Ибн АтыйяАль‑Анфаль · 8:41–42

Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском

Аль-Анфаль 8:41–42

8:41Страница 182

۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١

Знайте, что если вы захватили трофеи, то пятая часть их принадлежит Аллаху, Посланнику, близким родственникам Посланника, сиротам, беднякам и путникам, если вы уверовали в Аллаха и в то, что Мы ниспослали Нашему рабу в день различения, в день, когда встретились две армии при Бадре. Воистину, Аллах способен на всякую вещь.

(p-١٩٢)قوله عزّ وجلّ:

﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

مَوْضِعُ "أنَّ" الثانِيَةِ رَفْعٌ، التَقْدِيرُ: "فَحُكْمُهُ أنَّ"، فَهي في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، والغَنِيمَةُ في اللُغَةِ ما يَنالُهُ الرَجُلُ أوِ الجَماعَةُ بِسَعْيٍ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وقَدْ طُفْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ

وقالَ آخَرُ:

؎ ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْمِ مُطْعَمُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أنّى تَوَجَّهَ والمَحْرُومُ مَحْرُومُ

ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في الرَهْنِ: "لَهُ غُنْمُهُ وعَلَيْهِ مَخْرَجُهُ"،» وقَوْلُهُ: « "الصِيامُ في الشِتاءِ هو الغَنِيمَةُ البارِدَةُ"». فالشَيْءُ الَّذِي يَنالُهُ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ بِالسَعْيِ وإيجافِ الخَيْلِ والرِكابِ: غَنِيمَةٌ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ هَذا المَعْنى حَتّى صارَ عُرْفًا لَهُ.

والفَيْءُ مَأْخُوذٌ مِن "فاءَ يَفِيءُ" إذا رَجَعَ، وهو كُلُّ ما دَخَلَ عَلى المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ (p-١٩٣)حَرْبٍ ولا إيجافٍ كَخَراجِ الأرْضِ، وجِزْيَةِ الجَماجِمِ، وخُمْسِ الغَنِيمَةِ، ونَحْوِ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والزَكَواتُ أيْضًا مالٌ عَلى حِدَتِهِ، أحْكامُهُ مُنْفَرِدَةٌ دُونَ أحْكامِ هَذَيْنِ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ، وعَطاءُ بْنُ السائِبِ: "الغَنِيمَةُ: ما أُخِذَ عنوَةً والفَيْءُ: ما أُخِذَ صُلْحًا"، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا بَيَّناهُ. وقالَ قَتادَةُ: الفَيْءُ والغَنِيمَةُ شَيْءٌ واحِدٌ فِيهِما الخُمْسُ، وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في الأنْفالِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ كانَتِ الحُكْمَ أوَّلًا، ثُمَّ أعْطى اللهُ أهْلَها الخُمْسَ فَقَطْ، وجَعَلَ الأرْبَعَةَ الأخْماسِ في المُقاتِلِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ نَصَّ العُلَماءُ عَلى ضَعْفِهِ، وأنْ لا وجْهَ لَهُ مِن جِهاتٍ، مِنها أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الحَشْرِ، هَذِهِ بِبَدْرٍ، وتِلْكَ في بَنِي النَضِيرِ وقُرى عُرَيْنَةَ. ولِأنَّ الآيَتَيْنِ مُتَّفِقَتانِ وحُكْمُ الخُمْسِ وحُكْمُ تِلْكَ الآيَةِ واحِدٌ لِأنَّها نَزَلَتْ في بَنِي النَضِيرِ حِينَ جُلُوا وهَرَبُوا، وأهْلُ فَدَكٍ حِينَ دُعُوا إلى صُلْحٍ ونالَ المُسْلِمُونَ ما لَهم دُونَ إيجافٍ. وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشافِعِيِّ أنَّ في الفَيْءِ الخُمْسَ، وأنَّهُ كانَ في قُرى عُرَيْنَةَ زَمَنَ النَبِيِّ ﷺ، وأنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها كانَ لِلرَّسُولِ ﷺ خاصَّةً دُونَ المُسْلِمِينَ يَضَعُها حَيْثُ شاءَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُورَةِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الآيَةُ، ولَمْ يُخَمِّسْ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنائِمَ بَدْرٍ فَنُسِخَ حُكْمُهُ في تَرْكِ التَخْمِيسِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في البُخارِيِّ: "كانَتْ لِي شارِفٌ مِن نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ بِبَدْرٍ، وشارِفٌ أعْطانِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الخُمْسِ حِينَئِذٍ" أنَّ (p-١٩٤)غَنِيمَةَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ فَسَدَ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخُمْسُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِن إحْدى الغَزَواتِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، فَقَدْ كانَتْ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ، وغَزْوَةُ السَوِيقِ، وغَزْوَةُ ذِي أمْرٍ، وغَزْوَةُ بَحْرانِ، ولَمْ يُحْفَظْ فِيها قِتالٌ ولَكِنْ يُمْكِنُ أنْ غُنِمَتْ غَنائِمُ. واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ظاهِرُهُ عامٌّ ومَعْناهُ الخُصُوصُ، فَأمّا الناضُّ والمَتاعُ والأطْفالُ والنِساءُ وما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الحَيَوانِ ويَصِحُّ تَمَلُّكُهُ فَلَيْسَ لِلْإمامِ في جَمِيعِ ذَلِكَ ما كَثُرَ مِنهُ وما قَلَّ كالخايِطِ والمَخِيطِ إلّا أنْ يَأْخُذَ الخُمْسَ ويُقَسِّمَ الباقِيَ في أهْلِ الجَيْشِ، وأمّا الأرْضُ فَقالَ فِيها مالِكٌ: يُقَسِّمُها الإمامُ إنْ رَأى ذَلِكَ صَوابًا كَما فَعَلَ النَبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ، ولا يُقَسِّمُها إنْ أدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى ذَلِكَ كَما فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأرْضِ مِصْرَ وسَوادِ الكُوفَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّ فِعْلَ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَيْسَ بِمُخالِفٍ لِفِعْلِ النَبِيِّ ﷺ، إذْ لَيْسَتِ النازِلَةُ واحِدَةً بِحَسَبِ قَرائِنِ الوَقْتَيْنِ وحاجَةِ الصَحابَةِ وقِلَّتِهِمْ، وهَذا كُلُّهُ انْعَكَسَ في زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأمّا الرِجالُ ومَن شارَفَ البُلُوغَ مِنَ الصِبْيانِ فالإمامُ -عِنْدَ مالِكٍ وجُمْهُورِ العُلَماءِ- مُخَيَّرٌ فِيهِمْ عَلى خَمْسَةِ أوجُهٍ، مِنها: القَتْلُ، وهو مُسْتَحْسَنٌ في أهْلِ الشَجاعَةِ والنِكايَةِ، ومِنها: الفِداءُ، وهو مُسْتَحْسَنٌ في ذِي المَنصِبِ الَّذِي لَيْسَ بِشُجاعٍ ولا يُخافُ مِنهُ رَأْيٌ ولا مَكِيدَةٌ لِانْتِفاعِ المُسْلِمِينَ بِالمالِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنهُ، ومِنها: المَنُّ، وهو مُسْتَحْسَنٌ فِيمَن يُرْجى أنْ يَحْنُوَ عَلى أسْرى المُسْلِمِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القَرائِنِ، ومِنها: الِاسْتِرْقاقُ، ومِنها: ضَرْبُ الجِزْيَةِ والتَرْكُ في الذِمَّةِ. وأمّا الطَعامُ والغَنَمُ ونَحْوُهُما مِمّا يُؤْكَلُ فَهو مُباحٌ في بَلَدِ العَدُوِّ يَأْكُلُهُ الناسُ فَما بَقِيَ كانَ في المَغْنَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأمّا أرْبَعَةُ أخْماسِ ما غَنِمَ فَيُقَسِّمُهُ الإمامُ عَلى الجَيْشِ، ولا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ (p-١٩٥)القِسْمَةِ فَأنا أخْتَصِرُهُ هُنا، وأمّا الخُمْسُ فاخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ.

قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الرَأْيُ فِيهِ لِلْإمامِ يُلْحِقُهُ بِبَيْتِ الفَيْءِ، ويُعْطِي مِن ذَلِكَ البَيْتِ لِقَرابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ما رَآهُ، كَما يُعْطِي مِنهُ اليَتامى والمَساكِينَ وغَيْرَهُمْ، وإنَّما ذَكَرَ مَن ذَكَرَ عَلى وجْهِ التَنْبِيهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِ، قالَ الزَجّاجُ مُحْتَجًّا لِمالِكٍ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، ولِلْإمامِ بِإجْماعٍ أنْ يُنْفِقَ في غَيْرِ هَذِهِ الأصْنافِ إذا رَأى ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ الخُمْسُ يُقَسَّمُ عَلى سِتَّةِ أقْسامٍ: قِسْمٍ لِلَّهِ وهو مَرْدُودٌ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ أو عَلى بَيْتِ اللهِ، وقِسْمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقِسْمٍ لِقَرابَتِهِ، وقِسْمٍ لِسائِرِ مَن سُمِّيَ، حَكى القَوْلَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، ورُدَّ عَلَيْهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ: كانَ النَبِيُّ ﷺ يَقْبِضُ مِن خُمْسِ الغَنِيمَةِ قَبْضَةً فَيَجْعَلُها لِلْكَعْبَةِ، فَذَلِكَ لِلَّهِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ الباقِي عَلى خَمْسَةٍ، قِسْمٍ لَهُ، وقِسْمٍ لِسائِرِ مَن سُمِّيَ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، والشافِعِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِعَبْدِهِ: "قَدْ أعْتَقَكَ اللهُ وأعْتَقْتُكَ" عَلى جِهَةِ التَبَرُّكِ وتَفْخِيمِ الأمْرِ، والدُنْيا كُلُّها لِلَّهِ، وقِسْمُ اللهِ وقِسْمُ الرَسُولِ واحِدٌ، وكانَ الرَسُولُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يُقَسِّمُ الخُمْسَ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ كَما تَقَدَّمَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا فِيما رَوى عنهُ الطَبَرِيُّ: الخُمْسُ مَقْسُومٌ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، وسَهْمُ الرَسُولِ ﷺ لِقَرابَتِهِ ولَيْسَ لِلَّهِ ولا لِلرَّسُولِ شَيْءٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قِسْمُ الرَسُولُ ﷺ، بَعْدَ مَوْتِهِ مَرْدُودٌ عَلى أهْلِ الخُمْسِ، القَرابَةِ وغَيْرِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَيْشِ أصْحابِ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَلِي الإمامُ مِنهم سَهْمَ اللهِ ورَسُولِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو (p-١٩٦)مَوْقُوفٌ لِشِراءِ العِدَدِ والكُراعِ في سَبِيلِ اللهِ.

وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيهِ.

وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: الخُمْسُ بَعْدَ النَبِيِّ ﷺ، مَقْسُومٌ ثَلاثَةَ أقْسامٍ؛ قِسْمٌ لِلْيَتامى، وقِسْمٌ لِلْمَساكِينِ، وقِسْمٌ لِابْنِ السَبِيلِ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يُوَرِّثْ، فَسَقَطَ سَهْمُهُ وسَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وحُجَّتُهم فِيهِ مَنعُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِذَوِي القُرْبى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَمْ يَثْبُتِ المَنعُ، بَلْ عُورِضَ بَنُو هاشِمٍ بِأنَّ قُرَيْشًا قُرْبى، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ في مُدَّةٍ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَغْنَمٌ.

وقالَ الشافِعِيُّ: يُعْطى أهْلُ الخُمْسِ مِنهُ ولا بُدَّ، ويُفَضِّلُ الإمامُ أهْلَ الحاجَةِ ولَكِنْ لا يَحْرِمُ صِنْفًا مِنهم حِرْمانًا تامًّا، وقَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ لِلْإمامِ أنْ يُعْطِيَ الأحْوَجَ وإنْ حَرَمَ الغَيْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَخْصُوصًا مِنَ الغَنِيمَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، كانَ لَهُ خُمْسُ الخُمْسِ، وكانَ لَهُ سَهْمُ رَجُلٍ في سائِرِ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، وكانَ لَهُ صَفِيٌّ يَأْخُذُهُ قَبْلَ القِسْمَةِ، دابَّةٌ أو سَيْفٌ أو جارِيَةٌ، ولا صَفِيَّ لِأحَدٍ بَعْدَهُ بِإجْماعٍ إلّا ما قالَ أبُو ثَوْرٍ مِن أنَّ الصَفِيَّ باقٍ لِلْإمامِ، وهو قَوْلٌ مَعْدُودٌ في شَواذِّ الأقْوالِ.

وذَوُو القُرْبى: قَرابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "هم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ"، فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ لا تَحِلُّ لَهُمُ الصَدَقَةُ فَجُعِلَ لَهم خُمْسُ الخُمْسِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَكِنْ أبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا: "قُرَيْشٌ كُلُّها قُرْبى". وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "هم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ فَقَطْ"، «وَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ في وقْتِ قِسْمَةِ سَهْمِ ذَوِي القُرْبى مِن خَيْبَرَ عَلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي (p-١٩٧)المُطَّلِبِ:» "إنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ، ما فارَقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا في الإسْلامِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

كانُوا مَعَ بَنِي هاشِمٍ في الشِعْبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قُرَيْشٌ كُلُّها قُرْبى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّهُما قالا: "الآيَةُ كُلُّها في قُرَيْشٍ"، والمُرادُ: يَتامى قُرَيْشٍ ومَساكِينُها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَهْمُ القَرابَةِ بَعْدَ النَبِيِّ ﷺ مَوْقُوفٌ عَلى قَرابَتِهِ، وقَدْ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو لِقَرابَةِ الإمامِ القائِمِ بِالأمْرِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ سَهْمُ ذَوِي القُرْبى طُعْمَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ما كانَ حَيًّا، فَلَمّا تُوُفِّيَ جُعِلَ لِوَلِيِّ الأمْرِ بَعْدَهُ، وقالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصَرِيِّ. وحَكى الطَبَرِيُّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اخْتَلَفَ الناسُ في هَذَيْنِ السَهْمَيْنِ بَعْدَ وفاةِ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ النَبِيِّ ﷺ لِلْخَلِيفَةِ، وقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ النَبِيِّ ﷺ لِقَرابَةِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ القَرابَةِ لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم أنْ يَجْعَلُوا هَذَيْنِ السَهْمَيْنِ في الخَيْلِ والعُدَّةِ، فَكانَ عَلى ذَلِكَ مُدَّةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ غَيْرُ الحَسَنِ: وعُمَرُ.

واليَتامى: الَّذِينَ فَقَدُوا آباءَهم مِنَ الصِبْيانِ، واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ مِن قِبَلِ الآباءِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ، والمِسْكِينُ: الَّذِينَ لا شَيْءَ لَهُمْ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السُكُونِ وقِلَّةِ الحِراكِ. وابْنُ السَبِيلِ: الرَجُلُ المُجْتازُ الَّذِي قَدِ احْتاجَ في سَفَرٍ، وسَواءٌ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ أو فَقِيرًا فَإنَّهُ ابْنُ السَبِيلِ، يُسَمّى بِذَلِكَ إمّا لِأنَّ السَبِيلَ تُبْرِزُهُ فَكَأنَّها تَلِدُهُ، وإمّا لِمُلازَمَتِهِ السَبِيلَ كَما قالُوا: ابْنُ ماءٍ وأخُو سَفَرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنى"،» وقَدْ تَقَدَّمَ.

(p-١٩٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدِ اقْتَضَبْتُ فِقْهَ هَذِهِ الآيَةِ حَسَبَ الِاخْتِصارِ، واللهُ المُسْتَعانُ.

و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ( ما غَنِمْتُمْ ) بِمَعْنى الَّذِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْها، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "أنَّهُ ما"، وحَذْفُ هَذا الضَمِيرِ لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إلّا في الشِعْرِ، ومِنهُ:

؎ إنَّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا ∗∗∗ ∗∗∗.................

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأنَّ لِلَّهِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُعْفِيُّ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وحُسَيْنٌ عن أبِي عَمْرٍو: "فَإنَّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "خُمْسَهُ" بِسُكُونِ المِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ﴾ الآيَةُ، قالَ الزَجّاجُ عن فِرْقَةٍ: المَعْنى: فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَوْلاكم إنْ كُنْتُمْ، فَـ"إنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذا الوَعْدِ، وقالَ أيْضًا عن فِرْقَةٍ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا هو الصَحِيحُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( واعْلَمُوا ) يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِانْقِيادٍ وتَسْلِيمٍ لِأمْرِ اللهِ في الغَنائِمِ، فَعَلَّقَ "إنْ" بِقَوْلِهِ: ( واعْلَمُوا ) عَلى هَذا المَعْنى، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ (p-١٩٩)فانْقادُوا وسَلِّمُوا لِأمْرِ اللهِ فِيما أعْلَمَكم بِهِ مِن حالِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما أنْزَلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( بِاللهِ ) والمُشارُ إلَيْهِ بِـ "ما" هو النَصْرُ والظُهُورُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ تُبارِكُ و تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ عَلى نَبِيِّهِ وأصْحابِهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ وبِهَذِهِ الآياتِ والعَظائِمِ الباهِرَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى قُرْآنٍ نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ أو في قِصَّةِ يَوْمِ بَدْرٍ عَلى تَكَرُّهٍ في هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَإنَّ خُمْسَهُ لِكَذا وكَذا إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ، أيْ: فانْقادُوا لِذَلِكَ وسَلِّمُوا، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ في المَعْنى، ويَعْتَرِضُ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الظَرْفِ وما تَعَلَّقَ بِهِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الكَلامِ.

و﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ مَعْناهُ: يَوْمَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِ الشَرَكِ، والفُرْقانُ: مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ يَفْرُقُ، والجَمْعانِ: يُرِيدُ جَمْعَ المُسْلِمِينَ وجَمْعَ الكُفّارِ، وهو يَوْمُ الوَقْعَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيها صَنادِيدُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وعَلَيْهِ نَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومِقْسَمٌ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ، وكانَتْ يَوْمَ الجُمْعَةِ السابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ في السَنَةِ الثانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ أبُو صالِحٍ: لِتِسْعَ عَشْرَةَ، وشَكَّ في ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وقالَ: لِتِسْعَ عَشْرَةَ أو لِسَبْعَ عَشْرَةَ، والصَحِيحُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يُعَضِّدُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ يُرادُ بِهِ النَصْرُ والظَفَرُ، أيِ:الآياتُ والعَظائِمُ مِن غَلَبَةِ القَلِيلِ الكَثِيرَ، وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى الَّذِي هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

8:42Страница 182

إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢

Вот вы находились на ближней стороне долины, они - на дальней стороне, а караван был ниже вас. Если бы вы условились, то разошлись бы во времени и месте. Однако все произошло так, чтобы Аллах довел до конца дело, которое уже было свершившимся, дабы погиб тот, кто погиб при полной ясности, и дабы выжил тот, кто выжил при полной ясности. Воистину, Аллах - Слышащий, Знающий.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى والرَكْبُ أسْفَلَ مِنكم ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عن بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عن بَيِّنَةٍ وإنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "التَقى"، والعُدْوَةُ: شَفِيرُ الوادِي وحَرْفُهُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ المَشْيُ فِيهِ، بِمَنزِلَةِ رَحا البِئْرِ، لِأنَّها عَدَتْ ما في الوادِي مِن ماءٍ ونَحْوِهِ أنْ يَتَجاوَزَ (p-٢٠٠)الوادِيَ أيْ مَنَعَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ دُونَها حَرْبٌ زَبُونُ

ولِأنَّها ما عَدا الوادِيَ، أيْ: جاوَزَهُ، وتُسَمّى الضَفَّةُ والفَضاءُ المُسايِرُ لِلْوادِي عُدْوَةً لِلْمُجاوَرَةِ، وهَذِهِ هي العُدْوَةُ الَّتِي في الآيَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِالعُدْوَةِ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "بِالعِدْوَةِ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، وعَمْرٌو: "بِالعَدْوَةِ" بِفَتْحِ العَيْنِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الَّذِي في هَذا أنَّها لُغَةٌ ثالِثَةٌ كَقَوْلِهِمْ في اللَبَنِ: رَغْوَةٌ ورُغْوَةٌ ورِغْوَةٌ، ورَوى الكِسائِيُّ: كَلَّمْتُهُ بِحَضْرَةِ فُلانٍ وحِضَرَتِهِ وحُضْرَتِهِ، إلى سائِرِ نَظائِرَ ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ كَثِيرًا مِنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( الدُنْيا ) و( القُصْوى ) إنَّما بِالإضافَةِ إلى المَدِينَةِ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ العُلْيا وهم بِالعُدْوَةِ السُفْلى"، ووادِي بَدْرٍ آخِذٌ بَيْنَ الشَرْقِ والقَبْلَةِ مُنْحَرِفٌ إلى البَحْرِ الَّذِي هو قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ الصِقْعِ، والمَدِينَةُ مِنَ الوادِي مِن مَوْضِعِ الوَقْعَةِ مِنهُ في الشَرْقِ، وبَيْنَهُما مَرْحَلَتانِ، حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ رَأى هَذِهِ المَواضِعَ عَلى ما وصَفْتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: " بَدْرٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ"، والدُنْيا مِنَ الدُنُوِّ، والقُصْوى مِنَ القَصْوِ وهو البُعْدُ، وكانَ القِياسُ أنْ تَكُونَ القُصْيا لَكِنَّهُ مِنَ الشاذِّ، وقالَ الخَلِيلُ في "العَيْنِ": "شَذَّتْ لَفْظَتانِ وهُما القُصْوى والفَتْوى، وكانَ القِياسُ فِيهِما بِالياءِ كالدُنْيا والعُلْيا". (p-٢٠١)﴿والرَكْبُ﴾ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: غَيْرَ أبِي سُفْيانَ، ولا يُقالُ "رَكْبٌ" إلّا لِرِكابِ الإبِلِ، وهو مِن أسْماءِ الجَمْعِ، وقَدْ يُجْمَعُ "راكِبٌ" عَلَيْهِ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ وتاجِرٍ وتَجْرٍ، ولا يُقالُ "رَكْبٌ" لِما كَثُرَ جِدًّا مِنَ الجُمُوعِ. وقالَ القُتَبِيُّ: "الرَكْبُ: العَشْرَةُ ونَحْوُها"، وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ، قَدْ قالَ "والثَلاثَةُ رَكْبٌ". وقَوْلُهُ: "أسْفَلَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ تَقْدِيرُهُ: "فِي مَكانٍ أسْفَلَ"، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: نَصْبُ "أسْفَلَ عَلى الظَرْفِ"، ويَجُوزُ "الرَكْبُ أسْفَلَ" عَلى مَعْنى: ومَوْضِعُ الرَكْبِ أسْفَلَ، أوِ الرَكْبُ مُسْتَقِرًّا أسْفَلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكانَ الرَكْبُ ومُدَبِّرُ أمْرِهِ أبُو سُفْيانَ قَدْ نَكَّبَ عن بَدْرٍ حِينَ نَذَرَ بِالنَبِيِّ ﷺ، وأخَذَ سَيْفَ البَحْرِ فَهو أسْفَلُ بِالإضافَةِ إلى أعْلى الوادِي مِن حَيْثُ يَأْتِي، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: أقَبَلَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِنَ الشامِ تُجّارًا لَمْ يَشْعُرُوا بِأصْحابِ بَدْرٍ، ولَمْ يَشْعُرْ أصْحابُ (مُحَمَّدٍ ﷺ) بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ولا كُفّارُ قُرَيْشٍ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ حَتّى التَقَوْا عَلى الماءِ بِبَدْرٍ، مَن يَسْقِي لَهم كُلُّهُمْ، فاقْتَتَلُوا فَغَلَبَهم أصْحابُمُحَمَّدٍ ﷺ فَأسَرُوهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا تَعَقُّبٌ، وكانَ مِن هَذِهِ الفِرَقِ شُعُورٌ بَيِّنٌ مِنَ الوُقُوفِ عَلى القِصَّةِ بِكَمالِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: لَوْ تَواعَدْتُمْ عَلى الِاجْتِماعِ ثُمَّ عَلِمْتُمْ كَثْرَتَهم وقِلَّتَكم لَخالَفْتُمْ ولَمْ تَجْتَمِعُوا مَعَهُمْ، وقالَ (p-٢٠٢)المَهْدَوِيُّ: المَعْنى: أيْ: لاخْتَلَفْتُمْ بِالقَواطِعِ والعَوارِضِ القاطِعَةِ بَيْنَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا أنْبَلُ وأصَحُّ، وإيضاحُهُ أنَّ المَقْصِدَ مِنَ الآيَةِ تَبْيِينُ نِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وقُدْرَتِهِ في قِصَّةِ بَدْرٍ وتَيْسِيرِهِ ما يَسَّرَ مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: إذْ هَيَّأ اللهُ لَكم هَذِهِ الحالَ، ولَوْ تَواعَدْتُمْ لَها لاخْتَلَفْتُمْ إلّا مَعَ تَيْسِيرِ الَّذِي تَمَّمَ ذَلِكَ، وهَذا كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ في أمْرٍ سَنّاهُ اللهُ دُونَ تَعَبٍ كَثِيرٍ: لَوْ بَنَيْنا عَلى هَذا وسَعَيْنا فِيهِ لَمْ يَتِمَّ هَكَذا.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بِلُطْفِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَقْضِيَ أمْرًا، أيْ لِيُنَفِّذَ ويُظْهِرَ أمْرًا قَدْ قَدَّرَهُ في الأزَلِ مَفْعُولًا لَكم بِشَرْطِ وُجُودِكم في وقْتِ وُجُودِكُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مَعْدُومٌ عِنْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عن بَيِّنَةٍ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: لِيُقْتَلَ مِن قُتِلَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِبَيانٍ مِنَ اللهِ وإعْذارٍ بِالرِسالَةِ، ويَحْيا أيْضًا ويَعِيشُ مَن عاشَ عن بَيانٍ مِنهُ أيْضًا وإعْذارٍ لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، فالهَلاكُ والحَياةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- حَقِيقَتانِ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: مَعْنى ﴿لِيَهْلِكَ﴾ أيْ لِيَكْفُرَ، ﴿وَيَحْيا﴾ أيْ لِيُؤْمِنَ، فالهَلاكُ والحَياةُ -عَلى هَذا- مُسْتَعارَتانِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ قِصَّةَ بَدْرٍ عِبْرَةً وآيَةً لِيُؤْمِنَ مَن آمَنَ عن وُضُوحٍ وبَيانٍ، ويَكْفُرَ أيْضًا مَن كَفَرَ عن مِثْلِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الناسُ: "لِيَهْلِكَ" بِكَسْرِ اللامِ الثانِيَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيَهْلَكَ" بِفَتْحِ اللامِ، ورَواها عِصْمَةٌ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ.

والبَيِّنَةُ صِفَةٌ، أيْ: قَضِيَّةٌ بَيِّنَةٌ، واللامُ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿لِيَهْلِكَ﴾ رَدٌّ عَلى اللامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ﴾.

(p-٢٠٣)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ قُنْبُلٍ - وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "مَن حَيَّ" بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ البَزِّيِّ - وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَن حَيِيَ" بِإظْهارِ الياءَيْنِ وكَسْرِ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ، قالَ مَن قَرَأ "حَيَّ": فَلِأنَّ الياءَ قَدْ لَزِمَتْها الحَرَكَةُ فَصارَ الفِعْلُ بِلُزُومِ الحَرَكَةِ لَها مُشَبَّهًا بِالصَحِيحِ مِثْلَ عَضَّ وشَمَّ ونَحْوِهِ، ألا تَرى أنَّ حَذْفَ الياءِ مِن "جِوارٍ" في الجَرِّ والرَفْعِ لا يَطَّرِدُ في حالِ النَصْبِ إذْ قُلْتَ: "رَأيْتُ جَوارِيَ" لِمُشابَهَتِها بِالحَرَكَةِ سائِرَ الحُرُوفِ الصِحاحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]، وعَلى نَحْوِ "حَيَّ" جاءَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ عَيُّوا بِأمْرِهِمْ كَمّا ∗∗∗ عَيَّتْ ∗∗∗ بِبَيْضَتِها الحَمّامَهْ

ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ سَألَتْنِي جارَتِي عن أمَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ وإذا ما عَيَّ ذُو اللُبِّ سَألْ

وقَوْلُ المُتَلَمِّسِ:

؎ فَهَذا أوانُ العَرْضِ حَيٌّ ذُبابُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ زَنابِيرُهُ والأزْرَقُ المُتَلَمِّسُ

ويُرْوى: جُنَّ ذُبابُهُ. (p-٢٠٤)قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هَذا أنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَلْزَمُ الحَرَكَةُ فِيهِ ياءً مُسْتَقْبَلَةً فالإدْغامُ في ماضِيهِ جائِزٌ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:﴿عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] لا يَجُوزُ الإدْغامُ فِيهِ لِأنَّ حَرَكَةَ النَصْبِ غَيْرُ لازِمَةٍ؟ ألا تَرى أنَّها تَزُولُ في الرَفْعِ وتَذْهَبُ في الجَزْمِ؟ ولا يُلْتَفَتُ إلى ما أنْشَدَ بَعْضُهم لِأنَّهُ بَيْتٌ مَجْهُولٌ:

؎ وكَأنَّها بَيْنَ النِساءِ سَبِيكَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمْشِي بِسُدَّةِ بَيْتِها فَتُعِيَّ

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "حَيِيَ" فَبَيِّنٌ ولَمْ يُدْغَمْ، فَإنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: أخْبَرَنا بِهَذِهِ اللُغَةِ يُونُسُ، قالَ وسَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: "أحْيِياءٌ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ إظْهارُ الياءَيْنِ والإدْغامُ حَسَنٌ، فاقْرَأْ كَيْفَ تَعَلَّمْتَ فَإنَّ اللُغَتَيْنِ مَشْهُورَتانِ في كَلامِ العَرَبِ، والخَطُّ فِيهِ ياءٌ واحِدَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذِهِ اللَفْظَةِ اسْتَوْعَبَ أبُو عَلِيٍّ القَوْلَ فِيما تَصَرَّفَ مِن "حَيِيَ" كالحَيِّ الَّذِي هو مَصْدَرٌ مِنهُ وغَيْرِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English