُونُ الزِنى، وقالَ نِفْطَوَيْهِ: اللَمَمُ ما لَيْسَ بِمُعْتادٍ، وقالَ الرُمّانِيُّ: اللَمَمُ الهَمُّ بِالذَنْبِ وحَدِيثُ النَفْسِ بِهِ دُونَ أنْ يُواقِعَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ ما خَطَرَ عَلى القَلْبِ، وذَلِكَ (p-١٢٣)هُوَ لَمَّةُ الشَيْطانِ، قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ اللَمَمُ نَظْرَةُ الفَجْأةِ، وقالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ. ثُمَّ أنِسَ تَعالى بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يُعَظِّمُونَ أنْفُسَهُمْ، ويَقُولُونَ لِلطِّفْلِ إذا ماتَ عِنْدَهُمْ: هَذا صَدِيقٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ المُتَوَهَّمَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ ثُمَّ هي بِالمَعْنى عامَّةٌ جَمِيعَ البَشَرِ. وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَخَرُّوا بِأعْمالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المُشْكَلِ: مَعْناهُ: هو عالِمٌ بِكُمْ، وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ المَعانِي: بَلْ هو التَفْضِيلُ بِالإطْلاقِ، أيْ هو أعْلَمُ مِنَ المَوْجُودِينَ جُمْلَةً، والعامِلُ في "إذْ" هو "أعْلَمُ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرُوا إذْ، والمَعْنى الأوَّلُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَإذا كانَ عِلْمُهُ قَدْ أحاطَ بِكم وأنْتُمْ في هَذِهِ الأحْوالِ ووَقَعَ بِكُمُ التَخَفِّي فَأحْرى أنْ يَقَعَ بِكم وأنْتُمْ تَغْفُلُونَ وتَجْتَرِحُونَ.
والإنْشاءُ مِنَ الأرْضِ يُرادُ بِهِ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إنْشاءُ الغِذاءِ، و:"أجِنَّةٌ" جَمْعُ جَنِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ ظاهِرُهُ النَهْيُ عن أنْ يُزَكِّيَ أحَدٌ نَفْسَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عن أنْ يُزَكِّيَ بَعْضُ الناسِ بَعْضًا وإذا كانَ هَذا فَإنَّما يَنْهى عن تَزْكِيَةِ السُمْعَةِ والمَدْحِ لِلدُّنْيا والقَطْعِ بِالتَزْكِيَةِ، ومِن ذَلِكَ الحَدِيثُ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وأمّا تَزْكِيَةُ الإمامِ والقُدْوَةِ أحَدًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ أو لِيَتَهَمَّمَ الناسُ بِالخَيْرِ (p-١٢٤)فَجائِزٌ، وقَدْ زَكّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْضَ أصْحابِهِ أبا بَكْرٍ وغَيْرَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وكَذَلِكَ تَزْكِيَةُ الشُهُودِ في الحُقُوقِ جائِزٌ لِلضَّرُورَةِ إلَيْها، وأصْلُ التَزْكِيَةِ إنَّما هو التَقْوى، واللهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِتَقْوى الناسِ مِنكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ الآيَةُ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ قَدْ سَمِعَ قِراءَةَ النَبِيِّ ﷺ، وجَلَسَ إلَيْهِ، ووَعَظَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَرُبَ مِنَ الإسْلامِ، وطَمَعَ النَبِيُّ ﷺ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ عاتَبَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: أتَتْرُكُ مِلَّةَ آبائِكَ؟ ارْجِعْ إلى دِينِكَ واثْبُتْ عَلَيْهِ وأنا أتَحَمَّلُ لَكَ بِكُلِّ شَيْءٍ تَخافُهُ في الآخِرَةِ، لَكِنَّ عَلى أنْ تُعْطِيَنِي كَذا وكَذا مِنَ المالِ، فَوافَقَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلى ذَلِكَ، ورَجَعَ عَمّا هم بِهِ مِنَ الإسْلامِ، وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، وأعْطى ذَلِكَ المالَ لِذَلِكَ الرَجُلِ ثُمَّ أمْسَكَ عنهُ وشَحَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن قَوْمٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدِي باطِلٌ، وعُثْمانُ عن مِثْلِهِ مُتَنَزَّهٌ. وقالَ السَدِّيُّ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ -عَلى هَذا القَوْلِ- هو في المالِ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ المَعْنى: وأعْطى مِن نَفْسِهِ قَلِيلًا في قُرْبِهِ مِنَ الإيمانِ، ثُمَّ أكْدى، أيِ انْقَطَعَ ما أعْطى، وهَذا بَيِّنٌ مَنِ اللَفْظِ، والآخَرُ يَحْتاجُ إلى رِوايَةٍ، و"تَوَلّى" مَعْناهُ: أدْبَرَ وأعْرَضَ، والمُرادُ: عن أمْرِ اللهِ تَعالى، و"أكْدى" مَعْناهُ: انْقَطَعَ عَطاؤُهُ، وهو مُشَبَّهٌ بِالحافِرِ في الأرْضِ، فَإذا انْتَهى إلى كُدْيَةٍ، وهي ما صَلُبَ مِنَ الأرْضِ، وقَفَ وانْقَطَعَ حَفْرُهُ، وكَذَلِكَ: أجْبَلَ الحافِرُ إذا انْتَهى إلى جَبَلٍ، ثُمَّ قِيلَ لِمَنِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ: أكْدى وأجْبَلَ.
(p-١٢٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ مَعْناهُ: أعْلَمُ مِنَ الغَيْبِ أنَّ مَن تَحَمَّلَ ذُنُوبَ آخَرَ فَإنَّ المُتَحَمِّلَ عنهُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فَهو لِهَذا الَّذِي عَلِمَهُ يَرى الحَقَّ ولَهُ فِيهِ بَصِيرَةٌ، أمْ هو جاهِلٌ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى -وَهِيَ التَوْراةُ- وفي صُحُفِ إبْراهِيمَ - وهي كُتُبٌ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ السَماءِ- مِن أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؟ أيْ لا تَحْمِلُ حامِلَةَ حِمْلٍ أُخْرى، وإنَّما يُؤْخَذُ كُلُّ أحَدٍ بِذُنُوبِ نَفْسِهِ، فَلَمّا كانَ جاهِلًا بِهَذا وقَعَ في إعْطاءِ مالِهِ لِلَّذِي قالَ لَهُ: أنا أتَحَمَّلُ عنكَ دَرْكَ الآخِرَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:" الَّذِي وفّى"، وفّى ما هو المُوَفّى؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانُوا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَأْخُذُونَ الوَلِيَّ بِالوَلِيِّ في القَتْلِ ونَحْوِهِ، فَوَفّى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وبَلَغَ هَذا الحُكْمَ مِن أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، والرَبِيعُ: ومِن طاعَةِ اللهِ تَعالى في ذَبْحِ ابْنِهِ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: وفى هَذِهِ العَشْرِ الآياتِ: "ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى" فَما بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: وفّى ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الطاعاتِ عَلى وجْهِها، وتَكَمَّلَتْ لَهُ شُعَبُ الإيمانِ والإسْلامِ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى بَراءَتَهُ مِنَ النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وفّى شَرائِعَ الإسْلامِ، ثَلاثِينَ سَهْمًا، وقالَ أبُو أُمامَةَ - ورَفَعَهُ إلى النَبِيِّ ﷺ-: وفى أرْبَعِ صَلَواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ، والأقْوى مِن هَذِهِ كُلُّها القَوْلُ العامُّ لِجَمِيعِ الطاعاتِ المُسْتَوْفِيَةِ لِدِينِ الإسْلامِ، فَرَوى أنَّها لَمْ تُفْرَضْ عَلى أحَدٍ مُكَمَّلَةً فَوَفّاها إلّا عَلى إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ ﷺ، ومِنَ الحُجَّةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَفى" مُخَفِّفَةَ الفاءِ، والخِلافُ فِيما وفى بِهِ كالخِلافِ فِيما وفّاهُ عَلى القِراءَةِ الأُولى الَّتِي فَسَّرْنا ورُوِيَتِ القِراءَةُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ وقَرَأها أبُو أُمامَةَ.
(p-١٢٦)و"الوِزْرُ": الثِقَلُ، وأنَّثَ "الوازِرَةَ" إمّا لِأنَّهُ أرادَ النَفْسَ، وإمّا أرادَ المُبالَغَةَ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ وما جَرى مَجْراهُما، و"أنَّ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ألّا تَزِرُ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، وتَقْدِيرُها: أنَّهُ لا تَزِرُ، وحَسَّنَ الحائِلُ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ إنْ بَقِيَ الفِعْلُ مُرْتَفِعًا، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ﴾ [المزمل: ٢٠] ونَحْوُهُ، و"أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ أو خَفْضِ كِلاهُما مُرَتَّبٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии