Ибн АтыйяАль‑Араф · 7:12–19

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

Аль-Араф 7:12–19

7:12–16Страница 152

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢

Аллах сказал: «Что помешало тебе пасть ниц, когда Я приказал тебе?». Иблис сказал: «Я лучше него. Ты сотворил меня из огня, а его - из глины».

قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣

Аллах сказал: «Низвергнись отсюда! Негоже тебе превозноситься здесь. Изыди, ибо ты - один из униженных».

قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤

Иблис сказал: «Предоставь мне отсрочку до того дня, когда они будут воскрешены».

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ١٥

Аллах сказал: «Воистину, ты - один из тех, кому предоставлена отсрочка».

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

Иблис сказал: «За то, что Ты совратил меня, я непременно засяду против них на Твоем прямом пути.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾

"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ

وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٥٢٢)

؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ

وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ (p-٥٢٣)عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.

تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.

ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.

ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ":﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.

(p-٥٢٤)وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.

و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ:

؎ مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى

(p-٥٢٥)قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.

وقَوْلُهُ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.

7:17–18Страница 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

А затем я буду подходить к ним спереди и сзади, справа и слева, и Ты не найдешь большинство из них благодарными».

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

Аллах сказал: «Изыди презренным и отверженным! А если кто из них последует за тобой, то Я заполню Геенну всеми вами.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾

هَذا تَوْكِيدٌ مِن إبْلِيسَ في أنَّهُ يَجِدُّ في إغْواءِ بَنِي آدَمَ؛ وهَذا لَمْ يَكُنْ؛ حَتّى عَلِمَ إبْلِيسُ (p-٥٢٦)أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً؛ وعَلِمَ أنَّهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإلّا فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى عِلْمِ أنْسالِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ أخْبَرَ عن نَفْسِهِ أنَّهُ يَأْتِي لِإضْلالِ ابْنِ آدَمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وعَلى كُلِّ طَرِيقٍ؛ يُفْسِدُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَهُ مِن مُعْتَقَدِهِ؛ ويُنْسِيهِ صالِحَ أعْمالِ الآخِرَةِ؛ ويُغْرِيهِ بِقَبِيحِ أعْمالِ الدُنْيا؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِألْفاظٍ تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِهِمْ؛ وفي اللَفْظِ تَجَوُّزٌ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما رُوِيَ عنهُ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآخِرَةَ؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ اَلدُّنْيا؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَقَّ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلْباطِلَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا - فِيما رُوِيَ عنهُ -: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ هي الدُنْيا؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ هي الآخِرَةُ؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَسَناتُ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلسَّيِّئاتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وعن أيْمانِهِمْ"؛ مَعْناهُ: حَيْثُ يُبْصِرُونَ؛ و"وَمِن خَلْفِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ"؛ حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ؛ أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ظَنًّا مِنهُ؛ وتَوَهُّمًا في خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى خِلْقَتَهُ؛ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَعَلِمَ أنَّهُ سَتَكُونُ لَهم شِيَمٌ تَقْتَضِي طاعَتَهُ؛ كالغِلِّ؛ والحَسَدِ؛ والشَهَواتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: إلّا أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يَأْتِي بَنِي آدَمَ مِن فَوْقِهِمْ؛ ولا جَعَلَ اللهُ تَعالى لَهُ سَبِيلًا إلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وعَفْوِهِ؛ ومَنِّهِ؛ وما ظَنَّهُ إبْلِيسُ صَدَّقَهُ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] ؛ فَجَعَلَ أكْثَرَ العالَمِ كَفَرَةً؛ ويُبَيِّنُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ: (يا آدَمُ؛ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ)؛ فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النارِ؟ فَيَقُولُ: (مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ"؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يَخُصُّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "ما أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَوْرِ الأسْوَدِ» ".

(p-٥٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "كالشَعْرَةِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ شَعْرَةً واحِدَةً؛ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَناسُبَ الحَدِيثِ الأوَّلِ يَرُدُّهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشَعْرَةَ الَّتِي هي لِلْجِنْسِ؛ والقَصْدُ أنْ يُشَبِّهَهم بِثَوْرٍ أسْوَدَ؛ قَدْ أُنْبِتَتْ في خِلالِ سَوادِهِ شَعْرَةٌ بَيْضاءُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَمْعَةَ مِنَ الشَعْرِ الأبْيَضِ؛ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ.

وقَوْلُهُ: "شاكِرِينَ"؛ مَعْناهُ: مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ ؛ اَلضَّمِيرُ في "مِنها"؛ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ و"مَذْؤُمًا"؛ مَعْناهُ: مَعِيبًا؛ يُقالُ: "ذَأمَهُ"؛ إذا عابَهُ؛ ومِنهُ "اَلذَّأمُ"؛ وهو العَيْبُ؛ وفي المَثَلِ: "لَنْ تُعْدَمَ الحَسْناءُ ذامًّا"؛ أيْ عَيْبًا؛ وسُهِّلَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْلِ حِمْيَرَ: "أرَدْتَ أنْ تُذِيمَهُ فَمَدَهْتَهُ"؛ يُرِيدُ: "فَمَدَحْتَهُ"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يُرْوى هَذا البَيْتُ:

؎ صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي أذِيمُها

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والرِوايَةُ المَشْهُورَةُ: "ألُومُها"؛ ومِنَ الشاهِدِ في اللَفْظِ قَوْلُ الكُمَيْتِ:(p-٥٢٨)

؎ وهُمُ الأقْرَبُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وهُمُ الأبْعَدُونَ مِن كُلِّ ذامِ

ومِنَ الشاهِدِ في "مَدْحُورًا"؛ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ودَحَرْتُ بَنِي الحُصَيْبِ إلى قَدِيدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ كانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ

وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ في هَذِهِ الآيَةِ: "مَذُومًا"؛ عَلى التَسْهِيلِ؛ و"مَدْحُورًا"؛ مَعْناهُ: مَقْصِيًّا مُبْعَدًا؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَمَن تَبِعَكَ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وهي عَلى هَذِهِ لامُ القَسَمِ؛ المُخْرِجَةُ الكَلامَ مِنَ الشَكِّ إلى القَسَمِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ؛ والأعْمَشُ: "لِمَن تَبِعَكَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ والمَعْنى: "لِأجْلِ مَن تَبِعَكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ"؛ فَأدْخَلَهُ في الوَعِيدِ مَعَهُمْ؛ بِحُكْمِ هَذِهِ الكافِ في "مِنكُمْ".

7:19Страница 152

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

О Адам! Поселись в Раю вместе со своей супругой. Ешьте, где (или когда) пожелаете, но не приближайтесь к этому дереву, а не то окажетесь беззаконниками».

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ فَتَكُونا مِن الظالِمِينَ﴾

إذا أُمِرَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ؛ فَإنَّما المَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى حالِهِ؛ ويَتَمادى في هَيْئَتِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - "اُسْكُنْ"؛ هو مِن هَذا البابِ؛ وأكَّدَ الضَمِيرَ الَّذِي في قَوْلِهِ: "اُسْكُنْ"؛ بِقَوْلِهِ: "أنْتَ"؛ وحِينَئِذٍ جازَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ وهو ضَمِيرٌ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ؛ ولا يَتَرَتَّبُ؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَلْفُوظِ بِهِ لا يَجُوزُ؛ إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "قُمْتَ أنْتَ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ الضَمِيرَ بِمَنزِلَةِ حَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ وهَذا الضَمِيرُ الَّذِي في "اُسْكُنْ"؛ أضْعَفُ مِنَ المَلْفُوظِ بِهِ؛ فَأحْرى ألّا يَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ التَأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "فَكُلا"؛ هو مِن "أكَلَ"؛ فَأصْلُهُ "اُؤْكُلا"؛ فَحُذِفَتْ فاءُ الفِعْلِ؛ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ؛ واسْتُغْنِيَ عَنِ الأُخْرى لَمّا تَحَرَّكَ ما بَعْدَها؛ وحَسُنَ أيْضًا حَذْفُ فاءِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الحَرَكَةَ عَلى حَرْفِ عِلَّةٍ؛ وهَذا بابُ كَلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ هَمْزَةٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلَ"؛ كَـ "أخَذَ"؛ و"أمَرَ"؛ ونَحْوِهِما؛ وكانَ القِياسُ ألّا تُحْذَفَ فاءُ الفِعْلِ؛ ولَكِنْ ورَدَ اسْتِعْمالُهم هَكَذا.

ويُقالُ: "قَرُبَ؛ يَقْرَبُ"؛ و﴿هَذِهِ الشَجَرَةَ﴾ ؛ اَلظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ مِن نَوْعٍ؛ وأرادَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وهو يُرِيدُ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ؛ وعَبَّرَ باسِمِ الواحِدَةِ؛ كَما تَقُولُ: "أصابَ الناسُ الدِينارَ؛ والدِرْهَمَ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ النَوْعَ.

(p-٥٢٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما قَصَدَ في وقْتِ مَعْصِيَتِهِ فِعْلَ ما نُهِيَ عنهُ؛ قالَهُ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ؛ وبِذَلِكَ أغْواهُ إبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللهُ تَعالى - بِقَوْلِهِ: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ أو تَكُونَ مَلِكًا؛ فَيَبْطُلُ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما أخْطَأ مُتَأوِّلًا؛ بِأنْ ظَنَّ النَهْيَ مُتَعَلِّقًا بِشَخْصِ شَجَرَةٍ؛ فَأكَلَ مِنَ النَوْعِ؛ فَلَمْ يُعْذَرْ بِالخَطَإ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ هَذا القائِلَ إنَّما يَفْرِضُ آدَمَ مُعْتَقِدًا أنَّ النَهْيَ إنَّما تَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَكَيْفَ يُقالُ لَهُ - مَعَ هَذا الِاعْتِقادِ -: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ ثُمَّ يَقْصِدُ هو طَلَبَ الخُلُودِ في ارْتِكابِ غَيْرِ ما نُهِيَ عنهُ؟ ولا فارِقَ بَيْنَ أكْلِهِ ما يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَمْ يُنْهَ عنهُ؛ وبَيْنَ أكْلِهِ سائِرَ المُباحاتِ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والهاءُ الأخِيرَةُ في "هَذِهِ"؛ بَدَلٌ مِنَ الياءِ في "هَذِي"؛ أُبْدِلَتْ في الوَقْفِ؛ ثُمَّ ثَبَتَتْ في الوَصْلِ هاءً؛ حَمْلًا عَلى الوَقْفِ؛ ولَيْسَ في الكَلامِ هاءُ تَأْنِيثٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ إلّا هَذِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَذِي الشَجَرَةَ"؛ عَلى الأصْلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَتَكُونا"؛ نُصِبَ في جَوابِ النَهْيِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَعَلَّقَ الناسُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ مَسْألَةَ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها عَلى ضَرْبَيْنِ: فَأمّا الفُقَهاءُ؛ فَدَعاهم إلى الكَلامِ فِيها أنَّهُ تُنْزَلَ نَوازِلُ؛ لا تُوجَدُ مَنصُوصَةً في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ولا في سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولا في إجْماعٍ؛ ويُعَتَّمُ وجْهُ اسْتِقْرائِها مِن أحَدِ هَذِهِ الثَلاثَةِ؛ وقِياسِها عَلى ما فِيها؛ فَيَرْجِعُ الناظِرُ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ عَلى أيِّ جِهَةٍ يَحْمِلُها؛ مِنَ الإجازَةِ؛ والمَنعِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إذا نُزِلَ مِثْلُ هَذا نَحْمِلُهُ عَلى الحَظْرِ؛ ونَأْخُذُ فِيهِ بِالشِدَّةِ؛ ونَسْتَبْرِئُ لِأنْفُسِنا؛ إذِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ بَيَّنَ لَنا في كِتابِهِ جَمِيعَ ما يَجِبُ بَيانُهُ؛ وأحَلَّ ما أرادَ تَحْلِيلَهُ؛ ولَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ هَذِهِ النازِلَةِ إلّا عن قَصْدٍ؛ فاجْتِرامُنا نَحْنُ عَلَيْها لا تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْمِلُها عَلى الإباحَةِ؛ لِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أكْمَلَ لَنا دِينَنا؛ وحَرَّمَ عَلَيْنا ما شاءَ تَحْرِيمَهُ؛ ولَمْ يُهْمِلِ النَصَّ عَلى نازِلَةٍ إلّا وقَدْ تَرَكَها في جُمْلَةِ المُباحِ؛ وبَعِيدٌ أنْ يُرِيدَ في شَيْءٍ التَحْرِيمَ ولا يَذْكُرَهُ لَنا؛ ويَدَعَنا في (p-٥٣٠)عَمى الجَهالَةِ بِهِ؛ فَإنَّما نَحْمِلُها عَلى الإباحَةِ؛ حَتّى يَطْرَأ الحَظْرُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى الوَقْفِ أبَدًا؛ ولا نَحْكُمُ فِيهِ بِحَظْرٍ؛ ولا إباحَةٍ؛ بَلْ نَطْلُبُ فِيهِ النَظَرَ والقِياسَ أبَدًا؛ وذَلِكَ أنّا نَجِدُ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ في كِتابِهِ: "حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ في مَواضِعَ؛ ويَقُولُ: "أُحِلَّ لَكُمْ"؛ في مَواضِعَ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ نازِلَةٍ تَحْتاجُ إلى شَرْعٍ؛ وأمْرٍ؛ إمّا [مَخْصُوصٍ] بِها؛ وإمّا [مُشْتَمِلٍ] عَلَيْها؛ وعَلى غَيْرِها؛ ولَوْ كانَتِ الأشْياءُ عَلى الحَظْرِ؛ لَما قالَ في شَيْءٍ: "حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ ولَوْ كانَتْ عَلى الإباحَةِ لَما قالَ في شَيْءٍ: "أُحِلُّ لَكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أبْيَنُ الأقْوالِ؛ ولَمْ يَتَعَرَّضِ الفُقَهاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى النَظَرِ في تَحْسِينِ العَقْلِ؛ وتَقْبِيحِهِ؛ وإنَّما تَمَسَّكُوا في أقْوالِهِمْ هَذِهِ بِأسْبابِ الشَرِيعَةِ؛ وذَهَبُوا إلى انْتِزاعِ مَذاهِبِهِمْ مِنها.

وأمّا الضَرْبُ الثانِي مِن كَلامِ الناسِ في الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ فَإنَّ المُعْتَزِلَةَ - ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ العَقْلَ يُحَسِّنُ؛ ويُقَبِّحُ - نَظَرُوا في المَسْألَةِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ؛ فَقالُوا: نَفْرِضُ زَمَنًا لا شَرْعَ فِيهِ؛ أو رَجُلًا نَشَأ في بَرِّيَّةٍ؛ ولَمْ يُحِسَّ قَطُّ بِشَرْعٍ؛ ولا بِأمْرٍ؛ ولا بِنَهْيٍ؛ أو نُقَدِّرُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وقْتَ إهْباطِهِ إلى الأرْضِ قَدْ تُرِكَ وعَقْلَهُ؛ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ؛ ويُنْهى؛ كَيْفَ كانَتِ الأشْياءُ عَلَيْهِ؟ أو كَيْفَ يَقْتَضِي العَقْلُ في الزَمَنِ؛ والرَجُلِ المَفْرُوضَيْنِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: اَلَّذِي يَحْسُنُ في العَقْلِ أنْ تَكُونَ مَحْظُورَةً كُلُّها حَتّى يَرِدَ الإذْنُ بِاسْتِباحَتِها؛ وذَلِكَ أنَّ اسْتِباحَتَها تَعَدٍّ عَلى مِلْكِ الغَيْرِ؛ وإذا قَبُحَ ذَلِكَ في الشاهِدِ؛ فَهو في حَقِّ اللهِ تَعالى أعْظَمُ حُرْمَةً؛ وذَهَبَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ إلى اسْتِثْناءِ التَنَفُّسِ والحَرَكَةِ مِن هَذا الحَظْرِ؛ وقالُوا: إنَّ هَذِهِ لا يُمْكِنُ غَيْرُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ الِاضْطِرارُ إلَيْها إباحَةً لَها؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحْسُنُ في العَقْلِ أنْ تَكُونَ مُباحَةً؛ إذِ التَحَكُّمُ في مِلْكِ الغَيْرِ بِوَجْهٍ لا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ كالِاسْتِظْلالِ بِالجُدْرانِ؛ ونَحْوِهِ مُباحٌ؛ فَإذا كانَ هَذا في الشاهِدِ جائِزًا؛ فَهو في عِظَمِ قَدْرِ اللهُ تَعالى ووُجُودِهِ أجْوَزُ؛ إذْ لا ضَرَرَ في تَصَرُّفِنا نَحْنُ في مِلْكِهِ؛ ويَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.

(p-٥٣١)وَقالَ أهْلُ الحَقِّ والسُنَّةِ - في هَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ -: بَلِ الأمْرُ في نَفْسِهِ عَلى الوَقْفِ؛ ولا يُوجِبُ العَقْلُ تَحْسِينًا؛ ولا تَقْبِيحًا؛ بِمُجَرَّدِهِ؛ يُدانُ بِهِ؛ ولا يُتَّجَهُ حُكْمُ الحَسَنِ؛ والقَبِيحِ إلّا بِالشَرْعِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: والعَقْلُ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن شَرْعٍ؛ فَلا مَعْنى لِلْخَوْضِ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ ولا لِفَرْضِ ما لا يَقَعُ؛ وذَهَبُوا إلى الِاحْتِجاجِ بِأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الأوامِرُ والنَواهِي في الجَنَّةِ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهُ - حِينَ جَرى الرُوحُ في جَسَدِهِ؛ فَعَطَسَ -: (قُلْ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ"؛ يا آدَمُ)؛ وبِقَوْلِهِ: (اُسْكُنْ)؛ و(كُلْ)؛ و(لا تَقْرَبْ)؛ ونَحْوِ هَذا؛ وقالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ في "اَلتَّقْرِيبُ والإرْشادُ": إنَّ الفُقَهاءَ الَّذِينَ قالُوا بِالحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ لَمْ يَقْصِدُوا الكَوْنَ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في غَوايَتِهِمْ؛ ولَكِنَّهم رَأوا لَهم كَلامًا مُلَفَّقًا؛ مُمَوَّهًا؛ فاسْتَحْسَنُوهُ دُونَ أنْ يَشْعُرُوا بِما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ الفَسادِ في القَوْلِ بِتَحْسِينِ العَقْلِ؛ وتَقْبِيحِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الكَلامِ حَمْلٌ عَلى فُقَهاءِ الشَرْعِ؛ واسْتِقْصارٌ لَهُمْ؛ والصَوابُ ألّا يُظَنَّ بِهِمْ هَذا الخَلَلُ؛ وإنَّما التَمَسُوا عَلى نَوازِلِهِمْ تَعْلِيقَ حُكْمِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ مِنَ الشَرْعِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِمْ أنَّهم يَدْفَعُونَ الحَقَّ في أنَّ العَقْلَ لا يُحَسِّنُ ولا يُقَبِّحُ دُونَ الشَرْعِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الشَجَرَةِ؛ وتَعْيِينِها.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English