Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Аль-Вакиа 56:27–62
56:27–40Страница 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧
И будут те, кто по правую сторону. Кто же будет по правую сторону?
فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ ٢٨
Они пребудут среди лотосов, лишенных шипов,
وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ ٢٩
под бананами (или акациями камеденосными) с висящими рядами плодами,
وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ ٣٠
в распростертой тени,
وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ ٣١
среди разлитых вод
وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ ٣٢
и многочисленных фруктов,
لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ ٣٣
которые не кончаются и доступны.
وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ ٣٤
Они будут лежать на приподнятых матрацах.
إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥
Мы сотворим их в новом облике (совершенными)
فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦
и сделаем их девственницами,
عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧
любящими и равными по возрасту.
لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٣٨
Это - для тех, кто по правую сторону.
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩
Многие из них - из первых поколений,
وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠
а многие - из последних.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾
"السِدْرُ" شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَجَرُ أُمِّ غِيلانَ، وهو مِنَ العِضاه، لَهُ شَوْكٌ، وفي الجَنَّةِ شَجَرٌ عَلى خِلْقَتِهِ لَهُ ثَمَرٌ كَقِلالِ هَجَرٍ، طَيِّبِ الطَعْمِ والرِيحِ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ مَخْضُودٌ،أيْ: مَقْطُوعُ الشَوْكِ لا أذًى فِيهِ، وقالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ:
؎ إنَّ الحَدائِقَ في الجِنانِ ظَلِيلَةٌ فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ
وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن "مَخْضُودٍ" بِأنَّهُ المُوَقَّرُ حَمْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو قَطْعُ الشَوْكِ، وهو الصَوابُ، أما إنَّ وقْرَهُ هو كَرَمُهُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ أعْجَبَهم سِدْرُ وجٍّ فَقالُوا: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ مِثْلَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولِأهْلِ تَحْرِيرِ النَظَرِ هُنا إشارَةٌ في أنَّ هَذا الخَضْدَ بِإزاءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي سَلِمُوا فِيها: إذْ أهْلُ اليَمِينِ تَوّابُونَ لَهم سَلامٌ، ولَيْسُوا بِسابِقِينَ.
و"الطَلْحُ" كَذَلِكَ مِنَ العِضاهِ شَجَرٌ عِظامٌ كَثِيرُ الشَوْكِ وشَبَّهَهُ في الجَنَّةِ عَلى صِفاتٍ (p-١٩٨)كَثِيرَةٌ مُبايَنَةٌ لِحالِ الدُنْيا، و"مَنضُودٍ" مَعْناهُ: مُرَكَّبٌ ثَمَرُهُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مِن أرْضِهِ إلى أعْلاهُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "وَطَلْعٍ مَنضُودٍ"، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما هو "وَطَلْحٍ" فَقالَ: ما لِلطَّلْحِ ولِلْجَنَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أنُصْلِحُها في المُصْحَفِ؟ فَقالَ: إنَّ المُصْحَفَ اليَوْمَ لا يُهاجُ ولا يُغَيَّرُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الطَلْحُ": المَوْزُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ. وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ طَيِّبٌ.
و"الظِلُّ المَمْدُودُ" مَعْناهُ: الَّذِي لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ويُفَسِّرُ ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَكْبُ الجَوادَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ لا يَقْطَعُها، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ".» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا الظِلُّ هو مِن طَلْحِها وسِدْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَماءٍ مَسْكُوبٍ" أيْ: بِزَوالِ الإبّانِ كَحالِ فاكِهَةِ الدُنْيا، "وَلا مَمْنُوعَةٍ" بِبُعْدِ التَناوُلِ، ولا بِشَوْكِ يُؤْذِي في شَجَراتِها، ولا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَمْتَنِعُ بِها فاكِهَةُ الدُنْيا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَفُرْشٌ" بِسُكُونِها، والفُرْشُ: الأسِرَّةُ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ في ارْتِفاعِ السَرِيرِ مِنها خَمْسمِائَةَ سَنَةٍ، وهَذا واللهُ أعْلَمُ لا يَثْبُتُ، وإنَّ قُدِّرَ فَمُتَأوِّلٌ خارِجٌ عن ظاهِرِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: أرادَ بِالفُرُشِ النِساءَ. و"مَرْفُوعَةٍ" مَعْناهُ في الأقْدارِ والمَنازِلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي ∗∗∗ عِنْدَ الرَسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ ولَمْ تُصِبِ
(p-١٩٩)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في تَعْدِيدِهِ عَلى صِهْرِهِ: "وَأفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، قالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الحُورِ العِينِ" المَذْكُوراتِ قَبْلُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ قَدِ انْقَضَتْ جُمْلَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: قَدْ ذَكَرَهُنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ" فَلِذَلِكَ رَدَّ الضَمِيرَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى المَقْصِدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ونَحْوِهِ، و: "أنْشَأْناهُنَّ" مَعْناهُ: خَلَقْناهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: « "عَجائِزُكُنَّ في الدُنْيا عُمْشًا رُمْصًا،»«وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَجُوزٍ: "إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ"، فَحَزِنَتْ فَقالَ "إنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ أُنْشِئْتَ خَلْقًا آخَرَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ دائِماتِ البَكارَةِ، مَتى عاوَدَ الواطِئُ وجَدَها بِكْرًا. و"العَرَبُ" جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها بِإظْهارِ مَحَبَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَبَّرَ عنهُنَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا بِالعَواشِقِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ وفي الحُدُوجِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ ∗∗∗ رَيّا الرَوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ
(p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُرُوبُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، وقَدْ تَجِيءُ العُرُوبُ صِفَةَ ذَمٍّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهي الفاسِدَةُ الأخْلاقِ كَأنَّها عُرِّبَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما بَدَلٌ مِن أُمِّ عُثْمانَ سَلْفَعٌ ∗∗∗ مِنَ السُودِ ورْهاءُ العِنانِ عَرِيبُ
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "عُرُبًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والحَسَنُ: والأعْمَشُ: "عُرْبًا" بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أتْرابًا" مَعْناهُ: في الشَكْلِ والَقَدِّ حَتّى يَقُولَ الرائِي: هم أتْرابٌ، والتِرْبُ هو الَّذِي مَسَّ التُرابَ مَعَ تِرْبِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: "أتْرابًا" بِمَعْنى: سِنًّا واحِدَةً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ هم عَلى قَدْرِ ابْنِ أرْبَعَةَ عَشَرَ عامًا في الشَبابِ والنُضْرَةِ، وقِيلَ: عَلى أمْثالِ أبْناءِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، مُرْدًا بِيضًا مُكَحَّلِينَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ - فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: الأوَّلُونَ: سالِفُ الأُمَمِ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ هم أصْحابُ اليَمِينِ، والآخَرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ، مِنهم جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ أهْلُ يَمِينٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
بَلْ جَمِيعُهم إلّا مَن كانَ مِنَ السابِقِينَ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هاتانِ الفِرْقَتانِ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٠١)رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الثُلْثانِ مِن أُمَّتِي"،» فَعَلى هَذا التابِعُونَ بِإحْسانٍ ومَن جَرى مَجْراهم ثُلَّةٌ أُولى، وسائِرُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ أُخْرى في آخِرِ الزَمانِ.
56:41–50Страница 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١
И будут те, кто по левую сторону. Кто же будет по левую сторону?
فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ ٤٢
Они окажутся под знойным ветром и в кипятке,
وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ ٤٣
в тени черного дыма,
لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤
которая не приносит ни прохлады, ни добра.
إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥
Прежде они нежились роскошью,
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
упорствовали в великом грехе
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧
и говорили: «Неужели мы будем воскрешены после того, как мы умрем и станем прахом и костями?
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ٤٨
Или же наши праотцы?».
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Скажи: «Воистину, как первые, так и последние поколения
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
будут собраны в определенном месте в известный день.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾
إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ، وفي الكَلامِ هُنا مَعْنى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِ مُصابِهِمْ.
و"السَمُومُ": أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ اليابِسِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ.
و"الحَمِيمُ": الأسْوَدُ وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الشَيْءِ الأسْوَدِ الَّذِي يُظِلُّ أهْلَ النارِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الدُخانُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: هو سُرادِقُ النارِ المُحِيطِ بِأهْلِها، فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم. وحَكى النَقّاشُ أنَّ "اليَحْمُومَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو جَبَلٌ في النارِ أسْوَدٌ يَفْزَعُ أهْلُ النارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ وأمَرَّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا كَرِيمٍ" قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ في الظِلالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ ونَسَبٌ كَرِيمٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ لَهُ صِفاتِ مَدْحٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهُ بِعَدَمِ الكَرَمِ عَلى مَعْنى ألّا كَرامَةَ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ في الدُنْيا قَدْ يَصْبِرُ عَلى سُوءِ المَوْضِعِ لِقَرِينَةِ إكْرامٍ يَنالُهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، فَجَمَعَ هَذا الظِلَّ في النارِ أنَّهُ سَيِّئُ الصِفَةِ وهم فِيهِ مُهانُونَ.
(p-٢٠٢)و"المُتْرَفُ": المُنَعَّمُ في سَرَفٍ وتَخَوُّضٍ، و"يُصِرُّونَ" مَعْناهُ: يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا لا يَنْوُونَ عنهُ إقْلاعًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ، و"الحِنْثُ": الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ..."» الحَدِيثُ، أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فَتَتَعَلَّقُ بِهِمُ الآثامُ، وقالَ الخَطابِيُّ: الحِنْثُ في كَلامِ العَرَبِ العَدْلُ الثَقِيلُ، يُشَبِّهُ الإثْمَ بِهِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الإثْمِ - فَقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الشِرْكُ، وهَذا هو الظاهِرُ، وقالَ قَوْمٌ - فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ -: هو الحِنْثُ في قَسَمِهِمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] الآيَةُ في التَكْذِيبِ بِالبَعْثِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ، فالقَوْلُ بِهِ عَلى عُمُومِهِ أولى، وقالَ الشَعْبِيُّ: الحِنْثُ العَظِيمُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا"وَ"أئِنّا"، ويُخْتَصُّ مِن ذَلِكَ بِهَذا المَوْضِعِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ يُخالِفُ فِيهِ أصْلَهُ فَيَقْرَأُ: أيِذا" "أيِنّا" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فِيهِما عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورَواهُ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ". والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أئِذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ"، تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ؟ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "مُتْنا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُتْنا" بِكَسْرِها وهَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: مِتُّ أمُوتُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِضَمِّها، ولَمْ يُحْكَ مِنها عَنِ العَرَبِ إلّا هَذِهِ اللَفْظَةُ وأُخْرى هي فَضَلَ يُفَضِّلُ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ مِن "أو"، ومَعْنى الآيَةِ اسْتِبْعادُ أنْ يُبْعَثُوا هم وآباؤُهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَآباؤُنا" بِتَحْرِيكِ الواوِ عَلى أنَّها واوُ العَطْفِ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها شِدَّةُ الِاسْتِبْعادِ (p-٢٠٣)فِي الآباءِ، كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثُوا ثُمَّ أتَوْا بِذِكْرٍ مِنَ البَعْثِ فِيهِمْ أبْعَدُ، وهَذا بَيِّنٌ لِأهْلِ العِلْمِ بِلِسانِ العَرَبِ.
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّ العالَمَ مَحْشُورٌ مَبْعُوثٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ مُوَقَّتٍ. و"مِيقاتٍ" مِفْعالٍ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.
56:51–62Страница 536
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Тогда вы, о заблудшие, считающие лжецами посланников,
لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ٥٢
непременно вкусите от дерева заккум.
فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٥٣
Вы будете набивать ими животы
فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ٥٤
и запивать их кипятком,
فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ ٥٥
как пьют больные верблюды, которые не могут спастись от жажды».
هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦
Таким для них будет угощение в День воздаяния.
نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧
Мы сотворили вас. Почему же вы не признаете воскрешения?
أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨
Видели ли вы семя, которое вы извергаете?
ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩
Вы создаете его или Мы создаем?
نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠
Мы распределили между вами смерть, и ничто не может помешать Нам
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١
заменить вас подобными вам (или изменить ваше обличие) и создать вас такими, какими вы себе и не представляете.
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢
Вы уже знаете о первом сотворении. Почему же вы не помяните назидание?
وَقوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ.
و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ:
الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ.
(p-٢٠٤)وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ. و"الدِينُ": الجَزاءُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟ فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟ الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ. وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ: « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"».
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو (p-٢٠٥)الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии