Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
المجادلة
Al-Mujadila
The Pleading Woman · Medinan · 22 ayahs
58:1Page 542
قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١
Certainly has Allāh heard the speech of the one who argues [i.e., pleads] with you, [O Muḥammad], concerning her husband and directs her complaint to Allāh. And Allāh hears your dialogue; indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
صفحة ٢١٧
(سُورَةُ المُجادِلَةِ)
وهِيَ عِشْرُونَ وآيَتانِ، مَدَنِيَّةٌ
﷽
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
﷽
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
«رُوِيَ أنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ امْرَأةَ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَآها زَوْجُها وهي تُصَلِّي، وكانَتْ حَسَنَةَ الجِسْمِ، وكانَ بِالرَّجُلِ لَمَمٌ، فَلَمّا سَلَّمَتْ راوَدَها، فَأبَتْ، فَغَضِبَ، وكانَ بِهِ خِفَّةٌ فَظاهَرَ مِنها، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ -وقالَتْ: إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمّا خَلا سِنِّي وكَثُرَ ولَدِي جَعَلَنِي كَأُمِّهِ، وإنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا. ثُمَّ هَهُنا رِوايَتانِ: يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: ”ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ“ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا، وإنَّما هو أبُو ولَدِي وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، فَقالَ: ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي ووَجْدِي، وكُلَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ هَتَفَتْ وشَكَتْ إلى اللَّهِ، فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ تَرَبَّدَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْسَلَ إلى زَوْجِها وقالَ: ”ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ فَقالَ: الشَّيْطانُ، فَهَلْ مِن رُخْصَةٍ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، وقَرَأ عَلَيْهِ الأرْبَعَ آياتٍ، وقالَ لَهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ العِتْقَ ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ، فَقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ، لَوْلا أنِّي آكُلُ في اليَوْمِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لَكَلَّ بَصَرِي، ولَظَنَنْتُ أنِّي أمُوتُ، فَقالَ لَهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا أنْ تُعِينَنِي مِنكَ بِصَدَقَةٍ، فَأعانَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، وأخْرَجَ أوْسٌ مِن عِنْدِهِ مِثْلَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا“» واعْلَمْ أنَّ في هَذا الخَبَرِ مَباحِثَ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ في هَذا الخَبَرِ: ”وكانَ بِهِ لَمَمٌ“ الخَبَلَ والجُنُونَ؛ إذْ لَوْ كانَ بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ ظاهَرَ في تِلْكَ الحالَةِ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، بَلْ مَعْنى اللَّمَمِ هُنا: الإلْمامُ بِالنِّساءِ، وشِدَّةُ
صفحة ٢١٨
الحِرْصِ، والتَّوَقانُ إلَيْهِنَّ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ الظِّهارَ كانَ مِن أشَدِّ طَلاقِ الجاهِلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ في التَّحْرِيمِ أوْكَدُ ما يُمْكِنُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ صارَ مُقَرَّرًا بِالشَّرْعِ كانَتِ الآيَةُ ناسِخَةً لَهُ، وإلّا لَمْ يُعَدَّ نَسْخًا؛ لِأنَّ النَّسْخَ إنَّما يَدْخُلُ في الشَّرائِعِ لا في عادَةِ الجاهِلِيَّةِ، لَكِنَّ الَّذِي رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لَها: ”حَرُمْتِ“ أوْ قالَ: ”ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ“ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كانَ شَرْعًا. وأمّا ما رُوِيَ أنَّهُ تَوَقَّفَ في الحُكْمِ فَلا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَنِ انْقَطَعَ رَجاؤُهُ عَنِ الخَلْقِ ولَمْ يَبْقَ لَهُ في مُهِمِّهِ أحَدٌ سِوى الخالِقِ، كَفاهُ اللَّهُ ذَلِكَ المُهِمَّ.
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ﴾ مَعْناهُ التَّوَقُّعُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ والمُجادِلَةَ كانا يَتَوَقَّعانِ أنْ يَسْمَعَ اللَّهُ مُجادَلَتَها وشَكْواها، ويُنَزِّلَ في ذَلِكَ ما يُفَرِّجُ عَنْها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ حَمْزَةُ يُدْغِمُ الدّالَ في السِّينِ مِن: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ وكَذَلِكَ في نَظائِرِهِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ هَذِهِ المَرْأةِ أمْرَيْنِ:
أوَّلُهُما: المُجادَلَةُ، وهي قَوْلُهُ: ﴿تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ أيْ تُجادِلُكَ في شَأْنِ زَوْجِها، وتِلْكَ المُجادَلَةُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّما قالَ لَها: ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ قالَتْ: واللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا.
وثانِيهِما: شَكْواها إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُها: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي ووَجْدِي، وقَوْلُها: إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ في الكَلامِ، مِن حارَ الشَّيْءُ يَحُورُ حَوْرًا، أيْ رَجَعَ يَرْجِعُ رُجُوعًا، ومِنها: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، ومِنهُ: فَما أحارَ بِكَلِمَةٍ، أيْ فَما أجابَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ كَلامَ مَن يُنادِيهِ، ويُبْصِرُ مَن يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ.
58:2Page 542
ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢
Those who pronounce ẓihār1 among you [to separate] from their wives - they are not [consequently] their mothers. Their mothers are none but those who gave birth to them. And indeed, they are saying an objectionable statement and a falsehood. But indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللُّغَوِيَّةِ والفِقْهِيَّةِ، فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ بَحْثانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الظِّهارَ ما هو ؟
الثّانِي: أنَّ المُظاهِرَ مَن هو ؟
وقَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ فِيهِ بَحْثٌ: وهو أنَّ المُظاهَرَ مِنها مَن هي ؟
أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: وهو أنَّ الظِّهارَ ما هو ؟ فَفِيهِ مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: في البَحْثِ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ.
والثّانِي: وهو صاحِبُ النَّظْمِ، أنَّهُ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنَ الظَّهْرِ الَّذِي هو عُضْوٌ مِنَ الجَسَدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ الظَّهْرُ أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ مِن سائِرِ الأعْضاءِ الَّتِي هي مَواضِعُ المُباضَعَةِ والتَّلَذُّذِ، بَلِ الظَّهْرُ هَهُنا مَأْخُوذٌ مِنَ العُلُوِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أيْ يَعْلُوهُ، وكُلُّ مَن عَلا شَيْئًا فَقَدْ
صفحة ٢١٩
ظَهَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَ المَرْكُوبُ ظَهْرًا؛ لِأنَّ راكِبَهُ يَعْلُوهُ، وكَذَلِكَ امْرَأةُ الرَّجُلِ ظَهْرُهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلُوها بِمِلْكِ البُضْعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن ناحِيَةِ الظَّهْرِ، فَكَأنَّ امْرَأةَ الرَّجُلِ مَرْكَبٌ لِلرَّجُلِ وظَهْرٌ لَهُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى أنَّ العَرَبَ تَقُولُ في الطَّلاقِ: نَزَلْتُ عَنِ امْرَأتِي، أيْ طَلَّقْتُها، وفي قَوْلِهِمْ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَذْفٌ وإضْمارٌ، لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: ظَهْرُكِ عَلَيَّ، أيْ مِلْكِي إيّاكِ، وعُلُوِّي عَلَيْكِ حَرامٌ، كَما أنَّ عُلُوِّي عَلى أُمِّي ومِلْكَها حَرامٌ عَلَيَّ.
المَقامُ الثّانِي: في الألْفاظِ المُسْتَعْمَلَةِ بِهَذا المَعْنى في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ. الأصْلُ في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الظَّهْرِ ولَفْظُ الأُمِّ مَذْكُورَيْنِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأُمِّ مَذْكُورًا دُونَ لَفْظِ الظَّهْرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الظَّهْرِ مَذْكُورًا دُونَ لَفْظِ الأُمِّ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ واحِدٌ مِنهُما مَذْكُورًا، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ.
القِسْمُ الأوَّلُ: إذا كانا مَذْكُورَيْنِ وهو مُعْتَبَرٌ بِالِاتِّفاقِ، ثُمَّ لا مُناقَشَةَ في الصِّلاتِ إذا انْتَظَمَ الكَلامُ، فَلَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أوْ أنْتِ مِنِّي كَظَهْرِ أُمِّي، فَهَذِهِ الصِّلاتُ كُلُّها جائِزَةٌ، ولَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ صِلَةً وقالَ: أنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي، فَقِيلَ: إنَّهُ صَرِيحٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها كَظَهْرِ أُمِّهِ في حَقِّ غَيْرِهِ، ولَكِنَّ هَذا الِاحْتِمالَ كَما لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثُمَّ قالَ: أرَدْتُ بِذَلِكَ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِها طالِقًا مِن جِهَةِ فُلانٍ.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الأُمُّ مَذْكُورَةً، ولا يَكُونَ الظَّهْرُ مَذْكُورًا، وتَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ فِيهِ أنَّ الأعْضاءَ قِسْمانِ، مِنها ما يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها غَيْرَ مُشْعِرٍ بِالإكْرامِ، ومِنها ما يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها مُشْعِرًا بِالإكْرامِ، أمّا الأوَّلُ: فَهو كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَرِجْلِ أُمِّي، أوْ كَيَدِ أُمِّي، أوْ كَبَطْنِ أُمِّي، ولِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: الجَدِيدُ: أنَّ الظِّهارَ يَثْبُتُ، والقَدِيمُ: أنَّهُ لا يَثْبُتُ، أمّا الأعْضاءُ الَّتِي يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها سَبَبًا لِلْإكْرامِ، فَهو كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَعَيْنِ أُمِّي، أوْ رُوحِ أُمِّي، فَإنْ أرادَ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ أرادَ الكَرامَةَ فَلَيْسَ بِظِهارٍ، فَإنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، وإنْ أطْلَقَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. هَذا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وأمّا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في ”أحْكامِ القُرْآنِ“: إذا شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِعُضْوٍ مِنَ الأُمِّ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا، وهو قَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّي أوْ كَرَأْسِها، أمّا إذا شَبَّهَها بِعُضْوٍ مِنَ الأُمِّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ كانَ ظِهارًا، كَما إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أوْ فَخِذِها، والأقْرَبُ عِنْدِي هو القَوْلُ القَدِيمُ لِلشّافِعِيِّ، وهو أنَّهُ لا يَصِحُّ الظِّهارُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ حِلَّ الزَّوْجَةِ كانَ ثابِتًا، وبَراءَةَ الذِّمَّةِ عَنْ وُجُوبِ الكَفّارَةِ كانَتْ ثابِتَةً، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ عَلى ما كانَ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ فِيما إذا قالَ: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“ لِمَعْنًى مَفْقُودٍ في سائِرِ الصُّوَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ المَعْهُودَ في الجاهِلِيَّةِ هو قَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ ظِهارًا، فَكانَ هَذا اللَّفْظُ بِسَبَبِ العُرْفِ مُشْعِرًا بِالتَّحْرِيمِ، ولَمْ يُوجَدْ هَذا المَعْنى في سائِرِ الألْفاظِ، فَوَجَبَ البَقاءُ عَلى حُكْمِ الأصْلِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: ما إذا كانَ الظَّهْرُ مَذْكُورًا ولَمْ تَكُنِ الأُمُّ مَذْكُورَةً، فَهَذا يَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ مَراتِبَ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَجْرِيَ التَّشْبِيهُ بِالمُحَرَّماتِ مِنَ النَّسَبِ والرِّضاعِ، وفِيهِ قَوْلانِ: القَدِيمُ أنَّهُ لا يَكُونُ ظِهارًا، والقَوْلُ الجَدِيدُ أنَّهُ يَكُونُ ظِهارًا وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: تَشْبِيهُها بِالمَرْأةِ المُحَرَّمَةِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا مِثْلُ أنْ يَقُولَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ فُلانَةَ، وكانَ طَلَّقَها. والمُخْتارُ عِنْدِي أنَّ شَيْئًا مِن هَذا لا يَكُونُ ظِهارًا، ودَلِيلُهُ ما ذَكَرْناهُ في المَسْألَةِ السّالِفَةِ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ الظِّهارِ بِكُلِّ مُحَرَّمٍ، فَمَن قَصَرَهُ عَلى الأُمِّ فَقَدْ خَصَّ. (والجَوابُ) أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾
صفحة ٢٢٠
﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الظِّهارُ بِذِكْرِ الأُمِّ؛ ولِأنَّ حُرْمَةَ الأُمِّ أشَدُّ مِن حُرْمَةِ سائِرِ المَحارِمِ، فَنَقُولُ: المُقْتَضِي لِبَقاءِ الحِلِّ قائِمٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ، وهَذا الفارِقُ مَوْجُودٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ القِياسُ.
القِسْمُ الرّابِعُ: ما إذا لَمْ يَذْكُرْ لا الظَّهْرَ ولا الأُمَّ، كَما لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُخْتِي، وعَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ ظِهارًا.
البَحْثُ الثّانِي: في المُظاهِرِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
* * *
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الضّابِطُ أنَّ كُلَّ مَن صَحَّ طَلاقُهُ صَحَّ ظِهارُهُ، فَعَلى هَذا ظِهارُ الذِّمِّيِّ عِنْدَهُ صَحِيحٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ لا يَصِحُّ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ وأمّا القِياسُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَأْثِيرَ الظِّهارِ في التَّحْرِيمِ، والذِّمِّيُّ أهْلٌ لِذَلِكَ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ طَلاقِهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَصِحَّ هَذا التَّصَرُّفُ مِنهُ قِياسًا عَلى سائِرِ التَّصَرُّفاتِ.
الثّانِي: أنَّ الكَفّارَةَ إنَّما وجَبَتْ عَلى المُسْلِمِ زَجْرًا لَهُ عَنْ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في حَقِّ الذِّمِّيِّ فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ، واحْتَجُّوا لِقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ وذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الظِّهارَ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
الثّانِي: أنَّ مِن لَوازِمِ الظِّهارِ الصَّحِيحِ وُجُوبَ الصَّوْمِ عَلى العائِدِ العاجِزِ عَنِ الإعْتاقِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] وإيجابُ الصَّوْمِ عَلى الذِّمِّيِّ مُمْتَنِعٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ لَوَجَبَ، إمّا مَعَ الكُفْرِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ بَعْدَ الإيمانِ وهو باطِلٌ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ» “ .
(والجَوابُ) عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَيَتَناوَلُ جَمِيعَ الحاضِرِينَ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ تَخْصِيصَهُ بِالمُؤْمِنِينَ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ غَيْرِهِمْ بِخِلافِ ذَلِكَ، لا سِيَّما ومِن مَذْهَبِ هَذا القائِلِ أنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ ما عَداهُ بِخِلافِهِ، سَلَّمْنا بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لَكِنَّ دَلالَةَ المَفْهُومِ أضْعَفُ مِن دَلالَةِ المَنطُوقِ، فَكانَ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ أوْلى، سَلَّمْنا الِاسْتِواءَ في القُوَّةِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ العامَّ إذا ورَدَ بَعْدَ الخاصِّ كانَ ناسِخًا لِلْخاصِّ، والَّذِي تَمَسَّكْنا بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ (المُجادِلَةِ: ٣) مُتَأخِّرٌ في الذِّكْرِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكُمْ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ حُكْمِ الظِّهارِ، وقَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ فِيهِ بَيانُ حُكْمِ الظِّهارِ، وكَوْنُ المُبَيَّنِ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ عَنِ المُجْمَلِ أوْلى.
(والجَوابُ) عَنِ الثّانِي مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ لَوازِمَهُ أيْضًا أنَّهُ مَتى عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ اكْتُفِيَ مِنهُ بِالإطْعامِ، فَهَهُنا إنْ تَحَقَّقَ العَجْزُ وجَبَ أنْ يُكْتَفى مِنهُ بِالإطْعامِ، وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ.
والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ يَدُلُّ عَنِ الإعْتاقِ، والبَدَلَ أضْعَفُ مِنَ المُبْدَلِ، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ عاجِزٌ عَنِ الإعْتاقِ مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ ظِهارُهُ، فَإذا كانَ فَواتُ أقْوى اللّازِمَيْنِ لا يُوجِبُ المَنعَ مَعَ صِحَّةِ الظِّهارِ، فَفَواتُ أضْعَفِ اللّازِمَيْنِ كَيْفَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ الظِّهارِ ؟
الثّالِثُ: قالَ القاضِي حُسَيْنٌ مِن أصْحابِنا: إنَّهُ يُقالُ: إنْ أرَدْتَ الخَلاصَ مِنَ التَّحْرِيمِ، فَأسْلِمْ وصُمْ، أمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ» “ قُلْنا: إنَّهُ عامٌّ، والتَّكْلِيفُ بِالتَّكْفِيرِ خاصٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، وأيْضًا فَنَحْنُ لا نُكَلِّفُهُ بِالصَّوْمِ بَلْ نَقُولُ: إذا أرَدْتَ إزالَةَ التَّحْرِيمِ فَصُمْ، وإلّا فَلا تَصُمْ.
صفحة ٢٢١
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لا يَصِحُّ ظِهارُ المَرْأةِ مِن زَوْجِها، وهو أنْ تَقُولَ المَرْأةُ لِزَوْجِها: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وقالَ الأوْزاعِيُّ: هو يَمِينٌ تُكَفِّرُها، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وهو الأصْلُ فَكَيْفَ يَلْزَمُ المَرْأةَ ذَلِكَ ؟ ولِأنَّ الظِّهارَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا بِالقَوْلِ، والمَرْأةُ لا تَمْلِكُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أنَّها لا تَمْلِكُ الطَّلاقَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ إذا قالَ: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي اليَوْمَ“ بَطَلَ الظِّهارُ بِمُضِيِّ اليَوْمِ، وقالَ مالِكٌ وابْنُ أبِي لَيْلى، هو مُظاهِرٌ أبَدًا لَنا أنَّ التَّحْرِيمَ الحاصِلَ بِالظِّهارِ قابِلٌ لِلتَّوْقِيتِ وإلّا لَما انْحَلَّ بِالتَّكْفِيرِ، وإذا كانَ قابِلًا لِلتَّوْقِيتِ، فَإذا وقَّتَهُ وجَبَ أنْ يَتَقَدَّرَ بِحَسَبِ ذَلِكَ التَّوْقِيتِ قِياسًا عَلى اليَمِينِ. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ مِنَ المَسائِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أحْكامُ المُظاهَرِ مِنهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الظِّهارُ عَنِ الأمَةِ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ، وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ: يَصِحُّ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ الحِلَّ كانَ ثابِتًا، والتَّكْفِيرَ لَمْ يَكُنْ واجِبًا، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ، والآيَةُ لا تَتَناوَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ يَتَناوَلُ الحَرائِرَ دُونَ الإماءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والمَفْهُومُ مِنهُ الحَرائِرُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما صَحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ فَكانَ ذَلِكَ عَلى الزَّوْجاتِ دُونَ مِلْكِ اليَمِينِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ القِراءاتِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: ”الَّذِينَ يُظَهِّرُونَ“ بِغَيْرِ الألِفِ، وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿يُظاهِرُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ والألِفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَظّاهَرُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ وبِالألِفِ مُشَدَّدَةَ الظّاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، ظَهَّرَ مِثْلُ ضاعَفَ وضَعَّفَ، وتَدْخُلُ التّاءُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَيَصِيرُ تَظاهَرَ وتَظَهَّرَ، ويَدْخُلُ حَرْفُ المُضارَعَةِ فَيَصِيرُ يَتَظاهَرُ ويَتَظَهَّرُ، ثُمَّ تُدْغَمُ التّاءُ في الظّاءِ لِمُقارَبَتِها لَها، فَيَصِيرُ: يَظّاهَرُ ويَظَّهَّرُ، وتُفْتَحُ الياءُ الَّتِي هي حَرْفُ المُضارَعَةِ، لِأنَّها لِلْمُطاوَعَةِ كَما يَفْتَحُها في يَتَدَحْرَجُ الَّذِي هو مُطاوِعُ دَحْرَجْتُهُ فَتَدَحْرَجَ، وإنَّما فُتِحَ الياءُ في يَظّاهَرُ ويَظَّهَّرُ؛ لِأنَّهُ المُطاوِعُ، كَما أنَّ يَتَدَحْرَجُ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ عَلى وزْنِهِما، وإنْ لَمْ يَكُونا لِلْإلْحاقِ، وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ ﴿يُظاهِرُونَ﴾ فَهو مُشْتَقٌّ مِن ظاهَرَ يُظاهِرُ، إذا أتى بِمِثْلِ هَذا التَّصَرُّفِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَفْظَةُ: ”مِنكم“ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْعَرَبِ وتَهْجِينٌ لِعادَتِهِمْ في الظِّهارِ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن أيْمانِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ: ”أُمَّهاتُهم“ بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى لَفْظِ الخَفْضِ. وجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وهو أقْيَسُ الوَجْهَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ النَّفْيَ كالِاسْتِفْهامِ فَكَما لا يُغَيِّرُ الِاسْتِفْهامُ الكَلامَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، فَكَذا يَنْبَغِي أنْ لا يُغَيِّرَ النَّفْيُ الكَلامَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والأخْذُ في التَّنْزِيلِ بِلُغَتِهِمْ أوْلى، وعَلَيْها جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] ووَجْهُهُ مِنَ القِياسِ أنَّ ”ما“ تُشْبِهُ ”لَيْسَ“ في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ”ما“ تَدْخُلُ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، كَما أنَّ ”لَيْسَ“ تَدْخُلُ عَلَيْهِما.
والثّانِي: أنَّ (ما) تَنْفِي ما في الحالِ، كَما أنَّ ”لَيْسَ“ تَنْفِي ما في الحالِ، وإذا حَصَلَتِ المُشابَهَةُ مِن وجْهَيْنِ وجَبَ حُصُولُ المُساواةِ في سائِرِ الأحْكامِ، إلّا ما خُصَّ بِالدَّلِيلِ قِياسًا عَلى بابِ ما لا يَنْصَرِفُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ: وهو أنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهو شَبَّهَ الزَّوْجَةَ
صفحة ٢٢٢
بِالأُمِّ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّها أُمٌّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقالَ عَلى سَبِيلِ الإبْطالِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ وكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقالَ: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ .
والجَوابُ: أمّا الكَذِبُ إنَّما لَزِمَ لِأنَّ قَوْلَهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، إمّا أنْ يَجْعَلَهُ إخْبارًا أوْ إنْشاءً، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ أنَّهُ كَذِبٌ؛ لِأنَّ الزَّوْجَةَ مُحَلَّلَةٌ والأُمُّ مُحَرَّمَةٌ، وتَشْبِيهُ المُحَلَّلَةِ بِالمُحَرَّمَةِ في وصْفِ الحِلِّ والحُرْمَةِ كَذِبٌ، وإنْ جَعَلْناهُ إنْشاءً كانَ ذَلِكَ أيْضًا كَذِبًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ إنْشاءً مَعْناهُ أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ سَبَبًا في حُصُولِ الحُرْمَةِ، فَلَمّا لَمْ يُرِدِ الشَّرْعُ بِهَذا التَّشْبِيهَ، كانَ جَعْلُهُ إنْشاءً في وُقُوعِ هَذا الحُكْمِ يَكُونُ كَذِبًا وزُورًا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى إنَّما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ: ﴿مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ لِأنَّ الأُمَّ مُحَرَّمَةٌ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، والزَّوْجَةُ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِهَذا القَوْلِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ المُشابَهَةِ بَيْنَهُما مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَلا يَلْزَمُ مِن تَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِالأُمِّ في الحُرْمَةِ تَشْبِيهُها بِها في كَوْنِ الحُرْمَةِ مُؤَبَّدَةً؛ لِأنَّ مُسَمّى الحُرْمَةِ أعَمُّ مِنَ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ والمُؤَقَّتَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences