Аш-Шаукани · Тафсир · на арабском
Аль-Хаджж 22:38–51
22:38–41Страница 336
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨
Воистину, Аллах оберегает тех, кто уверовал. Воистину, Аллах не любит всяких неблагодарных изменников.
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩
Дозволено тем, против кого сражаются, сражаться, потому что с ними поступили несправедливо. Воистину, Аллах способен помочь им.
ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠
Они были несправедливо изгнаны из своих жилищ только за то, что говорили: «Наш Господь - Аллах». Если бы Аллах не позволил одним людям защищаться от других, то были бы разрушены кельи, церкви, синагоги и мечети, в которых премного поминают имя Аллаха. Аллах непременно помогает тому, кто помогает Ему. Воистину, Аллах - Всесильный, Могущественный.
ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١
Если Мы одарим их властью на земле, они будут совершать намаз, выплачивать закят, велеть совершать одобряемое и запрещать предосудительное. А исход всех дел - у Аллаха.
.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ( يَدْفَعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ( يُدافِعُ ) وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْناها الأصْلِيِّ، وهو وُقُوعُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ الأُخْرى.
وقَدْ تَرِدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ ولا يُرادُ بِها مَعْناها الأصْلِيُّ كَثِيرًا مِثْلُ عاقَبْتُ اللِّصَّ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ. وقِيلَ: إنَّ إيرادَ هَذِهِ الصِّيغَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الواقِعِ.
والمَعْنى: يُدافِعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ غَوائِلَ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: يُعْلِي حُجَّتَهم وقِيلَ: يُوَفِّقُهم والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَذِهِ المَزِيَّةِ الحاصِلَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ المُتَوَلِّي لِلْمُدافَعَةِ عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى، فَإنَّ المُدافَعَةَ مِنَ اللَّهِ لَهم عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مُشْعِرَةٌ أتَمَّ إشْعارٍ بِأنَّهم مُبْغَضُونَ إلى اللَّهِ غَيْرُ مَحْبُوبِينَ لَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ وتَقَرَّبَ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ فَهو خَوّانٌ كَفُورٌ، وإيرادُ صِيغَتَيِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ في الواقِعِ لا لِإخْراجِ مَن خانَ دُونَ خِيانَتِهِمْ، أوْ كَفَرَ دُونَ كُفْرِهِمْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ قُرِئَ ( أُذِنَ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذَلِكَ ( يُقاتَلُونَ )، قُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى كِلا القِراءَتَيْنِ فالإذْنُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم إذا صَلَحُوا لِلْقِتالِ، أوْ قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ قاتَلُوهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ، فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَيَقُولُ لَهم: «اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتالِ» حَتّى هاجَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَدِينَةِ، وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ أيْضًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: ( إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ ) فَإنَّ إباحَةَ القِتالِ لَهم هي مِن جُمْلَةِ دَفْعِ اللَّهِ عَنْهم، والباءُ في بِأنَّهم ظُلِمُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا بِما كانَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن سَبٍّ وضَرْبٍ وطَرْدٍ، ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ النَّصْرَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ المُدافَعَةِ أيْضًا.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ يُقاتَلُونَ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، أوْ مَحَلِّ رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، والمُرادُ بِالدِّيارِ مَكَّةُ ﴿إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. أيْ أُخْرِجُوا بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ إخْراجَهم لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ.
وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والتَّقْدِيرُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِلا حَقٍّ إلّا بِأنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا﴾ وقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ قَرَأ نافِعٌ ( ولَوْلا دِفاعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ولَوْلا دَفْعُ والمَعْنى: لَوْلا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ مِن قِتالِ الأعْداءِ لاسْتَوْلى أهْلُ الشِّرْكِ، وذَهَبَتْ مَواضِعُ العِبادَةِ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى لَهُدِّمَتْ لَخُرِّبَتْ (p-٩٦٧)بِاسْتِيلاءِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى أهْلِ المِلَلِ، فالصَّوامِعُ: هي صَوامِعُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: صَوامِعُ الصّابِئِينَ، والبِيَعُ: جَمْعُ بِيعَةٍ، وهي كَنِيسَةُ النَّصارى، والصَّلَواتُ هي كَنائِسُ اليَهُودِ، واسْمُها بِالعِبْرانِيَّةِ صَلُوثا بِالمُثَلَّثَةِ فَعُرِّبَتْ، والمَساجِدُ هي مَساجِدُ المُسْلِمِينَ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا هَذا الدَّفْعُ لَهُدِّمَتْ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ المَساجِدُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أصْوَبُ ما قِيلَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ظُلْمَ الظَّلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقِيلَ: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ العَذابَ بِدُعاءِ الأخْيارِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
والصَّوامِعُ: جَمْعُ صَوْمَعَةٍ، وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ، يُقالُ صَمَعَ الثَّرِيدَةَ: إذا رَفَعَ رَأسَها، ورَجَعَ أصْمَعَ القَلْبِ أيْ: حادَّ الفِطْنَةِ، والأصْمَعُ مِنَ الرِّجالِ: الحَدِيدُ القَوْلِ، وقِيلَ: الصَّغِيرُ الأُذُنِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المَواضِعِ الَّتِي يُؤَذَّنُ عَلَيْها في الإسْلامِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ في ( صَلَواتٌ ) تِسْعَ قِراءاتٍ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ مَواضِعِ عِباداتِ أهْلِ المِلَلِ عَلى مَوْضِعِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ كَوْنُها أقْدَمَ بِناءً وأسْبَقَ وُجُودًا.
والظّاهِرُ مِنَ الهَدْمِ المَذْكُورِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو تُعَطُّلُها مِنَ العِبادَةِ، وقُرِئَ لَهُدِّمَتْ بِالتَّشْدِيدِ، وانْتِصابُ كَثِيرًا في قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، أوْ وقْتًا كَثِيرًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْمَساجِدِ، وقِيلَ: لِجَمِيعِ المَذْكُوراتِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ اللّامُ هي جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَيَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، والمُرادُ بِمَن يَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ، والقَوِيُّ: القادِرُ عَلى الشَّيْءِ، والعَزِيزُ: الجَلِيلُ الشَّرِيفُ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: المُمْتَنِعُ الَّذِي لا يُرامُ ولا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَن في قَوْلِهِ مَن يَنْصُرُهُ قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ غَيْرُهُ هو في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقِيلَ: أهْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وقِيلَ: وُلاةُ العَدْلِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ إيجابُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى مَن مَكَّنَهُ اللَّهُ في الأرْضِ وأقْدَرَهُ عَلى القِيامِ بِذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ، ومَعْنى ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أنَّ مَرْجِعَها إلى حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجُوا نَبِيَّهم ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لَيَهْلِكَنَّ القَوْمُ، فَنَزَلَتْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وقَدْ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ انْتَهى.
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ والآيَةُ بَعْدَها أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا بِغَيْرِ حَقٍّ: ثُمَّ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقَمْنا الصَّلاةَ وآتَيْنا الزَّكاةَ وأمَرْنا بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْنا عَنِ المُنْكَرِ فَهي لِي ولِأصْحابِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ الآيَةَ: قالَ لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ عَنِ التّابِعِينَ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ الآيَةَ قالَ: الصَّوامِعُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الرُّهْبانُ، والبِيَعُ مَساجِدُ اليَهُودِ، وصَلَواتٌ كَنائِسُ النَّصارى، والمَساجِدُ مَساجِدُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: البِيَعُ بِيَعُ النَّصارى، وصَلَواتٌ كَنائِسُ اليَهُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضُ المَدِينَةِ ﴿أقامُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: المَكْتُوبَةَ ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ قالَ: المَفْرُوضَةَ ﴿وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ قالَ: عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ قالَ: وعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ ما صَنَعُوا.
22:42–51Страница 337
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢
Если они сочтут тебя лжецом, то ведь еще раньше пророков считали лжецами народ Нуха (Ноя), адиты, самудяне,
وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣
народ Ибрахима (Авраама), народ Лута (Лота)
وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤
и жители Мадьяна. Мусу (Моисея) тоже сочли лжецом. Я предоставил отсрочку неверующим, а затем схватил их. Каким же было Мое обличение!
فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥
Сколько селений, которые были несправедливы, Мы погубили, и теперь они разрушены до основания. Сколько заброшенных колодцев и воздвигнутых дворцов!
أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦
Разве они не странствовали по земле, имея сердца, посредством которых они могли разуметь, и уши, посредством которых они могли слушать? Воистину, слепнут не глаза, а слепнут сердца, находящиеся в груди.
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧
Они торопят тебя с наказанием, но Аллах не нарушает Своего обещания, и день у твоего Господа равен тысяче лет по тому, как вы считаете.
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨
Скольким селениям, которые были несправедливы, Я предоставил отсрочку! Впоследствии Я схватил их, и ко Мне предстоит прибытие.
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩
Скажи: «О люди! Воистину, я для вас - предостерегающий и разъясняющий увещеватель».
فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠
Тем, которые уверовали и совершали праведные деяния, уготованы прощение и щедрый удел.
وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١
Те же, которые старались ослабить Наши знамения, станут обитателями Огня.
.
قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ.
وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم.
وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ.
وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ
شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ
وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ.
قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ.
حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً.
قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى.
ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ.
قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.
﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ.
قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии