Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:20–23
10:20Page 210
وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠
And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن شُبُهاتِ القَوْمِ في إنْكارِهِمْ نُبُوَّتَهُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّ القُرْآنَ الَّذِي جِئْتَنا بِهِ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ الكَلِماتِ، والكِتابُ لا يَكُونُ مُعْجِزًا، ألا تَرى أنَّ كِتابَ مُوسى وعِيسى ما كانَ مُعْجِزَةً لَهُما، بَلْ كانَ لَهُما أنْواعٌ مِنَ المُعْجِزاتِ دَلَّتْ عَلى نُبُوَّتِهِما سِوى الكِتابِ. وأيْضًا فَقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن يَدَّعِي إمْكانَ المُعارَضَةِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ طَلَبُوا مِنهُ شَيْئًا آخَرَ سِوى القُرْآنِ، لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ عِنْدَ هَذا السُّؤالِ: ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ أنْ يُقالَ: أقامَ الدَّلالَةَ القاهِرَةَ عَلى أنَّ ظُهُورَ القُرْآنِ عَلَيْهِ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ ظاهِرَةٌ. لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ نَشَأ فِيما بَيْنَهم وتَرَبّى عِنْدَهم، وهم عَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ كِتابًا، ولَمْ يُتَلْمِذْ لِأُسْتاذٍ. بَلْ كانَ مُدَّةَ أرْبَعِينَ سَنَةً مَعَهم ومُخالِطًا لَهم، وما كانَ مُشْتَغِلًا بِالفِكْرِ والتَّعَلُّمِ قَطُّ، ثُمَّ إنَّهُ دَفْعَةً واحِدَةً ظَهَرَ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ عَلَيْهِ، وظُهُورُ مِثْلِ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ العالِي عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الإنْسانِ الَّذِي لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ شَيْءٌ مِن أسْبابِ التَّعَلُّمِ، لا يَكُونُ إلّا بِالوَحْيِ. فَهَذا بُرْهانٌ قاهِرٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قاهِرٌ ظاهِرٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ طَلَبُ آيَةٍ أُخْرى سِوى القُرْآنِ مِنَ الِاقْتِراحاتِ الَّتِي لا حاجَةَ إلَيْها في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ مُفَوَّضًا إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ شاءَ أظْهَرَها، وإنْ شاءَ لَمْ يُظْهِرْها، فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ الغَيْبِ، فَوَجَبَ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَنْتَظِرَ أنَّهُ هَلْ يَفْعَلُهُ اللَّهُ أمْ لا ؟ ولَكِنْ سَواءٌ فَعَلَ أوْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ ثَبَتَتِ النُّبُوَّةُ، وظَهَرَ صِدْقُهُ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ، ولا يَخْتَلِفُ هَذا المَقْصُودُ بِحُصُولِ تِلْكَ الزِّيادَةِ وبِعَدَمِها، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الوَجْهَ جَوابٌ ظاهِرٌ في تَقْرِيرِ هَذا المَطْلُوبِ.
10:21Page 211
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾
صفحة ٥٣
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةً أُخْرى سِوى القُرْآنِ، وأجابَ الجَوابَ الَّذِي قَرَّرْناهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ ذَكَرَ جَوابًا آخَرَ وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الأقْوامِ المَكْرُ واللَّجاجُ والعِنادُ وعَدَمُ الإنْصافِ، وإذا كانُوا كَذَلِكَ فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُعْطَوْا ما سَألُوهُ مِن إنْزالِ مُعْجِزاتٍ أُخْرى، فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَلْ يَبْقَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ، فَنَفْتَقِرُ هَهُنا إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: إلى بَيانِ أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الأقْوامِ المَكْرُ واللَّجاجُ والعِنادُ، ثُمَّ إلى بَيانِ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ فائِدَةٌ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ القَحْطَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ رَحِمَهم، وأنْزَلَ الأمْطارَ النّافِعَةَ عَلى أراضِيهِمْ، ثُمَّ إنَّهم أضافُوا تِلْكَ المَنافِعَ الجَلِيلَةَ إلى الأصْنامِ وإلى الأنْواءِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو مُقابَلَةٌ لِلنِّعْمَةِ بِالكُفْرانِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ المُرادُ مِنهُ تِلْكَ الأمْطارُ النّافِعَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ القَحْطُ الشَّدِيدُ. وقَوْلُهُ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ المُرادُ مِنهُ إضافَتُهم تِلْكَ المَنافِعَ الجَلِيلَةَ إلى الأنْواءِ والكَواكِبِ أوْ إلى الأصْنامِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] إلّا أنَّهُ تَعالى زادَ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها دَقِيقَةً أُخْرى ما ذَكَرَها في تِلْكَ الآيَةِ، وتِلْكَ الدَّقِيقَةُ هي أنَّهم يَمْكُرُونَ عِنْدَ وِجْدانِ الرَّحْمَةِ ويَطْلُبُونَ الغَوائِلَ، وفي الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما كانَتْ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ مَذْكُورَةً، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الأقْوامِ اللَّجاجُ والعِنادُ والمَكْرُ وطَلَبُ الغَوائِلِ.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في إظْهارِ سائِرِ الآياتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَ لَهم جَمِيعَ ما طَلَبُوهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ فَإنَّهم لا يَقْبَلُونَها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهم مِن هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ التَّشَدُّدَ في طَلَبِ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُمُ الدَّفْعُ والمَنعُ والمُبالَغَةُ في صَوْنِ مَناصِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، والِامْتِناعُ مِنَ المُتابَعَةِ لِلْغَيْرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ وسَلَّطَ البَلاءَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أزالَها عَنْهم وأبْدَلَ تِلْكَ البَلِيّاتِ بِالخَيْراتِ، فَهم مَعَ ذَلِكَ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ والجُحُودِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الآياتِ الَّتِي طَلَبُوها لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذا الكَلامَ جَوابٌ قاطِعٌ عَنِ السُّؤالِ المُتَقَدِّمِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قَدْ حَصَلَ لَهم أسْبابُ الرَّفاهِيَةِ وطِيبِ العَيْشِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ تَمَرَّدَ وتَكَبَّرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦، ٧] وقَرَّرَ تَعالى هَذا المَعْنى بِالمِثالِ المَذْكُورِ، فَإقْدامُهم عَلى طَلَبِ الآياتِ الزّائِدَةِ والِاقْتِراحاتِ الفاسِدَةِ، إنَّما كانَ لِأجْلِ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ والخَيْراتِ المُتَوالِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُزِيلُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ، ويَجْعَلُهم مُنْقادِينَ لِلرَّسُولِ مُطِيعِينَ لَهُ، تارِكِينَ لِهَذِهِ الِاعْتِراضاتِ الفاسِدَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ كَلامٌ ورَدَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، والمُرادُ مِنهُ إيصالُ الرَّحْمَةِ إلَيْهِمْ.
صفحة ٥٤
واعْلَمْ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى لا تُذاقُ بِالفَمِ، وإنَّما تُذاقُ بِالعَقْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”إذا“ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ لِلشَّرْطِ و”إذا“ في قَوْلِهِ ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] والمَعْنى: إذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مَكَرُوا، وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قَنَطُوا. واعْلَمْ أنَّ ”إذا“ في قَوْلِهِ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ تُفِيدُ المُفاجَأةَ، مَعْناهُ أنَّهم في الحالِ أقْدَمُوا عَلى المَكْرِ وسارَعُوا إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: سَمّى تَكْذِيبَهم بِآياتِ اللَّهِ مَكْرًا؛ لِأنَّ المَكْرَ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ الظّاهِرِ بِطَرِيقِ الحِيلَةِ، وهَؤُلاءِ يَحْتالُونَ لِدَفْعِ آياتِ اللَّهِ بِكُلِّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِن إلْقاءِ شُبْهَةٍ أوْ تَخْلِيطٍ في مُناظَرَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الفاسِدَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ مِن هَذا المَكْرِ هو أنَّ هَؤُلاءِ لا يَقُولُونَ: هَذا رِزْقُ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: سُقِينا بِنَوْءِ كَذا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمّا قابَلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِالمَكْرِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قابِلَ مَكْرَهم بِمَكْرٍ أشَدَّ مِن ذَلِكَ، وهو مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: ما أعَدَّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، وفي الدُّنْيا مِنَ الفَضِيحَةِ والخِزْيِ والنَّكالِ. والثّانِي: أنَّ رُسُلَ اللَّهِ يَكْتُبُونَ مَكْرَهم ويَحْفَظُونَهُ، وتُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ما في بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفَضِيحَةِ التّامَّةِ والخِزْيِ والنَّكالِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ.
10:22–23Page 211
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ كانَ هَذا الكَلامُ كَلامًا كُلِّيًّا لا يَنْكَشِفُ مَعْناهُ تَمامَ الِانْكِشافِ إلّا بِذِكْرِ مِثالٍ كامِلٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِنَقْلِ الإنْسانِ مِنَ الضُّرِّ الشَّدِيدِ إلى الرَّحْمَةِ مِثالًا، ولِمَكْرِ الإنْسانِ مِثالًا، حَتّى تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ كالمُفَسِّرَةِ لِلْآيَةِ
صفحة ٥٥
الَّتِي قَبْلَها، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى الكُلِّيَّ لا يَصِلُ إلى أفْهامِ السّامِعِينَ إلّا بِذِكْرِ مِثالٍ جَلِيٍّ واضِحٍ يَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ المَعْنى الكُلِّيِّ.
واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إذا رَكِبَ السَّفِينَةَ ووَجَدَ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ المُوافِقَةَ لِلْمَقْصُودِ حَصَلَ لَهُ الفَرَحُ التّامُّ والمَسَرَّةُ القَوِيَّةُ، ثُمَّ قَدْ تَظْهَرُ عَلاماتُ الهَلاكِ دُفْعَةً واحِدَةً. فَأوَّلُها: أنْ تَجِيئَهُمُ الرِّياحُ العاصِفَةُ الشَّدِيدَةُ. وثانِيها: أنْ تَأْتِيَهُمُ الأمْواجُ العَظِيمَةُ مِن كُلِّ جانِبٍ. وثالِثُها: أنْ يَغْلِبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّ الهَلاكَ واقِعٌ، وأنَّ النَّجاةَ لَيْسَتْ مُتَوَقَّعَةً، ولا شَكَّ أنَّ الِانْتِقالَ مِن تِلْكَ الأحْوالِ الطَّيِّبَةِ المُوافِقَةِ إلى هَذِهِ الأحْوالِ القاهِرَةِ الشَّدِيدَةِ يُوجِبُ الخَوْفَ العَظِيمَ والرُّعْبَ الشَّدِيدَ، وأيْضًا مُشاهَدَةُ هَذِهِ الأحْوالِ والأهْوالِ في البَحْرِ مُخْتَصَّةٌ بِإيجابِ مَزِيدِ الرُّعْبِ والخَوْفِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الحالَةِ لا يَطْمَعُ إلّا في فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، ويَصِيرُ مُنْقَطِعَ الطَّمَعِ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ، ويَصِيرُ بِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وجَمِيعِ أجْزائِهِ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إذا نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ، ونَقَلَهُ مِن هَذِهِ المَضَرَّةِ القَوِيَّةِ إلى الخَلاصِ والنَّجاةِ، فَفي الحالِ يَنْسى تِلْكَ النِّعْمَةَ ويَرْجِعُ إلى ما ألِفَهُ واعْتادَهُ مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَقْرِيرُ ذَلِكَ المَعْنى الكُلِّيِّ المَذْكُورِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِمِثالٍ أحْسَنَ وأكْمَلَ مِنَ المِثالِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْكى أنَّ واحِدًا قالَ لِجَعْفَرٍ الصّادِقِ: اذْكُرْ لِي دَلِيلًا عَلى إثْباتِ الصّانِعِ، فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ حِرْفَتِكَ، فَقالَ: أنا رَجُلٌ أتَّجِرُ في البَحْرِ، فَقالَ: صِفْ لِي كَيْفِيَّةَ حالِكَ. فَقالَ: رَكِبْتُ البَحْرَ فانْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ وبَقِيتُ عَلى لَوْحٍ واحِدٍ مِن ألْواحِها، وجاءَتِ الرِّياحُ العاصِفَةُ، فَقالَ جَعْفَرٌ: هَلْ وجَدْتَ في قَلْبِكَ تَضَرُّعًا ودُعاءً ؟ فَقالَ: نَعَمْ. فَقالَ جَعْفَرٌ: فَإلَهُكَ هو الَّذِي تَضَرَّعْتَ إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”يَنْشُرُكم“ مِنَ النَّشْرِ الَّذِي هو خِلافُ الطَّيِّ، كَأنَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] والباقُونَ قَرَءُوا ”يُسَيِّرُكم“ مِنَ التَّسْيِيرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى. قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَيْرَ العِبادِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١١] عَلى أنَّ سَيْرَهم مِنهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سَيْرَهم مِنهم ومِنَ اللَّهِ، فَيَكُونُ كَسْبِيًّا لَهم وخَلْقًا لِلَّهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] ثُمَّ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] قالَ الجُبّائِيُّ: أمّا كَوْنُهُ تَعالى مُسَيِّرًا لَهم في البَحْرِ عَلى الحَقِيقَةِ فالأمْرُ كَذَلِكَ. وأمّا سَيْرُهم في البَرِّ فَإنَّما أُضِيفَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى التَّوَسُّعِ. فَما كانَ مِنهُ طاعَةً فَبِأمْرِهِ وتَسْهِيلِهِ، وما كانَ مِنهُ مَعْصِيَةً فَلِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أقْدَرَهُ عَلَيْهِ. وزادَ القاضِي فِيهِ: يَجُوزُ أنْ يُضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى مِن حَيْثُ أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ لَهُمُ المَرْكِبَ في البَرِّ، وسَخَّرَ لَهُمُ الأرْضَ الَّتِي يَتَصَرَّفُونَ عَلَيْها بِإمْساكِهِ لَها؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ السَّيْرُ. وقالَ القَفّالُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: هو اللَّهُ الهادِي لَكم إلى السَّيْرِ في البَرِّ والبَحْرِ طَلَبًا لِلْمَعاشِ لَكم، وهو المُسَيِّرُ لَكم، لِأجْلِ أنَّهُ هَيَّأ لَكم أسْبابَ ذَلِكَ السَّيْرِ. هَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في الجَوابِ عَنْهُ. ونَحْنُ نَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ المُسَيِّرَ في البَحْرِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُحْدِثُ لِتِلْكَ الحَرَكاتِ في أجْزاءِ السَّفِينَةِ، ولا شَكَّ
صفحة ٥٦
أنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ هو الحَقِيقَةُ. فَنَقُولُ: وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُسَيِّرًا لَهم في البَرِّ بِهَذا التَّفْسِيرِ، إذْ لَوْ كانَ مُسَيِّرًا لَهم في البَرِّ بِمَعْنى إعْطاءِ الآلاتِ والأدَواتِ لَكانَ مَجازًا بِهَذا الوَجْهِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ اللَّفْظِ الواحِدِ حَقِيقَةً ومَجازًا دُفْعَةً واحِدَةً، وذَلِكَ باطِلٌ.
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الجُبّائِيِّ أنَّهُ لا امْتِناعَ في كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً ومَجازًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْنى الواحِدِ. وأمّا أبُو هاشِمٍ فَإنَّهُ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، إلّا أنَّهُ يَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ بِهِ مَرَّتَيْنِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ الجُبّائِيِّ قَدْ أبْطَلْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ، وقَوْلَ أبِي هاشِمٍ أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ بِهِ مَرَّتَيْنِ أيْضًا بَعِيدٌ. لِأنَّ هَذا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ مِمَّنْ كانُوا قَبْلَهُ، فَكانَ هَذا عَلى خِلافِ الإجْماعِ فَيَكُونُ باطِلًا.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ بَقِيَ في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جَعَلَ الكَوْنَ في الفُلْكِ غايَةً لِلتَّسْيِيرِ في البَحْرِ، مَعَ أنَّ الكَوْنَ في الفُلْكِ مُتَقَدِّمٌ لا مَحالَةَ عَلى التَّسْيِيرِ في البَحْرِ ؟
والجَوابُ: لَمْ يَجْعَلِ الكَوْنَ في الفُلْكِ غايَةً لِلتَّسْيِيرِ، بَلْ تَقْدِيرُ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: هو الَّذِي يُسَيِّرُكم حَتّى إذا وقَعَ في جُمْلَةِ تِلْكَ التَّسْيِيراتِ الحُصُولُ في الفُلْكِ كانَ كَذا وكَذا.
السُّؤالُ الثّانِي: ما جَوابُ ﴿إذا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ ؟ .
الجَوابُ: هو أنَّ جَوابَها هو قَوْلُهُ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“:
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ فَهو بَدَلٌ مِن (ظَنُّوا) لِأنَّ دُعاءَهم مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمُ الهَلاكَ. وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: لَوْ حُمِلَ قَوْلُهُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ عَلى الِاسْتِئْنافِ كانَ أوْضَحَ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ قالَ قائِلٌ: فَما صَنَعُوا ؟ فَقِيلَ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في صَرْفِ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ ؟
الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَقْصُودُ هو المُبالَغَةُ كَأنَّهُ تَعالى يَذْكُرُ حالَهم لِغَيْرِهِمْ لِتَعْجِيبِهِمْ مِنها، ويَسْتَدْعِي مِنهم مَزِيدَ الإنْكارِ والتَّقْبِيحِ.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ مُخاطَبَتَهُ تَعالى لِعِبادِهِ، هي عَلى لِسانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَهي بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ عَنِ الغائِبِ. وكُلُّ مَن أقامَ الغائِبَ مَقامَ المُخاطَبِ حَسُنَ مِنهُ أنْ يَرُدَّهُ مَرَّةً أُخْرى إلى الغائِبِ.
الثّالِثِ: وهو الَّذِي خَطَرَ بِالبالِ في الحالِ، أنَّ الِانْتِقالَ في الكَلامِ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ الحُضُورِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ التَّقَرُّبِ والإكْرامِ. وأمّا ضِدُّهُ وهو الِانْتِقالُ مِن لَفْظِ الحُضُورِ إلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، يَدُلُّ عَلى المَقْتِ والتَّبْعِيدِ.
أمّا الأوَّلُ: فَكَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢، ٣] كُلُّهُ مَقامُ الغَيْبَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنها إلى قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ كَأنَّهُ انْتَقَلَ مِن مَقامِ الغَيْبَةِ إلى مَقامِ الحُضُورِ، وهو يُوجِبُ عُلُوَّ الدَّرَجَةِ، وكَمالَ القُرْبِ مِن خِدْمَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
وأمّا الثّانِي: فَكَما في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ خِطابُ الحُضُورِ، وقَوْلَهُ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ مَقامُ الغَيْبَةِ، فَهاهُنا انْتَقَلَ مِن مَقامِ الحُضُورِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْتِ والتَّبْعِيدِ
صفحة ٥٧
والطَّرْدِ، وهو اللّائِقُ بِحالِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن كانَ صِفَتُهُ أنَّهُ يُقابِلُ إحْسانَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بِالكُفْرانِ، كانَ اللّائِقُ بِهِ ما ذَكَرْناهُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَمِ القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ والقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الجَزاءِ ؟
الجَوابُ: أمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ فَثَلاثَةٌ، أوَّلُها الكَوْنُ في الفُلْكِ، وثانِيها جَرْيُ الفُلْكِ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ، وثالِثُها فَرَحُهم بِها. وأمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الجَزاءِ فَثَلاثَةٌ أيْضًا، أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿جاءَتْها﴾ عائِدٌ إلى الفُلْكِ وهو ضَمِيرُ الواحِدِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ عائِدٌ إلى الفُلْكِ وهو الضَّمِيرُ الجَمْعُ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟
الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿جاءَتْها﴾ عائِدٌ إلى الفُلْكِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ الثّانِي: لَوْ سَلَّمْنا ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ لَفْظَ ”الفُلْكِ“ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، فَحَسُنَ الضَّمِيرانِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما العاصِفُ ؟
الجَوابُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يُقالُ: رِيحٌ عاصِفٌ وعاصِفَةٌ، وقَدْ عَصَفَتْ عُصُوفًا وأعْصَفَتْ، فَهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفَةٌ. قالَ الفَرّاءُ: والألِفُ لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ومَعْنى عَصَفَتِ الرِّيحُ: اشْتَدَّتْ، وأصْلُ العَصْفِ السُّرْعَةُ، يُقالُ: ناقَةٌ عاصِفٌ وعَصُوفٌ: سَرِيعَةٌ، وإنَّما قِيلَ: ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ لِأنَّهُ يُرادُ: ذاتُ عُصُوفٍ، كَما قِيلَ: لابِنٌ وتامِرٌ، أوْ لِأجْلِ أنَّ لَفْظَ الرِّيحِ مُذَكَّرٌ.
أمّا القَيْدُ الثّانِي: فَهو قَوْلُهُ: ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ فَوْقَ البَحْرِ.
أمّا القَيْدُ الثّالِثُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ والمُرادُ أنَّهم ظَنُّوا القُرْبَ مِنَ الهَلاكِ، وأصْلُهُ أنَّ العَدُوَّ إذا أحاطَ بِقَوْمٍ أوْ بَلَدٍ، فَقَدْ دَنَوْا مِنَ الهَلاكِ.
السُّؤالُ الخامِسُ: ما المُرادُ مِنَ الإخْلاصِ في قَوْلِهِ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ .
والجَوابُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ تَرَكُوا الشِّرْكَ، ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ مِن آلِهَتِهِمْ شَيْئًا، وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ. قالَ الحَسَنُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ الإخْلاصُ: الإيمانُ، لَكِنْ لِأجْلِ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُنَجِّيهِمْ مِن ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ جارِيًا مَجْرى الإيمانِ الِاضْطِرارِيِّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ ما يَدْعُونَ، فَإذا جاءَ الضُّرُّ والبَلاءُ لَمْ يَدْعُوا إلّا اللَّهَ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ قَوْلُهم: أهْيا شَراهْيا، تَفْسِيرُهُ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ.
السُّؤالُ السّادِسُ: ما الشَّيْءُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ”هَذِهِ“ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ .
والجَوابُ: المُرادُ: لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ الرِّيحِ العاصِفَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ الأمْواجِ، أوْ مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ، وهَذِهِ الألْفاظُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُها إلّا أنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلَيْها.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ يُحْتاجُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى إضْمارٍ ؟
الجَوابُ: نَعَمْ، والتَّقْدِيرُ: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ مُرِيدِينَ أنْ يَقُولُوا: لَئِنْ أنْجَيْتَنا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ:
صفحة ٥٨
لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ يَصِيرُ مُفَسَّرًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ فَهم في الحَقِيقَةِ ما قالُوا إلّا هَذا القَوْلَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذا التَّضَرُّعَ الكامِلَ بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ الخَلاصِ مِن تِلْكَ البَلِيَّةِ والمِحْنَةِ أقْدَمُوا في الحالِ عَلى البَغْيِ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِهِ الفَسادَ والتَّكْذِيبَ والجَراءَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى البَغْيِ قَصْدُ الِاسْتِعْلاءِ بِالظُّلْمِ. قالَ الزَّجّاجُ: البَغْيُ: التَّرَقِّي في الفَسادِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: بَغى الجُرْحُ يَبْغِي بَغْيًا: إذا تَرَقّى إلى الفَسادِ، وبَغَتِ المَرْأةُ: إذا فَجَرَتْ، قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ هَذا اللَّفْظِ مِنَ الطَّلَبِ.
* * *
فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ والبَغْيُ لا يَكُونُ بِحَقٍّ ؟
قُلْنا: البَغْيُ قَدْ يَكُونُ بِالحَقِّ، وهو اسْتِيلاءُ المُسْلِمِينَ عَلى أرْضِ الكَفَرَةِ وهَدْمُ دُورِهِمْ وإحْراقُ زُرُوعِهِمْ وقَطْعُ أشْجارِهِمْ، كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَنِي قُرَيْظَةَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا البَغْيَ أمْرٌ باطِلٌ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ مِنهُ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الأكْثَرُونَ: (مَتاعُ) بِرَفْعِ العَيْنِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿مَتاعَ﴾ بِنَصْبِ العَيْنِ، أمّا الرَّفْعُ فَفِيهِ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ: (مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا) خَبَرًا. والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ بَغْيُ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ومَعْنى الكَلامِ أنَّ بَغْيَ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ مَنفَعَةُ الحَياةِ الدُّنْيا ولا بَقاءَ لَها. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَغْيُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ: (مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا. وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَوَجْهُها أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَغْيُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلَهُ: ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، والتَّقْدِيرُ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: البَغْيُ مِن مُنْكَراتِ المَعاصِي. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أسْرَعُ الخَيْرِ ثَوابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، وأعْجَلُ الشَّرِّ عِقابًا البَغْيُ واليَمِينُ الفاجِرَةُ» “ ورُوِيَ: ”«ثِنْتانِ يُعَجِّلُهُما اللَّهُ في الدُّنْيا: البَغْيُ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ» “ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لانْدَكَّ الباغِي. وكانَ المَأْمُونُ يَتَمَثَّلُ بِهَذَيْنِ البَيْتَيْنِ في أخِيهِ:
يا صاحِبَ البَغْيِ إنَّ البَغْيَ مَصْرَعَةٌ فارْبِعْ فَخَيْرُ فِعالِ المَرْءِ أعْدَلُهُ
فَلَوْ بَغى جَبَلٌ يَوْمًا عَلى جَبَلٍ ∗∗∗ لانْدَكَّ مِنهُ أعالِيهِ وأسْفَلُهُ
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ثَلاثٌ مَن كُنْ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: البَغْيُ والنَّكْثُ والمَكْرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حاصِلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: لا يَتَهَيَّأُ لَكم بَغْيُ بَعْضِكِمْ عَلى بَعْضٍ إلّا أيّامًا قَلِيلَةً، وهي مُدَّةُ حَياتِكم مَعَ قِصَرِها وسُرْعَةِ انْقِضائِها ﴿ثُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ ما وعَدْنا مِنَ المُجازاةِ عَلى أعْمالِكم ﴿مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، والإنْباءُ هو الإخْبارُ، وهو في هَذا المَوْضِعِ وعِيدٌ بِالعَذابِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences