Аш-Шаукани · Тафсир · на арабском
Мухаммад 47:29–38
47:29–31Страница 509
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩
Неужели те, чьи сердца поражены недугом, полагали, что Аллах не выведет наружу их злобу (или зависть)?
وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠
Если бы Мы пожелали, то показали бы их тебе, и тогда ты узнавал бы их по их приметам. Но ты непременно узнаешь их по оговоркам. Аллах знает о ваших деяниях.
وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١
Мы непременно подвергнем вас испытанию до тех пор, пока не узнаем тех из вас, кто сражается и проявляет терпение, и пока не проверим ваши вести.
سَألَ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنَزِّلَ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً يَأْمُرُهم فِيها بِقِتالِ الكُفّارِ حِرْصًا مِنهم عَلى الجِهادِ ونَيْلِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ، فَحَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ: هَلّا نُزِّلَتْ ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ أيْ: غَيْرُ مَنسُوخَةٍ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ أيْ: فُرِضَ الجِهادُ. قالَ قَتادَةُ: كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيها الجِهادُ فَهي مُحْكَمَةٌ، وهي أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ ) أيْ: مُحْدَثَةُ النُّزُولِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَإذا أُنْزِلَتْ ) وذُكِرَ عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عُمَيْرٍ ( نَزَلَتْ )، وذُكِرَ عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ القِتالِ ﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ، وهُمُ المُنافِقُونَ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ مَن شَخَصَ بَصَرُهُ عِنْدَ المَوْتِ لِجُبْنِهِمْ عَنِ القِتالِ ومَيْلِهِمْ إلى الكُفّارِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: يُرِيدُ أنَّهم يَشْخَصُونَ نَحْوَكَ بِأبْصارِهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرًا شَدِيدًا كَما يَنْظُرُ الشّاخِصُ بَصَرُهُ عِنْدَ المَوْتِ ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: وقَوْلُهم أوْلى لَكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِمْ في التَّهْدِيدِ " أوْلى لَكَ " أيْ: ولِيَكَ وقارَبَكَ ما تَكْرَهُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
فَعادى بَيْنَ هادِيَتَيْنِ مِنها وأوْلى أنْ يَزِيدَ عَلى الثَّلاثِ أيْ: قارَبَ أنْ يَزِيدَ.
قالَ ثَعْلَبٌ: ولَمْ يُقَلْ في ( أوْلى ) أحْسَنَ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ لِمَن هَمَّ بِالغَضَبِ ثُمَّ أفْلَتَ: أوْلى لَكَ: أيْ قارَبْتَ الغَضَبَ.
وقالَ الجُرْجانِيُّ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الوَيْلِ: أيْ فَوَيْلٌ لَهم، وكَذا قالَ في الكَشّافِ.
قالَ قَتادَةُ أيْضًا: كَأنَّهُ قالَ العِقابُ أوْلى لَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ: أيْ: أمْرُهم طاعَةٌ، أوْ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ لَكم.
قالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ: إنَّ التَّقْدِيرَ: والطّاعَةُ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أحْسَنُ وأمْثَلُ لَكم مِن غَيْرِهِما.
وقِيلَ إنَّ ( طاعَةٌ ) خَبَرُ ( أوْلى )، وقِيلَ إنَّ ( طاعَةٌ ) صِفَةٌ لِ ( سُورَةٌ )، وقِيلَ إنَّ ( لَهم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( طاعَةٌ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ عَزَمَ الأمْرُ جَدَّ الأمْرُ: أيْ: جَدَّ القِتالُ، ووَجَبَ وفُرِضَ، وأسْنَدَ العَزْمَ إلى الأمْرِ وهو لِأصْحابِهِ مَجازًا، وجَوابُ ( إذا ) قِيلَ: هو ( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ )، وقِيلَ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَرِهُوهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ مَعْناهُ إذا جَدَّ الأمْرُ ولَزِمَ فَرْضُ القِتالِ خالَفُوا وتَخَلَّفُوا ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ في إظْهارِ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم﴾ هَذا خِطابٌ لِلَّذِينِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ لِمَزِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: أيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أمْرَ الأُمَّةِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِالظُّلْمِ.
وقالَ كَعْبٌ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ بِقَتْلِ بَعْضِكم بَعْضًا، وقالَ قَتادَةُ: إنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ طاعَةِ كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِسَفْكِ الدِّماءِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الطّاعَةِ، وقِيلَ: أعْرَضْتُمْ عَنِ القِتالِ وفارَقْتُمْ أحْكامَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَوَلَّيْتُمْ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ بِضَمِّ التّاءِ والواوِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وبِها قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ، ومَعْناها: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ وُلِّيَ عَلَيْكم وُلاةٌ جائِرِينَ أنْ تَخْرُجُوا عَلَيْهِمْ في الفِتْنَةِ وتُحارِبُوهم وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم بِالبَغْيِ والظُّلْمِ والقَتْلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( وتُقَطِّعُوا ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى التَّكْثِيرِ، وقَرَأ أبُو (p-١٣٧٧)عَمْرٍو، في رِوايَةٍ عَنْهُ وسَلّامٌ، وعِيسى، ويَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ القَطْعِ يُقالُ: عَسَيْتُ أنْ أفْعَلَ كَذا، وعَسَيْتُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ لُغَتانِ، ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ، وغَيْرُهُ، وخَبَرُ ( عَسَيْتُمْ ) هو ( أنْ تُفْسِدُوا ) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى المُخاطَبِينَ بِما تَقَدَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ وطَرَدَهم عَنْها ﴿فَأصَمَّهُمْ﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ عَنْ مُشاهَدَةِ ما يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وحَقِيَةِ سائِرِ ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ لِلْإنْكارِ، والمَعْنى: أفَلا يَتَفَهَّمُونَهُ فَيَعْلَمُونَ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ المَواعِظِ الزّاجِرَةِ، والحُجَجِ الظّاهِرَةِ، والبَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي تَكْفِي مَن لَهُ فَهْمٌ، وعَقْلٌ، وتَزْجُرُهُ عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والإشْراكِ بِهِ، والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ ( أمْ ) هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ: بَلْ أعَلى قُلُوبٍ أقْفالُها فَهم لا يَفْهَمُونَ ولا يَعْقِلُونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الطَّبْعَ عَلى القُلُوبِ، والأقْفالُ اسْتِعارَةٌ لِانْغِلاقِ القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وإضافَةُ الأقْفالِ إلى القُلُوبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها ما هو لِلْقُلُوبِ بِمَنزِلَةِ الأقْفالِ لِلْأبْوابِ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَدْخُلُ في قُلُوبِهِمُ الإيمانُ، ولا يَخْرُجُ مِنها الكُفْرُ والشِّرْكُ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها، والمُرادُ بِهَذِهِ القُلُوبِ قُلُوبُ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( أقْفالُها ) بِالجَمْعِ، وقُرِئَ ( إقْفالُها ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالإقْبالِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ رَجَعُوا كُفّارًا كَما كانُوا، قالَ قَتادَةُ: هم كُفّارُ أهْلِ الكِتابِ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ ما عَرَفُوا نَعْتَهُ عِنْدَهم، وبِهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ. وهَذا أوْلى لِأنَّ السِّياقَ في المُنافِقِينَ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ بِما جاءَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ، والدَّلائِلِ الواضِحَةِ ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أيْ: زَيَّنَ لَهم خَطاياهم وسَهَّلَ لَهُمُ الوُقُوعَ فِيها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، ومَعْنى ( وأمْلى لَهم ) أنَّ الشَّيْطانَ مَدَّ لَهم في الأمَلِ ووَعَدَهم طُولَ العُمْرِ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي أمْلى لَهم هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( أمْلى ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
قِيلَ: وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الفاعِلُ هو اللَّهُ، أوِ الشَّيْطانُ كالقِراءَةِ الأُولى، وقَدِ اخْتارَ القَوْلَ بِأنَّ الفاعِلَ اللَّهُ الفَرّاءُ، والمُفَضَّلُ، والأوْلى اخْتِيارُ أنَّهُ الشَّيْطانُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ قَرِيبًا.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِنِ ارْتِدادِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ وهَذا البَعْضُ هو عَداوَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُخالَفَةُ ما جاءَ بِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المُنافِقِينَ قالُوا لِلْيَهُودِ: سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ، وقِيلَ إنَّ القائِلِينَ اليَهُودُ والَّذِينَ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ: المُنافِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ( ذَلِكَ ) إلى الإمْلاءِ، وقِيلَ: إلى التَّسْوِيلِ، والأوَّلُ أوْلى.
ويُؤَيِّدُ كَوْنَ القائِلِينَ المُنافِقِينَ والكارِهِينَ اليَهُودَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم﴾ [الحشر: ١١] ولَمّا كانَ قَوْلُهُمُ المَذْكُورُ لِلَّذِينِ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ بِطَرِيقَةِ السِّرِّ بَيْنَهم، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ سِرٍّ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وحَمْزَةُ، والنَّسائِيُّ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ إخْفاءَهم.
﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، و( كَيْفَ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والتَّقْدِيرُ: فَكَيْفَ عِلْمُهُ بِأسْرارِهِمْ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ، أوْ خَبَرٌ لِ " كانَ " مَقْدَّرَةٍ: أيْ فَكَيْفَ يَكُونُونَ، والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِلْمُقَدَّرِ، قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَوَفَّتْهم ) وقَرَأ الأعْمَشُ، ( تَوَفّاهم ) وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( تَوَفَّتْهم ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ: أيْ: ضارِبِينَ وُجُوهَهم وضارِبِينَ أدْبارَهم، وفي الكَلامِ تَخْوِيفٌ وتَشْدِيدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ فَسَيَكُونُ حالُهم هَذا، وهو تَصْوِيرٌ لِتَوَفِّيهِمْ عَلى أقْبَحِ حالٍ وأشْنَعِهِ.
وقِيلَ: ذَلِكَ عِنْدَ القِتالِ نُصْرَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى التَّوَفِّي المَذْكُورِ عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ أيْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ ما يُسْخِطُ اللَّهَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقِيلَ: كِتْمانُهم ما في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوَّلُ أوْلى لِما في الصِّيغَةِ مِنَ العُمُومِ ﴿وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ كَرِهُوا ما يَرْضاهُ اللَّهُ مِنَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِهَذا السَّبَبِ، والمُرادُ بِأعْمالِهِمُ الأعْمالُ الَّتِي صُورَتُها صُورَةُ الطّاعَةِ، وإلّا فَلا عَمَلَ لِكافِرٍ، أوْ ما كانُوا قَدْ عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ قَبْلَ الرِّدَّةِ.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ المَذْكُورِينَ سابِقًا، و( أمْ ) هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أحَسِبَ المُنافِقُونَ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ الإخْراجُ بِمَعْنى الإظْهارِ، والأضْغانُ جَمْعُ ضِغْنٍ، وهو ما يُضْمَرُ مِنَ المَكْرُوهِ.
واخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ: هو الغِشُّ، وقِيلَ: الحَسَدُ، وقِيلَ: الحِقْدُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضِّغْنُ والضَّغِينَةُ الحِقْدُ.
وقالَ قُطْرُبٌ: هو في الآيَةِ العَداوَةُ، و( أنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٌ.
﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ لَأعْلَمْناكَهم وعَرَّفْناكَهم بِأعْيانِهِمْ مَعْرِفَةً تَقُومُ مَقامَ الرُّؤْيَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: سَأُرِيكَ ما أصْنَعُ: أيْ سَأُعْلِمُكَ ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ بِعَلامَتِهِمُ الخاصَّةِ بِهِمُ الَّتِي يَتَمَيَّزُونَ بِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيما فَلَعَرَفْتَهم بِتِلْكَ العَلامَةِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ المَعْرِفَةِ عَلى الإرادَةِ، وما بَعْدَها مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ ( لَوْ )، وكُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ (p-١٣٧٨)لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ فَهي جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَحْنُ القَوْلِ فَحْواهُ، ومَقْصِدُهُ، ومَغْزاهُ، وما يُعَرِّضُونَ بِهِ مِن تَهْجِينِ أمْرِكَ وأمْرِ المُسْلِمِينَ، وكانَ بَعْدَ هَذا لا يَتَكَلَّمُ مُنافِقٌ عِنْدَهُ إلّا عَرَفَهُ.
قالَ أبُو زَيْدٍ: لَحَنْتَ لَهُ اللَّحْنَ: إذا قُلْتَ لَهُ قَوْلًا يَفْقَهُهُ عَنْكَ ويَخْفى عَلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيانًاوَخَيْرُ الكَلامِ ما كانَ لَحْنًا أيْ: أحْسَنُهُ ما كانَ تَعْرِيضًا يَفْهَمُهُ المُخاطَبُ ولا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ لِفِطْنَتِهِ وذَكائِهِ، وأصْلُ اللَّحْنِ إمالَةُ الكَلامِ إلى نَحْوٍ مِنَ الأنْحاءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ فَيُجازِيكم بِها، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ أيْ لَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، وذَلِكَ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ حَتّى نَعْلَمَ مَنِ امْتَثَلَ الأمْرَ بِالجِهادِ وصَبَرَ عَلى دِينِهِ ومَشاقِّ ما كُلِّفَ بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الأفْعالَ الثَّلاثَةَ بِالنُّونِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيها كُلِّها، ومَعْنى ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكم﴾ نُظْهِرُها ونَكْشِفُها امْتِحانًا لَكم لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ مَن أطاعَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، ومَن عَصى، ومَن لَمْ يَمْتَثِلْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( ونَبْلُوَ ) بِنَصْبِ الواوِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ( حَتّى نَعْلَمَ )، ورَوى ورْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ إسْكانَها عَلى القَطْعِ عَمّا قَبْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ حَتّى إذا فَرَغَ مِنهم قامَتِ الرَّحِمُ بِحِقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: مَهْ، قالَتْ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ قالَ: نَعَمْ، أتَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصَلَكِ وأقْطَعَ مَن قَطَعَكِ ؟ قالَتْ: بَلى. قالَ: فَذَلِكَ لَكِ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾» والأحادِيثُ في صِلَةِ الرَّحِمِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ قالَ: هم أهْلُ النِّفاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهم﴾ قالَ: أعْمالَهم خُبْثَهم، والحَسَدَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ دَلَّ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدُ عَلى المُنافِقِينَ فَكانَ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّجُلِ مِن أهْلِ النِّفاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ قالَ: بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ.
47:32–38Страница 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٣٢
Воистину, те, которые не уверовали, сбивали других с пути Аллаха и откололись от Посланника после того, как им стал ясен прямой путь, нисколько не навредят Аллаху, а Он сделает тщетными их деяния.
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣
О те, которые уверовали! Повинуйтесь Аллаху, повинуйтесь Посланнику и не делайте тщетными ваши деяния.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ ٣٤
Воистину, Аллах не простит тех, которые не уверовали и сбивали других с пути Аллаха, а потом умерли неверующими.
فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥
Не проявляйте слабости и не призывайте к миру, поскольку вы - выше остальных. Аллах - с вами и не умалит ваших деяний.
إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦
Мирская жизнь - всего лишь игра и потеха. Если вы уверуете и будете богобоязненны, Он дарует вам вашу награду и не попросит у вас вашего имущества.
إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ ٣٧
Если же Он попросит у вас его и проявит настойчивость, то вы поскупитесь, и Он выведет наружу вашу злобу (или зависть).
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم ٣٨
Вот вас призывают делать пожертвования на пути Аллаха, и среди вас находятся такие, которые скупятся. Кто скупится, тот скупится только во вред себе. Аллах - богат, а вы - бедны. И если вы отвернетесь, Он заменит вас другими людьми, и они не будут подобны вам.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ، وقِيلَ: هُمُ المُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
ومَعْنى صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: مَنعُهم لِلنّاسِ عَنِ الإسْلامِ واتِّباعِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ومَعْنى﴿وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ عادَوْهُ وخالَفُوهُ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ عَلِمُوا أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبِيٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ والحُجَجِ القاطِعَةِ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ بِتَرْكِهِمُ الإيمانَ وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم ﴿وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ يُبْطِلُها، والمُرادُ بِهَذِهِ الأعْمالِ ما صُورَتُهُ صُورَةُ أعْمالِ الخَيْرِ كَإطْعامِ الطَّعامِ، وصِلَةِ الأرْحامِ، وسائِرِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ الخَيْرِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ لِأنَّ الكُفْرَ مانِعٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْمالِ المَكائِدُ الَّتِي نَصَبُوها لِإبْطالِ دِينِ اللَّهِ، والغَوائِلُ الَّتِي كانُوا يَبْغُونَها بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ المَذْكُورَةِ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ يُبْطِلُوا أعْمالَهم كَما أبْطَلَتِ الكُفّارُ أعْمالَها بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ: أيْ لا تُبْطِلُوا حَسَناتِكم بِالمَعاصِي.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: بِالكَبائِرِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: بِالمَنِّ.
والظّاهِرُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُ إلى بُطْلانِ الأعْمالِ كائِنًا ما كانَ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ فَقَيَّدَ سُبْحانَهُ عَدَمَ المَغْفِرَةِ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ بابَ التَّوْبَةِ وطَرِيقَ المَغْفِرَةِ لا يُغْلَقانِ عَلى مَن كانَ حَيًّا، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا.
ثُمَّ نَهى سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَهَنِ، والضَّعْفِ فَقالَ: فَلا تَهِنُوا أيْ تَضْعُفُوا عَنِ القِتالِ، والوَهَنُ الضَّعْفُ ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ أيْ ولا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ ابْتِداءً مِنكم، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الضَّعْفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَنَعَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ وأمَرَهم بِحَرْبِهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ( وتَدَّعُوا ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ، مِنِ ادَّعى القَوْمُ وتَداعَوْا.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ: لا تَكُونُوا أوَّلَ الطّائِفَتَيْنِ ضَرَعَتْ إلى صاحِبَتِها.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ: إنَّها مُحْكَمَةٌ، وإنَّها ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١]، وقِيلَ: مَنسُوخَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا مُقْتَضى لِلْقَوْلِ بِالنَّسْخِ، فَإنَّ اللَّهَ (p-١٣٧٩)سُبْحانَهُ نَهى المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أنْ يَدْعُوا إلى السَّلْمِ ابْتِداءً ولَمْ يَنْهَ عَنْ قَبُولِ السَّلْمِ إذا جَنَحَ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، فالآيَتانِ مُحْكَمَتانِ ولَمْ يَتَوارَدا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ حَتّى يُحْتاجَ إلى دَعْوى النَّسْخِ، أوِ التَّخْصِيصِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ: أيْ وأنْتُمُ الغالِبُونَ بِالسَّيْفِ والحُجَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: أيْ: آخِرُ الأمْرِ لَكم، وإنْ غَلَبُوكم في بَعْضِ الأوْقاتِ، وكَذا جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: مَعَكم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ عَلَيْهِمْ ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم شَيْئًا مِن ثَوابِ أعْمالِكم، يُقالُ: وتَرَهُ وتْرًا: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، وأصْلُهُ مِن وتَرْتُ الرَّجُلَ: إذا قَتَلْتُ لَهُ قَرِيبًا، أوْ نَهَبْتُ لَهُ مالًا، ويُقالُ: فُلانٌ مَأْتُورٌ: إذا قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ولَمْ يُؤْخَذْ بِدَمِهِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم في أعْمالِكم كَما تَقُولُ: دَخَلْتُ البَيْتَ، وأنْتَ تُرِيدُ في البَيْتِ.
قالَ الفَرّاءُ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ الوَتْرِ وهو الدَّخْلُ، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنَ الوَتْرِ وهو الفَرْدُ، فَكَأنَّ المَعْنى: ولَنْ يُفْرِدَكم بِغَيْرِ ثَوابٍ.
﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ أيْ: باطِلٌ وغُرُورٌ لا أصْلَ لِشَيْءٍ مِنها ولا ثَباتَ لَهُ ولا اعْتِدادَ بِهِ ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: إنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وتَتَّقُوا الكُفْرَ والمَعاصِيَ يُؤْتِكم جَزاءَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، والأجْرَ والثَّوابَ عَلى الطّاعَةِ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ أيْ لا يَأْمُرُكم بِإخْراجِها جَمِيعِها في الزَّكاةِ وسائِرِ وُجُوهِ الطّاعاتِ، بَلْ أمَرَكم بِإخْراجِ القَلِيلِ مِنها وهو الزَّكاةُ.
وقِيلَ المَعْنى: لا يَسْألُكم أمْوالَكم إنَّما يَسْألُكم أمْوالَهُ لِأنَّهُ أمْلَكُ لَها، وهو المُنْعِمُ عَلَيْكم بِإعْطائِها.
وقِيلَ: لا يَسْألُكم أمْوالَكم أجْرًا عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] والأوَّلُ أوْلى.
﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ أيْ: أمْوالَكم كُلَّها فَيُحْفِكم قالَ المُفَسِّرُونَ: يُجْهِدُكم ويُلْحِفُ عَلَيْكم بِمَسْألَةِ جَمِيعِها، يُقالُ أحْفى بِالمَسْألَةِ وألْحَفَ وألَحَّ بِمَعْنًى واحِدٍ، والمُحْفِي المُسْتَقْصِي في السُّؤالِ، والإحْفاءُ الِاسْتِقْصاءُ في الكَلامِ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ: أيِ: اسْتِئْصالُهُ. وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: تَبْخَلُوا أيْ: إنْ يَأْمُرْكم بِإخْراجِ جَمِيعِ أمْوالِكم تَبْخَلُوا بِها وتَمْتَنِعُوا مِنَ الِامْتِثالِ ﴿ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرِجْ ) بِالجَزْمِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ ورَفْعِ ( أضْغانُكم )، ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ الحَضْرَمِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالنُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ بِالفَوْقِيَّةِ المَفْتُوحَةِ مَعَ ضَمِّ الرّاءِ.
وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ إلى البُخْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ ( تَبْخَلُوا ) .
والأضْغانُ: الأحْقادُ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ.
قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ في سُؤالِ المالِ خُرُوجُ الأضْغانِ.
﴿هاأنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ أيُّها المُؤْمِنُونَ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في الجِهادِ وفي طَرِيقِ الخَيْرِ ﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ بِما يُطْلَبُ مِنهُ ويُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وإذا كانَ مِنكم مَن يَبْخَلُ بِاليَسِيرِ مِنَ المالِ، فَكَيْفَ لا تَبْخَلُونَ بِالكَثِيرِ وهو جَمِيعُ الأمْوالِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ضَرَرَ البُخْلِ عائِدٌ عَلى النَّفْسِ فَقالَ: ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ يَمْنَعُها الأجْرَ والثَّوابَ بِبُخْلِهِ، و( بَخِلَ ) يَتَعَدّى بِـ " عَلى " تارَةً، وبِـ " عَنْ " أُخْرى.
وقِيلَ: إنَّ أصْلَهُ أنْ يَتَعَدّى بِعَلى، ولا يَتَعَدّى بِعَنْ إلّا إذا ضُمِّنَ مَعْنى الإمْساكِ ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ المُطْلَقُ المُتَنَزِّهُ عَنِ الحاجَةِ إلى أمْوالِكم وأنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ وإلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي ( وإنْ تُؤْمِنُوا )، والمَعْنى: وإنْ تُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا آخَرِينَ يَكُونُونَ مَكانَكم هم أطْوَعُ لِلَّهِ مِنكم ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في التَّوَلِّي عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى.
قالَ عِكْرِمَةُ: هم فارِسُ والرُّومُ.
وقالَ الحَسَنُ: هُمُ العَجَمُ.
وقالَ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: هم أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: الأنْصارُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: التّابِعُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم مَن شاءَ اللَّهُ مِن سائِرِ النّاسِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في البُخْلِ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ذَنْبٌ كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ حَتّى نَزَلَتْ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكم﴾ فَخافُوا أنْ يُبْطِلَ الذَّنْبُ العَمَلَ. ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: فَخافُوا الكَبائِرَ أنْ تُحْبِطَ أعْمالَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا مَعْشَرَ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَرى أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحَسَناتِ إلّا مَقْبُولٌ حَتّى نَزَلَتْ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْنا: ما هَذا الَّذِي يُبْطِلُ أعْمالَنا ؟ فَقُلْنا: الكَبائِرُ المُوجِباتُ والفَواحِشُ، فَكُنّا إذا رَأيْنا مَن أصابَ شَيْئًا مِنها قُلْنا قَدْ هَلَكَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ كَفَفْنا عَنِ القَوْلِ في ذَلِكَ، وكُنّا إذا رَأيْنا أحَدًا أصابَ مِنها شَيْئًا خِفْنا عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يُصِبْ مِنها شَيْئًا رَجَوْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( يَتِرَكم ) قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ قالُوا مَن هَؤُلاءِ ؟ وسَلْمانُ إلى جانِبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ؟ فَقالَ: هُمُ الفُرْسُ، هَذا وقَوْمُهُ» .
وفِي إسْنادِهِ مُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ الزِّنْجِيُّ وقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ، وفِيهِ مَقالٌ مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إنْ تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلُوا بِنا ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَنا ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ ثُمَّ قالَ: هَذا (p-١٣٨٠)وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيّا لِتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ» وفي إسْنادِهِ أيْضًا مُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ الزِّنْجِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии