Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
Аль-Анфаль 8:67–75
8:67–69Страница 185
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧
Не подобало Пророку брать пленных, пока он не пролил кровь на земле. Вы желаете мирских благ, но Аллах желает Последней жизни. Аллах - Могущественный, Мудрый.
لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨
Если бы не было предварительного предписания от Аллаха, то вас постигли бы великие мучения за то, что вы взяли.
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩
Вкушайте то, что вы захватили дозволенным и честным путем, и бойтесь Аллаха. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُنْيا واللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ عِنْدِي- مُعاتَبَةً مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِأصْحابِ نَبِيِّهِ ﷺ، والمَعْنى: ما كانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ تَفْعَلُوا هَذا الفِعْلَ الَّذِي أوجَبَ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ أسْرى قَبْلَ الإثْخانِ، والإخْبارُ هو لَهُمْ، ولِذَلِكَ اسْتَمَرَّ الخِطابُ بِـ ( تُرِيدُونَ )، والنَبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِجالِ وقْتَ الحَرْبِ ولا أرادَ قَطُّ عَرْضَ الدُنْيا، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وجاءَ ذِكْرُ النَبِيِّ ﷺ في الآيَةِ مُشِيرًا إلى دُخُولِهِ ﷺ في العُتْبِ حِينَ لَمْ يَنْهَ عن ذَلِكَ حِينَ رَآهُ مِنَ العَرِيشِ، وأنْكَرَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، ولَكِنَّهُ ﷺ شَغَلَهُ بَغْتُ الأمْرِ وظُهُورُ النَصْرِ، فَتَرَكَ النَهْيَ عَنِ الِاسْتِبْقاءِ، ولِذَلِكَ بَكى ﷺ وأبُو بَكْرٍ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومَرَّ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَوْبِيخَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إشارَةِ مَن أشارَ عَلى النَبِيِّ ﷺ بِأخْذِ الفِدْيَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «لَمّا جَمَعَ أسْرى بَدْرٍ اسْتَشارَ فِيهِمْ أصْحابَهُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ: يا رَسُولَ اللهِ هم قَرابَتُكَ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يَهْدِيَهم بَعْدُ إلى الإسْلامِ، فَفادِهِمْ واسْتَبَقِهِمْ ويَتَقَوّى المُسْلِمُونَ بِأمْوالِهِمْ، وقالَ (p-٢٣٩)عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لا يا رَسُولَ اللهِ، بَلْ نَضْرِبُ أعْناقَهم فَإنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ: بَلْ نَجْعَلُهم في وادٍ كَثِيرِ الحَطَبِ ثُمَّ نُضْرِمُهُ عَلَيْهِمْ نارًا، وقَدْ كانَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ قالَ: وهو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في العَرِيشِ وقَدْ رَأى الأسْرَ: لَقَدْ كانَ الإثْخانُ في القَتْلِ أحَبَّ إلَيَّ مِنِ اسْتِبْقاءِ الرِجالِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ومالَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» مُخْبِرَةً أنَّ الأولى والأهْيَبَ عَلى سائِرِ الكُفّارِ كانَ قَتْلَ أسْرى بَدْرٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم نَزَلَ في الأسْرِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤]، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا تَكَلَّمَ أصْحابُهُ في الأسْرى بِما ذُكِرَ دَخَلَ ولَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى يُلَيِّنُ قُلُوبُ رِجالٍ ويُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلُ عِيسى قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مِثْلُ نُوحٍ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ومَثَلَ مُوسى قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]،» ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "أنْتُمُ اليَوْمَ فَلا يُفْلِتَنَّ مِنهم رَجُلٌ إلّا بِفِدْيَةٍ أو ضَرْبِ عُنُقٍ"،» وفي هَذا الحَدِيثِ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَهَوى رَسُولُ اللهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ حُجَّةٌ عَلى ذِكْرِ "الهَوى" في الصَلاحِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ" "ما كانَ لِلنَّبِيِّ" مُعَرَّفًا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِنَبِيٍّ"، وقَرَأ أبُو (p-٢٤٠)عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وحْدَهُ: "أنْ تَكُونَ" عَلى تَأْنِيثِ العَلامَةِ مُراعاةً لِلَفْظِ الأسْرى، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ يَكُونَ" بِتَذْكِيرِ العَلامَةِ مُراعاةً لِمَعْنى الأسْرى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والسَبْعَةُ: "أسْرى"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "أُسارى" ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.
والقِياسُ والبابُ أنْ يُجْمَعَ أسِيرٌ عَلى أسْرى، وكَذَلِكَ كَلُّ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وشُبِّهَ بِهِ فَعِيلٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، إذا كانَتْ أيْضًا أشْياءَ سَبِيلُ الإنْسانِ أنْ يُجْبَرَ عَلَيْها وتَأْتِيَهُ غَلَبَةً، فَهو فِيها بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ، وأمّا جَمْعُهُ عَلى أُسارى فَشَبِيهٌ بِكُسالى في جَمْعِ كَسْلانَ، وجُمَعَ أيْضًا كَسْلانُ عَلى كَسْلى تَشْبِيهًا بِأسْرى في جَمْعِ أسِيرٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وقالَ الزَجّاجُ: أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُثْخِنَ" بِسُكُونِ الثاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "يُثَخِّنَ" بِفَتْحِ الثاءِ وشَدِّ الخاءِ، ومَعْناهُ في الوَجْهَيْنِ: يُبالِغُ في القَتْلِ، والإثْخانُ إنَّما يَكُونُ في القَتْلِ والجارِحَةِ وما كانَ مِنها.
ثُمَّ أمَرَ مُخاطَبَةَ أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُنْيا﴾ أيْ: مالَها الَّذِي يَعِنُّ ويَعْرِضُ، والمُرادُ ما أُخِذَ مِنَ الأسْرى مِنَ الأمْوالِ، ﴿واللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَرَأ ابْنُ جَمّازٍ "الآخِرَةِ" بِالخَفْضِ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، ويُنْظَرُ ذَلِكَ لِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ∗∗∗ ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَيْلِ نارا؟
(p-٢٤١)عَلى تَقْدِيرِ: وكُلَّ نارٍ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِلنّاسِ: إنْ شِئْتُمْ أخَذْتُمْ فِداءَ الأسْرى ويُقْتَلُ مِنكم في الحَرْبِ سَبْعُونَ عَلى عَدَدِهِمْ، وإنْ شِئْتُمْ قُتِلُوا وسِلِمْتُمْ، فَقالُوا: نَأْخُذُ المالَ ويُسْتَشْهَدُ مِنّا سَبْعُونَ،» وذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدِهِ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلى النَبِيِّ ﷺ بِتَخْيِيرِ الناسِ هَكَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى الرِوايَتَيْنِ فالأمْرُ في هَذا التَخْيِيرِ مِن عِنْدِ اللهِ فَإنَّهُ إعْلامٌ بِغَيْبٍ، وإذا خُيِّرُوا فَكَيْفَ يَقَعُ التَوْبِيخُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ؟ والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ العَتْبَ لِأصْحابِ النَبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمٌ﴾ إنَّما هو عَلى اسْتِبْقاءِ الرِجالِ وقْتَ الهَزِيمَةِ رَغْبَةً في أخْذِ المالِ مِنهُمْ، وجَمِيعُ العَتْبِ إذا نُظِرَ فَإنَّما هو لِلنّاسِ، وهُناكَ كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْتُلُ ويَحُضُّ عَلى القَتْلِ ولا يَرى الِاسْتِبْقاءَ، وحِينَئِذٍ قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: الإثْخانُ أحَبُّ إلَيَّ مِنِ اسْتِبْقاءِ الرِجالِ، وبِذَلِكَ جَعَلَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ ناجِيَيْنِ مِن عَذابٍ إنْ لَوْ نَزَلَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى حِرْصِ بَعْضِهِمْ عَلى المالِ قَوْلُ المِقْدادِ حِينَ أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ: "أسِيرِي يا رَسُولَ اللهِ"، وقَوْلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِلَّذِي يَأْسِرُ أخاهُ: "شُدَّ يَدَكَ عَلَيْهِ فَإنَّ لَهُ أُمًّا مُوسِرَةً" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن قَصَصِهِمْ، فَلَمّا تَحَصَّلَ الأسْرى وسِيقُوا إلى المَدِينَةِ وأنْفَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ القَتْلَ في النَضْرِ وعُقْبَةَ، والمَنَّ في أبِي عَزَّةَ وغَيْرِهِ، وجَعَلَ يَرْتَئِي في سائِرِهِمْ نَزَلَ التَخْيِيرُ مِنَ اللهِ تَعالى، فاسْتَشارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ، فَمَرَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أوَّلِ رَأْيِهِ في القَتْلِ، ورَأى أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ المَصْلَحَةَ في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ بِمالِ الفِداءِ، ومالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى رَأْيِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكِلا الرَأْيَيْنِ اجْتِهادٌ بَعْدَ تَخْيِيرٍ، فَلَمْ يَنْزِلْ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا عَتْبٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ هَذِهِ المَشُورَةِ والآراءِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ بِما ذَكَرْتُهُ، وكَذَلِكَ ذَكَرُوا في هَذِهِ الآياتِ تَحْلِيلَ المَغانِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولا أقُولُ ذَلِكَ، لِأنَّ حُكْمَ اللهِ تَعالى بِتَحْلِيلِ المَغْنَمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ كانَ تَقَدَّمَ قَبْلَ بَدْرٍ، وذَلِكَ في السَرِيَّةِ الَّتِي قُتِلَ فِيها عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإنَّما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ اسْتِبْقاءُ الرِجالِ لِأجْلِ المالِ، والَّذِي مَنَّ اللهُ بِهِ فِيها إلْحاقَ فِدْيَةِ الكافِرِ بِالمَغانِمِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ تَحْلِيلُها.
(p-٢٤٢)وَوَجْهُ ما قالَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الناسَ خُيِّرُوا في أمْرَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ جَيِّدٍ عَلى جِهَةِ الِاخْتِبارِ لَهُمْ، فاخْتارُوا المَفْضُولَ فَوَقَعَ العَتْبُ، ولَمْ يَكُنْ تَخْيِيرًا في مُسْتَوَيَيْنِ، وهَذا كَما أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِإناءَيْنِ فاخْتارَ الفاضِلَ.
و﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ صِفَتانِ مِن قِبَلِ الآيَةِ لِأنَّ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ يَتِمُّ مُرادُهُ عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ هَذا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا وكِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: لَوْلا الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فَآمَنتُمْ بِهِ وصَدَّقْتُمْ لَمَسَّكُمُ العَذابُ لِأخْذِكم هَذِهِ المُفاداةَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْضًا، وابْنُ زَيْدٍ: الكِتابُ السابِقُ هو مَغْفِرَةُ اللهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ أو تَأخَّرَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو هُرَيْرَةَ، وغَيْرُهُمُ:الكِتابُ هو ما قَدْ كانَ اللهُ قَضاهُ في الأزَلِ مِن إحْلالِ الغَنائِمِ والفِداءِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، وكانَتْ في سائِرِ الأُمَمِ مُحَرَّمَةً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو عَفْوُ اللهِ عنهم في هَذا الذَنْبِ مُعَيَّنًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ هو أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَضى أنْ لا يُعاقِبُ أحَدًا بِذَنْبٍ أتاهُ بِجَهالَةٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ تُعارِضُهُ مَواضِعُ مِنَ الشَرِيعَةِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ الكِتابَ السابِقَ هو ألّا يُعَذِّبَ أحَدًا بِذَنْبٍ إلّا بَعْدَ النَهْيِ عنهُ، ولَمْ يَكُونُوا نُهُوا بَعْدُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو ما قَضاهُ اللهُ مِن مَحْوِ الصَغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى دُخُولِ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها تَحْتَ اللَفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها، ونَكَّبَ عن تَخْصِيصِ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى. (p-٢٤٣)واللامُ في "لَمَسَّكُمْ" جَوابُ لَوْلا، وِ"كِتابٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وهَكَذا حالُ الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ "لَوْلا"، وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: لَوْلا كِتابٌ سابِقٌ مِنَ اللهِ تَدارَكَكُمْ، و"ما" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فِيما" يُرادُ بِها إمّا الأسْرى وإمّا الفِداءُ، وهي مَوْصُولَةٌ.
وفِي "أخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى العائِدِ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْ نَزَلَ في هَذا الأمْرِ عَذابٌ لَنَجا مِنهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ "، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: " وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ» "، وذَلِكَ أنَّ رَأْيَهُما كانَ أنْ يُقْتَلَ الأسْرى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةُ، نَصٌّ عَلى إباحَةِ المالِ الَّذِي أُخِذَ مِنَ الأسْرى وإلْحاقٍ لَهُ بِالغَنِيمَةِ الَّتِي كانَ تَقَدَّمَ تَحْلِيلُها.
قَوْلُهُ: ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾ حالانِ مِن "ما" في قَوْلِهِ: "مِمّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "غَنِمْتُمْ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "حَلالًا" مَفْعُولًا بِـ "فَكُلُوا". ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ مَعْناهُ: في التَسَرُّعِ حَسَبَ إرادَةِ البَشَرِ وشَهْوَتِهِ في نازِلَةٍ أُخْرى، وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ اعْتِراضًا فَصِيحًا في أثْناءِ الكَلامِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هو مُتَّصِلٌ بِالمَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾.
8:70–71Страница 186
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠
О Пророк! Скажи пленникам, которые находятся в ваших руках: «Если Аллаху известно, что в ваших сердцах есть добро, то Он дарует вам нечто лучшее, чем отобранное у вас, и простит вас. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный.
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١
Но если они захотят предать тебя, то ведь еще раньше они предали Аллаха, и Он отдал их во власть мусульманам. Аллах - Знающий, Мудрый.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(p-٢٤٤)رُوِيَ أنَّ الأسْرى بِبَدْرٍ أعْلَمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنَّهم لَهم مَيْلٌ إلى الإسْلامِ، وأنَّهم يُؤَمِّلُونَهُ، وأنَّهم إنْ فُدُوا ورَجَعُوا إلى قَوْمِهِمُ التَزَمُوا جَلْبَهم إلى الإسْلامِ، وسَعَوْا في ذَلِكَ، ونَحْوَ هَذا الغَرَضِ، فَفي ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الأسْرى في هَذِهِ الآيَةِ عَبّاسٌ وأصْحابُهُ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: آمَنّا بِما جِئْتَ بِهِ ونَشْهَدُ أنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلى قَوْمِنا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِنَ الأسْرى"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "مِنَ الأُسارى"، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وقَتادَةَ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مِنَ لَسْرى" بِالإدْغامِ، ومَعْنى الكَلامِ: إنْ كانَ هَذا عن جِدٍّ مِنكم وعَلِمَ اللهُ مِن نُفُوسِكُمُ الخَيْرَ والإسْلامَ سَيُجْبِرُ عَلَيْكم أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيتُمْ فِدْيَةً، وسَيَغْفِرُ لَكم جَمِيعَ ما اجْتَرَحْتُمُوهُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُثِيبُكم خَيْرًا". وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أُخِذَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الخاءِ، وقَرَأ شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "أخَذَ" بِفَتْحِهِما. ورُوِيَ أنَّ أسْرى بَدْرٍ افْتَدَوْا بِأرْبَعِينَ أُوقِيَّةً أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً إلّا العَبّاسَ فَإنَّهُ افْتُدِيَ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وقالَ قَتادَةُ: فادَوْهم بِأرْبَعَةِ آلافٍ أرْبَعَةِ آلافٍ، وقالَ عُبَيْدَةُ السِلْمانِيُّ: كانَ فِداءُ أسْرى بَدْرٍ مِائَةَ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، ومِنَ الدَنانِيرِ سِتَّةُ دَنانِيرَ، ورُوِيَ «أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: فِيَّ وفي أصْحابِي نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ حِينَ أعْطاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن مالِ البَحْرِينِ ما قَدَرَ أنْ يُقِلَّ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرْجُو أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي،» وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أيْضًا إلى العَبّاسِ أنَّهُ قالَ: «فِيَّ نَزَلَتْ حِينَ أعْلَمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِإسْلامِي وسَألْتُهُ أنْ يُحاسِبَنِي بِالعِشْرِينِ الأُوقِيَّةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنِّي قَبْلَ المُفاداةِ فَأبى وقالَ: "ذَلِكَ فَيْءٌ" فَأبْدَلَنِي اللهُ مِن ذَلِكَ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهم تاجَرَ بِمالِي،» ورُوِيَ عَنِ العَبّاسِ أنَّهُ قالَ: ما أوَدُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ ولِيَ الدُنْيا بِأجْمَعِها، وذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ آتانِي مِمّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرْجُو أنْ يَغْفِرَ لِي.
(p-٢٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ﴾ الآيَةُ.
قَوْلٌ أُمِرَ أنْ يَقُولَهُ لِلْأسْرى ويُورِدَ مَعْناهُ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: إنْ أخْلَصُوا فَعَلَ بِهِمْ كَذا، وإنْ أبَطَنُوا خِيانَةَ ما زَعَمُوا أنْ يُؤْتَمَنُوا عَلَيْهِ مِنَ العَهْدِ فَلا يَسُرَّهم ذَلِكَ ولا يَسْكُنُوا إلَيْهِ، فَإنَّ اللهَ بِالمِرْصادِ لَهُمُ الَّذِي خانُوهُ قَبْلُ بِكُفْرِهِمْ وتَرْكِهِمُ النَظَرَ في آياتِهِ، وهو قَدْ بَيَّنَها لَهم إدْراكًا يُحَصِّلُونَها بِهِ فَصارَ كَعَهْدٍ مُتَقَرِّرٍ، فَجُعِلَ جَزاؤُهم عَلى خِيانَتِهِمْ إيّاهُ أنْ مَكَّنَ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ، وجَعَلَهم أسْرى في أيْدِيهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ صِفَتانِ مُناسِبَتانِ، أيْ: عَلِيمٌ بِما يُبْطِنُونَهُ مِن إخْلاصٍ أو خِيانَةٍ، حَكِيمٌ فِيما يُجازِيهِمْ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأمّا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِقِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يُحَرَّرَ، فَإنْ جُلِبَتْ قِصَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ عَلى أنَّها مِثالٌ كَما يُمْكِنُ أنْ تُجْلَبَ أمْثِلَةٌ في عَصْرِنا مِن ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وإنْ جُلِبَتْ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ فَخَطَأٌ، لِأنَّ ابْنَ أبِي سَرْحٍ إنَّما تَبَيَّنَ أمْرَهُ في يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عُقَيْبَ بَدْرٍ.
8:72Страница 186
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢
Воистину, те, которые уверовали, совершили переселение и сражались своим имуществом и своими жизнями на пути Аллаха, а также те, которые дали убежище мухаджирам и оказали помощь, являются помощниками и друзьями друг другу. Если же люди уверовали, но не совершили переселения, то вы не обязаны защищать их, пока они не совершат переселения. Если они попросят вас о помощи в делах религии, то вы должны помочь, если только эта помощь не направлена против народа, с которым вы заключили договор. Аллах видит то, что вы совершаете.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِينِ فَعَلَيْكُمُ النَصْرُ إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
(p-٢٤٦)مَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها تَبْيِينُ مَنازِلِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا والكُفّارِ والمُهاجِرِينَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وذِكْرُ نَسَبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذِكْرَ المُهاجِرِينَ وهم أصْلُ الإسْلامِ، وانْظُرْ تَقْدِيمَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَهم في الِاسْتِشارَةِ، وهاجَرَ: مَعْناهُ: هَجَرَ أهْلَهُ وقَرابَتُهُ وهَجَرُوهُ، و( جاهَدُوا ) مَعْناهُ: أجْهَدُوا أنْفُسَهم في حَرْبِ مَن أجْهَدَ نَفْسَهُ في حَرْبِهِمْ. ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ، وآوى مَعْناهُ: هَيَّأ مَأْوًى وهو المَلْجَأُ والحِرْزُ، فَحُكْمُ اللهِ عَلى هاتَيْنِ الطائِفَتَيْنِ بِأنَّ بَعْضَهم أولِياءُ بَعْضٍ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ المُوالاةُ هي المُؤازَرَةُ والمُعاوَنَةُ واتِّصالُ الأيْدِي، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الطَبَرِيُّ الآيَةَ، وهَذا الَّذِي قالُوا لازِمٌ مِن دَلالَةِ اللَفْظِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وكَثِيرٌ مِنهُمْ: إنَّ هَذِهِ المُوالاةَ هي في المِيراثِ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ آخى بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وكانَتْ بَيْنَ الأنْصارِ أُخُوَّةُ النَسَبِ، وكانَتْ أيْضًا بَيْنَ بَعْضِ المُهاجِرِينَ، فَكانَ المُهاجِرِيُّ إذا ماتَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ مُهاجِرِيٌّ ورِثَهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ، وإنْ كانَ لَهُ ولِيٌّ مُسْلِمٌ لَمْ يُهاجِرْ، وكانَ المُسْلِمُ الَّذِي لَمْ يُهاجِرْ لا وِلايَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُهاجِرِيِّ فَلا يَرِثُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: واسْتَمَرَّ أمْرُهم كَذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ تَوارَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمّا لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَذَهَبَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ إلى أنَّ هَذا هو مَقْصِدُ الآيَةُ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها في التَآزُرِ والتَعاوُنِ فَإنَّما يَحْمِلُ نَفْيَ اللهِ تَعالى وِلايَتَهم عَنِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّها صِفَةُ الحالِ، لا أنَّ اللهَ حَكَمَ بِأنْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ وبَيْنَهم جُمْلَةً، وذَلِكَ أنَّ حالَهم إذا كانُوا مُتَباعِدِي الأقْطارِ تَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم إنْ حَزَبَهم حازِبٌ لا يَجِدُ الآخَرَ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَعَلى هَذِهِ الجِهَةِ نَفْيُ الوِلايَةِ، وعَلى التَأْوِيلَيْنِ فَفي الآيَةِ حَضٌّ لِلْأعْرابِ عَلى الهِجْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومَن رَأى الوِلايَةَ في المُوارَثَةِ فَهو حُكْمٌ مِنَ اللهِ يَنْفِي الوِلايَةَ في المُوارَثَةَ، قالُوا: ونَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] الآيَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسِ: "وَلايَتِهِمْ" بِفَتْحِ الواوِ، و"الوَلايَةُ" أيْضًا بِفَتْحِ الواوِ (p-٢٤٧)وَقَرَأ الكِسائِيُّ: "وَلايَتِهِمْ" بِفَتْحِ الواوِ، و"الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وِلايَتِهِمْ" و"الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ أجْوَدُ لِأنَّها في الدِينِ، قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: "والكَسْرُ فِيها لُغَةٌ"، ولَيْسَتْ بِذَلِكَ، ولَحَّنَ الأصْمَعِيُّ الأعْمَشَ، وأخْطَأ عَلَيْهِ لِأنَّها إذا كانَتْ لُغَةً فَلَمْ يُلَحَّنْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لا سِيَّما ولا يُظَنُّ بِهِ إلّا أنَّهُ رَواها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِلايَةُ بِالكَسْرِ هي مِن ولِيتُ الأمْرَ إلَيْهِ فَهي في السُلْطانِ، والوَلايَةُ هي في المَوْلى، يُقالُ: مَوْلى بَيِّنُ الوَلايَةِ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ يَعْنِي: إنِ اسْتَدْعى هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا نَصْرَكم عَلى قَوْمٍ مِنَ الكَفَرَةِ فَواجِبٌ عَلَيْكم نَصْرُهُمْ، إلّا إنِ اسْتَنْصَرُوكم عَلى قَوْمٍ كُفّارٍ قَدْ عاهَدْتُمُوهم أنْتُمْ وواثَقْتُمُوهم عَلى تَرْكِ الحَرْبِ فَلا تَنْصُرُوهم عَلَيْهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ غَدْرٌ ونَقْضٌ لِلْمِيثاقِ وتَرْكٌ لِحِفْظِ العَهْدِ والوَفاءِ بِهِ، والقِراءَةُ: "فَعَلَيْكُمُ النَصْرُ" بِرَفْعِ الراءِ، ويَجُوزُ "فَعَلَيْكُمُ النَصْرَ" عَلى الإغْراءِ، ولا أحْفَظُهُ قِراءَةً.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واللهُ بِما تَعْمَلُونَ" عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، والأعْرَجُ: "بِما يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ.
8:73–75Страница 186
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣
Неверующие являются помощниками и друзьями друг другу. И если вы не будете поступать таким образом (если верующие не будут помощниками и друзьями друг другу), то на земле возникнут смута и великое беззаконие.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤
Те, которые уверовали, совершили переселение и сражались на пути Аллаха, а также те, которые дали убежище и оказали им помощь, являются истинно верующими. Им уготованы прощение и щедрый удел.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٧٥
Те, которые уверовали впоследствии, совершили переселение и сражались вместе с вами, являются одними из вас. Однако родственники ближе друг к другу. Таково предписание Аллаха. Воистину, Аллах ведает о всякой вещи.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ إنَّ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
(p-٢٤٨)هَذا حُكْمٌ بِأنَّ الكُفّارَ وِلايَتُهم واحِدَةٌ، وذَلِكَ بِجَمْعِ المُوارَثَةِ والمُعاوَنَةِ والنُصْرَةِ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَرْغِيبٌ وإقامَةٌ لِلنُّفُوسِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ أنْ يَسْتَضْلِعَ: "عَدُوُّكَ مُجْتَهِدٌ"، أيْ: فاجْتَهِدْ أنْتَ.
وحَكى الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: أبى اللهُ أنْ يَقْبَلَ إيمانَ مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، وذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ، وذَلِكَ أيْضًا مَذْكُورٌ مُسْتَوْعَبٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].
والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الشَرْعِ أنَّ حُكْمَ المُؤْمِنِ التارِكِ لِلْهِجْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُوبِها، حُكْمُ العاصِي لا حُكْمُ الكافِرِ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إنَّما هي فِيمَن قُتِلَ مَعَ الكُفّارِ، وفِيهِمْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أنا بَرِيءٌ مِن مُسْلِمٍ أقامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ لا تَراءى نارُهُما" الحَدِيثُ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ، وقَوْلُ قَتادَةَ إنَّما هو فِيمَن كانَ يَقُومُ مُتَرَبِّصًا يَقُولُ: مَن غَلَبَ كُنْتُ مَعَهُ، وكَذَلِكَ ذُكِرَ في كِتابِ الطَبَرِيِّ والكُشِّيِّ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ قِيلَ: هو عائِدٌ عَلى المُوارَثَةِ والتِزامِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لا تَقَعُ الفِتْنَةُ عنهُ إلّا عن بُعْدٍ وبِوَساطَةٍ كَثِيرَةٍ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى المُؤازَرَةِ (p-٢٤٩)والمُعاوَنَةِ واتِّصالِ الأيْدِي، وهَذا تَقَعُ الفِتْنَةُ عنهُ عن قُرْبٍ فَهو آكَدُ مِنَ الأوَّلِ، ويَظْهَرُ أيْضًا عَوْدُهُ عَلى حِفْظِ العَهْدِ والمِيثاقِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وهَذا إنْ لَمْ يُفْعَلْ فَهي الفِتْنَةُ نَفْسُها، ويَظْهَرْ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى النَصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ المُسْتَنْصِرِينَ في الدِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ مُجْمَلًا عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ.
والفِتْنَةُ: المِحْنَةُ بِالحَرْبِ وما أُنْجِزَ مَعَها مِنَ الغاراتِ والجَلاءِ والأسْرِ.
والفَسادُ الكَبِيرُ: ظُهُورُ الشِرْكِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَبِيرٌ" بِالباءِ المَنقُوطَةِ بِواحِدَةٍ، وقَرَأ أبُو مُوسى الحِجازِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ بِالثاءِ مَنقُوطَةً مُثَلَّثَةً، ورَوى أبُو حاتِمٍ المَدَنِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأ: "وَفَسادٌ عَرِيضٌ"»، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ الآيَةُ، آيَةٌ تَضَمَّنَتْ تَخْصِيصَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وتَشْرِيفَهم بِهَذا الوَصْفِ العَظِيمِ. و"حَقًّا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِما قَبْلَهُ، ووَصْفُ الرِزْقِ بِالكَرِيمِ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَسْتَحِيلُ نَجْوًا، والمُرادُ بِهِ طَعامُ الجَنَّةِ، كَذا ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ولازِمُ اللَفْظِ نَفْيُ المَذَمّاتِ عنهُ، وما ذَكَرُوهُ فَهو في ضِمْنِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدُ﴾ يُرِيدُ بِهِ: مِن بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ وبَيْعَةِ الرِضْوانِ، وذَلِكَ أنَّ الهِجْرَةَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ كانَتْ أقَلَّ رُتْبَةً مِنَ الهِجْرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وكانَ يُقالُ لَها: الهِجْرَةُ الثانِيَةُ، لِأنَّ الحَرْبَ وضَعَتْ أوزارَها نَحْوَ عامَيْنِ، ثُمَّ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ، وبِهِ قالَ ﷺ: « "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ"،» وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مِن بَعْدِ ما بَيَّنْتُ لَكم حُكْمَ الوِلايَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَكانَ الحاجِزُ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ نُزُولَ الآيَةِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم مِنَ الأوَّلِينَ في المُؤازَرَةِ وسائِرِ أحْكامِ الإسْلامِ. (p-٢٥٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ لَفْظٌ يَقْتَضِي أنَّهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ كَذَلِكَ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَوْلى القَوْمِ مِنهُمْ"، "وابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنهُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قالَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: هي في المَوارِيثِ، وهي ناسِخَةٌ لِلْحُكْمِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ مِن أنْ يَرِثَ المُهاجِرِيًّ الأنْصارِيَّ، ووَجَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ أنْ يَرِثَ الرَجُلُ قَرِيبَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُهاجِرًا مَعَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ في المَوارِيثِ، وهَذا فِرارٌ عن تَوْرِيثِ الخالِ والعَمَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المَوارِيثِ إلّا أنَّها نُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ المُبَيِّنَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾، مَعْناهُ: القُرْآنُ، أيْ ذَلِكَ مُثْبَتٌ في كِتابِ اللهِ، وقِيلَ: المَعْنى: في كِتابِ اللهِ السابِقِ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، و﴿عَلِيمٌ﴾ صِفَةٌ مُناسِبَةٌ لِنُفُوذِ هَذِهِ الأحْكامِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنْفالِ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии