Аш-Шаукани · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:83–88
2:83–86Страница 12
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣
Вот Мы заключили с сынами Исраила (Израиля) завет о том, что вы не будете поклоняться никому, кроме Аллаха; будете делать добро родителям, а также родственникам, сиротам и беднякам; будете говорить людям прекрасное, совершать намаз и выплачивать закят. Но впоследствии вы отвернулись с отвращением, за исключением немногих.
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤
Вот Я заключил с вами завет о том, что вы не будете проливать вашей крови и изгонять друг друга из ваших жилищ. Потом вы признали это, свидетельствуя об этом.
ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥
Но впоследствии именно вы стали убивать друг друга и изгонять некоторых из вас из жилищ, помогая одним против других в грехе и посягательстве. А если они приходят к вам пленными, то вы выкупаете их. А ведь вам было запрещено изгонять их. Неужели вы станете веровать в одну часть Писания и отвергать другую часть? Воздаянием тому, кто совершает подобное, будет позор в мирской жизни, а в День воскресения они будут подвергнуты еще более ужасным мучениям. Аллах не находится в неведении о том, что вы совершаете.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦
Они купили мирскую жизнь за Последнюю жизнь. Их мучения не будут облегчены, и им не будет оказана помощь.
قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّ المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُنا هو ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في حَياتِهِمْ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ وعِبادَةُ اللَّهِ إثْباتُ تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقُ رُسُلِهِ والعَمَلُ بِما أنْزَلَ في كُتُبِهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ، والمَعْنى، اسْتَحْلَفْناهم واللَّهِ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، وقِيلَ: هو إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " لا تَعْبُدُوا " عَلى النَّهْيِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: وقُولُوا وأقِيمُوا وآتُوا وقالَ قُطْرُبٌ والمُبَرِّدُ: إنَّ قَوْلَهُ: لا تَعْبُدُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ أوْ غَيْرَ مُعانِدِينَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ( يَعْبُدُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ: إنَّ مَعْناهُ أخَذْنا مِيثاقَكم بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وبِأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ، وبِأنْ لا تَسْفِكُوا الدِّماءَ: ثُمَّ حُذِفَ ( أنْ ) فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها.
قالَ المُبَرِّدُ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ كُلَّ ما أُضْمِرَ في العَرَبِيَّةِ فَهو يَعْمَلُ عَمَلَهُ مُظْهَرًا.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَيْسَ بِخَطَأٍ بَلْ هُما وجْهانِ صَحِيحانِ وعَلَيْهِما أنْشَدَ:
؎ألا أيَهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
بِالنَّصْبِ لِقَوْلِهِ: ( أحْضُرَ ) وبِالرَّفْعِ.
والإحْسانُ إلى الوالِدَيْنِ: مُعاشَرَتُهُما بِالمَعْرُوفِ والتَّواضُعُ لَهُما وامْتِثالُ أمْرِهِما، وسائِرُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى الوَلَدِ لِوالِدَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ.
والقُرْبى: مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والعُقْبى، هُمُ القَرابَةُ والإحْسانُ لَهم: صِلَتُهم والقِيامُ بِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ وبِقَدْرِ ما تَبْلُغُ إلَيْهِ القُدْرَةُ.
واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ، واليَتِيمُ في بَنِي آدَمَ مَن فَقَدَ أباهُ. وفي سائِرِ الحَيَواناتِ: مَن فَقَدَ أُمَّهُ.
وأصْلُهُ الِانْفِرادُ، يُقالُ: صَبِيٌّ يَتِيمٌ، أيْ مُنْفَرِدٌ مِن أبِيهِ.
والمَساكِينُ جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو مَن أسْكَنَتْهُ الحاجَةُ وذَلَّلَتْهُ، وهو أشَدُّ فَقْرًا مِنَ الفَقِيرِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ الفِقْهِ.
ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.
وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِهَذا البَحْثِ أدِلَّةً مُسْتَوْفاةً في مَواطِنِها.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ قُولُوا لَهم قَوْلًا حَسَنًا فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ كَبُشْرى، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.
وكَذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ البُخْلِ والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ. وحَكى الأخْفَشُ أيْضًا ( حُسْنى ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى فُعْلى.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، لا يُقالُ مِن هَذا شَيْءٌ إلّا بِالألِفِ واللّامِ نَحْوَ الفُضْلى والكُبْرى والحُسْنى وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " حُسُنًا " بِضَمَّتَيْنِ: والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ حَسَنٌ شَرْعًا كانَ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ هو كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: الصِّدْقُ، وقِيلَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وهو خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فالمُرادُ الصَّلاةُ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَها، والزَّكاةُ الَّتِي كانُوا يُخْرِجُونَها.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزَكاتُهم هي الَّتِي كانُوا يَضَعُونَها فَتَنْزِلُ النّارُ عَلى ما يُقْبَلُ، ولا تَنْزِلُ عَلى ما لا يُقْبَلُ.
وقَوْلُهُ: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ قِيلَ: الخِطابُ لِلْحاضِرِينَ مِنهم في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهم مِثْلُ سَلَفِهِمْ في ذَلِكَ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.
وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ومِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ (p-٧٣)عَلى الحالِ، والإعْراضُ والتَّوَلِّي بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ: التَّوَلِّي بِالجِسْمِ، والإعْراضُ بِالقَلْبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا تَسْفِكُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في لا تَعْبُدُونَ وقَدْ سَبَقَ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ بِضَمِّ الفاءِ، وهي لُغَةٌ.
وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وفَتْحِ السِّينِ، والسَّفْكُ: الصَّبُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ.
والدّارُ: المَنزِلُ الَّذِي فِيهِ أبْنِيَةُ المُقامِ، بِخِلافِ مَنزِلِ الِارْتِحالِ.
وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ مَوْضِعٍ حَلَّهُ قَوْمٌ فَهو دارٌ لَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أبْنِيَةٌ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ دارًا لِدَوْرِها عَلى سُكّانِها، كَما يُسَمّى الحائِطُ حائِطًا لِإحاطَتِهِ عَلى ما يَحْوِيهِ.
وقَوْلُهُ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ مِنَ الإقْرارِ، أيْ حَصَلَ مِنكُمُ الِاعْتِرافُ بِهَذا المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْكم في حالِ شَهادَتِكم عَلى أنْفُسِكم بِذَلِكَ، قِيلَ: الشَّهادَةُ هُنا بِالقُلُوبِ وقِيلَ هي بِمَعْنى الحُضُورِ، أيْ أنَّكُمُ الآنَ تَشْهَدُونَ عَلى أسْلافِكم بِذَلِكَ، وكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أخَذَ في التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَنْفِيَهِ ولا يَسْتَرِقَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ أنْتُمْ هَؤُلاءِ المُشاهَدُونَ الحاضِرُونَ تُخالِفُونَ ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْكم في التَّوْراةِ فَتَقْتُلُونَ أنْفُسَكم إلى آخِرِ الآيَةِ، وقِيلَ: إنَّ ( هَؤُلاءِ ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مَنصُوبٌ بِالذَّمِّ أوِ الِاخْتِصاصِ، أيْ أذُمُّ أوْ أخُصُّ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: إنَّ التَّقْدِيرَ: يا هَؤُلاءِ. قالَ النَّحّاسُ: هَذا خَطَأٌ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ.
وقالَ الزَّجّاجُ ( هَؤُلاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ أيْ ثُمَّ أنْتُمُ الَّذِينَ تَقْتُلُونَ.
وقِيلَ: ( هَؤُلاءِ ) مُبْتَدَأٌ و( أنْتُمْ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: " تُقَتِّلُونَ " مُشَدَّدًا، فَمَن جَعَلَ قَوْلَهُ: أنْتُمْ هَؤُلاءِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا جَعَلَ قَوْلَهَ: تَقْتُلُونَ بَيانًا لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: أنْتُمْ هَؤُلاءِ أنَّهم عَلى حالَةٍ كَحالَةِ أسْلافِهِمْ مِن نَقْضِ المِيثاقِ.
ومَن جَعَلَ ( هَؤُلاءِ ) مُنادًى أوْ مَنصُوبًا بِما ذَكَرْنا جَعَلَ الخَبَرَ ( تَقْتُلُونَ ) وما بَعْدَهُ.
وقَوْلُهُ: تَظّاهَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرُونَ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ لِقُرْبِها مِنها في المَخْرَجِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ. وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَظاهَرُونَ " مُخَفَّفًا بِحَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ، لِدَلالَةِ الأُولى عَلَيْها.
وأصِلُ المُظاهَرَةِ المُعاوَنَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الظَّهْرِ لِأنَّ بَعْضَهم يُقَوِّي بَعْضًا فَيَكُونُ لَهُ كالظَّهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَظاهَرْتُمْ مِن كُلِّ أوْبٍ ووِجْهَةٍ ∗∗∗ عَلى واحِدٍ لا زِلْتُمْ قِرْنَ واحِدِ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ .
و( أُسارى ) حالٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقُولُ: ما صارَ في أيْدِيهِمْ فَهو أُسارى، وما جاءَ مُسْتَأْسِرًا فَهو الأسْرى.
ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُّغَةِ ما قالَ أبُو عَمْرٍو.
وإنَّما هَذا كَما تَقُولُ سَكارى وسَكْرى.
وقَدْ قَرَأ حَمْزَةُ " أسْرى " .
وقَرَأ الباقُونَ أُسارى، والأسْرى جَمْعُ أسِيرٍ كَ ( القَتْلى ) جَمْعُ قَتِيلٍ والجَرْحى جَمْعُ جَرِيحٍ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ أُسارى.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أُسارى كَما يُقالُ سُكارى.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ في جَمْعِ أسِيرٍ أسْرى وأُسارى. انْتَهى.
فالعَجَبُ مِن أبِي حاتِمٍ حَيْثُ يُنْكِرُ ما ثَبَتَ في التَّنْزِيلِ وقَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ، والأسِيرُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّيْرِ، وهو القَيْدُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ المَحْمَلُ، فَسُمِّيَ أسِيرًا لِأنَّهُ يُشَدُّ وثاقُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أسَرَهُ، أيْ شَدَّهُ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ أخِيذٍ أسِيرًا وإنْ لَمْ يُؤْخَذْ.
وقَوْلُهُ: تُفادُوهم جَوابُ الشَّرْطِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ ونافِعٍ والكِسائِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ " تَفْدُوهم " .
والفِداءُ: هو ما يُؤْخَذُ مِنَ الأسِيرِ لِيَفُكَّ بِهِ أسْرَهُ، يُقالُ: فَداهُ وفاداهُ: إذا أعْطاهُ فِداءَهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎قِفِي فادِي أسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمَكِ ما أرى لَهُمُ اجْتِماعا
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وقِيلَ: مُبْهَمٌ تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عِمادٌ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ العِمادَ لا يَكُونُ في أوَّلِ الكَلامِ.
إخْراجُهم مُرْتَفِعٌ بِقَوْلِهِ: مُحَرَّمٌ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، وقِيلَ: بَلْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ و( مُحَرَّمٌ ) خَبَرُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعَةَ عُهُودٍ: تَرْكُ القَتْلِ، وتَرْكُ الإخْراجِ، وتَرْكُ المُظاهَرَةِ، وفِداءُ أسْراهم، فَأعْرَضُوا عَنْ كُلِّ ما أُمِرُوا بِهِ إلّا الفِداءَ، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ .
والخِزْيُ: الهَوانُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخِزْيُ بِالكَسْرِ يَخْزى خِزْيًا: إذا ذَلَّ وهانَ، وقَدْ وقَعَ هَذا الجَزاءُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ بِهِ المَلاعِينَ اليَهُودَ مُوَفَّرًا، فَصارُوا في خِزْيٍ عَظِيمٍ بِما أُلْصِقَ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والمَهانَةِ بِالقَتْلِ والأسْرِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ والجَلاءِ، وإنَّما رَدَّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلى أشَدِّ العَذابِ لِأنَّهم جاءُوا بِذَنْبٍ شَدِيدٍ ومَعْصِيَةٍ فَظِيعَةٍ.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ يُرَدُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ وكَذَلِكَ تَفْسِيرُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ .
وقَوْلُهُ: فَلا يُخَفَّفُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ اليَهُودَ لا يَزالُونَ في عَذابٍ مُوَفَّرٍ لازِمٍ لَهم بِالجِزْيَةِ والصَّغارِ والذِّلَّةِ والمَهانَةِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ذَلِكَ أبْدًا ما دامُوا، ولا يُوجَدُ لَهم ناصِرٌ يَدْفَعُ عَنْهم، ولا يَثْبُتُ لَهم نَصْرٌ في أنْفُسِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ يُؤَنِّبُهم، أيْ مِيثاقَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.
ورَوى البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ قالَ: يَعْنِي النّاسَ كُلَّهم، ومِثْلَهُ رَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قالَ، أيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ أعْرَضْتُمْ عَنْ طاعَتِي إلّا قَلِيلًا مِنكم وهُمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهم لِطاعَتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم﴾ لا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِنَ الدِّيارِ ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ بِهَذا المِيثاقِ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وأنْتُمْ شُهُودٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ (p-٧٤)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ أنَّ هَذا حَقٌّ مِن مِيثاقِي عَلَيْكم ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم﴾ أي أهْلَ الشِّرْكِ حَتّى تَسْفِكُوا دِماءَكم مَعَهم ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: تُخْرِجُونَهم مِن دِيارِهِمْ مَعَهم ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ فَكانُوا إذا كانَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ مَعَهم بَنُو قَيْنُقاعَ مَعَ الخَزْرَجِ والنَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ مَعَ الأوْسِ وظاهَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفاءَهُ عَلى إخْوانِهِ حَتّى يُسافِكُوا دِماءَهم، فَإذا وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها افْتَدَوْا أسْراهم تَصْدِيقًا لِما في التَّوْراةِ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ وقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ ذَلِكَ عَلَيْكم في دِينِكم ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كِتابِكم لِإخْراجِهِمْ ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أتُفادُونَهم مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وتُخْرِجُونَهم كُفْرًا بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ قالَ: اسْتَحَبُّوا قَلِيلَ الدُّنْيا عَلى كَثِيرِ الآخِرَةِ.
2:87–88Страница 13
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧
Мы даровали Мусе (Моисею) Писание и отправили вслед за ним череду посланников. Мы даровали Исе (Иисусу), сыну Марьям (Марии), ясные знамения и укрепили его Святым Духом (Джибрилем). Неужели каждый раз, когда посланник приносил вам то, что было вам не по душе, вы проявляли высокомерие, нарекали лжецами одних и убивали других?
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
Они сказали: «Сердца наши покрыты завесой (или переполнены знаниями)». О нет, это Аллах проклял их за их неверие. Как же мала их вера!
الكِتابُ: التَّوْراةُ، والتَّقْفِيَةُ: الإتْباعُ والإرْدافُ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَفا وهو مُؤَخَّرُ العُنُقِ، تَقُولُ: اسْتَقْفَيْتُهُ: إذا جِئْتَ مِن خَلْفِهِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قافِيَةُ الشِّعْرِ لِأنَّها تَتْلُو سائِرَ الكَلامِ.
والمُرادُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ عَلى أثَرِهِ رُسُلًا جَعَلَهم تابِعِينَ لَهُ وهم أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ المَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِهِ.
والبَيِّناتِ الأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في آلِ عِمْرانَ والمائِدَةِ.
والتَّأْيِيدُ: التَّقْوِيَةُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " وآيَدْناهُ " بِالمَدِّ وهُما لُغَتانِ.
ورُوحُ القُدُسِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ: أيِ الرُّوحِ المُقَدَّسَةِ.
والقُدُسُ: الطَّهارَةُ، والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ، وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ عِيسى، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎وجِبْرِيلُ أمِينُ اللَّهِ فِينا ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ بِهِ خَفاءُ
قالَ النَّحّاسُ: وسُمِّيَ جِبْرِيلُ رُوحًا وأُضِيفَ إلى القُدُسِ لِأنَّهُ كانَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ لَهُ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. وقِيلَ: القُدُسُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ورُوحُهُ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِرُوحِ القُدُسِ: الِاسْمُ الَّذِي كانَ عِيسى يُحْيِي بِهِ المَوْتى، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الإنْجِيلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الرُّوحُ المَنفُوخُ فِيهِ، أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ أيْ بِما لا يُوافِقُها ويُلائِمُها، وأصْلُ الهَوى: المَيْلُ إلى الشَّيْءِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وسُمِّيَ الهَوى هَوًى لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ إلى النّارِ.
وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الكَلامِ المُعَنْوَنِ بِهَمْزَةِ التَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ مِنكم بِما لا يُوافِقُ ما تَهْوَوْنَهُ اسْتَكْبَرْتُمْ عَنْ إجابَتِهِ احْتِقارًا لِلرُّسُلِ واسْتِبْعادًا لِلرِّسالَةِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: أفَكُلَّما لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ آتَيْناكم يا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ ما آتَيْناكم أفَكُلَمّا جاءَكم رَسُولٌ.
و( فَرِيقًا ) مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ والفاءُ لِلتَّفْصِيلِ، ومِنَ الفَرِيقِ المُكَذَّبِينَ عِيسى ومُحَمَّدٌ، ومِنَ الفَرِيقِ المَقْتُولِينَ يَحْيى وزَكَرِيّا.
والغُلْفُ جَمْعُ أغْلَفَ، المُرادُ بِهِ هُنا: الَّذِي عَلَيْهِ غِشاوَةٌ تَمْنَعُ مِن وُصُولِ الكَلامِ إلَيْهِ، ومِنهُ غَلَّفْتُ السَّيْفَ، أيْ جَعَلْتُ لَهُ غُلافًا.
قالَ في الكَشّافِ: هو مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الغُلْفَ جَمْعُ غِلافٍ مِثْلَ حِمارٍ وحُمْرٍ، أيْ قُلُوبُنا أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ فَما بالَها لا تَفْهَمُ عَنْكَ، وقَدْ وعَيْنا عِلْمًا كَثِيرًا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما قالُوهُ فَقالَ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وأصْلُ اللَّعْنِ في كَلامِ العَرَبِ الطَّرْدُ والإبْعادُ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ
أيْ كالرَّجُلِ المَطْرُودِ.
والمَعْنى: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ، وقَلِيلًا نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ و( ما ) زائِدَةٌ، وصَفَ إيمانَهم بِالقِلَّةِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن عِنادِهِمْ وعَجْرَفَتِهِمْ وشِدَّةِ لُجاجِهِمْ، وبُعْدِهِمْ عَنْ إجابَةِ الرُّسُلِ ما قَصَّهُ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.
وقالَ مَعْمَرٌ: المَعْنى لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا مِمّا في أيْدِيهِمْ ويَكْفُرُونَ بِأكْثَرِهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ( قَلِيلًا ) مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ.
وقالَ الواقِدِيُّ: مَعْناهُ لا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا.
قالَ الكِسائِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلَّ ما تُنْبِتُ الكُرّاثَ والبَصَلَ أيْ لا تُنْبِتُ شَيْئًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ يَعْنِي بِهِ التَّوْراةَ جُمْلَةً واحِدَةً مُفَصَّلَةً مُحْكَمَةً ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يَعْنِي رَسُولًا يُدْعى أشَمْوِيلَ بْنَ بابِلَ، ورَسُولًا يُدْعى مَنشابِيلَ، ورَسُولًا يُدْعى شَعْياءَ، ورَسُولًا يُدْعى حِزْقِيلَ، ورَسُولًا يُدْعى أرْمِياءَ وهو الخَضِرُ، ورَسُولًا يُدْعى داوُدَ وهو أبُو سُلَيْمانَ ورَسُولًا يُدْعى المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَهَؤُلاءِ الرُّسُلُ ابْتَعَثَهُمُ اللَّهُ وانْتَخَبَهم مِنَ الأُمَّةِ بَعْدَ مُوسى فَأخَذْنا عَلَيْهِمْ مِيثاقًا غَلِيظًا أنْ يُؤَدُّوا إلى أُمَّتِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَةَ أُمَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ قالَ: هي الآياتُ الَّتِي وضَعَ عَلى يَدَيْهِ مِن إحْياءِ المَوْتى وخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وإبْراءِ الأسْقامِ والخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ، وما ورَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: وأيَّدْناهُ قالَ: قَوَّيْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: رُوحٌ مِنَ القُدُسِ الِاسْمُ الَّذِي كانَ عِيسى يُحْيِي بِهِ المَوْتى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القُدُسُ اللَّهُ تَعالى.
وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القُدُسُ الطُّهْرُ.
وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: القُدُسُ البَرَكَةُ.
وأخْرَجَ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ أنَّ رُوحَ القُدُسِ جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخُ في العَظَمَةِ عَنْ جابِرٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: رُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اللَّهُمَّ أيِّدْ حَسّانَ بِرُوحِ القُدُسِ» .
وأخْرَجَ (p-٧٥)ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: فَرِيقًا قالَ: طائِفَةً.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ القَلْبُ لِتَقَلُّبِهِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " قُلُوبُنا غُلَّفٌ " مُثَقَّلَةً، أيْ كَيْفَ نَتَعَلَّمُ وقُلُوبُنا غُلَّفٌ لِلْحِكْمَةِ، أيْ أوْعِيَةٌ لِلْحِكْمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ ولا غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ: في غِطاءٍ، ورَوى ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في أكِنَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هي القُلُوبُ المَطْبُوعُ عَلَيْها.
وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي الَّتِي لا تَفْقَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الإخْلاصِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «القُلُوبُ أرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أغْلَفُ فَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ، وقَلْبٌ مُصَفَّحٌ فَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، وقَلْبٌ أجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّراجِ فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، وقَلْبٌ فِيهِ إيمانٌ ونِفاقٌ، فَمَثَلُ الإيمانِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَمُدُّها ماءٌ طَيِّبٌ، ومَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ قُرْحَةٍ يَمُدُّها القَيْحُ والدَّمُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «القُلُوبُ أرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّراجِ يُزْهى، وقَلْبٌ أغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلى غِلافِهِ، وقَلْبٌ مَنكُوسٌ، وقَلْبٌ مُصَفَّحٌ، فَأمّا القَلْبُ الأجْرَدُ فَقَلْبُ المُؤْمِنِ سِراجُهُ فِيهِ نُورُهُ، وأمّا القَلْبُ الأغْلَفُ فَقَلْبُ الكافِرِ، وأمّا القَلْبُ المَنكُوسُ فَقَلْبُ المُنافِقِ عَرَفَ ثُمَّ أنْكَرَ، وأمّا القَلْبُ المُصَفَّحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إيمانٌ ونِفاقٌ، فَمَثَلُ الإيمانِ فِيهِ كَمَثَلِ البَقْلَةِ يَمُدُّها الماءُ الطَّيِّبُ، ومَثَلُ النِّفاقِ فِيهِ كَمَثَلِ القُرْحَةِ يَمُدُّها القَيْحُ، فَأيُّ المادَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلى الأُخْرى غَلَبَتْ عَلَيْهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ مِثْلَهُ سَواءً مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: لا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии