Аш-ШауканиАз‑Зухруф · 43:36–56

Аш-Шаукани · Тафсир · на арабском

Аз-Зухруф 43:36–56

43:36–45Страница 492

وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦

К тем, кто отвращается от поминания Милостивого (или кто слеп к Нему), Мы приставим дьявола, и он станет его товарищем.

وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧

Они не будут пускать их на путь Аллаха, а те будут считать, что они следуют прямым путем.

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨

Когда же неверующий явится к Нам, он скажет дьяволу: «Лучше бы между мной и тобой было расстояние от запада до востока! Какой же ты плохой товарищ!».

وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩

Им будет сказано: «Вы поступали несправедливо, и сегодня вам не поможет то, что вы разделяете мучения».

أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠

Разве ты можешь заставить слышать глухих или наставить на прямой путь слепых и того, кто находится в очевидном заблуждении?

فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١

Мы можем забрать тебя, но Мы все равно непременно отомстим им.

أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢

Мы также может показать тебе то, что обещали им, ведь Мы властны над ними.

فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣

Придерживайся того, что внушено тебе в откровении. Воистину, ты - на прямом пути.

وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤

Это - Напоминание о тебе и твоем народе (или для тебя и твоего народа), и вы будете спрошены.

وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥

Спроси тех посланников, которых Мы отправили до тебя, сделали ли Мы помимо Милостивого других богов, которым можно поклоняться?

قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ يُقالُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ: قَصَدْتُها، وعَشَوْتُ عَنْها أعْرَضْتُ عَنْها، كَما تَقُولُ: عَدَلْتُ إلى فُلانٍ وعَدَلْتُ عَنْهُ، ومِلْتُ إلَيْهِ ومِلْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأبُو الهَيْثَمِ والأزْهَرِيُّ. فالمَعْنى: ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ القُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ إلى أباطِيلِ المُضِلِّينَ يُعاقِبُهُ اللَّهُ بِشَيْطانٍ يُقَيِّضُهُ لَهُ حَتّى يُضِلَّهُ ويُلازِمَهُ قَرِينًا لَهُ، فَلا يَهْتَدِي مُجازاةً لَهُ حِينَ آثَرَ الباطِلَ عَلى الحَقِّ البَيِّنِ.

وقالَ الخَلِيلُ: العَشْوُ النَّظَرُ الضَّعِيفُ، ومِنهُ:

؎لَنِعْمَ الفَتى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ إذا الرِّيحُ هَبَّتْ والمَكانُ جَدِيبُ

والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَيْتِ القَصْدُ إلى النّارِ لا النَّظَرُ إلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ كَما قالَ الخَلِيلُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى ما قَدَّمْنا مِن أنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنى القَصْدِ وبِمَعْنى الإعْراضِ، وهَكَذا ما أنْشَدَهُ الخَلِيلُ مُسْتَشْهِدًا بِهِ عَلى ما قالَهُ مِن قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ

فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَعْناهُ: تَقْصِدُ إلى ضَوْءِ نارِهِ، لا تَنْظُرُ إلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ.

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَعْنى في البَيْتَيْنِ المُبالَغَةُ في ضَوْءِ النّارِ وسُطُوعِها، بِحَيْثُ لا يَنْظُرُها النّاظِرُ إلّا كَما يَنْظُرُ مَن هو مُعَشّى البَصَرِ لِما يَلْحَقُ بَصَرَهُ مِنَ الضَّعْفِ عِنْدَما يُشاهِدُهُ مِن عِظَمِ وقُودِها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: إنَّ مَعْنى ﴿ومَن يَعْشُ﴾ ومَن تُظْلِمُ عَيْنُهُ، وهو نَحْوُ قَوْلِ الخَلِيلِ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَن يَعْشُ بِضَمِّ الشِّينِ مِن عَشا يَعْشُو.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ " ومَن يَعْشَ " بِفَتْحِ الشِّينِ، يُقالُ: عَشى الرَّجُلُ يَعْشى عَشْيًا إذا عَمِيَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎رَأتْ رَجُلًا غائِبَ الوافِدَيْنِ ∗∗∗ مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أعْشى ضَرِيرا

وقالَ الجَوْهَرِيُّ: والعَشا مَقْصُورٌ مَصْدَرُ الأعْشى: وهو الَّذِي لا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ويُبْصِرُ بِالنَّهارِ والمَرْأةُ عَشْواءُ.

وقُرِئَ " يَعْشُو " بِالواوِ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُتَضَمِّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ بِالنُّونِ وقَرَأ (p-١٣٤١)السُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ، والأعْمَشِ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَيْطانٍ عَلى النِّيابَةِ ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ أيْ: مُلازِمٌ لَهُ لا يُفارِقُهُ أوْ هو مُلازِمٌ لِلشَّيْطانِ لا يُفارِقُهُ، بَلْ يَتْبَعُهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ ويُطِيعُهُ في كُلِّ ما يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ.

﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّياطِينَ الَّذِينَ يُقَيِّضُهُمُ اللَّهُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَعْشُو عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ كَما هو مَعْنِيٌّ مِن لَيَصُدُّونَهم أيْ: يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ سَبِيلِ الحَقِّ ويَمْنَعُونَهم مِنهُ، ويُوَسْوِسُونَ لَهم أنَّهم عَلى الهُدى حَتّى يَظُنُّوا صِدْقَ ما يُوَسْوِسُونَ بِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: يَحْسَبُ الكُفّارُ أنَّ الشَّياطِينَ مُهْتَدُونَ فَيُطِيعُونَهم، أوْ يَحْسَبُ الكُفّارُ بِسَبَبِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ أنَّهم في أنْفُسِهِمْ مُهْتَدُونَ.

﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّثْنِيَةِ أيِ: الكافِرُ والشَّيْطانُ المُقارِنُ لَهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالإفْرادِ أيِ: الكافِرُ أوْ جاءَ كُلُّ واحِدٍ مِنها قالَ الكافِرُ مُخاطِبًا لِلشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ: بُعْدَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَغَلَبَ المَشْرِقُ عَلى المَغْرِبِ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَتَمَنّى الكافِرُ أنَّ بَيْنَهُما بُعْدَ مَشْرِقِ أطْوَلِ يَوْمٍ في السَّنَةِ مِن مَشْرِقِ أقْصَرِ يَوْمٍ في السَّنَةِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: أنْتَ أيُّها الشَّيْطانُ.

﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ﴾ هَذا حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ ظُلْمِكم أنْفُسَكم في الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّ " إذْ " بَدَلٌ مِنَ اليَوْمِ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا.

قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ بِفَتْحِ أنَّ عَلى أنَّها وما بَعْدَها في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ أيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ اشْتِراكُكم في العَذابِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لا يُخَفَّفُ عَنْهم بِسَبَبِ الِاشْتِراكِ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ والشَّياطِينِ الحَظَّ الأوْفَرَ مِنهُ.

وقِيلَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ لِنَفْيِ النَّفْعِ أيْ: لِأنَّ حَقَّكم أنْ تَشْتَرِكُوا أنْتُمْ وقُرَناؤُكم في العَذابِ كَما كُنْتُمْ مُشْتَرِكِينَ في سَبَبِهِ في الدُّنْيا، ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ عَلى اخْتِلافٍ عَلَيْهِ فِيها بِكَسْرِ إنَّ.

ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّها لا تَنْفَعُ الدَّعْوَةُ والوَعْظُ مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ التَّعَجُّبِ أيْ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ إنْ كَفَرُوا، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإخْبارٌ لَهُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى العُمْيِ أيْ: إنَّكَ لا تَهْدِي مَن كانَ كَذَلِكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما جِئْتَ بِهِ، وبِمَنزِلَةِ العُمْيِ الَّذِينَ لا يُبْصِرُونَهُ لِإفْراطِهِمْ في الضَّلالَةِ وتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الجَهالَةِ.

﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ بِالمَوْتِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: نُخْرِجَنَّكَ مِن مَكَّةَ.

﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ قَبْلَ مَوْتِكَ ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ مَتى شِئْنا عَذَّبْناهم.

قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَدْ أراهُ اللَّهُ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هي في أهْلِ الإسْلامِ يُرِيدُ ما كانَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الفِتَنِ، وقَدْ كانَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يُرِهِ في أُمَّتِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى.

﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ مَن كَذَّبَ ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واضِحٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: فاسْتَمْسِكْ.

﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَشَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ مِن قُرَيْشٍ إذْ نَزَلَ عَلَيْكَ وأنْتَ مِنهم بِلُغَتِكَ ولُغَتِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] وقِيلَ: بَيانٌ لَكَ ولِأُمَّتِكَ فِيما لَكم إلَيْهِ حاجَةٌ، وقِيلَ: تَذْكِرَةٌ تَذْكُرُونَ بِها أمْرَ الدِّينِ وتَعْمَلُونَ بِهِ ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ عَمّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَكم مِنَ الشَّرَفِ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: يَسْألُونَ عَمّا يَلْزَمُهم مِنَ القِيامِ بِهِ فِيهِ والعَمَلِ بِهِ.

﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ قالَ الزُّهْرِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ جِبْرِيلَ قالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أُسْرِيَ بِهِ. فالمُرادُ سُؤالُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ عِنْدَ مُلاقاتِهِ لَهم، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ.

وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ المَعْنى واسْألْ أُمَمَ مَن قَدْ أرْسَلْنا. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ وعَطاءٌ، والحَسَنُ ومَعْنى الآيَةِ عَلى القَوْلَيْنِ: سُؤالُهم هَلْ أذِنَ اللَّهُ بِعِبادَةِ الأوْثانِ في مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ وهَلْ سَوَّغَ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنهم ؟ والمَقْصُودُ تَقْرِيعُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ لَمْ يَأْتِ في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ المَخْزُومِيِّ «أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: قَيِّضُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَجُلًا يَأْخُذُهُ، فَقَيَّضُوا لِأبِي بَكْرٍ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأتاهُ وهو في القَوْمِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إلامَ تَدْعُونِي ؟ قالَ: أدْعُوكَ إلى عِبادَةِ اللّاتِ والعُزّى. قالَ أبُو بَكْرٍ: وما اللّاتُ ؟ قالَ: أوْلادُ اللَّهِ. قالَ: وما العُزّى. قالَ: بَناتُ اللَّهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَمَن أُمُّهم ؟ فَسَكَتَ طَلْحَةُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: أجِيبُوا الرَّجُلَ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ طَلْحَةُ: قُمْ يا أبا بَكْرٍ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الآيَةَ» . وثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أنَّ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ قَرِينًا مِنَ الجِنِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ قالَ: ذَهَبَ نَبِيُّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَقِيَتْ نِقْمَتُهُ في عَدُوِّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ قالَ: شَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ قالا: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ بِمَكَّةَ ويَعِدُهُمُ الظُّهُورَ، فَإذا قالُوا لِمَنِ المُلْكُ بَعْدَكَ ؟ أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْهم بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ في (p-١٣٤٢)ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ فَكانَ بَعْدُ إذا سُئِلَ قالَ لِقُرَيْشٍ فَلا يُجِيبُونَهُ حَتّى قَبِلَتْهُ الأنْصارُ عَلى ذَلِكَ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ قالَ اسْألِ الَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا.

43:46–56Страница 492

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦

Мы уже отправили Мусу (Моисея) с Нашими знамениями к Фараону и его знати, и он сказал: «Воистину, я - посланник Господа миров».

فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧

Когда же он явился к ним с Нашими знамениями, они стали смеяться над ними.

وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨

Какое бы из знамений Мы ни показывали им, оно превосходило предыдущее. Мы подвергли их мучениям, чтобы они могли вернуться на прямой путь.

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩

Они сказали: «О колдун! Помолись за нас твоему Господу согласно завету, который Он заключил с тобой, и тогда мы обязательно последуем прямым путем».

فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠

Когда же Мы спасли их от мучений, они тотчас нарушили данное слово.

وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١

Фараон воззвал к своему народу и сказал: «О мой народ! Разве не мне принадлежит власть над Египтом и эти реки, что текут подо мною? Разве вы не видите?

أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢

Разве я не лучше этого презренного, который едва объясняется?

فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣

И почему на него не надеты браслеты из золота? И почему с ним не явились сопутствующие ангелы?».

فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤

Он обманул свой народ (или счел свой народ легкомысленным), и они подчинились ему. Воистину, они были людьми нечестивыми.

فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥

Когда же они разгневали Нас, Мы отомстили им и потопили их всех.

فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦

Мы сделали их предшественниками и назидательным примером для остальных.

لَمّا أعْلَمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ بِأنَّهُ مُنْتَقِمٌ لَهُ مِن عَدُوِّهِ وذَكَرَ اتِّفاقَ الأنْبِياءِ عَلى التَّوْحِيدِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وبَيانِ ما نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ النِّقْمَةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ وهي التِّسْعُ تَقَدَّمَ بَيانُها ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ المَلَأُ: الأشْرافُ ﴿فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أرْسَلَنِي إلَيْكم.

﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، وجَوابُ لَمّا هو إذا الفُجائِيَّةُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ.

﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن آياتِ مُوسى أكْبَرُ مِمّا قَبْلَها، وأعْظَمُ قَدْرًا مَعَ كَوْنِ الَّتِي قَبْلَها عَظِيمَةً في نَفْسِها، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ الأُولى تَقْتَضِي عِلْمًا والثّانِيَةَ تَقْتَضِي عِلْمًا، فَإذا ضُمَّتِ الثّانِيَةُ إلى الأُولى ازْدادَ الوُضُوحُ، ومَعْنى الأُخُوَّةِ بَيْنَ الآياتِ: أنَّها مُتَشاكِلَةٌ مُتَناسِبَةٌ في دَلالَتِها عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى كَما يُقالُ: هَذِهِ صاحِبَةُ هَذِهِ: أيْ: هُما قَرِينَتانِ في المَعْنى، وجُمْلَةُ ﴿إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةً لِآيَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ إذا انْفَرَدَتْ ظَنَّ الظّانُّ أنَّها أكْبَرُ مِن سائِرِ الآياتِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ القائِلِ:

؎مَن تَلْقَ مِنهم تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهم مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يَسْرِي بِها السّارِي

﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِتِلْكَ الآياتِ، والعَذابُ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] الآيَةَ، وبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العِلَّةَ في أخْذِهِ لَهم بِالعَذابِ هو رَجاءُ رُجُوعِهِمْ.

ولَمّا عايَنُوا ما جاءَهم بِهِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ والدَّلالاتِ الواضِحاتِ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ السِّحْرِ ﴿وقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ العُلَماءَ سَحَرَةً ويُوَقِّرُونَ السَّحَرَةَ ويُعَظِّمُونَهم ولَمْ يَكُنِ السِّحْرُ صِفَةَ ذَمٍّ عِنْدَهم.

قالَ الزَّجّاجُ: خاطَبُوهُ بِما تَقَدَّمَ لَهُ عِنْدَهم مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالسّاحِرِ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ: بِما أخْبَرْتَنا مِن عَهْدِهِ إلَيْكَ إنّا إذا آمَنّا كُشِفَ عَنّا العَذابُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: اسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ عَلى العُمُومِ ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ أيْ: إذا كُشِفَ عَنّا العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِنا فَنَحْنُ مُهْتَدُونَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، ومُؤْمِنُونَ بِما جِئْتَ بِهِ.

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ فَلَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ فاجَئُوا وقْتَ نِكْثِهِمْ لِلْعَهْدِ الَّذِي جَعَلُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاهْتِداءِ، والنَّكْثُ: النَّقْضُ.

﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ﴾ قِيلَ: لَمّا رَأى تِلْكَ الآياتِ خافَ مَيْلَ القَوْمِ إلى مُوسى، فَجَمَعَهم ونادى بِصَوْتِهِ فِيما بَيْنَهم أوْ أمَرَ مُنادِيًا يُنادِي بِقَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ لا يُنازِعُنِي فِيهِ أحَدٌ ولا يُخالِفُنِي مُخالِفٌ ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قَصْرِي، والمُرادُ أنَّها النِّيلُ. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى تَجْرِي بَيْنَ يَدَيَّ. وقالَ الحَسَنُ تَجْرِي بِأمْرِي أيْ: تَجْرِي تَحْتَ أمْرِي. وقالَ الضَّحّاكُ: أرادَ بِالأنْهارِ القُوّادَ والرُّؤَساءَ والجَبابِرَةَ وأنَّهم يَسِيرُونَ تَحْتَ لِوائِهِ. وقِيلَ: أرادَ بِالأنْهارِ الأمْوالَ، والأوَّلُ أوْلى.

والواوُ في " وهَذِهِ " عاطِفَةٌ عَلى مُلْكِ مِصْرَ، و" تَجْرِي " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ هي واوُ الحالِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والأنْهارُ صِفَةٌ لَهُ، وتَجْرِي خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذَلِكَ وتَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى قُوَّةِ مُلْكِي وعَظِيمِ قَدْرِي وضَعْفِ مُوسى عَنْ مُقاوَمَتِي.

﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلِ الَّتِي لِلِاضْطِرابِ دُونَ الهَمْزَةِ الَّتِي لِلْإنْكارِ أيْ: بَلْ أنا خَيْرٌ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى بَلْ، والمَعْنى: قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ: بَلْ أنا خَيْرٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جُعِلَ بِأمْ لِاتِّصالِهِ بِكَلامٍ قَبْلَهُ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وحَكى أبُو زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَجْعَلُونَ أمْ زائِدَةً، والمَعْنى: أنا خَيْرٌ مِن هَذا.

وقالَ الأخْفَشُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ ؟ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: أنا خَيْرٌ، ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ نَحْوُ قَوْلِ الأخْفَشِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ عِيسى الثَّقَفِيَّ ويَعْقُوبَ الحَضْرَمِيَّ وقَفا عَلى " أمْ " عَلى تَقْدِيرِ أمْ تُبْصِرُونَ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فَتَكُونُ أمْ مُتَّصِلَةً لا مُنْقَطِعَةً والأوَّلُ أوْلى. ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الَّذِي أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:

؎بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى ∗∗∗ وصُورَتُها أمْ أنْتِ في العَيْنِ أمْلَحُ

أيْ: بَلْ أنْتِ.

وحَكى الفَرّاءُ أنَّ بَعْضَ القُرّاءِ قَرَأ " أما أنا خَيْرٌ " أيْ: ألَسْتُ خَيْرًا مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ أيْ: ضَعِيفٌ حَقِيرٌ مُمْتَهَنٌ في نَفْسِهِ لا عِزَّ لَهُ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ الكَلامَ لِما في لِسانِهِ مِنَ العُقْدَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ طه.

﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أيْ: فَهَلّا حُلِّيَ بِأساوِرَةِ الذَّهَبِ إنْ كانَ عَظِيمًا، وكانَ الرَّجُلُ فِيهِمْ إذا سَوَّدُوهُ سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ مِن ذَهَبٍ، وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ.

قَرَأ الجُمْهُورُ " أساوِرَةٌ " جَمْعُ أسْوِرَةٍ جَمْعُ سِوارٍ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: واحِدُ الأساوِرَةِ والأساوِرِ والأساوِيرِ (p-١٣٤٣)أسْوارٌ، وهي لُغَةٌ في سِوارٍ.

وقَرَأ حَفْصٌ " أسْوِرَةٌ " جَمْعُ سِوارٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ: " أساوِرُ "، وابْنُ مَسْعُودٍ " أساوِيرُ " .

قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا إذا سَوَّدُوا رَجُلًا سَوَّرُوهُ بِسِوارَيْنِ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقِ ذَهَبٍ عَلامَةً لِسِيادَتِهِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أُلْقِيَ، والمَعْنى: هَلّا جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُتَتابِعِينَ مُتَقارِنِينَ إنْ كانَ صادِقًا يُعِينُونَهُ عَلى أمْرِهِ ويَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَأوْهَمَ اللَّعِينُ قَوْمَهُ أنَّ الرُّسُلَ لا بُدَّ أنْ يَكُونُوا عَلى هَيْئَةِ الجَبابِرَةِ ومَحْفُوفِينَ بِالمَلائِكَةِ.

﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ﴾ أيْ: حَمَلَهم عَلى خِفَّةِ الجَهْلِ والسَّفَهِ بِقَوْلِهِ وكَيْدِهِ وغُرُورِهِ، فَأطاعُوهُ فِيما أمَرَهم بِهِ، وقَبِلُوا وكَذَّبُوا مُوسى ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ: خارِجِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.

قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: المَعْنى فاسْتَجْهَلَ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ بِخِفَّةِ أحْلامِهِمْ وقِلَّةِ عُقُولِهِمْ، يُقالُ: اسْتَخَفَّهُ الفَرَحُ أيْ: أزْعَجَهُ، واسْتَخَفَّهُ أيْ: حَمَلَهُ، ومِنهُ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] وقِيلَ: اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أيْ: وجَدَهم خِفافَ العُقُولِ، وقَدِ اسْتَخَفَّ بِقَوْمِهِ وقَهَرَهم حَتّى اتَّبَعُوهُ.

﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أغْضَبُونا، والأسَفُ الغَضَبُ، وقِيلَ: أشَدُّ الغَضَبِ، وقِيلَ: السُّخْطُ، وقِيلَ: المَعْنى: أغْضَبُوا رُسُلَنا.

ثُمَّ بَيَّنَ العَذابَ الَّذِي وقَعَ بِهِ الِانْتِقامُ فَقالَ: ﴿فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ في البَحْرِ.

﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ أيْ: قُدْوَةً لِمَن عَمِلَ بِعَمَلِهِمْ مِنَ الكُفّارِ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَفًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ جَمْعُ سالِفٍ كَخَدَمٍ وخادِمٍ، ورَصَدٍ وراصِدٍ، وحَرَسٍ وحارِسٍ، يُقالُ: سَلَفَ يَسْلُفُ: إذا تَقَدَّمَ ومَضى.

قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: " سُلُفًا " بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ. قالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَلِيفٍ، نَحْوُ سُرُرٍ وسَرِيرٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ هو جَمْعُ سَلَفٍ نَحْوُ خَشَبٍ وخُشُبٍ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ وأبُو وائِلٍ والنَّخَعِيُّ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ جَمْعُ سُلْفَةٍ وهي الفِرْقَةُ المُتَقَدِّمَةُ نَحْوُ غُرَفٍ وغُرْفَةٍ، كَذا قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ﴿ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ أيْ: عِبْرَةً ومَوْعِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم، أوْ قِصَّةً عَجِيبَةً تَجْرِي مَجْرى الأمْثالِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ قالَ: كانَتْ بِمُوسى لُثْغَةٌ في لِسانِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ قالَ: أسْخَطُونا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا آسَفُونا قالَ: أغْضَبُونا، وفي قَوْلِهِ: سَلَفًا قالَ: أهْواءً مُخْتَلِفَةً.

وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَبْدَ ما شاءَ وهو مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهُ، وقَرَأ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾» .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَذُكِرَ عِنْدَهُ مَوْتُ الفَجْأةِ فَقالَ: تَخْفِيفٌ عَلى المُؤْمِنِ وحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِ، ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English