Оставшиеся позади (не принявшиеся участие в походе на Табук) радовались тому, что они остались позади Посланника Аллаха. Им было ненавистно сражаться своим имуществом и своими душами на пути Аллаха, и они говорили: «Не отправляйтесь в поход в такую жару». Скажи: «Огонь Геенны еще жарче!». Если бы они только понимали!
وبعد هذا الحديث الطويل المتنوع عن أحوال المنافقين ومسالكهم الخبيثة ، أخذت السورة الكريمة فى الحديث عن حال المنافقين الذين تخلفوا فى المدينة ، وأبوا أن يخرجوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك ، فقال - تعالى - : ( فَرِحَ المخلفون . . . مَعَ الخالفين ) .وقوله : " المخلفون " اسم مفعول مأخوذ من قولهم خلف فلان فلانا وراءه إذا تركه خلفه .والمراد بهم : أولئك المنافقيون الذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك بسبب ضعف إيمانهم ، وسقوط همتهم ، وسوء نيتهم . .قال الجمل : وقوله ( خِلاَفَ رَسُولِ الله ) فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر مدللو عليه بقوله " مقعدهم " لأنه فى معنى تخلفوا أى : تخلفوا خلاف رسول الله . الثانى : أن خلاف مفعول لأجله والعامل فيه إما فرح مقعد . أى : فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث مضى هو للجهاد وتخلفوا هم عنه . أو بقعودهم لمخالفتهم له ، وإليه ذهب الطبرى والزجاج ، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ : " خلف رسول الله " - بضم الخاء واللام ، الثالث : أن ينتصب على الظرف . أى بعد رسول الله ، يقال : أقام زيد خلاف القوم ، أى : تخلف بعد ذهابهم ، وخلاف يكون ظرفا ، وإليه ذهب أبو عبيدة وغيره ، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس ، وأبى حيوه ، وعمرو بن ميمون ، " خلف رسول الله " - بفتح الخاء وسكون اللام .والمعنى : فرح المخلفون : من هؤلاء المنافقين ، بسبب قعودهم فى المدينة ، وعدم خروجهم إلى تبوك للجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، وكرهوا أن يبذلوا شيئا من أموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله .وإنما فرحوا بهذا القعود ، وكرهوا الجهاد؛ لأنهم قوم خلت قلوبهم من الإِيمان بالله واليوم الآخر ، وهبطت نفوسهم عن الارتفاع إلى معالى الأمور ، وآثروا الدنيا وشهواتها الزائلة على الآخرة ونعيمها الباقى .وفى التعبير بقوله : ( المخلفون ) تحقير لهم ، وإهمال لشأنهم ، حتى لكأنهم شئ من سقط المتاع الذى يخلف ويترك ويهمل؛ لأنه لا قيمة له ، أو لأن ضرره أكبر من نفعه .قال الآلوسى : وإيثار ما فى النظم الكريم على أن يقال ، وكرهوا أن يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذان بأن الجهاد فى سبيل الله مع كونه من أجل الرغائب التى ينبغى أن يتنافس فيها المتنافسون ، قد كرهوه ، كما فرحوا بأقبح القبائح وهو القعود خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، وفى الكلام تعريض بالمؤمنين الذين آثروا ذلك وأحبوه .وقوله : ( وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر ) حكاية لأقوالهم التى تدل على ضعفهم وجبنهم ، وعلى أنهم قوم لا يصلحون للأعمال التى يصلح لها الرجال .أى . وقال هؤلاء المنافقون المخلفون لغيرهم ، أقعدوا معنا فى المدينة ، ولا تخرجوا للجهاد مع المؤمنين ، فإن الحر شديد ، والفر طويل ، وقعودكم يريحكم من هذه المتاعب ، ويحمل غيرنا وغيركم على القعود معنا ومعكم ، وبذلك ننال بغيتنا من تثبيط همة المجاهدين عن الجهاد فى سبيل الله .وقوله : ( قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ) رد على أقوالهم القبيحة ، وأفعالهم الخبيثة ، أى ، قل يا محمد لهؤلاء المنافقين على سبيل التهكم بهم ، والتحقير من شأنهم : نار جهنم أشد حرا من هذا الحر الذى تخشونه وترونه مانعا من النفير بل هى أشد حرا من نار الدنيا . . .روى الإِمام مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : " نار بنى آدم التى توقدونها . جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : وقوله : ( قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ) استجهال لهم ، لأن من تصون مشقة ساعة ، فوقع بسبب ذلك التصون فى مشقة الأبد ، كان أجهل من كل جاهل ، ولبعضهم :مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم أريها شبه الصابفكيف بأن تلقى مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقابأى : أن حزن يوم واحد يجعل المسرات الطويلة قبله تتحول إلى ما يشبه الصاب مرارة ، فيكف يكون الحال إذا كانت المسرات ساعة واحدة تعقبها أحقاب طويلة من المساءات؟!! .وقوله : ( لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) تذييل قصد به الزيادة فى توبيخهم وتحقيرهم .أى : لو كانوا يفقهون أن نار جهنم أشد حرا ويعتبرون بذلك ، لما فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ، ولما كرهوا الجهاد ، ولما قالوا ما قالوا ، بل لحزنوا واكتأبوا على ما صدر منهم ، ولبادروا بالتوبة والاستغفار ، كما فعل أصحاب القلوب والنفوس النقية من النفاق والشقاق .
Пусть они мало смеются и много плачут в воздаяние за то, что они приобретали!
وقوله : ( فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً . . . ) وعيد لهم بسوء مصيرهم ، وإخبار عن عاجل أمرهم وآجله ، من الضحك القليل فى الدنيا والبكاء الكثير فى الآخرة .والمعنى : إنهم وإن فروا وضحكوا طوال أعمارهم فى الدنيا ، فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم فى الآخرة ، لأن الدنيا فانية والآخرة باقية ، والمنقطع الفانى قليل بالنسبة إلى الدائم الباقى .قال صاحب المنار : وفى معنى الآية قوله - صلى الله عليه وسلم " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " متفق عليه ، بل رواه الجماعة إلا أبا داود من حديث أنس ، ورواه الحاكم من حديث أبى هريرة بلفظ " لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلا " .ثم قال : وإنما كان الأمر فى الآية بمعنى الخبر ، لأنه إنذار بالجزاء لا تكليف وقد قيل فى فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإِنشاء ، إنه يدل على أنه حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته فى احتمالها ، لأن الأصل فى الأمر أن يكون للإِيجاب وهو حتم . .وقوله : ( جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) تذييل قصد به بيان عدالته ، سبحانه ، فى معاملة عباده .أى : أننا ما ظلمناهم بتوعدنا لهم بالضحك القليل وبالبكاء الكثير ، وإنما هذا الوعيد جزاء لهم على ما اكتسبوه من فنون المعاصى ، وما اجترحوه من محاربة دائمة لدعوة الحق .وقوله : ( جَزَآءً ) مفعول للفعل الثانى .أى : ليبكوا جزاء ، ويجوز أن يكون مصدرا حذف ناصبه . أى : يجزون بما ذكر من البكاء الكثير جزاء .وجمع - سبحانه - فى قوله ( بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) بين صيغتى الماضى والمستقبل ، للدلالة على الاستمرار التجددى ما داموا فى الدنيا .
Если Аллах возвратит тебя к некоторым из них, и они попросят у тебя дозволения отправиться в поход, то скажи: «Вы никогда не отправитесь со мной в поход и никогда не будете сражаться вместе со мной против врага. Вы были довольны тем, что отсиделись в первый раз. Посему отсиживайтесь вместе с теми, кто остается».
ثم بين - سبحانه - ما يجب على الرسول نحو هؤلاء المخلفين الكارهين للجهاد ، فقال : ( فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً . . . ) .قوله : ( رَّجَعَكَ ) من الرجع بمعنى تصيير الشئ إلى المكان الذى كان فيه أولا . والفعل رجع أحياناً يستعمل لازما كقوله - تعالى - : ( فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً . . . ) وفى هذه الحالة يكون مصدر الرجوع ، وأحيانا يستعمل متعديا كالآية التى معنا ، وكقوله - تعالى - : ( فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ . . ) وفى هذه الحالة يكون مصدره الرجوع لا الرجوع .قال الآلوسى : " ورجع " هنا بمعنى رد ومصدره الرجع ، وقد يكون لازما ومصدره الرجوع ، وأوثر هنا استعمال المتعدى - وإن كان استعمال اللازم كثيرا - إشارة إلى أن ذلك السفر لما فيه من الخطر يحتاج الرجوع منه إلى تأييد إلهى ، ولذا أوثرت كلمة " إن " على " إذا " .والمعنى : فإن ردك الله - تعالى - من سفرك هذا - أيها الرسول الكريم - إلى طائفة من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى تبوك " فاستأذنوك للخروج " معك فى غزوة أخرى بعد هذه الغزوة " فقل " لهم على سبيل الإِهانة والتحقير ( لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ) ما دمت على قيد الحياة ( وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ) من الأعداء الذين أمرنى الله بقتالهم ، والسبب فى ذلك " إنكم " أيها المنافقون " رضيتم بالقعود " عن الخروج معى وفرحتم به فى " أول مرة " دعيتم فيها إلى الجهاد ، فجزاؤهم وعقاباكم أن تقعدوا " مع الخالفين " أى : مع الذين تخلفوا عن الغزو لعدم قدرتهم على تكاليفه كالمرضى والنساء والصبيان . أو مع الأشرار الفاسدين الذين يتشابهون معكم فى الجبن والنفاق وسوء الأخلاق .قال الإِمام الرازى ما ملخصه ، ذكروا فى تفسير الخالف وجوها :الأول : قال أبو عبيدة الخالفون جمع ، واحدهم خالف ، وهو من يخلف الرجل فى قومه ، ومعناه : فاقعدوا مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون فى البيت فلا يبرحونه .الثانى : أن الخالفين فسر بالمخالفين ، يقال : فلان خالفه أهل بيته إذا كان مخالفا لهم ، وقوم خالفون أى : كثيرو الخلاف لغيرهم .الثالث : أن الخالف هو الفاسد . قال الأصمعى : يقال خلف عن كل خير يخلف خلوفا إذا فسد وخلف اللبن إذا فسد .إذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة فلاشك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها ، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات السيئة ." وقال - سبحانه - ( فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ . . . ) ولم يقل فإن رجعك الله إليهم ، لأن جميع الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك ، لم يكونوا من المنافقين ، بل كان هناك من تخلف بأعذار مقبولة ، كالذين أتوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليحملهم معه ، فقال لهم : " لا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا " وأعينهم تفيض من الدمع حزنا " " .وسيأتى الحديث عنهم بعد قليل .وقوله : ( لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ) إخبار فى معنى النهى للمبالغة وجمع - سبحانه - بين الجملتين زيادة فى تبكيتهم ، وفى إهمال شأنهم ، وفى كراهة مصاحبتهم . .وذلك ، لأنهم لو خرجوا مع المؤمنين ما زادهم إلا خبالا ، ولو قاتلوا معهم ، لكان قتالهم خاليا من الغاية السامية التى من أجلها قاتل المؤمنون وهى إعلاء كلمة الله ، وكل قتال خلا من تلك الغاية كان مآله إلى الهزيمة . .هذا ، وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على أسوأ صفات المنافقين ، كما اشتملت على أشد ألوان الوعيد لهم فى الدنيا والآخرة ( جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) .قال الجمل : وفى قوله - تعالى - ( فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ) الآية دليل على أن الشخص إذا ظهر منه مكر وخداع وبدعة ، يجب الانقطاع عنه ، وترك مصاحبته ، لأنه - سبحانه - منع المنافقين من الخروج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجهاد ، وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم وإبعادهم لما علم من مكرهم وخنداننعهم إذا خرجوا إلى الغزوات .
Никогда не совершай намаз по кому-либо из них и не стой над его могилой, ведь они не уверовали в Аллаха и Его Посланника и умерли нечестивцами.
وبعد أن بين - سبحانه - ما يجب أن يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم فى حياتهم ، أتبع ذلك ببيان ما يجب أن يفعله معهم بعد مماتهم فقال - تعالى - : ( وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ ) .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : " أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبرأ من المنافقين ، وان لا يصلى على أحد منهم إذا مات ، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له ، أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله ، وهذا حكم عام فى كل من عرف نفاقه ، وإن كان سبب نزول الآية فى عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين " .فقد روى البخارى " عن ابن عمر قال : لما توفى عبد الله بن أبى جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه ، فأعطاه إياه ، ثم سأله أن يصلى عليه ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصى عليه ، فقام عمر ، فأخذ بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : يا رسول الله ، تصلى عليه ، وقد نهاك ربك أن تصلى عليه؟ فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - " وإنما خيرنى الله " فقال : ( استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ) وسأزيده على السبعين . قال : إنه منافق - قال : فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - تعالى - قوله : ( وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً . . . ) الآية " .وروى الإِمام أحمد عن ابن عباس قال : " سمعت عمر بن الخطاب يقول : لما توفى عبد الله ابن أبى دعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة عليه ، فقام عليه " فلما وقف عليه - يريد الصلاة - تحولت حتى قمت فى صدره فقلت : يا رسول الله ، أعلى عدو الله : عبد الله بن أبى القائل يوم كذا ، كذا وكذا ، - وأخذ يعدد أيامه . قال : ورسول الله - صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثرت عليه قال : تأخر عنى يا عمر . إنى خيرت فاخترت ، قد قيل لى : ( استغفر لَهُمْ ) الآية . لو أعلم أنى لو زدت على السبعين غفر له لزدت ، قال : ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه . قال : فعجبت من جرأتى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ورسوله أعلم . قال فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت ( وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ) الآية . قال : فما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله - عز وجل " .والمعنى : " لا تصل " - أيها الرسول الكريم - " على أحد " من هؤلاء المنافقين " مات أبدا ولا تقم على قبره " أى : ولا تقف على قبره عند الدفن أو بعد بقصد الزيارة أو الدعاء له ، وذلك لأن صلاتك علهيم ، ووقوفك على قلوبهم شفاعة لهم ، ورحمة بهم ، وتكريم لشأنهم . وهم ليسوا أهلا لذلك .وقوله : ( إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ) تعليل للنهى عن الصلاة عليهم ، والوقوف على قبورهم .أى نهيناك - يا محمد - عن ذلك ، لأن هؤلاء المنافقين قد عاشوا حياتهم كافرين بالله ورسوله ، ومحاربين لدعوة الحق ، وماتوا وهم خارجون عن حظيرة الإِيمان .وجمع - سبحانه - بين وصفهم بالكفر ووصفهم بالفسق زيادة فى تقبيح أمرهم ، وتحقير شأنهم؛ فهم لم يكتفوا بالكفر وحده ، وإنما أضافوا إليه الفسق ، وهو الخروج عن كل قول طيب ، وخلق حسن ، وفعل كريم .قال بعضهم : فإن قلت : الفسق أدنى حالا من الكفر ، فما الفائدة فى وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؟ قلت إن الكافر قد يكون عدلا بأن يؤدى الأمانة ، ولا يضمر لأحد سوءاً ، وقد يكون خبيثا كثير الكذب والمكر والخداع وإضمار السوء للغير ، وهذا أمر مستقبح عن كل أحد ، ولما كان المنافقون بهذه الصفة الخبيثة ، وصفهم الله - تعالى - بكونهم فاسقين بعد أن وصفهم بالكفر .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- تحريم الصلاة على الكافر ، والوقوف على قبره ، ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه ومشروعية الوقوف على قبره ، والدعاء له .قال الإِمام ابن كثير : ولما نهى الله - تعالى - عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبوهم للاستغفار لهم ، كان هذا الصنيع من أكبر القربات فى حق المؤمنين ، فشرع ذلك وفى فعله الأجر الجزيل ، كما ثبت فى الصحاح وغيرها من حديث أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " " من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ، من شهدها حتى تدفن فله قيراطان ، قيل : وما القيراطان ، قال : " أصغرهما مثل أحد " وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات ، فروى أبو دواد عن عثمان بن عفان قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من الميت وقف عليه وقال : " استغروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " " .2- وجوب منع كل مظهر من مظاهر التكريم - فى الحياة وبعد الممات عن الذين يحاربون دعوة الحق ، ويقفون فى وجه انتشارها وظهورها : أما منع تكريمهم فى حياتهم فتراه فى قوله - تعالى - فى الآية السابقة : ( فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً )وأما منع تكريمهم بعد مماتهم فتراه فى هذه الآية : ( وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ ) .ولا شك أن حجب كل تكريم عن أولئك المنافقين فى العهد النبوى ، كان له أثره القوى فى انهيار دولتهم ، وافتضاح أمرهم ، وذهاب ريحهم ، وتهوين شأنهم . .هذا ، وما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الله بن أبى من الصلاة عليه ، والقيام على قبره إنما كان قبل نزول هذه الآية . .أو أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك تطييباً لقلب ابنه الذى كان من فضلاء الصحابة وأصدقهم إسلاما .فقد سبق أن ذكرنا ما رواه البخارى عن ابن عمر أنه قال : لما توفى عبد الله ابن أبى جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه ، فأعطاه إياه ثم سأله أن يصلى عليه . . الحديث .
Пусть не восхищают тебя их имущество и дети. Аллах желает только подвергнуть их мучениям имуществом и детьми в этом мире, дабы они расстались со своими душами неверующими.
ثم نهى الله - تعالى - كل من يصلح للخطاب عن الاغترار بما عند هؤلاء المنافقين من مال وولد ، فقال - تعالى - : ( وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ . . . . ) .أى : عليك - أيها العاقل - أن لا تغتر بما عند هؤلاء المنافقين من أموال وأولاد ، وأن لا يداخل قلبك شئ من الإِعجاب بما بين أيديهم من نعم ، فإن هذه النعم - التى من أعظمها الأموال والأولاد - إنما أعطاهم الله إياها ، ليعذبهم بسببها فى الدنيا عن طريق التعب فى تحصيلها ، والحزن عند فقدها وهلاكها .وقوله : ( وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة ، بعد بيان عذابهم فى الدنيا ، وزهوق النفس : خروجها من الجسد بمشقة وتعب .أى : أنهم فى الدنيا تكون النعم التى بين أيديهم ، مصدر عذاب لهم ، وأما فى الآخرة فعذابهم أشد وأبقى ، لأن أرواحهم قد خرجت من أبدانهم وهم مصرون على الكفر والضلال .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء المنافقين بسوء العاقبة فى الدنيا والآخرة ، ومن كان مصيره كهذا المصير ، لا يستحق الإِعجاب أو التكريم وإنما يستحق الاحتقار والإِهمال .وهذه الآية الكريمة ، قد سبقتها فى السورة نفسها آية أخرى شبيهة بها . وهى قوله - تعالى - : ( وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) .وقد أشار صاحب الكشاف إلى سر هذا التكرار فقال : " وقد أعيد قوله ( وَلاَ تُعْجِبْكَ ) ؛ لأن تجدد النزول له شأنه فى تقرير ما نزل له وتأكيده ، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه ، وأن يعقتد أن العمل به مهم يفتقر إلى فضل عناية به ، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين ، فأشبه الشئ الذى أهم صاحبه ، فهو يرجع إليه فى أثناء حديثه ، ويتخلص إليه ، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه " .