Ибн АтыйяАль‑Араф · 7:144–149

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

Аль-Араф 7:144–149

7:144–145Страница 168

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

Он сказал: «О Муса (Моисей)! Я возвысил тебя над людьми благодаря Моему посланию и Моей беседе. Посему возьми то, что Я даровал тебе, и будь одним из благодарных».

وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥

Мы написали для него на скрижалях увещевание о всякой вещи и разъяснение всего сущего: «Держи их крепко и вели твоему народу следовать наилучшему из этого. Я покажу вам Обитель нечестивцев.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى الناسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾

قالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي الباقِلّانِيُّ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ ظَهَرَ وبَدا سُلْطانُهُ، فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صَعِقَ"، وهَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عن ثابِتٍ عن أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ: "فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" قالَ: فَوَضَعَ الإبْهامَ قَرِيبًا مِن خِنْصَرِهِ، قالَ: فَساخَ الجَبَلُ، (p-٤٢)فَقالَ حُمَيْدٌ لِثابِتٍ: تَقُولُ هَذا؟ فَرَفَعَ ثابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وقالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ويَقُولُهُ أنَسٌ وأكْتُمُهُ أنا؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَلَمّا تَجَلّى اللهُ لِلْجَبَلِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ انْدَكَّ الجَبَلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ يَتَمَسَّكُ بِهِ المُعْتَزِلَةُ تَمَسُّكًا شَدِيدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقائِلُهُ مِن أهْلِ السُنَّةِ إنَّما يَقُولُهُ مَعَ اعْتِقادِهِ جَوازَ الرُؤْيَةِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآيَةِ مِن أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ أنَّ الجَبَلَ خُلِقَ لَهُ إدْراكٌ وحَياةٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَن قالَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "فَلَمّا تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ" فَقَدْ أخْطَأ، ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُغَةِ ذَلِكَ، ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ في "الأغْفالِ" عَلَيْهِ.

والدَكُّ: الِانْسِحاقُ والتَفَتُّتُ، وقَرَأ النَبِيُّ ﷺ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "دَكًّا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وغَيْرُهُمْ: "دَكّاءَ" عَلى وزْنِ حَمْراءَ، والدَكّاءُ: الناقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فالمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالناقَةِ، فَرُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ الجَبَلُ بِرُمَّتِهِ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَفَتَّتَ وانْسَحَقَ حَتّى صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ انْكَسَرَ سِتَّ فِرَقٍ، فَوَقَعَتْ مِنهُ ثَلاثٌ بِمَكَّةَ: ثَبِيرٌ، وغارُ ثَوْرٍ، وحِراءُ، وثَلاثٌ بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ، ووَرْقانُ، ورَضْوى، قالَهُ النَقّاشُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: ساخَ في الأرْضِ فَلا يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

و"صَعِقًا" مَعْناهُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَحال مَن تُصِيبُهُ الصَعْقَةُ وهي الصَيْحَةُ المُفْرِطَةُ، قالَ الخَلِيلُ: وهي الوَقْعُ الشَدِيدُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ مَوْتًا، قالَ الزَجّاجُ: وهو ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ "أفاقَ" تَقْتَضِي (p-٤٣)غَيْرَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ، كَذا فَسَّرَهُ النَبِيُّ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] مَعْناهُ: مِن أنْ أسْألَكَ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا وأنْتَ لا تُبِيحُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّهُ لَفْظٌ قالَهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِشِدَّةِ هَوْلِ ما اطَّلَعَ، ولَمْ يَعْنِ بِهِ التَوْبَةَ مِن شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ولَكِنَّهُ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ المَقامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي يَتَحَرَّزُ مِنهُ أهْلُ السُنَّةِ أنْ تَكُونَ تَوْبَةً مِن سُؤالِ المُحالِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ،.

وقَرَأ نافِعٌ: "وَأنا" بِإثْباتِ الألِفِ في الإدْراجِ، قالَ الزَهْراوِيُّ، والأولى حَذْفُها في الإدْراجِ، وإثْباتُها لُغَةٌ شاذَّةٌ خارِجَةٌ عَنِ القِياسِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلُ" إمّا أنْ يُرِيدَ: مِن قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، أو مِن أهْلِ زَمانِهِ إنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّكَ لا تَرى في الدُنْيا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى قَرَّرَ مُوسى عَلى آلائِهِ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ وقَنَّعَهُ بِها وأمَرَهُ بِالشُكْرِ عَلَيْها، وكَأنَّهُ قالَ: ولا تَتَعَدَّها إلى غَيْرِها.

واصْطَفى أصْلُهُ: اصْتَفى، وهو افْتَعَلَ مِن صَفا يَصْفُو انْقَلَبَتِ التاءُ طاءً لِمَكانِ الصادِ، ومَعْناهُ: تَخَيَّرْتُكَ وخَصَصْتُكَ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الخَيْرِ والمِنَنِ، لا يُقالُ: اصْطَفاهُ لِشَرٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الناسِ﴾ عامٌّ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن شارَكَ مُوسى في الإرْسالِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ المُرْسَلِينَ مُشارِكُونَ لَهُ بِما هم رُسُلٌ، والظاهِرُ مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ مُوسى مُخَصَّصٌ بِالكَلامِ وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ في تَكْلِيمِ اللهِ غَيْرَهُ أشْياءُ بِما يَشاءُ، مِن أعْظَمِها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن آدَمَ فَقالَ: "هُوَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

إلّا أنَّ ذَلِكَ قَدْ تُؤُوِّلَ بِأنَّهُ كانَ في الجَنَّةِ فَيَتُحَفَّظُ -عَلى هَذا- تَخْصِيصُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى الناسِ﴾ عُمُومًا مُطْلَقًا في مَجْمُوعِ الدَرَجَتَيْنِ: الرِسالَةِ (p-٤٤)والكَلامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِرِسالاتِي" عَلى الجَمْعِ، إذِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ ضُرُوبٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وتُحَلُّ الرِسالَةُ هاهُنا مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإرْسالُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبِكَلامِي"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِرِسالَتِي وبِكَلِمِي"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِرِسالاتِي وبِكَلِمِي"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: "وَتَكْلِيمِي" عَلى وزْنِ تَفْعِيلِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ تَأْدِيبٌ وتَقْنِيعٌ وحَمْلٌ عَلى جادَّةِ السَلامَةِ، ومِثالٌ لِكُلِّ أحَدٍ في حالِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ النِعَمِ مِن عِنْدِهِ بِمِقْدارٍ، وكُلُّ الأُمُورِ بِمَرْأًى مِنَ اللهِ ومَسْمَعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ في "الألْواحِ" عِوَضٌ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي يُقَدَّرُ وصْلُهُ بَيْنَ "الألْواحِ" و"مُوسى" عَلَيْهِ السَلامُ، تَقْدِيرُهُ: في ألْواحِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] أيْ: مَأْواهُ. وقِيلَ: كانَتِ الألْواحُ اثْنَيْنِ، وقِيلَ: سَبْعَةً، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا: مَن بُرُدٍ، وقالَ الحَسَنُ: مِن خَشَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لَفْظَةُ عُمُومٍ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ في مَعْنى الشَرْعِ ويُحْتاجُ إلَيْهِ في المَصْلَحَةِ، وقَوْلُهُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ" مِثْلُهُ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أمِرُوا بِهِ ونُهُوا عنهُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ:

، وقالَ السُدِّيُّ: الحَلالُ والحَرامُ. وقَوْلُهُ: "بِقُوَّةٍ" مَعْناهُ: بِجِدٍّ وصَبْرٍ عَلَيْها واحْتِمالٍ لِمُؤْنَتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والسُدِّيُّ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "بِقُوَّةٍ" هُنا: بِطاعَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَأْخُذَ بِأشَدِّ مِمّا أمَرَ بِهِ قَوْمَهُ، وخُذْ أصْلُهُ: أُؤْخُذْ، حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: "بِأحْسَنِها" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما التَفْضِيلُ، (p-٤٥)كَأنَّهُ قالَ: إذا اعْتَرَضَ فِيها مُباحانِ، فَيَأْخُذُونَ الأحْسَنَ مِنهُما كالعَفْوِ والقِصاصِ، والصَبْرِ والِانْتِصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

هَذا عَلى القَوْلِ أنَّ أفْعَلَ في التَفْضِيلِ لا يُقالُ إلّا لِما لَهُما اشْتِراكٌ في المُفَضَّلِ فِيهِ. وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَقَدْ يُرادُ بِالأحْسَنِ المَأْمُورُ بِهِ بِالإضافَةِ لِلْمَنهِيِّ عنهُ لِأنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ، وذَلِكَ كالناسِخِ بِالنِسْبَةِ لِلْمَنسُوخِ ونَحْوِ هَذا، وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الفَرائِضُ وهي لا تَدْخُلُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُتَصَوَّرَ اشْتِراكٌ في حُسْنٍ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عنهُ ولَوْ بِحَسَبِ المَلاذِ وشَهَواتِ النَفْسِ الأمّارَةِ، والمَعْنى الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "بِأحْسَنِها" أنْ يُرِيدَ بِـ"أحْسْنِ" وصْفَ الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جَعَلْنا لَكم شَرِيعَةً هي أحْسَنُ، كَما تَقُولُ: "اللهُ أكْبَرُ" دُونَ مُقايَسَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَمُرْهم يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها الَّذِي شَرَعْناهُ لَهُمْ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اعْتِراضاتٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَأُورِيكُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أُورِيكُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذِهِ القِراءَةِ مَرْدُودٌ وهو أبُو سَعِيدٍ المَأْثُورُ فَصاحَتُهُ. فَوَجَّهَها أنَّ المُرادَ "أُرِيكُمْ" ثُمَّ أُشْبِعَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ ومُطِلَتْ حَتّى نَشَأتْ عنها واوٌ، ويَحْسُنُ احْتِمالُ الواوِ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ مَوْضِعُ وعِيدٍ وإغْلاظٍ فَمَكَّنَ الصَوْتَ فِيهِ. وقَرَأ قَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: "سَأُورِثُكُمْ"، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، ونَسَبَها المَهْدَوِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. (p-٤٦)وَثَبَتَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ فَلِذَلِكَ أُشْكِلَ هَذا الِاخْتِلافُ مَعَ أنّا لا نَتَأوَّلُ إلّا أنَّها مَرْوِيّاتٌ. فَأمّا مَن قَرَأها: "سَأُورِيكُمْ" فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَأعْرِضُ عَلَيْكم وأجْعَلُكم تُحِسُّونَ لِتَعْتَبِرُوا حالَ دارِ الفاسِقِينَ. والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ إلّا أنَّ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدَ لِلْفاسِقِينَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها رُؤْيَةُ العَيْنِ تَعَدِّي فِعْلِها، وقَدْ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَوْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لِتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: المَفْعُولُ الثالِثُ يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى فَهو مُقَدَّرٌ، أيْ: مُدَمَّرَةً أو خَرِبَةً أو مُسَعَّرَةً -عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي جَهَنَّمُ- قِيلَ لَهُ: ولا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَفْعُولِ والِاقْتِصارِ دُونَهُ أنَّها داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولَوْ جُوِّزَ لَكانَ عَلى قُبْحٍ في اللِسانِ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ في كِتابِ النَقّاشِ: دارُ الفاسِقِينَ مِصْرُ، والمُرادُ آلُ فِرْعَوْنَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: دارُ الفاسِقِينَ الشامُ، والمُرادُ العَمالِقَةُ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِقِتالِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: دارُ الفاسِقِينَ جَهَنَّمُ، والمُرادُ الكَفَرَةُ بِمُوسى عامَّةً، وقالَ النَقّاشُ عَنِ الكَلْبِيِّ: دارُ الفاسِقِينَ دُورُ ثَمُودَ وعادٍ والأُمَمِ الخالِيَةِ، أيْ: سَنَقُصُّها عَلَيْكم فَتَرَوْنَها.

7:146–147Страница 168

سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦

Я отвращу от Моих знамений тех, которые возгордились на земле без всякого права на то. Какое бы знамение они ни увидели, они не уверуют в него. Если они увидят правый путь, то не последуют этим путем, а если они увидят путь заблуждения, то последуют им. Это потому, что они сочли ложью Наши знамения и пренебрегли ими».

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧

Деяния тех, которые сочли ложью Наши знамения и встречу в Последней жизни, окажутся тщетными. Разве им не воздастся только за то, что они совершали?

قوله عزّ وجلّ:

﴿سَأصْرِفُ عن آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

(p-٤٧)المَعْنى: سَأمْنَعُ وأصُدُّ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الآياتُ هُنا كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالمَعْنى: عن فَهْمِها وتَصْدِيقِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الآياتُ: العَلاماتُ المَنصُوبَةُ الدالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالمَعْنى: عَنِ النَظَرِ فِيها والتَفْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ بِها، واللَفْظُ يَعُمُّ الوَجْهَيْنِ.

والمُتَكَبِّرُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ في الأرْضِ هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ حَتْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الطائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ ألّا يُؤْمِنُوا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "يَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ، قَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمُ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وسائِرُ السَبْعَةِ، وقَرَأها مَضْمُومَةَ الياءِ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الرُشْدِ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأبُو البَرَهْسَمِ: "الرُشُدِ" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى أنَّ "الرُشْدَ" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، و"الرَشَدَ" بِفَتْحِهِما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرُشْدُ بِضَمِّ الراءِ: الصَلاحُ في النَظَرِ، و"الرَشَدُ" بِفَتْحِهِما: الدِينُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما فَأتْبَعَتِ الضَمَّةُ الضَمَّةَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَتَّخِذُوها" و"تَتَّخِذُوها" عَلى تَأْنِيثِ السَبِيلِ، والسَبِيلُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَرْفِ، أيْ صَرَفْنا إيّاهم وعُقُوبَتُنا لَهم هي بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ النَظَرِ في الآياتِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحُجَجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ.

(p-٤٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، وسَوْقُها في جُمْلَةِ المُكَذَّبِ بِهِ، ولِقاءِ الآخِرَةِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا. أيْ: هُنالِكَ يُفْتَضَحُ لَهم حالُهم. و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ وفَسَدَتْ، وأصْلُ الحَبَطِ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الَّذِي كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ فاسِدًا، إذْ مَآلُ العامِلِينَ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، وساغَ أنْ يُسْتَعْمَلَ "حَبِطَتْ" هُنا إذْ كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً في طَرِيقِ صَلاحٍ، فَكَأنَّ الحَبَطَ فِيها إنَّما هو بِحَسَبِ مُعْتَقَداتِهِمْ، وأمّا بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها فَفاسِدَةٌ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ"» أيْ فَسادًا لِكَثْرَةِ الأكْلِ بَعْدَ الصَلاحِ الَّذِي كانَ أوَّلًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو السَمّالِ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ.

7:148–149Страница 168

وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨

В отсутствие Мусы (Моисея) его народ сделал из своих украшений изваяние тельца, который мычал. Разве они не видели, что он не разговаривал с ними и не наставлял их на прямой путь? Они стали поклоняться ему - они были несправедливы.

وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩

Когда же они пожалели о содеянном и увидели, что впали в заблуждение, то сказали: «Если наш Господь не смилостивится над нами и не простит нас, то мы непременно окажемся в числе потерпевших убыток».

قوله عزّ وجلّ:

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اتَّخَذَ أصْلَهُ: اِيتَخَذَ، وزْنُهُ افْتَعَلَ، مِن تَخِذَ. هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، أيْ بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المُناجاةِ، وأضافَ الحُلِيَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَ مُسْتَعارًا مِنَ القِبْطِ -إذْ كانُوا قَدْ تَمَلَّكُوهُ- إمّا بِأنْ نُفِّلُوهُ كَما رُوِيَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اسْتَعارَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ لِيَوْمِ الزِينَةِ، (p-٤٩)فَلَمّا أُمِرَ مُوسى أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَدُّ العَوارِي، وأيْضًا فَخَشُوا أنْ يَفْتَضِحَ سِرُّهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفَّلَهم إيّاهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ الحُلِيُّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَيْثُ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بَعْدَ غَزْوِ آلِ فِرْعَوْنَ.

ويُرْوى أنَّ السامِرِيَّ -واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرٍ ويُنْسَبُ إلى قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ- قالَ لِهارُونَ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى المُناجاةِ: يا هارُونُ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ بَدَّدُوا الحُلِيَّ الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنَ القِبْطِ وتَصَرَّفُوا فِيهِ وأنْفَقُوا مِنهُ، فَلَوْ جَمَعْتَهُ حَتّى يَرى مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ، قالَ: فَجَمَعَهُ هارُونُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ قالَ لِلسّامِرِيِّ: أنْتَ أولى الناسِ بِأنْ يُخْتَزَنَ عِنْدَكَ، فَأخَذَهُ السامِرِيُّ -وَكانَ صائِغًا- فَصاغَ مِنهُ صُورَةَ عِجْلٍ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ. ﴿جَسَدًا﴾ أيْ جُثَّةً وجَمادًا، وقِيلَ: كانَ جَسَدًا بِلا رَأْسٍ. وهَذا تَعَلُّقٌ بِأنَّ الجَسَدَ في اللُغَةِ ما عَدا الرَأْسَ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ جَعَلَ لَهُ لَحْمًا ودَمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآثارَ في أنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ، ويُرْوى أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما خارَ مَرَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ بِحِيلَةٍ صِناعِيَّةٍ مِنَ السامِرِيِّ أو بِسِحْرٍ تَرَكَّبَ لَهُ مِن قَبْضِهِ القَبْضَةَ مِن أثَرِ الرَسُولِ، أو بِأنَّ اللهَ أخارَ العِجْلَ لَفَتْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ جُوارٌ" بِالجِيمِ وهو الصِياحُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وشِدَّةُ الصَوْتِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "مِن حُلِيِّهِمْ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ -عَلى مِثالِ ثَدْيِ وثُدِيٍّ- وأصْلُهُ: حُلُوِي، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فَجاءَ "حُلُيٌّ" فَكُسِرَتِ اللامُ لِتُناسِبَ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ التَعْلِيلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّهم كَسَرُوا الحاءَ إتْباعًا لِكَسْرَةِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَوّى التَغْيِيرَ الَّذِي دَخَلَ عَلى الجَمْعِ عَلى هَذا التَغْيِيرِ الأخِيرِ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ كَسْرَ الفاءِ في هَذا النَحْوِ مِنَ الجَمْعِ قَوْلُهُمْ: قِسِيٌّ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ هَكَذا يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "مِن حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللامِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ حِلْيَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ. ومَعْنى الحُلِيِّ: ما يُتَجَمَّلُ بِهِ مِن حِجارَةٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ.

ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى سُوءَ فِطَرِهِمْ وقَرَّرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ (p-٥٠)الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ الصامِتَ الجَمادَ لا يَتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ، والَّذِي لا يُرْشِدُ إلى خَيْرٍ ولا يَكْشِفُ غَمًّا كَذَلِكَ، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوهُ" عائِدٌ عَلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ: "وَكانُوا" إخْبارٌ لَنا عن جَمِيعِ أحْوالِهِمْ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ سَبَبُ اتِّخاذِ العِجْلِ وبَسْطِ تِلْكَ الحالِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ هاهُنا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّ السِينِ: "سُقِطَ في أيْدِيهِمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِينِ والقافِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُسْقِطَ" وهي لُغَةٌ حَكاها الطَبَرِيُّ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ وسِينٍ ساكِنَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن كانَ ساعِيًا لِوَجْهٍ أو طالِبًا غايَةً ما فَعَرَضَ ما غَلَبَهُ وصَدَّهُ عن وِجْهَتِهِ وأوقَفَهُ مَوْقِفَ العَجْزِ عن بُغْيَتِهِ، وتَيَقَّنَ أنَّهُ قَدْ عَجَزَ: سُقِطَ في يَدِ فُلانٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن أقْدَمَ عَلى أمْرٍ وعَجَزَ عنهُ: سُقِطَ في يَدِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والنَدَمُ عِنْدِي عَرَضٌ يُعْرِضُ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ، وقَدْ لا يُعَرِّضُهُ لَهُ، فَلَيْسَ النَدَمُ بِأصْلٍ في هَذا، أمّا أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ هَذِهِ الحالِ يَصْحَبُهُمُ النَدَمُ، وكَذَلِكَ صَحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والوَجْهُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ هو أنَّ السَعْيَ أوِ الصَرْفَ أوِ الدِفاعَ سَقَطَ في يَدِ المُشارِ إلَيْهِ فَصارَ في يَدِهِ لا يُجاوِزُها ولا يَكُونُ لَهُ خارِجَها تَأْثِيرٌ. وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى أنَّ النَدَمَ سَقَطَ في أيادِيهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الخُسْرانَ والخَيْبَةَ سَقَطَ في أيْدِيهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذا كُلِّهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ "سَقَطَ" يَتَعَدّى، فَإنَّ "سَقَطَ" يَتَضَمَّنُ مَفْعُولًا وهو هُنا المَصْدَرُ الَّذِي هو الإسْقاطُ، كَما يُقالُ: ذُهِبَ بِزَيْدٍ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ. (p-٥١)وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "سَقَطَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أو "أُسْقِطَ" عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ فَبَيِّنٌ في الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَعَدِّي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: "سَقَطَ في يَدَيْهِ" عَلى مَعْنى التَشْبِيهِ بِالأسِيرِ الَّذِي تُكَتَّفُ يَداهُ، فَكَأنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ يُسْتَأْسَرُ، ويَقَعُ ظُهُورُ الغَلَبَةِ عَلَيْهِ في يَدِهِ، أو كَأنَّ المُرادَ سَقَطَ بِالغَلَبِ والقَهْرِ في يَدِهِ، وحُدِّثْتُ عن أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ "سُقِطَ في يَدِهِ" مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: هَذا مِمّا دُثِرَ اسْتِعْمالُهُ مِثْلَ ما دُثِرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا الكَلامِ ضَعْفٌ، والسِقاطُ في كَلامِ العَرَبِ كَثْرَةُ الخَطَإ والنَدَمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ سُوِيدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ:

؎ كَيْفَ يَرْجُونَ سَقاطِي بَعْدَما ∗∗∗ لَفَّعَ الرَأْسَ مَشِيبٌ

وصَلَعْ

وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى وتَغَيُّرِهِ عَلَيْهِمْ، ورُؤْيَتِهِمْ أنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنِ الدِينِ ووَقَعُوا في الكُفْرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: "قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا" بِالياءِ في "يَرْحَمْنا" وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرَبِّ تَعالى، "وَيَغْفِرْ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والشَعْبِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأيُّوبُ: "تَرْحَمْنا رَبَّنا" بِالتاءِ في "تَرْحَمْنا" ونَصْبِ لَفْظَةِ "رَبَّنا" عَلى جِهَةِ النِداءِ "وَتَغْفِرْ" بِالتاءِ، مِن فَوْقُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "قالُوا رَبَّنا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ".

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English