Аш-Шаукани · Тафсир · на арабском
Аль-Анбия 21:57–77
21:57–70Страница 326
وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧
Ибрахим подумал: «Клянусь Аллахом! Я непременно замыслю хитрость против ваших идолов, когда вы уйдете и отвернетесь».
فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨
Затем он разнес на куски всех идолов, кроме главного из них, чтобы они могли обратиться к нему.
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩
Они сказали: «Кто поступил так с нашими богами? Воистину, он является одним из беззаконников!».
قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠
Они сказали: «Мы слышали, как юноша по имени Ибрахим (Авраам) выступал против них».
قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١
Они сказали: «Приведите же его пред людские очи, чтобы они могли принести свидетельство».
قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢
Они сказали: «О Ибрахим (Авраам)! Ты ли поступил таким образом с нашими богами?».
قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣
Он сказал: «Нет! Это содеял их старший, вот этот. Спросите их самих, если они способны разговаривать».
فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤
Обратившись друг к другу, они сказали: «Воистину, вы сами являетесь беззаконниками!».
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥
Затем они принялись за свое и сказали: «Ты же знаешь, что они не способны разговаривать».
قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦
Он сказал: «Неужели вы поклоняетесь вместо Аллаха тому, что ничем не способно помочь или навредить вам?
أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧
Тьфу на вас и на то, чему вы поклоняетесь вместо Аллаха! Неужели же вы не образумитесь?».
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨
Они сказали: «Сожгите его и помогите вашим богам, если вы будете действовать!».
قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
Мы сказали: «О огонь! Стань для Ибрахима (Авраама) прохладой и спасением!».
وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠
Они хотели навредить ему, но Мы сделали так, что они оказались в наибольшем убытке.
(p-٩٣٩).
قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيَنْتَقِلُ مِنَ المُحاجَّةِ بِاللِّسانِ إلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالفِعْلِ ثِقَةً بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ومُحاماةً عَلى دِينِهِ، والكَيْدُ المَكْرُ: يُقالُ كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدَةً، والمُرادُ هُنا الِاجْتِهادُ في كَسْرِ الأصْنامِ: قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ تَرْجِعُوا مِن عِبادَتِها ذاهِبِينَ مُنْطَلِقِينَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَقالَ إبْراهِيمُ هَذِهِ المَقالَةَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ فَصِيحَةٌ: أيْ فَوَلَّوْا، فَجَعَلَهم جُذاذًا: الجَذُّ القَطْعُ والكَسْرُ، يُقالُ جَذَذْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وكَسَرْتُهُ، الواحِدُ جَذاذَةٌ، والجُذاذُ ما كُسِرَ مِنهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قالَ الكِسائِيُّ: ويُقالُ لِحِجارَةِ الذَّهَبِ الجُذاذُ لِأنَّها تُكْسَرُ. قَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ: أيْ كَسْرًا وقَطْعًا، جَمْعُ جَذِيذٍ: وهو الهَشِيمُ، مِثْلُ خَفِيفٍ وخِفافٍ، وظَرِيفٍ وظِرافٍ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎جَذَّذَ الأصْنامَ في مِحْرابِها ذاكَ في اللَّهِ العَلِيِّ المُقْتَدِرِ
وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: أيِ الحُطامُ والرِّقاقُ، فِعالُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهَذا هو الكَيْدُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السِّماكِ ( جَذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ لَعَلَّهم إلَيْهِ أيْ إلى إبْراهِيمَ يَرْجِعُونَ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيَحُجُّهم، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى الصَّنَمِ الكَبِيرِ يَرْجِعُونَ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في المُهِمّاتِ، فَإذا رَجَعُوا إلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّها لا تَجْلِبُ نَفْعًا ولا تَدْفَعُ ضَرَرًا، ولا تَعْلَمُ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ، ولا تُخْبِرُ عَنِ الَّذِي يَنُوبُها مِنَ الأمْرِ، وقِيلَ: لَعَلَّهم إلى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا. ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: إنَّ مَن لَيْسَتِ اسْتِفْهامِيَّةً، بَلْ هي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ: أيْ فاعِلِ هَذا ظالِمٌ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ قالَ بِهَذا بَعْضُهم مُجِيبًا لِلْمُسْتَفْهِمِينَ لَهم، وهَذا القائِلُ هو الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ ومَعْنى يَذْكُرُهم يَعِيبُهم، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِفَتًى. قالَ الزَّجّاجُ: وارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى مَعْنى: يُقالُ لَهُ هو إبْراهِيمُ، فَهو عَلى هَذا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى النِّداءِ. ومِن غَرائِبِ التَّدْقِيقاتِ النَّحْوِيَّةِ، وعَجائِبِ التَّوْجِيهاتِ الإعْرابِيَّةِ، أنَّ الأعْلَمَ الشَّنْتَمَرِيَّ الأشْبِيلِيَّ قالَ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الإهْمالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. والفَتى: هو الشّابُّ، والفَتاةُ الشّابَّةُ.
﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ القائِلُونَ هُمُ السّائِلُونَ، أمَرُوا بَعْضَهم أنْ يَأْتِيَ بِهِ ظاهِرًا بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا بَلَغَ الخَبَرُ نَمْرُوذَ وأشْرافَ قَوْمِهِ كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَسْتَحِلُّونَ بِها مِنهُ ما قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ لَعَلَّهم يَحْضُرُونَ عِقابَهُ حَتّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِ في مِثْلِ هَذا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهم رَأوْهُ يَكْسِرُ الأصْنامَ، أوْ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ طَعْنَهُ عَلى أصْنامِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ إبْراهِيمُ حِينَ أتَوْا بِهِ فاسْتَفْهَمُوهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ في زَعْمِهِمْ. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ أيْ قالَ إبْراهِيمُ مُقِيمًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا مُشِيرًا إلى الصَّنَمِ الَّذِي تَرَكَهُ ولَمْ يَكْسِرْهُ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُهُ النُّطْقَ ويَقْدِرُ عَلى الكَلامِ ويَفْهَمُ ما يُقالُ لَهُ، فَيُجِيبُ عَنْهُ بِما يُطابِقُهُ، ولا يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ.
فَأُخْرِجَ الكَلامُ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ لَهم بِما يُوقِعُهم في الِاعْتِرافِ بِأنَّ الجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّهم إذا قالُوا إنَّهم لا يَنْطِقُونَ، قالَ لَهم: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَن يَعْجَزُ عَنِ النُّطْقِ، ويَقْصُرُ عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِما يَقَعُ عِنْدَهُ في المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ ؟ فَهَذا الكَلامُ مِن بابِ فَرْضِ الباطِلِ مَعَ الخَصْمِ حَتّى تَلْزَمَهُ الحُجَّةُ ويَعْتَرِفَ بِالحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِشُبْهَتِهِ وأدْفَعُ لِمُكابَرَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِسْبَةِ الفِعْلِ إلى ذَلِكَ الكَبِيرِ مِنَ الأصْنامِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ غارَ وغَضِبَ مِن أنْ يُعْبَدَ وتُعْبَدَ الصِّغارُ مَعَهُ إرْشادًا لَهم إلى أنَّ عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ لا تُسْتَحْسَنُ في العَقْلِ مَعَ وُجُودِ خالِقِها وخالِقِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى مَعْنى بَلْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم. ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رُجُوعَ المُنْقَطِعِ عَنْ حُجَّتِهِ المُتَفَطِّنِ لِصِحَّةِ حُجَّةِ خَصْمِهِ المُراجِعِ لِعَقْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهم تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا عِنْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ أنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ (p-٩٤٠)نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ بِتِلْكَ الأصْنامِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، ولِهَذا ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم بِعِبادَةِ هَذِهِ الجَماداتِ، ولَيْسَ الظّالِمُ مَن نَسَبْتُمُ الظُّلْمَ إلَيْهِ بِقَوْلِكم: ( إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ) . ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، شَبَّهَ سُبْحانَهُ عَوْدَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم طَأْطَأُوا رُءُوسَهم خَجَلَةً مِن إبْراهِيمَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَكَسُوا رُءُوسَهم بِفَتْحِ الكافِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّفْسِيرُ، بَلْ قالَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقُرِئَ ( نُكِّسُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ أنْ نُكِسُوا مُخاطِبِينَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أيْ قائِلِينَ لِإبْراهِيمَ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ النُّطْقَ لَيْسَ مِن شَأْنِ هَذِهِ الأصْنامِ. ( قالَ ) إبْراهِيمُ مُبَكِّتًا لَهم ومُزْرِيًا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ولا يَضُرُّكم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الضَّرَرِ ثُمَّ تَضَجَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، فَقالَ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفي هَذا تَحْقِيرٌ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، واللّامُ في لَكم لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ: أيْ لَكم ولِآلِهَتِكم، والتَّأفُّفُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ لَيْسَ لَكم عُقُولٌ تَتَفَكَّرُونَ بِها، فَتَعْلَمُونَ هَذا الصُّنْعَ القَبِيحَ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ.
﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا أعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في دَفْعِ إبْراهِيمَ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ المُناظَرَةِ حَرِّقُوا إبْراهِيمَ انْصِرافًا مِنهم إلى طَرِيقِ الظُّلْمِ والغَشْمِ، ومَيْلًا مِنهم إلى إظْهارِ الغَلَبَةِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وعَلى أيِّ أمْرٍ اتَّفَقَ، ولِهَذا قالُوا ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ انْصُرُوها بِالِانْتِقامِ مِن هَذا الَّذِي فَعَلَ بِها ما فَعَلَ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لِلنَّصْرِ وقِيلَ: هَذا القائِلُ هو نُمْرُوذُ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ.
﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأضْرَمُوا النّارَ، وذَهَبُوا بِإبْراهِيمَ إلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُلْنا: يا نارُ كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ سَلامًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، ورَدَدْنا مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، فَجَعَلْنا لَهم عاقِبَةَ السُّوءِ، كَما جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ عاقِبَةَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ إبْراهِيمَ إلى عِيدِهِمْ مَرُّوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: يا إبْراهِيمُ ألا تَخْرُجُ مَعَنا ؟ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَدْ كانَ بِالأمْسِ، قالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَسَمِعَهُ ناسٌ مِنهم، فَلَمّا خَرَجُوا انْطَلَقَ إلى أهْلِهِ، فَأخَذَ طَعامًا ثُمَّ انْطَلَقَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ، فَكَسَرَها إلا كَبِيرَهم، ثُمَّ رَبَطَ في يَدِهِ الَّذِي كَسَرَ بِهِ آلِهَتَهم، فَلَمّا رَجَعَ القَوْمُ مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا، فَإذا هم بِآلِهَتِهِمْ قَدْ كُسِرَتْ، وإذا كَبِيرُهم في يَدِهِ الَّذِي كَسَّرَ الأصْنامَ، قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ؟ فَقالَ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ يَقُولُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم﴾، ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ فَجادَلَهم عِنْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: جُذاذًا قالَ: حُطامًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: فُتاتًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ قالَ: عَظِيمُ آلِهَتِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا في ثَلاثٍ كُلُّهُنَّ في اللَّهِ: قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ ولَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وقَوْلُهُ لِسارَّةَ أُخْتِي، وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾» . وهَذا الحَدِيثُ هو في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي سَعْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا جُمِعَ لِإبْراهِيمَ ما جُمِعَ، وأُلْقِيَ في النّارِ جَعَلَ خازِنُ المَطَرَ يَقُولُ: مَتى أُومَرُ بِالمَطَرِ فَأُرْسِلَهُ ؟ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ أسْرَعَ، قالَ اللَّهُ: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ فَلَمْ يَبْقَ في الأرْضِ نارٌ إلّا طُفِئَتْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ تَكُنْ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ، غَيْرَ الوَزَغِ فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يانارُ كُونِي﴾ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ هو الَّذِي ناداها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَها سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى إبْراهِيمَ وهو يُوثَقُ لِيُلْقى في النّارِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أحْرَقَتِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وثاقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ أُلْقِيَ في النّارِ، فَكانَ فِيها إمّا خَمْسِينَ وإمّا أرْبَعِينَ، قالَ: ما كُنْتُ أيّامًا ولَيالِيَ قَطُّ أطْيَبَ عَيْشًا إذْ كُنْتُ فِيها، ودِدْتُ أنَّ عَيْشِي وحَياتِي كُلَّها مِثْلَ عَيْشِي إذْ كُنْتُ فِيها.
21:71–77Страница 327
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١
Мы спасли его и Лута (Лота) и привели их на землю, которую Мы сделали благословенной для миров.
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ ٧٢
Мы даровали ему Исхака (Исаака), а вдобавок - Йакуба (Иакова), и сделали их всех праведниками.
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣
Мы сделали их вождями, которые по Нашему велению указывали на прямой путь. Мы внушили им вершить добрые дела, совершать намаз и выплачивать закят, и они поклонялись Нам.
وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ ٧٤
Помяни также Лута (Лота), которому Мы даровали власть (мудрость или пророчество) и знание и которого Мы спасли от селения, жители которого совершали отвратительные поступки. Воистину, они были злодеями и нечестивцами.
وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥
Мы ввели его в Нашу милость, поскольку он был одним из праведников.
وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
Помяни также Нуха (Ноя), который воззвал еще раньше. Мы ответили на его мольбу и спасли его и его семью от великой скорби.
وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٧٧
Мы помогли ему в борьбе против людей, которые считали ложью Наши знамения. Они были злодеями, и Мы потопили их всех.
.
(p-٩٤١)قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ لُوطًا هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، فَحَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ نَجّى إبْراهِيمَ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أرْضُ الشّامِ، وكانا بِالعِراقِ، وسَمّاها سُبْحانَهُ مُبارَكَةً لِكَثْرَةِ خِصْبِها وثِمارِها وأنْهارِها، ولِأنَّها مَعادِنُ الأنْبِياءِ، وأصْلُ البَرَكَةِ ثُبُوتُ الخَيْرِ، ومِنهُ بَرَكَ البَعِيرُ إذا لَزِمَ مَكانَهُ فَلَمْ يَبْرَحْ وقِيلَ: الأرْضُ المُبارَكَةُ مَكَّةُ، وقِيلَ: بَيْتُ المَقْدِسِ لِأنَّ مِنها بَعَثَ اللَّهُ أكْثَرَ الأنْبِياءِ، وهي أيْضًا كَثِيرَةُ الخِصْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العالَمِينَ.
﴿ووَهَبَنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ النّافِلَةُ الزِّيادَةُ، وكانَ إبْراهِيمُ قَدْ سَألَ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولَدًا، فَوَهَبَ لَهُ إسْحاقَ، ثُمَّ وهَبَ لِإسْحاقَ يَعْقُوبَ مِن غَيْرِ دُعاءٍ، فَكانَ ذَلِكَ نافِلَةً: أيْ زِيادَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّافِلَةِ هُنا العَطِيَّةُ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: النّافِلَةُ هُنا ولَدُ الوَلَدِ، لِأنَّهُ زِيادَةٌ عَلى الوَلَدِ، وانْتِصابُ نافِلَةً عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: النّافِلَةُ يَعْقُوبُ خاصَّةً، لِأنَّهُ ولَدُ الوَلَدِ ﴿وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] أيْ وكُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ: إبْراهِيمَ ولُوطٍ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لا بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ جَعَلْناهُ صالِحًا عامِلًا بِطاعَةِ اللَّهِ تارِكًا لِمَعاصِيهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّلاحِ هُنا النُّبُوَّةُ. ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ أيْ رُؤَساءَ يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْراتِ وأعْمالِ الطّاعاتِ ومَعْنى بِأمْرِنا بِأمْرِنا لَهم بِذَلِكَ: أيْ بِما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ الوَحْيِ ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ أيْ أنْ يَفْعَلُوا الطّاعاتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْراتِ شَرائِعُ النُّبُوّاتِ ﴿وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ أيْ كانُوا لَنا خاصَّةً دُونَ غَيْرِنا مُطِيعِينَ، فاعِلِينَ لِما نَأْمُرُهم بِهِ، تارِكِينَ ما نَنْهاهم عَنْهُ.
﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ انْتِصابُ لُوطًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آتَيْناهُ: أيْ وآتَيْنا لُوطًا آتَيْناهُ، وقِيلَ: بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والحُكْمُ النُّبُوَّةُ، والعِلْمُ المَعْرِفَةُ بِأمْرِ الدِّينِ، وقِيلَ: الحُكْمُ: هو فَصْلُ الخُصُوماتِ بِالحَقِّ، وقِيلَ: هو الفَهْمُ ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ القَرْيَةُ هي سَدُومُ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى تَعْمَلُ الخَبائِثَ: يَعْمَلُ أهْلُها الخَبائِثَ، فَوَصَفَ القَرْيَةَ بِوَصْفِ أهْلِها، والخَبائِثُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها هي اللِّواطَةُ والضُّراطُ وخَذْفُ الحَصى كَما سَيَأْتِي، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ أيْ خارِجِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والفُسُوقُ الخُرُوجُ كَما تَقَدَّمَ.
﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا﴾ بِإنْجائِنا إيّاهُ مِنَ القَوْمِ المَذْكُورِينَ، ومَعْنى في رَحْمَتِنا: في أهْلِ رَحْمَتِنا، وقِيلَ: في النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: في الإسْلامِ، وقِيلَ: في الجَنَّةِ ﴿إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى.
﴿ونُوحًا إذْ نادى﴾ أيْ واذْكُرْ نُوحًا إذْ نادى رَبَّهُ مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ دُعاءَهُ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ أيْ مِنَ الغَرَقِ بِالطُّوفانِ، والكَرْبُ الغَمُّ الشَّدِيدُ، والمُرادُ بِأهْلِهِ المُؤْمِنُونَ مِنهم.
﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ نَصَرْناهُ نَصْرًا مُسْتَتْبَعًا لِلِانْتِقامِ مِنَ القَوْمِ المَذْكُورِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: مَنَعْناهُ مِنَ القَوْمِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن بِمَعْنى عَلى، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، بَلْ أغْرَقْنا كَبِيرَهم وصَغِيرَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الذَّنْبِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ قالَ: الشّامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لُوطٌ كانَ ابْنَ أخِي إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ قالَ: ولَدًا ﴿ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ قالَ: ابْنُ الِابْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ ﴿ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ قالَ: عَطِيَّةٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии