Ibn Kathir · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:81–85
19:81Page 311
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١
And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.
يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم : أنهم اتخذوا من دونه آلهة ، لتكون تلك الآلهة ) عزا ) يعتزون بها ويستنصرونها .
19:82Page 311
كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢
No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].
ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا ، ولا يكون ما طمعوا ، فقال : ( كلا سيكفرون بعبادتهم ) أي : يوم القيامة ( ويكونون عليهم ضدا ) أي : بخلاف ما ظنوا فيهم ، كما قال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون . وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 ، 6 ]
وقرأ أبو نهيك : " كل سيكفرون بعبادتهم " .
وقال السدي : ( كلا سيكفرون بعبادتهم ) أي : بعبادة الأوثان . وقوله : ( ويكونون عليهم ضدا ) أي : بخلاف ما رجوا منهم .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ويكونون عليهم ضدا ) قال : أعوانا .
قال مجاهد : عونا عليهم ، تخاصمهم وتكذبهم .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( ويكونون عليهم ضدا ) قال : قرناء .
وقال قتادة : قرناء في النار ، يلعن بعضهم بعضا ، ويكفر بعضهم ببعض .
وقال السدي : ( ويكونون عليهم ضدا ) قال : الخصماء الأشداء في الخصومة .
وقال الضحاك : ( ويكونون عليهم ضدا ) قال : أعداء .
وقال ابن زيد : الضد البلاء .
وقال عكرمة : الضد الحسرة .
19:83Page 311
أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣
Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?
وقوله : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : تغويهم إغواء .
وقال العوفي عنه : تحرضهم على محمد وأصحابه .
وقال مجاهد : تشليهم إشلاء .
وقال قتادة : تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله .
وقال سفيان الثوري : تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا .
وقال السدي : تطغيهم طغيانا .
وقال عبد الرحمن بن زيد : هذا كقوله تعالى : ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) [ الزخرف : 36 ] .
19:84Page 311
فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤
So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1
وقوله : ( فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ) أي : لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم ، ( إنما نعد لهم عدا ) أي : إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط ، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله ، ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) [ إبراهيم : 42 ] ، ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) [ الطارق : 17 ] ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) [ آل عمران : 178 ] ، ( نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) [ لقمان : 24 ] ، ( قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) [ إبراهيم : 30 ] .
قال السدي : ( إنما نعد لهم عدا ) السنين ، والشهور ، والأيام ، والساعات .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إنما نعد لهم عدا ) قال : نعد أنفاسهم في الدنيا .
19:85Page 311
يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥
On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation
يخبر تعالى عن أوليائه المتقين ، الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم ، وأطاعوهم فيما أمروهم به ، وانتهوا عما عنه زجروهم : أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه . والوفد : هم القادمون ركبانا ، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور ، من مراكب الدار الآخرة ، وهم قادمون على خير موفود إليه ، إلى دار كرامته ورضوانه . وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم ، فإنهم يساقون عنفا إلى النار ، ( وردا ) عطاشا ، قاله عطاء ، وابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، وغير واحد . وهاهنا يقال : ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) [ مريم : 73 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن خالد ، عن عمرو بن قيس الملائي ، عن ابن مرزوق : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) قال : يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها ، وأطيبها ريحا ، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أما تعرفني ؟ فيقول : لا ، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك . فيقول : أنا عملك الصالح ، وهكذا كنت في الدنيا ، حسن العمل طيبه ، فطالما ركبتك في الدنيا ، فهلم اركبني ، فيركبه . فذلك قوله : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) قال : ركبانا .
وقال ابن جرير : حدثني ابن المثنى ، حدثنا ابن مهدي ، عن شعبة ، عن إسماعيل ، عن رجل ، عن أبي هريرة : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) قال : على الإبل .
وقال ابن جريج : على النجائب .
وقال الثوري : على الإبل النوق .
وقال قتادة : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) قال : إلى الجنة .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه : حدثنا سويد بن سعيد ، أخبرنا علي بن مسهر ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، حدثنا النعمان بن سعد قال : كنا جلوسا عند علي ، رضي الله عنه ، فقرأ هذه الآية : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) قال : لا والله ما على أرجلهم يحشرون ، ولا يحشر الوفد على أرجلهم ، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها ، عليها رحائل من ذهب ، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة .
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني ، به . وزاد : " عليها رحائل الذهب ، وأزمتها الزبرجد " والباقي مثله .
وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا مرفوعا ، عن علي فقال :
حدثنا أبي ، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي ، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي ، سمعت أبا معاذ البصري قال : إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) فقال : ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون - أو : يؤتون - بنوق بيض لها أجنحة ، وعليها رحال الذهب ، شرك نعالهم نور يتلألأ ، كل خطوة منها مد البصر ، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان ، فيشربون من إحداهما ، فتغسل ما في بطونهم من دنس ، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا ، وتجري عليهم نضرة النعيم ، فينتهون أو : فيأتون باب الجنة ، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب ، فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها طنين يا علي ، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل ، فتبعث قيمها فيفتح له ، فإذا رآه خر له - قال مسلمة : أراه قال : ساجدا - فيقول : ارفع رأسك ، فإنما أنا قيمك ، وكلت بأمرك . فيتبعه ويقفو أثره ، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ، ثم تقول : أنت - حبي ، وأنا حبك ، وأنا الخالدة التي لا أموت ، وأنا الناعمة التي لا أبأس ، وأنا الراضية التي لا أسخط ، وأنا المقيمة التي لا أظعن . فيدخل بيتا ، من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع ، بناؤه على جندل اللؤلؤ ، طرائق : أصفر وأحمر وأخضر ، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها . وفي البيت سبعون سريرا ، على كل سرير سبعون حشية ، على كل حشية سبعون زوجة ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من وراء الحلل ، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه . الأنهار من تحتهم تطرد ، أنهار من ماء غير آسن - قال : صاف لا كدر فيه - وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، لم يخرج من ضروع الماشية ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل ، فيستحلي الثمار ، فإن شاء أكل قائما ، وإن شاء قاعدا ، وإن شاء متكئا ، ثم تلا ( ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ) [ الإنسان : 14 ] ، فيشتهي الطعام ، فيأتيه طير أبيض ، وربما قال : أخضر ، فترفع أجنحتها ، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء ، ثم تطير فتذهب ، فيدخل الملك فيقول : سلام عليكم : ( تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) [ الزخرف : 72 ] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض ، لأضاءت الشمس معها ، سواد في نور " .
هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا ، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ، رضي الله عنه ، بنحوه ، وهو أشبه بالصحة ، والله أعلم .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences