Ar-RaziAl‑Jumu'ah · 62:1–8

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

الجمعة

Al-Jumu'ah

The Congregation, Friday · Medinan · 11 ayahs

62:1Page 553

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh,1 the Sovereign, the Pure, the Exalted in Might, the Wise.2

صفحة ٣

(سُورَةُ الجُمُعَةِ)

وهِيَ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً.

﷽

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾

﷽

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾

وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ: (سَبَّحَ لِلَّهِ) بِلَفْظِ الماضِي وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ في المُسْتَقْبَلِ، فَقالَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِيَدُلَّ عَلى التَّسْبِيحِ في زَمانَيِ الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، وأمّا تَعَلُّقُ الأوَّلِ بِالآخِرِ، فَلِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ أنَّهُ كانَ يُؤَيِّدُ أهْلَ الإيمانِ حَتّى صارُوا عالِينَ عَلى الكُفّارِ، وذَلِكَ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ لا لِلْحاجَةٍ إلَيْهِ إذْ هو غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ومُنَزَّهٌ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ الجَهَلَةِ في الآفاقِ، وفي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُقَدَّسًا ومُنَزَّهًا عَمّا لا يَلِيقُ بِحَضْرَتِهِ العالِيَةِ بِالِاتِّفاقِ، ثُمَّ إذا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِأجْمَعِهِمْ في تَسْبِيحِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ المُلْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ﴾ ولا مُلْكَ أعْظَمُ مِن هَذا، وهو أنَّهُ خالِقُهم ومالِكُهم وكُلُّهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ، يُسَبِّحُونَ لَهُ آناءَ اللَّيْلِ وأطْرافَ النَّهارِ بَلْ في سائِرِ الأزْمانِ، كَما مَرَّ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ، ولَمّا كانَ المُلْكُ كُلُّهُ لَهُ فَهو المَلِكُ عَلى الإطْلاقِ، ولَمّا كانَ الكُلُّ بِخَلْقِهِ فَهو المالِكُ، والمالِكُ والمَلِكُ أشْرَفُ مِنَ المَمْلُوكِ، فَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِصِفاتٍ يَحْصُلُ مِنها الشَّرَفُ، فَلا مَجالَ لِما يُنافِيهِ مِنَ الصِّفاتِ فَيَكُونُ قُدُّوسًا، فَلَفْظُ ”المَلِكِ“ إشارَةٌ إلى إثْباتِ ما يَكُونُ مِنَ الصِّفاتِ العالِيَةِ، ولَفْظُ ﴿القُدُّوسِ﴾ هو إشارَةٌ إلى نَفْيِ ما لا يَكُونُ مِنها، وعَنِ الغَزالِيِّ ”القُدُّوسُ“ المُنَزَّهُ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ أوْلِيائِهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ وكَذَلِكَ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ثُمَّ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ، أيْ هو المَلِكُ القُدُّوسُ، ولَوْ قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ لَكانَ وجْهًا، كَقَوْلِ العَرَبِ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، كَذا ذَكَرَهُ في الكَشّافِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يُسَبِّحُ اللَّهَ، فَما الفائِدَةُ ؟ نَقُولُ: هَذا مِن جُمْلَةِ ما يَجْرِي فِيهِ

صفحة ٤

اللَّفْظانِ: كَشَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ، ونَصَحَهُ ونَصَحَ لَهُ.

الثّانِي: ﴿القُدُّوسِ﴾ مِنَ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُبارَكُ.

الثّالِثُ: لَفْظُ ”الحَكِيمِ“ يُطْلَقُ عَلى الغَيْرِ أيْضًا، كَما قِيلَ في لُقْمانَ: إنَّهُ حَكِيمٌ، نَقُولُ: الحَكِيمُ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ هو الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ [ في ] مَواضِعِها، واللَّهُ تَعالى حَكِيمٌ بِهَذا المَعْنى.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَما فَرَغَ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ شَرَعَ في النُّبُوَّةِ فَقالَ:

62:2Page 553

هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢

It is He who has sent among the unlettered [Arabs] a Messenger from themselves reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the sunnah] - although they were before in clear error -

﴿هو الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

الأُمِّيُّ مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَرَبِ، لِما أنَّهم أُمَّةٌ أُمِّيُّونَ لا كِتابَ لَهم، ولا يَقْرَءُونَ كِتابًا ولا يَكْتُبُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ ولا نَبِيٌّ بُعِثَ فِيهِمْ، وقِيلَ: الأُمِّيُّونَ الَّذِينَ هم عَلى ما خُلِقُوا عَلَيْهِ وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ، وقُرِئَ الأُمِّينَ بِحَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ نَسَبُهُ مِن نَسَبِهِمْ، وهو مِن جِنْسِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] قالَ أهْلُ المَعانِي: وكانَ هو ﷺ أيْضًا أُمِّيًّا مِثْلَ الأُمَّةِ الَّتِي بُعِثَ فِيهِمْ، وكانَتِ البِشارَةُ بِهِ في الكُتُبِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِأنَّهُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، وكَوْنُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أبْعَدَ مِن تَوَهُّمِ الِاسْتِعانَةِ عَلى ما أتى بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ بِالكِتابَةِ، فَكانَتْ حالُهُ مُشاكَلَةً لِحالِ الأُمَّةِ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ، وذَلِكَ أقْرَبُ إلى صِدْقِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ أيْ بَيِّناتِهِ الَّتِي تُبَيِّنُ رِسالَتَهُ وتُظْهِرُ نُبُوَّتَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الآياتُ هي الآياتِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنها الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ، والَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِن خَبَثِ الشِّرْكِ، وخَبَثِ ما عَداهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وعِنْدَ البَعْضِ (يُزَكِّيهِمْ) أيْ يُصْلِحُهم، يَعْنِي يَدْعُوهم إلى اتِّباعِ ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ أتْقِياءَ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ والكِتابُ: ما يُتْلى مِنَ الآياتِ، والحِكْمَةُ: هي الفَرائِضُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ السُّنَّةُ، لِأنَّهُ كانَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُعَلِّمُهم سُنَنَهُ، وقِيلَ: الكِتابُ الآياتُ نَصًّا، والحِكْمَةُ ما أُودِعَ فِيها مِنَ المَعانِي، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الكِتابُ آياتُ القُرْآنِ والحِكْمَةُ وجْهُ التَّمَسُّكِ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ظاهِرٌ لِأنَّهم كانُوا عَبَدَةَ الأصْنامِ وكانُوا في ضَلالٍ مُبِينٍ وهو الشِّرْكُ، فَدَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلى التَّوْحِيدِ والإعْراضِ عَمّا كانُوا فِيهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَباحِثُ:

أحَدُها: احْتِجاجُ أهْلِ الكِتابِ بِها. قالُوا قَوْلُهُ: ﴿بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى الأُمِّيِّينَ وهُمُ العَرَبُ خاصَّةً، غَيْرَ أنَّهُ ضَعِيفٌ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ نَفْيُ ما عَداهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَخُطُّهُ بِشِمالِهِ، ولِأنَّهُ

صفحة ٥

لَوْ كانَ رَسُولًا إلى العَرَبِ خاصَّةً كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] لا يُناسِبُ ذَلِكَ، ولا مَجالَ لِهَذا لِما اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ، وهو صِدْقُ الرِّسالَةِ المَخْصُوصَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافَّةً لِلنّاسِ﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى الكُلِّ.

62:3–5Page 553

وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

And [to] others of them who have not yet joined them. And He is the Exalted in Might, the Wise.

ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤

That is the bounty of Allāh, which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥

The example of those who were entrusted with the Torah and then did not take it on1 is like that of a donkey who carries volumes [of books].2 Wretched is the example of the people who deny the signs of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

﴿وآخَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأُمِّيِّينَ. يَعْنِي بَعَثَ في آخَرِينَ مِنهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الأعاجِمُ يَعْنُونَ بِهِمْ غَيْرَ العَرَبِ أيَّ طائِفَةٍ كانَتْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي التّابِعِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِأوائِلِهِمْ، وفي الجُمْلَةِ مَعْنى جَمِيعِ الأقْوالِ فِيهِ كُلُّ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فالمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ العَرَبُ. وبِالآخَرِينَ سِواهم مِنَ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ﴾ مَجْرُورٌ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى المَجْرُورِ يَعْنِي الأُمِّيِّينَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ في ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهم ويُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهم، أيْ مِنَ الأُمِّيِّينَ، وجَعَلَهم مِنهم، لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهم، فالمُسْلِمُونَ كُلُّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ أجْناسُهم، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٧١] وأمّا مَن لَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَدْخُلْ في دِينِهِ فَإنَّهم كانُوا بِمَعْزِلٍ عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ وإنْ كانَ النَّبِيُّ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ بِالدَّعْوَةِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ وغَيْرُ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ مَن يُعَلِّمُهُ الكُتّابَ والحِكْمَةَ (وهو العَزِيزُ) مِن حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البَشَرِ أثَرَ الذُّلِّ لَهُ والفَقْرِ إلَيْهِ، والحَكِيمُ حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ ما يَشْهَدُ بِوَحْدانِيَّتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ ألْحَقَ العَجَمَ وأبْناءَهم بِقُرَيْشٍ، يَعْنِي إذا آمَنُوا أُلْحِقُوا في دَرَجَةِ الفَضْلِ بِمَن شاهَدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشارَكُوهم في ذَلِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: ”ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ“ يَعْنِي الإسْلامَ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: يَعْنِي: النُّبُوَّةُ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فاخْتَصَّ بِها مُحَمَّدًا ﷺ . واللَّهُ ذُو المَنِّ العَظِيمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ في الدُّنْيا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ كَما مَرَّ، وفي الآخِرَةِ بِتَفْخِيمِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَثَلًا فَقالَ:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ، وبَيَّنَ في النُّبُوَّةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الأُمِّيِّينَ واليَهُودِ لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وهي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، ولَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ بِمَفْهُومِ الآيَةِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ لِلَّذِينِ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم لَمّا

صفحة ٦

لَمْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ شُبِّهُوا بِالحِمارِ، لِأنَّهم لَوْ عَمِلُوا بِمُقْتَضاها لانْتَفَعُوا بِها، ولَمْ يُورِدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وذَلِكَ لَأنَّ فِيها نَعْتَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والبِشارَةَ بِمَقْدَمِهِ، والدُّخُولَ في دِينِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ حُمِّلُوا العَمَلَ بِما فِيها، وكُلِّفُوا القِيامَ بِها، وحُمِّلُوا (وقُرِئَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لَيْسَ هو مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ، وإنَّما هو مِنَ الحَمالَةِ بِمَعْنى الكَفالَةِ والضَّمانِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَفِيلِ: الحَمِيلُ، والمَعْنى: ضُمِّنُوا أحْكامَ التَّوْراةِ ثُمَّ لَمْ يَضْمَنُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيها. قالَ الأصْمَعِيُّ: الحَمِيلُ، الكَفِيلُ، وقالَ الكِسائِيُّ: حَمَلْتُ لَهُ حَمالَةً، أيْ كَفَلْتُ بِهِ، والأسْفارُ جَمْعُ سِفْرٍ وهو الكِتابُ الكَبِيرُ، لِأنَّهُ يُسْفِرُ عَنِ المَعْنى إذا قُرِئَ، ونَظِيرُهُ شِبْرٌ وأشْبارٌ، شَبَّهَ اليَهُودَ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ، وهي دالَّةٌ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالحِمارِ الَّذِي يَحْمِلُ الكُتُبَ العِلْمِيَّةَ ولا يَدْرِي ما فِيها.

وقالَ أهْلُ المَعانِي: هَذا المَثَلُ مَثَلُ مَن يَفْهَمُ مَعانِيَ القُرْآنِ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وأعْرَضَ عَنْهُ إعْراضَ مَن لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولِهَذا قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يا أهْلَ القُرْآنِ اتَّبِعُوا القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَتْبَعَكم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَحْمِلُوها﴾ أيْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ولَمْ يَحْمِلُوها حَقَّ حَمْلِها عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَشَبَّهَهم والتَّوْراةُ في أيْدِيهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ بِها بِحِمارٍ يَحْمِلُ كُتُبًا، ولَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا ثِقَلُ الحِمْلِ مِن غَيْرِ انْتِفاعٍ مِمّا يَحْمِلُهُ، كَذَلِكَ اليَهُودُ لَيْسَ لَهم مِن كِتابِهِمْ إلّا وبالُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّ المَثَلَ، والمُرادُ مِنهُ ذَمُّهم فَقالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِئْسَ القَوْمُ مَثَلًا الَّذِينَ كَذَّبُوا، كَما قالَ: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ومَوْضِعُ الَّذِينَ رَفْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَرًّا، وبِالجُمْلَةِ لَمّا بَلَغَ كَذِبُهم مَبْلَغًا وهو أنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ تَعالى كانَ في غايَةِ الشَّرِّ والفَسادِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والمُرادُ بِالآياتِ هَهُنا الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ: الآياتُ التَّوْراةُ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِها حِينَ تَرَكُوا الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا أشْبَهُ هُنا ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وهَهُنا مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في تَعْيِينِ الحِمارِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ ؟

نَقُولُ: لِوُجُوهٍ:

مِنها أنَّهُ تَعالى خَلَقَ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] والزِّينَةُ في الخَيْلِ أكْثَرُ وأظْهَرُ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّكُوبِ، وحَمْلِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، وفي البِغالِ دُونَ الخَيْلِ، وفي الحِمارِ دُونَ البِغالِ، فالبِغالُ كالمُتَوَسِّطِ في المَعانِي الثَّلاثَةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الحِمارُ في مَعْنى الحَمْلِ أظْهَرَ وأغْلَبَ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْلِ والبِغالِ، وغَيْرِهِما مِنَ الحَيَواناتِ.

ومِنها: أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ لِإظْهارِ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وذَلِكَ في الحِمارِ أظْهَرُ.

ومِنها: أنَّ في الحِمارِ مِنَ الذُّلِّ والحَقارَةِ ما لا يَكُونُ في الغَيْرِ، والغَرَضُ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَعْيِيرُ القَوْمِ بِذَلِكَ وتَحْقِيرُهم، فَيَكُونُ تَعْيِينُ الحِمارِ ألْيَقَ وأوْلى، ومِنها أنَّ حَمْلَ الأسْفارِ عَلى الحِمارِ أتَمُّ وأعَمُّ وأسْهَلُ وأسْلَمُ، لِكَوْنِهِ ذَلُولًا، سَلِسَ القِيادِ، لَيِّنَ الِانْقِيادِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ الصَّبِيُّ الغَبِيُّ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يُوجِبُ حُسْنَ الذِّكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ.

ومِنها: أنَّ رِعايَةَ الألْفاظِ والمُناسَبَةِ بَيْنَها مِنَ اللَّوازِمِ في الكَلامِ، وبَيْنَ لَفْظَيِ الأسْفارِ والحِمارِ لَفْظِيَّةٌ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ مِنَ الحَيَواناتِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ أوْلى.

الثّانِي: (يَحْمِلُ) ما مَحَلُّهُ ؟ نَقُولُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الجَرُّ عَلى الوَصْفِ كَما قالَ في الكَشّافِ إذِ الحِمارُ كاللَّئِيمِ في قَوْلِهِ:

صفحة ٧

ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَرَرْتُ ثَمَّةَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي

الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ كَيْفَ وُصِفَ المَثَلُ بِهَذا الوَصْفِ ؟ نَقُولُ: الوَصْفُ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلْمَثَلِ فَهو راجِعٌ إلى القَوْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بِئْسَ القَوْمُ قَوْمًا مَثَلُهم هَكَذا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا الخِطابِ لَهم وهو:

62:6–7Page 553

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦

Say, "O you who are Jews, if you claim that you are allies of Allāh, excluding the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."

وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧

But they will not wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما مَرَّ بَيانُهُ، وقُرِئَ: ”فَتَمَنَّوُا المَوِتِ“ بِكَسْرِ الواوِ، و”هادُوا“ أيْ تَهَوَّدُوا، وكانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُكم حَقًّا وأنْتُمْ عَلى ثِقَةٍ فَتَمَنَّوْا عَلى اللَّهِ أنْ يُمِيتَكم ويَنْقُلَكم سَرِيعًا إلى دارِ كَرامَتِهِ الَّتِي أعَدَّها لِأوْلِيائِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ

فَهم يَطْلُبُونَ المَوْتَ لا مَحالَةَ إذا كانَتِ الحالَةُ هَذِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمُوا مِنَ الكُفْرِ وتَحْرِيفِ الآياتِ، وذُكِرَ مَرَّةً بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ومَرَّةً بِدُونِ لَفْظِ التَّأْكِيدِ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ بِظُلْمِهِمْ مِن تَحْرِيفِ الآياتِ وعِنادِهِمْ لَها، ومُكابَرَتِهِمْ إيّاها.

62:8Page 553

قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

Say, "Indeed, the death from which you flee - indeed, it will meet you. Then you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you about what you used to do."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

يَعْنِي أنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم مِن تَحْرِيفِ الآياتِ وغَيْرِهِ مُلاقِيكم لا مَحالَةَ، ولا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ ثُمَّ تَرُدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ يَعْنِي ما أشْهَدْتُمُ الخَلْقَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وعالِمٌ بِما غَيَّبْتُمْ عَنِ الخَلْقِ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما أسْرَرْتُمْ في أنْفُسِكم مِن تَكْذِيبِكم رِسالَتَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إمّا عِيانًا مَقْرُونًا بِلِقائِكم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ بِالجَزاءِ إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ. وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ هو التَّنْبِيهُ عَلى السَّعْيِ فِيما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هو الوَعِيدُ البَلِيغُ والتَّهْدِيدُ الشَّدِيدُ. ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أدْخَلَ الفاءَ لِما أنَّهُ في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”مُلاقِيكم“ مِن غَيْرِ (فَإنَّهُ) .

صفحة ٨

الثّانِي: أنْ يُقالَ: المَوْتُ مُلاقِيهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، فَرُّوا أوْ لَمْ يَفِرُّوا، فَما مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ ؟ قِيلَ: إنَّ هَذا عَلى جِهَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إذْ ظَنُّوا أنَّ الفِرارَ يُنْجِيهِمْ، وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى، وأفْصَحَ عَنْهُ بِالشَّرْطِ الحَقِيقِيِّ في قَوْلِهِ:

ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا تَنالُهُ ولَوْ نالَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском