Yunus 10:21
Jonah · Juz 11 · Page 211
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 10:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾
صفحة ٥٣
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةً أُخْرى سِوى القُرْآنِ، وأجابَ الجَوابَ الَّذِي قَرَّرْناهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ ذَكَرَ جَوابًا آخَرَ وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الأقْوامِ المَكْرُ واللَّجاجُ والعِنادُ وعَدَمُ الإنْصافِ، وإذا كانُوا كَذَلِكَ فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُعْطَوْا ما سَألُوهُ مِن إنْزالِ مُعْجِزاتٍ أُخْرى، فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَلْ يَبْقَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ، فَنَفْتَقِرُ هَهُنا إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى بَيانِ أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الأقْوامِ المَكْرُ واللَّجاجُ والعِنادُ، ثُمَّ إلى بَيانِ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ فائِدَةٌ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ القَحْطَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ رَحِمَهم، وأنْزَلَ الأمْطارَ النّافِعَةَ عَلى أراضِيهِمْ، ثُمَّ إنَّهم أضافُوا تِلْكَ المَنافِعَ الجَلِيلَةَ إلى الأصْنامِ وإلى الأنْواءِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو مُقابَلَةٌ لِلنِّعْمَةِ بِالكُفْرانِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ المُرادُ مِنهُ تِلْكَ الأمْطارُ النّافِعَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ القَحْطُ الشَّدِيدُ. وقَوْلُهُ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ المُرادُ مِنهُ إضافَتُهم تِلْكَ المَنافِعَ الجَلِيلَةَ إلى الأنْواءِ والكَواكِبِ أوْ إلى الأصْنامِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] إلّا أنَّهُ تَعالى زادَ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها دَقِيقَةً أُخْرى ما ذَكَرَها في تِلْكَ الآيَةِ، وتِلْكَ الدَّقِيقَةُ هي أنَّهم يَمْكُرُونَ عِنْدَ وِجْدانِ الرَّحْمَةِ ويَطْلُبُونَ الغَوائِلَ، وفي الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما كانَتْ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ مَذْكُورَةً، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الأقْوامِ اللَّجاجُ والعِنادُ والمَكْرُ وطَلَبُ الغَوائِلِ.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في إظْهارِ سائِرِ الآياتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَ لَهم جَمِيعَ ما طَلَبُوهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ فَإنَّهم لا يَقْبَلُونَها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهم مِن هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ التَّشَدُّدَ في طَلَبِ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُمُ الدَّفْعُ والمَنعُ والمُبالَغَةُ في صَوْنِ مَناصِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، والِامْتِناعُ مِنَ المُتابَعَةِ لِلْغَيْرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ وسَلَّطَ البَلاءَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أزالَها عَنْهم وأبْدَلَ تِلْكَ البَلِيّاتِ بِالخَيْراتِ، فَهم مَعَ ذَلِكَ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ والجُحُودِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الآياتِ الَّتِي طَلَبُوها لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذا الكَلامَ جَوابٌ قاطِعٌ عَنِ السُّؤالِ المُتَقَدِّمِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قَدْ حَصَلَ لَهم أسْبابُ الرَّفاهِيَةِ وطِيبِ العَيْشِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ تَمَرَّدَ وتَكَبَّرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦، ٧] وقَرَّرَ تَعالى هَذا المَعْنى بِالمِثالِ المَذْكُورِ، فَإقْدامُهم عَلى طَلَبِ الآياتِ الزّائِدَةِ والِاقْتِراحاتِ الفاسِدَةِ، إنَّما كانَ لِأجْلِ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ والخَيْراتِ المُتَوالِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُزِيلُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ، ويَجْعَلُهم مُنْقادِينَ لِلرَّسُولِ مُطِيعِينَ لَهُ، تارِكِينَ لِهَذِهِ الِاعْتِراضاتِ الفاسِدَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ كَلامٌ ورَدَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، والمُرادُ مِنهُ إيصالُ الرَّحْمَةِ إلَيْهِمْ.
صفحة ٥٤
واعْلَمْ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى لا تُذاقُ بِالفَمِ، وإنَّما تُذاقُ بِالعَقْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”إذا“ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ لِلشَّرْطِ و”إذا“ في قَوْلِهِ ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] والمَعْنى: إذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مَكَرُوا، وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قَنَطُوا. واعْلَمْ أنَّ ”إذا“ في قَوْلِهِ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ تُفِيدُ المُفاجَأةَ، مَعْناهُ أنَّهم في الحالِ أقْدَمُوا عَلى المَكْرِ وسارَعُوا إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: سَمّى تَكْذِيبَهم بِآياتِ اللَّهِ مَكْرًا؛ لِأنَّ المَكْرَ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ الظّاهِرِ بِطَرِيقِ الحِيلَةِ، وهَؤُلاءِ يَحْتالُونَ لِدَفْعِ آياتِ اللَّهِ بِكُلِّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِن إلْقاءِ شُبْهَةٍ أوْ تَخْلِيطٍ في مُناظَرَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الفاسِدَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ مِن هَذا المَكْرِ هو أنَّ هَؤُلاءِ لا يَقُولُونَ: هَذا رِزْقُ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: سُقِينا بِنَوْءِ كَذا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمّا قابَلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِالمَكْرِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قابِلَ مَكْرَهم بِمَكْرٍ أشَدَّ مِن ذَلِكَ، وهو مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: ما أعَدَّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، وفي الدُّنْيا مِنَ الفَضِيحَةِ والخِزْيِ والنَّكالِ. والثّانِي: أنَّ رُسُلَ اللَّهِ يَكْتُبُونَ مَكْرَهم ويَحْفَظُونَهُ، وتُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ما في بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفَضِيحَةِ التّامَّةِ والخِزْيِ والنَّكالِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ.
Page 211
10:21
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
10:22
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
1 translator’s note
- The change in pronoun from the second to third person shows that the following description applies specifically to the disbelievers. ↩
10:23
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.
1 translator’s note
- By oppression and disobedience or by invoking others besides Allāh. ↩
10:24
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤
The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.
1 translator’s note
- Its vegetation having been cut down or uprooted, i.e., utterly destroyed. ↩
10:25
وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥
And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.